السنة في قدر الركوع والسجود هي تناسبهما مع القيام، فقدرهما المعتاد نحو ثلاث تسبيحات في الفريضة، ويطولان بطول القيام المسنون فيها، وقد يقاربان القيام في صلاة الليل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
القدر المعتاد للركوع والسجود في الفريضة نحو ثلاث تسبيحات.
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (كان إذا ركع قال: سبحان ربّي العظيم وبحمده ثلاثاً، وإذا سجد قال: سبحان ربّي الأعلى وبحمده ثلاثاً) [١].
يؤكده قول البراء رضي الله عنه: «كان ركوع النبي ﷺ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء» [٢].
ويقارب زمنُ ثلاث تسبيحات زمنَ الذكر بلا تكرار عند الاعتدال من الركوع وبين السجدتين.
ومن باب الاستئناس فإن سنة تقارب قدر مواضع الصلاة، خلا القيام والقعود؛ تناسب فضل القرآن على غيره وفضل قراءته في الصلاة [٣].
- قال الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾.
- وقال رسول الله ﷺ: «من قام رمضان...»، وقال: «لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ... » [٤].
ولابد من التوفيق بين رواية البخاري: «ما خلا القيام والقعود» ورواية مسلم لحديث البراء: «رمقت الصلاة مع محمد ﷺ. فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء» [٥].
ولعل الراجح الجمع بينهما بالقول بأن للقرب هنا معنيان: القرب في قدر ما عدا القيام والقعود، والقرب في تناسب قدرهما مع قدر ما سواهما.
قال ابن القيم رحمه الله: «فإن البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنه في السياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهد. وليس مراده أنهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلا ناقض السياق الثاني؛ وإنما المراد أن طولهما كان مناسباً لطول الركوع والسجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا؛ كما يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنة، يطيل القيام جداً، ويخفف الركوع والسجود، وكثيراً ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ»؛ فإن كثيراً من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جداً، فيثقل على المأمومين، ويخفف الركوع والسجود والاعتدالين، فلا يكمل الصلاة» [٦].
يدل على التناسب في الفرض ما رواه ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل قد نسي» [٧].
رواية ابن حبان: «رأيت أنس بن مالك يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه» [٨] تحمل على أن ثابتاً رأى ذلك في واقعة أو وقائع محدودة.
وأما رواية الصحيحين، فإن لم ترو بالمعنى، فإنها تعني أحياناً متكررة، لدلالة النصوص وما رآه ثابت من محدثات.
ومما قد يُذكر من حِكَم تخفيف الفريضة في المعتاد: دوام الصلة بالله بتكرارها، مع تخفيف ثقل التكرار، لقول النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل» [٩].
ولذلك شُرع في قيام الليل التطويل.
عن حذيفة رضي الله عنه قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلاً. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحواً من قيامه. ثم قال "سمع الله لمن حمده" ثم قام طويلاً، قريباً مما ركع. ثم سجد فقال "سبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريباً من قيامه» [١٠].
وقد ضعف بعض العلماء زيادة قدر العشر تسبيحات الواردة في قول أنس رضي الله عنه: «ما صليت وراء أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات» [١١].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ، ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.
المصادر
١. الألباني: صحيح، صحيح الجامع (٤٧٣٤)، أبو داود (٨٧٠)، والبيهقي (٢٥٩١)، بلفظهما.
٢. صحيح البخاري (٧٩٢).
٣. قدر الورد المُردّد وفضل الحفظ المُسدّد.
٤. صحيح مسلم (٨١٥)، وأخرجه البخاري (٧٥٢٩) باختلاف يسير.
٥. صحيح مسلم (٤٧١).
٦. الصلاة (ج١/ص٢٩٥) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
٧. البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
٨. شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرطهما"، تخريج صحيح ابن حبان (١٨٨٥).
٩. البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨).
١٠. صحيح مسلم (٧٧٢).
١١. شعيب الأرنؤوط: "حسن دون قوله: فحزرنا في ركوعه ... "، تخريج سنن أبي داود (٨٨٨)، أحمد شاكر: "إسناده صحيح، إلا القطعة التي في آخره"، تخريج المسند (ج٨/ص٢٩١)، الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود (٨٨٨).
٢. صحيح البخاري (٧٩٢).
٣. قدر الورد المُردّد وفضل الحفظ المُسدّد.
٤. صحيح مسلم (٨١٥)، وأخرجه البخاري (٧٥٢٩) باختلاف يسير.
٥. صحيح مسلم (٤٧١).
٦. الصلاة (ج١/ص٢٩٥) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
٧. البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
٨. شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرطهما"، تخريج صحيح ابن حبان (١٨٨٥).
٩. البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨).
١٠. صحيح مسلم (٧٧٢).
١١. شعيب الأرنؤوط: "حسن دون قوله: فحزرنا في ركوعه ... "، تخريج سنن أبي داود (٨٨٨)، أحمد شاكر: "إسناده صحيح، إلا القطعة التي في آخره"، تخريج المسند (ج٨/ص٢٩١)، الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود (٨٨٨).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق