اسم الأسرة قد يحمل اسم جد بعيد، والنسب بالآباء من عادات العرب التي أقرها الإسلام، وهي عادة كثير من الرومان (الأوربيين) وغيرهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ...
لعلّ من السنن الحسنة للوافدين إلى الغرب ضبط الاسم العربي للأسرة بإضافة لام التعريف (ال) في بداية اسم الجد مع إضافة ياء النسبة في آخره.
فمثلاً؛ المَحْنَوي نسبة إلى محمدنور (Almahnawi).
والكلمة منحوتة، مثلما تنسب العرب إلى عبدالله بكلمة العبدلي.
وضبط اسم الأسرة يحفظ الأنساب، ويعين في توثيق العلاقات الأسرية بالنسب.
ومن فوائده عدم الوقوع في مخالفة شرعية بحذف أسماء بعض الآباء عند الاختصار.
فتصح مثلاً كتابة (عمر المَحنَوي) خلافاً لكتابة (عمر محمدنور) عند حذف عبداللطيف محمد من اسم؛ عمر عبداللطيف محمد محمدنور.
وتظهر هذه الفائدة في أسماء الأحفاد وأولادهم.
فاسم الأسرة لازم في السجلات الرسمية في الدول الغربية، بل أصبح عالمياً مع العولمة.
معنى النحت الجديد في أسماء الأسر لا يعرف إلا بالشرح والانتشار، والشرح أمر معتاد في أسماء الأسر.
فالأسماء أعلام وظيفتها الأساسية التعيين لا الدلالة على المعاني، كاسم عمر الذي يعني طويل العمر.
ونسب الرومان (الأوروبيين) وغيرهم للآباء، وهو عرف العرب الذي أقره الإسلام.
وكثير مما عند الناس من خير هو من بقايا تعاليم الرسل، قاله ابن تيمية رحمه الله.
واسم الأسرة عند كثير من الرومان يحمل اسم الجد.
على سبيل المثال إريكسون تعني ابن إريك، واسفنسون تعني ابن اسفن.
فمعنى سون (son) هنا هو معناها المعروف في كثير من اللغات اللاتينية.
ومن أسماء الأسر الفنلندية ما يماثل الطريقة العربية، مثل هيكّينين، فترجمته هي الهيكّيي، فاللاحقة (-نين) عندهم تماثل ياء النسبة، وكانوا يسمون باسم الأب مثل هيكّيبويكا (ابن هيكّي) وهيكّيتوتر (بنت هيكّي).
واللاحقة (-فيتش) في أسماء الأسر البوسنية تعني ابن، ومن الأمثلة؛ ميلوزوفيتش.
واللواحق (-وف) و (-يف) في أسماء الأسر الروسية تعني ابن، ومن الأمثلة؛ غورباتشيف.
وعند المسلمين في روسيا والشيشان تجد اسم محمودوف مثلاً.
وهذا التوافق في التسمية عند أمم مختلفة يشير إلى أن النسب بالآباء والأعمام من بقايا تعاليم الرسل في الناس.
والنسب بالآباء والأعمام واضحٌ في الإسلام والنصرانية واليهودية [١].
واعتقاد بعض اليهود أنّ النسب بالأمهات مخالف لأصل دينهم.
فلو كان للأمهات أثر في النسب لما صحت نسبتهم إلى سام بن نوح عليه السلام.
وذلك لأن الغالب أن لكل الساميين أخوال حاميون أو يافثيون، لاستبعاد أن يتزوج أبناء سام أخوات ولو لأب.
ولماذا سموا إسرائيليّون (Israelites) إذا كان النسب بالأمهات؟
ولو لم يكن النسب من جهة واحدة (الآباء والأعمام) لما وجدت قبائل وشعوب، لكثرة الاختلاط في الناس.
والشعب نسب خلافاً للأمة والقوم [٢].
ولله حكم بالغة في جعل النسب والولاية في الآباء والأعمام والأولوية لصلة رحم الأمهات.
وفي علم الجينات الحديث تورث بعض الصفات من الآباء فقط، وبعضها من الأمهات فقط، وبعضها من الطرفين.
قال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب - ٥].
قال الشيخ بكر أبوزيد رحمه الله: "الجاري في لسان العرب، وتأيد بلسان الشريعة المشرفة إثبات لفظة (ابن) في جر النسب، لفظاً ورقماً، ولا يعرف في صدر الإسلام، ولا في شيء من دواوين الإسلام، وكتب التراجم وسير الأعلام حذفها البتة" [٣].
لاسم الأسرة استعمال لغوي خاص قد يدل على النسب، والنسب بالآباء والأعمام.
واستعمال آل فلان للنسب صحيح في الجمل، فمعناها حسب موردها.
ولكن المعهود عن العرب أنهم ينسبون إلى الجد بمثل قولهم القحطاني والمسعودي والعبدلي (ابن عبدالله).
فلا حاجة لاستحداث استعمال خاص.
فلمعنى آل الرجل عموم في أصل اللغة يخص بالسياق.
فهو في العموم النسب، والأهل، والعيال، والأتباع، والأنصار.
وأما في مورد آل الرجل في الجملة، فقد تعني نسبه، أو المؤمنين منهم فقط، أو عياله فقط، وهكذا.
وقد يراد بآل الرجل أتباعه فقط، كما في قول الله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر - ٤٦].
وقد أقرّت المجامع اللغويّة المعاصرة كلمات مستحدثة كثيرة، ولكن لأسباب مقتضية.
فمثلاً؛ حاسوب، اسم آلة مثل ناقور وساطور، ومواطن من واطنه بمعنى وطن معه، مثل ساكنه بمعنى سكن معه [٤].
وذكر بقايا تعاليم الرسل ذكّرني أنّ كلمة كو (kuu) باللّغة الفنلديّة تعني القمر، وهي موجودة في لغتهم في نهاية اسم كلمة الشهر وفي آخر اسم كل شهر.
وقد قال ابن تيمية - رحمه الله - بأن حساب الأشهر بالقمر كان معمولاً به عند كل الأمم، فحرفوه لانشغالهم بالزراعة والدنيا.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
الأربعاء ٩ شعبان ١٤٤٧هـ، ٢٨ يناير ٢٠٢٦ش.
لوند، السويد.
مصادر ومراجع
١. الكوشية ومسائل نسَبية وتاريخية.
٢. النسب بالآباء.
٣. معجم المناهي اللفظية (ج١/ص٤٧٩) - بكر أبو زيد (ت ١٤٢٩هـ)
٤. المحاسن في إحداث كلمة مُوَاطِن.
٢. النسب بالآباء.
٣. معجم المناهي اللفظية (ج١/ص٤٧٩) - بكر أبو زيد (ت ١٤٢٩هـ)
٤. المحاسن في إحداث كلمة مُوَاطِن.