الفرق المعقول بين الإحداث والحلول

الحلول قيام شيءٍ بغيره، والإحداث فعل فاعلٍ بمشيئته، ونوع أفعال الله تعالى لم يسبق وجودها عدمٌ، فهو لم يزل ولا يزال متّصفاً بأنّه فعّالٌ لما يريد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العظيم الجليل، المنزه عن النقص والمثيل، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى صحابته الغير الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قول المتكلّمين عن الحقّ سبحانه وتعالى: «منزّهٌ عن حلول الحوادث» هو كلامٌ موهمٌ لباطلٍ أُريد به باطلٌ، وهو نفي الصفات الفعليّة الاختياريّة، سواءٌ أفعال الله تعالى المتعدّية أو اللّازمة.
ونفي أفعال الله تعالى اللّازمة (غير المتعدّية) أو بعضها هو مذهب الأقرب للحقّ من المتكلّمين.
وإيهام عبارة المتكلّمين؛ «منزّهٌ عن حلول الحوادث» باطلاً هو من جهة أنّ لفظ الحلول لا يكون إلا في شيءٍ يحلّ في آخر مغايرٍ له.
فحلول شيءٍ في الله تعالى يعني حلول مخلوقٍ فيه، والله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن ذلك.
وأما أفعال الله تعالى التي يُحدِثها بمشيئته فهي قائمةٌ به وليست حالّةً فيه، لأنّها أفعاله هو سبحانه وتعالى.
فثمّة فرقٌ بين قيام فعل بفاعله وقيام حالٍّ بمحل، والله سبحانه وتعالى لا يقوم به ما كان من غيره.
فلفظ الحلول لا يصدق على أفعال الله تعالى.
فهي متعلّقة بمشيئته وقدرته وحكمته.
وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنّة وإجماع أهل السنّة، ومنها صفة الخلق.
فالله سبحانه وتعالى هو الخالق الذي لم يزل ولا يزال قادراً على الخلق قبل أن يخلق الخلق، يخلق ما يشاء ويختار.
فصفة الخلق ليست حادثة النوع من جهة اتّصاف الله تعالى بأنّه الخالق، وهي حادثة الآحاد، فهي تتجدّد وتحدث بمشيئته وقدرته.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾.
المفعول في هذه الآية مخلوقٌ، وهو أثر الفعل (الرجعة)، والفعل غير مخلوقٍ، وهو الإحداث (الخلق المتجدّد)، لأنّ فاعله (الذي أحدثه) هو الله سبحانه وتعالى.
قال ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسير الآية: "ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها" [١].
ولا فرق في آحاد أفعال الله تعالى من جهة الحدوث بالمشيئة بين صفة الخلق (المتعدّية) وغيرها من الصفات الفعليّة الاختياريّة التي ينكرها المتكلّمون كصفة الرضا والاستواء والنزول والمجيء وغيرها (اللّازمة) [٢].
وأفعال الله تعالى اللّازمة (غير المتعدّية) كالإرادة لا تستلزم تغيّراً من نقصٍ إلى كمالٍ ولا من كمالٍ إلى نقصٍ.
وفارق التعدّي واللّزوم في الأفعال الاختياريّة لا ينفي صفة الحدوث بالمشيئة في كليهما.
فالفعل اللّازم كالمتعدّي ليس في إحداثه حلولٌ ولا نقصٌ.
فالحلول كما سبق هو قيام شيءٍ مغايرٍ بغيره، والله تعالى منزّهٌ عن حلول خلقه به.
والإحداث هو فعل الفاعل بمشيئته، والله سبحانه وتعالى فعّالٌ لما يريد.
والله سبحانه وتعالى لا يتّصف بما فيه نقصٌ، فليس في أفعاله اللّازمة ولا المتعدّية التي نسبها لنفسه أو نسبها له رسوله ﷺ نقصٌ بأيّ وجهٍ من الوجوه.
وكلّ محدَثٍ من أفعال الله تعالى غير مخلوقٍ، لأنّ حدوثه مسبوقٌ بوجود نوعه باتّصاف الله تعالى بأنّه فعّالٌ لما يريد، ولكونه فعله هو وليس حالّاً به من غيره كما يوهم المتكلّمون.
ففي قول الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء - ٢]؛ الذكر المحدَث غير مخلوقٍ لأنّه كلام الله تعالى.
والمخلوقات كلّها حادثةٌ بائنةٌ عن الله تعالى غير حالّةٍ فيه جلّ ثناؤه.
والمتكلّمون يشبّهون على الناس بعبارةٍ صحيحةٍ هي؛ لكلّ حادثٍ محدِثٌ، وذلك بضمّها إلى دعواهم بأنّ كلّ حادثٍ مخلوقاً.
فلا شكّ أنّ لكلّ حادثٍ محدِثاً، وأنّ كلّ مخلوقٍ حادثاً، ولكن ليس كلّ حادثٍ مخلوقاً.
وذلك لما سبق من أنّ آحاد أفعال الله تعالى الحادثة ليست مخلوقةً.
وهذا لا يتعارض مع القول بأنّ لكلّ حادثٍ محدِثاً، فالله تعالى هو محدِث آحاد أفعاله، كآحاد الخلق، كما في قول الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾.
والله تعالى ليس حادثاً، وصفاته الذاتيّة ليست حادثةً، ونوع صفاته الفعليّة ليس حادثاً.
والفعل الاختياري اللّائق بالله سبحانه وتعالى يدلّ على كمال القدرة والمشيئة.
ولم يزل الله تعالى ولا يزال متّصفاً بصفات الكمال، أحداً صمداً، ليس كمثله شيءٌ، وهو السميع البصير، الفعّال لما يريد، سبحانه وتعالى.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأربعاء ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ، ١١ فبراير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

المراجع

١. تفسير ابن كثير (ج٨/‏ص١٦٧) - ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) - ط العلمية.
٢. النزول اللائق بالله الخالق؛ المدوّنة، الواتسآب، التلغرام.
pdf

رجوع إلى قسم منهج وإصلاح