فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم

نسخ العفو والسلم عند السلف ظرفيٌّ مشروطٌ بالقدرة، والعفو هنا هو الكفّ عن قتال المعتدي، والسلم هنا هو موادعة المحارب والمخوف عدوانه بدون جزيةٍ.
كيف يُنسخ العفو والصفح والسلم وهي قيم فطرية؟
سؤال استنكاري يطعن به الطاعنون في الإسلام.
وهو تحريف لقول السلف بنسخ آيات السلم والموادعة والعفو والصفح والكفّ عن القتال بآيات السيف والبراءة.
فالسلف كانوا يستعملون لفظ ‘النسخ’ أحياناً بمعناه اللغوي، فمرادهم به هنا رفع الحكم رفعاً ظرفيّاً، مشروطاً بالقدرة، لا رفعاً كليّاً له، وهو متعلّقٌ بالمحاربة أو بخوف العدوان، لا بمجرّد الكفر.
فالمحاربة جزء علّة جهاد الدفع، وخوف العدوان جزء علّة جهاد الطلب، والجزء الثاني من العلّة المركّبة لكليهما هو الكفر، انظر؛ موجب جهاد الطلب.
ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات ظاهرة، سواء كانت قبل قوة المسلمين أو بعدها، انظر؛ موجب جهاد الطلب.
فكلمة ‘النسخ‘ عند السلف قد ترد بمعنًى أوسع من رفع الحكم بجملته، فقد يطلقونها على رفع دلالةٍ معيّنةٍ للحكم، ومن ذلك الرفع المعلّق بالحال.
قال ابن القيّم رحمه الله: (ومراد عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارةً، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارةً، إمّا: بتخصيصٍ، أو تقييدٍ، أو حمل مطلقٍ على مقيّدٍ، وتفسيره وتبيينه) [١].
فنسخ آيات العفو والصفح عند السلف هو رفعٌ ظرفيٌّ لحكم الكفّ عن قتال المحاربين، وهو ما كان مأموراً به قبل الإذن بقتالهم.
ونسخ آيات السلم بآيات السيف عندهم هو رفعٌ ظرفيٌّ لجواز موادعة المحاربين والمخوف عدوانهم بلا جزيةٍ.
فقد شرعت الموادعة بدون جزية بعد الأمر بقتال المعتدي، ثم نسخ هذا الحكم [نسخاً مشروطاً بالقدرة] بعد قوّة المسلمين وقدرتهم على ردع المحاربين ومن يعدّ لحرب المسلمين.
فكان حكم القتال في البداية المنع، ثمّ الإذن بالدفع، ثمّ وجوبه مع جواز السلم بدون جزية، ثمّ النهي عن السلم بدون جزية في شأن المحاربين والمعدّين للقتال عدّته، وكل هذه المراحل مشروطة بالقدرة.
وقد بيّن العلماء أنّ تغيير أحكام الجهاد المرحلي الذي أسماه السلف نسخاً كان بسبب ارتفاع المانع، وهو عدم القدرة حال ضعف المسلمين.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعفٌ، أو في وقت هو فيه مستضعفٌ، فليعمل بآية الصبر والصفح عمَّن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأمّا أهل القوّة فإنّما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [٢].
من أسباب عدم ذكر قيد المحاربين أو المخوف عدوانهم في كثيرٍ من أقوال السلف في الحرب والسلم محاربة عامّة مشركي العرب ومن حولهم من نصارى ومجوسٍ المسلمين.
ومن الأسباب أيضاً أنّ عهود السلم النصيّة كانت مع المحاربين فقط، فلم تكن توجد منظّمات إقليميّة ودوليّة كالأمم المتّحدة.
وقد بُني جواز صلة غير المحاربين على أنّ الأصل البراءة من الاعتداء، هذا مع أنّ الأصل في الكفَّار عداوة الإسلام والمسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء - ١۰١].
ومع ذلك يعامل الكفّار بما ظهر من عداوةٍ لا ما بطن منها، فعسى أن تنقلب عداوتهم مودّةً بإسلامهم.
قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ الممتحنة [٦۰: ٧-٩].
والله تعالى أعلم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق