‏إظهار الرسائل ذات التسميات الموجز اليسير في الجهاد والتكفير. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات الموجز اليسير في الجهاد والتكفير. إظهار كافة الرسائل

القول الفاصل في المستهزئ الهازل

قال الله تعالى: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبّئُهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون (٦٤) ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون (٦٥) لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين (٦٦)﴾ التوبة.
لايُشترط الاستحلال للتكفير بالكفر الصريح، كاستهزاء الجادّ بالدين.
وإنّما يُشترط اعتقاد الحلّ ونحوه في الذنوب والكفر المحتمل للأكبر والأصغر، وفي مباحث سابقةٍ مزيد بيان.
وقد بيّن ابن تيمية رحمه الله بطلان اشتراط الاستحلال لتكفير المستهزئ بالدين والسابّ من عدّة أوجه في كتاب الصارم المسلول.
وأمّا المستهزئ بالدين وهو مازحٌ، فكفره محتملٌ للأكبر والأصغر مع وجوب الحذر منه، لأنّ الكفر المحتمل من أعظم علامات النفاق.
فالمازح قد يقصد إضحاك الناس ومؤانستهم لا ما تلفّظ به من استهزاء.
وحجج من ذهب ممّن بعد السلف إلى عدم التفريق بين المستهزئ الجادّ والهازل، لا تنهض شرعاً ولا عقلاً.
فقد علّق الله تعالى الكفر على الاستهزاء نفسه، لا على مجرّد الخوض واللّعب به، بقوله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
وتدلّ الآيتان (٦٥-٦٦) من سورة التوبة على أنّ ظهور كفر من نزلتا فيه للناس كان بكشف الوحي حقيقة ما في قلبه من استهزاء بالله وآياته ورسوله.
وذلك بلفظهما مع سبب نزولهما، وبيان رسول الله ﷺ، وسابقتهما، وكلام المنافق الوارد في سبب نزولهما.
أما لفظهما مع سبب نزولهما؛ فلأنّ كلام المنافق ليس صريحاً في الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فإنّ قول الله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن﴾ إخبارٌ عن حقيقة ما في قلب المنافق من استهزاء بما يحمله القرّاء في صدورهم من آيات الله.
والاستهزاء بآيات الله يتضمّن الاستهزاء بالله ورسوله.
وسبب النزول في رواية للطبري رحمه الله بسنده هو؛ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: ((قال رجلٌ في غزوة تبوك في مجلس: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء، أرغبَ بطوناً، ولا أكذبَ ألسناً، ولا أجبنَ عند اللقاء! فقال رجلٌ في المجلس: كذبت، ولكنّك منافقٌ! لأخبرنّ رسول الله ﷺ، فبلغ ذلك النبي ﷺ ونزل القرآن. قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحَقَب ناقة رسول الله ﷺ تَنَكَّبُهُ الحجارة، وهو يقول: يا رسول الله، إنّما كنّا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾)) [١].
وأمّا بيان رسول ﷺ: فهو رده اعتذار المنافق بقوله: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾.
وأما سابقتهما؛ ففيها أنّ الله تعالى مخرجٌ ما يحذر المنافقون من نزول سورةٍ تنبّئُهم بما في قلوبهم، وأنّه متعلقٌ بالاستهزاء، وذلك لتهديدهم بالاستمرار فيه  ﴿قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون﴾.
قال الطبري رحمه الله: " يقول تعالى ذكرُه: يخشى المنافقون أن تنـزل فيهم سورةٌ ﴿تنبّئُهم بما في قلوبهم﴾. يقول: تُظهر المؤمنين على ما في قلوبهم" [٢].
وأمّا كلام المنافق الوارد في سبب النزول فلم يكن صريحاً في الاستهزاء بالله وآياته ورسوله، فقد استهزأ بقرّاء غزوة تبوك، ولا خلاف في أنّ الاستهزاء بالمتديّن لغير دينه ليس كفراً.
ولذا لا يظهر أنّ من نزلت فيه الآية عُومل معاملة الكفار بعد نزولها، وعلى مدّعي ذلك إثبات دعواه.
والأصل أنّ النبي ﷺ لم يكن يأمر بمعاملة من علم نفاقهم معاملة الكفار، ولم يشهد كلّ الصحابة رضي الله عنهم القصّة.
والراجح في سبب معاملة المنافقين معاملة المسلمين مع صدور كفرٍ منهم هو أنّه كفرٌ محتملٌ للأكبر والأصغر.
فالزنديق يقتل ويعامل معاملة الكفّار مع أنّه كالمنافق في إظهار الإسلام وإبطان الكفر، لأنّ كفر الزنديق وخداعه بيّن واضحٌ للناس، بخلاف المنافق.
والقرآن جوامع كلم، وإذا احتملت ألفاظه معان صحيحة غير متعارضة، فإنها تحمل عليها كلها.
فقول الله تعالى: ﴿قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤن لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم﴾ فيه معنى الكفر الأكبر والكفر الأصغر.
فهو بمعنى الكفر الأكبر في المستهزئ الجاد بالدين وفي اللاعب إذا قصد الاستهزاء بقلبه، وهذا هو المعنى المراد أصالةً.
ولأنّ في الآية ذكر الخوض واللعب، فإنّها تتضمّن معنى الكفر الأصغر في حقّ من لا يقصد الاستهزاء.
فجعلُ الدين ومصادره محلّ لعبٍ ومزاحٍ لا ينفكّ عن نقصٍ في توقيره، ولذا فأقلُّ أحوال صاحبه أن يكون به كفرٌ أصغر.
وبمثل هذا قال ابن عباس رضي الله عنه في قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
فقد أولها بالكفر الأكبر بقوله: (من جحَد ما أنزل اللهُ فقد كفرَ، ومن أقرّ به ولم يحكمْ فهو ظالمٌ فاسقٌ)، وأولها بالكفر الأصغر بقوله: (هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله).
فهذا النص من الآية في الكفر الأكبر أصالةً بدلالة سياقه وسباقه.
أما دليل السياق فلتعريف الكافرين باللام وورودها بصيغة الخبر مع ضمير الفصل "هو"، ولأنها في اليهود الذين حرفوا الشرع واتخذوا غيره سنة متبعة.
وفائدة ضمير الفصل المعنوية هي تأكيد الخبر، وقد تدلّ على الاختصاص، فقول؛ "زيد هو الكريم" يعني أنه قد بلغ درجة عالية في الكرم وكأنه اختص به.
أما دليل السباق على أنّ النص في الجاحد أصالةً؛ فما ورد في سباقه من صفات التوراة والنبيين والمبدلين لكلام الله، للمزيد ؛ الحكم بغير ما أنزل الله.
ولا يظهر ما يقتضي التسوية بين المستهزئ الجادّ والهازل، مع أنّ ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «الصارم المسلول» يفيد ذلك.
وممّن سبقه بهذا القول ابن العربي رحمه الله، واشتهر عند الأحناف.
والله تعالى إنما كذَّب المنافقين في اتخاذهم الخوض واللعب عذراً، لا في دعواهم أنّهم كانوا يخوضون ويلعبون؛ لوقوعه منهم.
وليس في الآية ما يدلّ على أنّ اللّعب بالاستهزاء بالدين يستلزم انشراح الصدر بالكفر؛ فما يقع فيه الهازل من نقصٍ في تعظيم الدين قد لا يبلغ مبلغ الكفر الأكبر.
فالعقل والتجربة مع الاهتداء بالوحي يدلّان على أنّ الهازل قد لا ينشرح صدره بكل ما يقول.
وكما قال ابن القيم رحمه الله: "شيخ الإسلام حبيب إلينا، والحق أحب إلينا منه، وكل من عدا المعصوم فمأخوذ من قوله ومتروك" [٣].
وكان تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتاب الصارم المسلول سنة ٦٩٣هـ وعمره ٣٣ سنة، وقد ظهر لي بتتبّع مواضع منه أنّ ظاهر بعض عباراته غير مرادٍ في مسألة قتل كعب بن الأشرف، وفي مبحث؛ الاغتيالات وقتل كعب بن الأشرف مزيد بيان.
فظاهر عباراته في الصارم المسلول قد يفهم منها أنّ السابّ لا يُعتبر له عهدٌ ولا ذمّةٌ، بينما مراده هو أنّ سبّ النبيّ ﷺ نفسه نقضٌ للعهد والذمّة، كما  دلّت عليه عباراتٌ أخرى في الصارم المسلول نفسه.
وهذا واضحٌ بالتأمّل في أنّ كلام الذمّي في الله تعالى كفرٌ وسبٌّ وإن لم يقصده، وذلك بمثل قوله: يد الله مغلولةٌ، تعالى الله عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً، ولم يُعتبر هذا نقضٌ للذمّة، مع أنّ حقّ الله تعالى أعظم من حقّ النبي ﷺ.
والسبب عند التأمّل هو أنّ دولة المسلمين تقوم على دينهم قبل غيره، ولذا فإن سبّ كلّ ما هو خاصٌّ بالمسلمين من الشعائر الظاهرة المعلومة يعدُّ نقضاً للذمّة.
وأمّا حكاية ابن العربي رحمه الله الإجماع، فإن قصد به تعمُّد الاستهزاء بالدين، فلا شك في صحّته.
وأمّا إذا قصد به الهزل بالاستهزاء، فالمرجع في التحقّق من صحّة هذه الدعوى هو دلالة النصوص، لا سيمّا مع عدم نقل قولٍ عن السلف بخلاف دلالتها.
قال ابن تيمية رحمه الله: (ولكن كثيراً من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعاً ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة) [٤].
بل التحقيق أنّ النصّ الظنيّ مقدّمٌ على الإجماع الظنيّ، ما لم يتقوَّ الإجماع الظنيّ بنصٍّ ظنيٍّ  آخر.
وحبّذا الرجوع في مسائل الإجماع إلى مبحثٍ خاصٍ به، وهو مبحث؛ الاتّباع في دليل الإجماع.
وأمّا تشبيه المستهزئ الهازل بالهازل في الطلاق والنكاح والعتق، فهو تشبيهٌ مع الفارق من جهتين:
١. الجهة الأولى: أنّ الطلاق والنكاح والعتق عقودٌ ومعاملاتٌ، فاعتُبرت فيها الألفاظ دون النوايا؛ لأنّه لا سبيل إلى الاطّلاع على النيّات.
وكذلك في القذف والكذب وسائر المعاملات بين الناس، لا يُقبل مجرّد ادّعاء المزاح لإسقاط الأحكام الدنيويّة المترتّبة عليها.
وتُعتبر القرائن في التمييز بين الصادق والكاذب في دعوى المزاح في القذف ونحوه.
ويترجَّح عند التحقيق ألَّا يُعتدَّ بطلاق الغضبان إذا صدَّقته زوجته، استناداً إلى قرائن شاهدتها تدلّ على أنّه لم ينوِ الطلاق، متى تَحقَّق صدقُها. وانظر مبحث؛ نيّة الطلاق وأثر الإغلاق.
ولا خلاف في وقوع الطلاق في الغضب المعتاد، ولا في عدم وقوعه عند إغلاق العقل، ويترجح عدم وقوعه عند إغلاق النيّة بقرائن، انظر مبحث؛ نيّة الطلاق وأثر الإغلاق.
٢. الجهة الثانية: أنّ اعتبار الألفاظ الظاهرة في العقود والمعاملات إنّما هو لحفظ حقوق الناس، وذلك بسدّ باب التلاعب بها.
أمّا التكفير، فالاحتياط فيه لحقّ المسلم إنّما يكون بعدم تكفيره بالاحتمال، وإن قوي؛ لأنّ من ثبت إسلامه بيقين لا يُنقل عنه إلا بيقينٍ مثله.

المصادر

[١] جامع البيان (ج١٤/‏ص٣٣١) - ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط دار التربية والتراث.
[٢] جامع البيان (ج١٤/‏ص٣٣٣) - الطبعة السابقة.
[٣] مدارج السالكين (ج٢/‏ص٢٦٢) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
[٤] مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٠) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
pdf
حكم من عاون مشركين على المسلمين    المحتويات     الولاء  الشرعي

الموجز اليسير في الجهاد والتكفير

رجوع إلى قسم إصلاح وتكميل

المحتويات
  1. مقدِّمة
  2. الغلو
  3. حال المسلمين اليوم
  4. أفضل الأعمال
  5. حكم الجهاد
  6. من يُفتي في أحكام الجهاد؟
  7. أسباب الغلو واضطراب الغلاة
  8. فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم
  9. موجب جهاد الطلب
  10. دفع الإشكال عن المأثور في القتال
  11. آيات السيف والبراءة
  12. العهد المطلق
  13. القدرة قد تكون شرط صحَّة أو وجوب
  14. قتل النفس المحرَّمة
  15. استهداف المدنيين والمعاملة بالمثل
  16. الإفساد في ديار الحرب
  17. الاغتيالات وقتل كعب بن الأشرف
  18. المناصرة على بلد الإقامة أو التجنس
  19.  سبب مشروعية الإرقاق
  20. الصغار وجريان الأحكام على أهل الذمة
  21. التكفير وضوابطه عند الغلاة
  22. الكفر بفساد الجنان، وبصلاحه الإيمان
  23. فهم القلوب والأذهان وعذر العميان
  24. لا عذر لعميان في مجمل الإيمان
  25. عذر العميان في مفصل الإيمان
  26. حُكم تكفير الجهمية
  27. حُكم تكفير الإمامية
  28. حُكم تكفير الخوارج
  29. الحكم بغير ما أنزل الله
  30. حُكم التقنين العام
  31. الممتنعون عن الشرائع الظاهرة المتواترة
  32. حكم من عاون مشركين على المسلمين
  33. القول الفاصل في المستهزئ الهازل
  34. الولاء الشرعي
  35. البغض والحقد والإرهاب والترويع
  36. ثلاث شبه في الخوارج الجدد
  37. إنصاف المخالف
  38. الغلو في التبديع
  39. خاتمة
pdf

رجوع إلى قسم إصلاح وتكميل

مقدِّمة

المحتويات   الغلوُّ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد للّه الواحد المنَّان، الذي نزَّل على عبده الفُرقان، وجعل دين الإسلام وسطاً بين الأديان، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّ آخر الزمان، الذي أُرسل إلى كافَّة الإنس والجان، فهدى اللّه به العُميان، وأسمع به صمَّ الآذان، وبيّن لأمَّته أحسن التبيان، وحذَّرهم من الزيادة والنُّقصان، ورضِيَ اللَّهُ عن الآلِ والصحبِ والتابعِ بالإِحسان.
ثمَّ أما بعد...
فهذه رسالة في كشف أصولِ وأهم شُبه غلاة الجهاد والتكفير والتبديع، فإذا سألت عن الجديد، إذ لا معنى لتكرار ما كُتب فيه دون سبب، فالجواب أنَّ من الجديد الاختصار والتيسير حسب اطِّلاعي على ما كتُب، ومن الجديد فوائد قد لا توجد في غير هذه الرسالة، لأن بعضها استنباط من نص أو استخراج علل ومقاصد أو تخريج على أصول وقواعد وأقوال أئمة وعلماء.
ومن ذلك؛ اجتهاد في تعريف الولاء الشرعي، وبيان أن تعريفه بالنصرة والمحبة يُلبس فهمه، واستنباط في الدلالة على أن الجهاد فرض كفاية في الأصل، واستخراج علل مشروعية الجهاد والإرقاق، وتأويل آيات السيف، وبيان وجه عدم الغدر في اغتيال كعب بن الأشرف وإزالة إشكال في كلام حوله لابن تيمية، واستنباط واستخراج قواعد في التكفير والعذر بالجهل، واستخراج علل التبديع من كلام العلماء، ورد شبهات حديثة في مسائل التكفير والتبديع والجهاد.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى معدداً لأسباب التصنيف والتأليف: (والأنواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إما شيء لم يسبق إلى استخراجه فيستخرجه؛ وإما شيء ناقص فيتممه؛ وإما شيء مخطأ فيصححه؛ وإما شيء مستغلق فيشرحه؛ وإما شيء طويل فيختصره؛ دون أن يحذف منه شيئاً يخل حذفه إياه بغرضه؛ وإما شيء مفترق فيجمعه؛ وإما شيء منثور فيرتبه) [1].
فالرسالة ليست مجرد تكرار لما كتب ولا لمجرد زيادة عدد الرسائل والكتب في المكتبة الإسلامية الضخمة، ففيها ما تتميز به على غيرها من أسلوب العرض والتسلسل والاختصار والتيسير والفوائد، فأرجو أن ينتفع بما فيها الخواص والعوام، وأسأل اللّه سبحانه وتعالى أن يجعلها خالصة لوجهه الكريم وأن ينفع بها كل من قرأها من المسلمين.

عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
هلسنكي، فنلندا.
الأحد ١٩ ربيع الآخر ١٤٢٨هـ  -  ٦ مايو ٢٠٠٧ش.
آخر التعديلات في؛ لوند، السويد، تباريخ؛ الجمعة ٦ جمادى الأولى ١٤٤٦هـ، ٨ نوفمبر ٢٠٢٤ش.

المصادر

[1] مجموع رسائل ابن حزم » التقريب لحد المنطق (ج4/ص103)، الناشر؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1983م.
pdf
المحتويات   الغلوُّ

الغلوُّ

مقدِّمة   المحتويات   حال المسلمين اليوم
الغلوُّ لغةً هو مجاوزة الحدِّ والزيادة على القدر، واصطلاحاً مجازوةُ الحدِّ الشرعي في الأَحكام الشرعيَّة، قال اللّه تعالى ذكرُهُ: { وَكَذَ‌ٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}[1].
قال الإمام الطبري رحمه اللهُ تعالى: (ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها)[2].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللهُ تعالى في العقيدة الواسطية عن أهل السنَّة والجماعة: (هم الوسط في فرق الأمة، كما أنَّ الأمَّة هي الوسط في الأمم).
قد يظن المُغالِي أنَّه على المنهج الوسط الذي هو منهج الإسلام ومنهج أهل السنَّة والجماعة، فإحسان الإنسان الظن بما هو عليه من الضلال من القواعد العامَّة والمطَّردة في كثيرٍ ممن وقع في بدعةٍ أو ضلالة أو كفر، فقد يقع الإنسان في الكفر المخرج عن الملَّة وهو لا يدري أن فعله يُخرجُه عن ملَّة الإسلام، وكذلك الكفَّار الأصليُّون قد يظنُّون أنَّهم على خير، قال اللَّه تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)}[3]، قال رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم: (وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِى الدِّينِ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِى الدِّينِ)[4]، والغلو المنهي عنه عام في الأقوال والأعمال والاعتقادات.

المصادر

[1] سورة البقرة الآية رقم 143
[2] تفسير الطبري جامع البيان (ج٢/‏ص٦٢٧) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط هجر.
[3] سورة الكهف (103 - 104).
[4] سنن النسائي، مناسك الحج (3070)، وابن ماجه ( 3029) وغيرهما وقال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم( 253): إسناده على شرط مسلم. 
pdf
مقدِّمة   المحتويات   حال المسلمين اليوم

