موجب جهاد الطلب (علته المركبة مع شرطه) هو الكفر وخوف العدوان والقدرة، ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات سابقة لقوة المسلمين أو لاحقة.
جهاد الطلب هو جهاد ابتداء يخير فيه العدو بين الإسلام والجزية والقتال.
وموجب جهاد الطلب (علته المركبة مع شرطه) ليس مجرد الكفر، وإنما هو الكفر وخوف العدوان والقدرة.
فعلته المركبة هي الكفر وخوف العدوان، وشرطه هو القدرة.
ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات ظاهرة، وقد تكون سابقة لقوة المسلمين وصلتهم بنحو تكرار الغدر ومعاونة المحاربين.
والعلة هي مناط الحكم، وأما الشرط فيتوقف عليه ترتب الحكم.
وقد يلتبس جزء العلة المركبة بالشرط، ويظهر الفرق بينهما في أن جزء العلة المركبة متمّم لمناسبة الحكم، بينما تتمّ المناسبة بدون الشرط.
والكفر وخوف العدوان متمّمان لمناسبة درء الفتنة وصد العدوان، وذلك لأن الأصل في الكفار عداوة الإسلام، لقول الله تعالى: ﴿إنّ الكافرين كانوا لكم عدوّاً مبيناً﴾.
والقدرة تقتضي وجود إمام وراية ومنعة وقوة، وذلك لتحقيق رجحان المصالح على المفاسد.
مما يدل على أن خوف العدوان هو جزء علة جهاد الطلب آية النبذ وآيات براءة وآية جواز صلة غير المحارب.
أما آية النبذ إلى من خيفت خيانتهم، فقد شملت المعاهد ومن في حكمه بالصلة، والخيانة عدوان.
وأما آيات براءة التي نبذت العهود والسلم بدون جزية إلى المشركين، ففيها تأكيد ما في آية النبذ.
وأما آية جواز صلة غير المحارب (البر والقسط إليه)، فقد شملت من ليس لهم عهد أو ما يقوم مقامه.
والنبذ إلى من خيفت خيانتهم يعرف اليوم بقطع الصلات الدبلوماسية.
وهو شرط لمباغتة من لم يغدر.
ولا يشترط نبذ السلم والعهد إلى من خان، وقد خرج النبي ﷺ سراً إلى مكة بعد سنتين من صلح الحديبية الذي كان أمده عشر سنوات، وذلك بسبب خيانة قريش.
فالخيانة تنقض العهد بذاتها بخلاف خوف الخيانة.
قال الله تعالى: ﴿وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواءٍ إنّ الله لا يحبّ الخائنين﴾.
الآية نص في أن خوف خيانة قوم شرط للنبذ إليهم، ودل حذف المنبوذ على شموله العهد والسلم.
فالنبذ إيذان بالحرب، فتعليقه على خوف الخيانة يدل على أن خوف العدوان جزء علة جهاد الطلب في حق المعاهد ومن في حكمه.
وشرع النبذ للبراءة من الغدر والخيانة.
ولذا فإن خوف الخيانة لا يصح إلا بوجود أماراتها، نص عليه الإمامان الشافعي والطبري.
قال الطبري رحمه الله: (وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر) [١].
وقال أيضاً: (فإن قال قائل: وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة، و"الخوف" ظن لا يقين؟ قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه: إذا ظهرت أمار الخيانة من عدوك، وخفت وقوعهم بك، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب. وذلك كالذي كان من بني قريظة) [٢].
ومن مناسبة الآيات أن في آية سابقة لآية النبذ إشارة إلى أن تكرار الغدر فيما مضى أمارة خوف خيانة، وهي قول الله تعالى: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرّةٍ وهم لا يتقون﴾.
وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً، وقد ذكر الله تعالى خوف العدوان في آيات براءة بقوله تعالى: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون﴾.
وذكر فيها أمارة خوف العدوان السابقة لقوة المسلمين بقوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾.
وهذه الأسئلة الاستقرارية تخاطب ما استقر في النفوس بالشرع والفطرة والعقل من قبح صنيع المعتدين.
وأما قول ابن القيم رحمه الله بأن آية النبذ خاصة بأصحاب العهود المؤقتة فبعيد للعموم في الآية.
وقول المفسرين بأنها نزلت في بني قريظة وبني النضير يدل على شمولها أصحاب العهود المطلقة، لأن عهودهم مع النبي ﷺ كانت مطلقة [غير مؤقتة].
وممن قال بشمولها أصحاب العهود المطلقة الإمام الطبري بقوله: (فكذلك حكم كل قوم أهل موادعة للمؤمنين ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله ﷺ وأصحابه من قريظة منها) [٣].
وتشمل الآية من في حكم المعاهد بالصلة، لأن "قوم" نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم المخصص بالسياق، ولأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، ولدخول من ليس لهم عهد في آيات براءة التي نبذت العهود والسلم بدون جزية إلى المشركين.
قال الإمام الطبري: (انسلاخ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين مع رسول الله ﷺ، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه) [٤].
وفي قول الإمام الطبري (أجل غير محدود) إشارة إلى جواز العهد المطلق.
ما سبق مختص بالمعاهد ومن في حكمه بدلالة آية النبذ وآيات براءة.
وأما من ليس لهم عهد ولا ما يقوم مقامه من غير المحاربين، فإن جواز صلتهم والحث على تأليف قلوبهم رجاء إسلامهم لمما يدل على أن خوف العدوان جزء علة ابتداء جهادهم.
قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (۸) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون﴾.
وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما والمفسرون أن البر هنا هو الصلة [٥].
ويؤكد موجب تشريع الجهاد النصوص التي تحرّض المؤمنين على الجهاد معاملةً بالمثل.
من تلك النصوص؛ ﴿أذن للذين يقاتلون بِأنهم ظلموا﴾، ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾، ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾، ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾، ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾.
وسمى الله تعالى إيقاد نار الحرب إفساداً في الأرض في قوله: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين﴾.
نسبة القول بأن موجب القتال مجرد الكفر للإمام الشافعي هي بلازم بعيد، ولازم المذهب ليس بمذهب ما لم يلتزمه صاحبه.
فقوله باشتراط المدّة أو خيار النبذ مبنيٌّ على عدم وقوع عهد نصيٍّ إلا مع محاربٍ في عصره، وفي زماننا عهود نصيّةٌ لكلّ الأمم عبر الأمم المتّحدة.
فكلامه واضح في أنه في مهادنة محارب نزلت بسببه بالمسلمين نازلة.
فقد قال: (فأحب للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة - وأرجو أن لا ينزلها الله عز وجل بهم إن شاء الله تعالى - مهادنة يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدّة مدة أهل الحديبية، كانت النازلة ما كانت، فإن كانت بالمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة، فإن لم يقو الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها أو دونها) [٦].
وسبق نقل كلام الإمام الطبري في العهد المطلق.
ومما قال ابن القيم رحمه الله في جوازه: (وعامة عهود النبي ﷺ مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة) [٧].
ويرى الإمام الشافعي أن العهد المطلق [مع المحارب] لا يجوز بدون خيار النبذ معللاً ذلك بأنه أبدي [لازم] بقوله: (وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة هدنة مطلقة، فإن الهدنة المطلقة على الأبد وهي لا تجوز لما وصفت، ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه حتى إن شاء أن ينبذ إليهم) [٨].
والصحيح في العهد المطلق أنه جائز مع المحارب لازم مع المسالم ما لم تستجد أمارة خوف عدوان.
وذلك لأن أمارة خوف خيانة المحارب سابقة للعهد الاضطراري معه.
فالعقد اللازم لا يجوز إلغاؤه إلا بسبب.
ولا فرق بين العهد المطلق والمؤقت غير لزوم مدة المؤقت مع المحارب ما لم تستجد أمارة خيانة.
وقد حُمل على غير مراد الإمام الشافعي كذلك قوله بعدم قبول الجزية من غير أهل الكتاب والمجوس، فكلامه يحمل على من خيفت عداوتهم منهم.
فلا يلزم من أقواله هذه نفي لزوم السلم مع غير المحارب.
ومما يؤكد ذلك كلامه التالي؛
قوله: (فإن اختلف حال العدو، فكان بعضهم أنكى من بعض أو أخوف من بعض، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف أو الأنكى) [٩].
وتقييد المشركين بالمحاربين في قوله: (ومن كان من أهل الكتاب من المشركين المحاربين قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [١٠].
وقوله: (فإن قال الإمام: أخاف خيانة قومٍ، ولا دلالة له على خيانتهم من خبرٍ ولا عيانٍ، فليس له - والله تعالى أعلم - نقض مدتهم إذا كانت صحيحة؛ لأن معقولاً أن الخوف من خيانتهم الذي يجوز به النبذ إليهم لا يكون إلا بدلالة على الخوف) [١١].
وقد نص الإمام الطبري كذلك على أن خوف الخيانة لا يصح إلا بأمارات ظاهرة، وسبق نقل كلامه.
وأمارات خوف عدوان الكفار غالبة الحدوث، لأن الأصل فيهم العداوة.
ونحن نرى اليوم أسباب خوف العدوان السابقة لقوة المسلمين من محاربةٍ ومظاهرةٍ عليها وحصارٍ وتضييقٍ ونحوها.
ولذا فإن أثر التعليل بخوف العدوان يكاد ينحصر في البراءة من الغدر وعدم تنفير من يرجى إسلامه.
ويظهر هذا المعنى كذلك بالتأمل في تقديم قتال الأخوف والأنكى مع شرط القدرة.
وقد أمرنا بالدعوة إلى الله تعالى بالحسنى مع استثناء الذين ظلموا.
وفي المسألة ردود على حجج أخرى في ثلاثة مباحث؛
والله تعالى أعلم.
المصادر
١. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٨) - ط هجر
٢. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٩)
٣. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٨)
٤. جامع البيان (ج١١/ص٣١٧)
٥. الولاء الشرعي.
٦. الأم (ج٤/ص٢٠٠) - ط الفكر
٧. أحكام أهل الذمة (ج٢/ص٨٧٧)
٨. الأم (ج٤/ص٢٠٠)
٩. الأم (ج٤/ص١٧٧)
١٠. الأم (ج٤/ص٢٥٢)
١١. الأم (ج٤/ص١٩٦)
٢. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٩)
٣. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٨)
٤. جامع البيان (ج١١/ص٣١٧)
٥. الولاء الشرعي.
٦. الأم (ج٤/ص٢٠٠) - ط الفكر
٧. أحكام أهل الذمة (ج٢/ص٨٧٧)
٨. الأم (ج٤/ص٢٠٠)
٩. الأم (ج٤/ص١٧٧)
١٠. الأم (ج٤/ص٢٥٢)
١١. الأم (ج٤/ص١٩٦)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق