لا يُشترط الاستحلال في التكفير بالكفر الصريح، مثل استهزاء الجاد بالدين.
وإنما يشترط اعتقاد الحلّ ونحوه في الذنوب والكفر المحتمل للأكبر والأصغر، وفي مباحث سابقةٍ مزيد بيان.
وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله بطلان اشتراط الاستحلال لتكفير المستهزئ بالدين والسابّ من عدّة أوجه في كتاب الصارم المسلول.
قال الله تعالى: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبّئُهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (٦٤) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (٦٦)﴾ التوبة.
وأما المستهزئ بالدين وهو مازحٌ، فكفره محتملٌ للأكبر والأصغر مع وجوب الحذر منه، لأنّ الكفر المحتمل من أعظم علامات النفاق.
إذ علق الله الكفر على الاستهزاء نفسه، لا على مجرّد الخوض واللعب به، بقوله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
وتدلّ الآيتان (٦٥-٦٦) من سورة التوبة على أنّ ظهور كفر من نزلتا فيه للناس كان بكشف الله تعالى حقيقة ما في قلبه من استهزاءٍ بالله وآياته ورسوله بالوحي.
وذلك بلفظهما مع سبب نزولهما، وبيان رسول الله ﷺ، وسابقتهما، وكلام المنافق الوارد في سبب نزولهما.
أما لفظهما مع سبب نزولهما؛ فبمعرفة أنّ كلام المنافق ليس صريحاً في الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، يُعلم أنّ قول الله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن﴾ إخبارٌ عن حقيقة ما في قلب المنافق من استهزاء بما يحمله القرّاء في صدورهم من آيات الله.
والاستهزاء بآيات الله يتضمّن الاستهزاء بالله ورسوله.
وسبب النزول في رواية للطبري رحمه الله بسنده هو؛ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسناً، ولا أجبنَ عند اللقاء! فقال رجلٌ في المجلس: كذبت، ولكنّك منافقٌ! لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تَنَكَّبُهُ الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنّما كنّا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾)) [١].
وأما البيان النبوي؛ فهو ردّ رسول ﷺ اعتذار المنافق بتلاوة قول الله تعالى: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
وأما سابقتهما؛ ففيها أنّ الله تعالى مخرج ما يحذر المنافقون، وأنّه نزول سورة تنبّئُهم بما في قلوبهم، وأنّه متعلق بالاستهزاء، لتهديدهم بالاستمرار فيه ﴿قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون﴾.
قال الطبري رحمه الله: " يقول تعالى ذكرُه: يخشى المنافقون أن تنـزل فيهم سورةٌ ﴿تنبّئُهم بما في قلوبهم﴾. يقول: تُظهر المؤمنين على ما في قلوبهم" [٢].
وأمّا كلام المنافق الوارد في سبب النزول فلم يكن صريحاً في الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فقد استهزأ بقراء غزوة تبوك.
وقد نصّ من يكفر من استهزأ بالدين لاعباً على أنّ الاستهزاء بالمتديّن ليس كفراً إلا إذا كان بسبب دينه.
ولذا لا يظهر أن من نزلت فيه الآية عومل معاملة الكفار بعد نزولها، وعلى مدعي ذلك إثباته.
والأصل أنّ النبي ﷺ لم يكن يأمر بمعاملة من علم نفاقهم معاملة الكفار، ولم يشهد القصّة كلّ الصحابة رضي الله عنهم.
والراجح في سبب معاملة المنافقين معاملة المسلمين مع صدور كفر منهم هو أنّه كفرٌ محتملٌ للأكبر والأصغر، فالزنديق يقتل ويعامل معاملة الكفار بالإجماع.
والفرق هو أنّ كفر الزنديق صريحٌ وكفر المنافق محتملٌ للأكبر والأصغر، فكلاهما يظهر الإسلام ويبطن الكفر.
وكما قال ابن القيم رحمه الله: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك" [٣].
فلم يظهر لي ما يقتضي التسوية بين المستهزئ الجادّ والهازل، وإن كان ظاهر كلام شيخ الإسلام رحمه الله في الصارم المسلول يفيد ذلك.
والله تعالى إنّما كذّب المنافقين في اعتذارهم بالخوض واللعب، لا في دعوى اللعب ذاته، وذلك لوقوعه منهم، لا لأنّ اللّعب مستلزمٌ انشراح الصدر بالكفر، كما في الفتاوى.
فالعقل والتجربة مع الاهتداء بالوحي يدلّان على أنّ الهازل قد لا ينشرح صدره بما يقول.
وكان تأليف شيخ الإسلام كتاب الصارم المسلول سنة ٦٩٣هـ وعمره ٣٣ سنة، وقد ظهر لي بتتبّع مواضع منه أنّ ظاهر بعض عباراته غير مرادٍ في مسألة اغتيال كعب بن الأشرف، وفي مبحث؛ الاغتيالات وقتل كعب بن الأشرف مزيد بيان.
المصادر
[١] جامع البيان (ج١٤/ص٣٣١) - ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط دار التربية والتراث.
[٢] جامع البيان (ج١٤/ص٣٣٣) - الطبعة السابقة.
[٣] مدارج السالكين (ج٢/ص٢٦٢) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
[٢] جامع البيان (ج١٤/ص٣٣٣) - الطبعة السابقة.
[٣] مدارج السالكين (ج٢/ص٢٦٢) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
حكم من عاون مشركين على المسلمين المحتويات الولاء الشرعي