حال المسلمين اليوم

الغلو   المحتويات   أفضل الأعمال
إنَّ حال المسلمين اليوم غني عن التعريف، ومن أسباب هذا الحال؛ انتشار كثيرٍ من مظاهر الشرك، ووجود الفرق الباطنية والضالة وتأثيرها السيِّئ على كثيرٍ من عوام المسلمين، ووجود الأحزاب العلمانية وتأثيرها السيِّئ، ووجود المنافقين وإثارتهم لأسباب الفتنة بين المسلمين.
ومن أسباب هذا الحال اغترار بعض الناس بالنظم الغربية، وتأثير الإعلام في ظل تقدُّم وسائل الاتصال، وانتشار كثير من مظاهر البدع والخرافة، وترك الواجبات وظهور المعاصي والمجاهرة بها.
ومن الأسباب؛ عدم حُكم كثير من حكام المسلمين بكتاب الله، وتفرق المسلمين إلى دويلات وأحزاب وفرق وجماعات وقبائل متناحرة في بعض البلاد، وضعف المسلمين بسبب التفرُّق وبسبب اعتمادهم على غيرهم في التصنيع المدني والحربي، وبسبب الضغوطات السياسيَّة والاقتصادية. 
عوامل التفرق والضغوطات وسوء التخطيط جعلت المُسلمين ضعفاء اقتصادياً وعسكرياً، وجعلتهم عالة على غيرهم، بل ربما اعتمدوا في شراء أسلحتهم على عدوهم، مما جعل ما بأيديهم من السلاح ضعيفاً مقارنةً مع ما عند غيرهم، وقد يضع العدو أجهزة للتجسس فيما يبيعه للمسلمين من أسلحة.
جميع ما سبق أدى إلى تسلُّط الكفَّار على المسلمين، ومعاناة كثير من المسلمين من القتل أو التشريد أو التضييق في العيش، ولكن مما يبعث على التفاؤل والأمل وجود يقظة في أوساط المسلمين بمن فيهم فئة الشباب الذين هم عماد الحاضر وأمل المستقبل.
إزاء هذا الوضع ظهرت على الساحة كثير من الدعوات، وتعدَّدت المناهج والطرق، وبسبب انتشار الجهل والتفرُّق والأهواء والفارق الكبير بينما يجب أن يكون عليه الحال وما هو عليه الآن تباينت الآراء والمناهج في كيفية الإصلاح.
هذا التباين في المناهج الدعوية والإصلاحية وفي الآراء مع تحكم الأهواء أدَّى إلى كثرة الخلافات والانشقاقات، وحتى أهل السنَّة ليسوا بمعصومين من الفتن، فقد حدث التنازع بل القتال بين الصحابة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالفتن والفرقة والأهواء التي تحدث من بعده، وبين كيفية النجاة منها عملياً ومنهجياً.
من ذلك ما رواه أصحاب السنن من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع، فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة).
وفي الأمر بسنة الخلفاء الراشدين أمرٌ بلزوم إجماع الصحابة رضي الله عنهم، لأن السنة هي الطريقة المتبعة المشتهرة، بخلاف الفتاوى التي قد لا تشتهر، وفي الحديث أيضاً التحذير من مخالفة ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي ا لله عنهم بالنهي عن البدع والمحدثات.

pdf
الغلو   المحتويات   أفضل الأعمال

أفضل الأعمال

حال المسلمين اليوم   المحتويات   حكم الجهاد
المعلوم أنَّ أبواب الخير كثيرة، ومنها طلب العلم والدَّعوة والجهاد والإنفاق ونحو ذلك، وأنَّ بعض النَّاس يُدعى من بعض أبواب الجنَّة ومنهم من يُدعى من أبواب الجنَّة الثمانية كما ورد في حديث النَّبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه.
وقد تنازع الناس قديماً وحديثاً في أيِّ الأعمال أفضل، ولا شكَّ في وجود نصوص جاءت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في بيان أيِّ العمل أفضل، فهناك أعمال فاضلة من حيث الإطلاق.
ذكر ابن القيِّم رحمه اللّه تعالى أنَّ الفاضل قد يصبح مفضولاً والمفضول قد يصبح فاضلاً، ونقل في بيان ذلك قول بعض السلف؛ الانشغال بالدعاء ليلة الوقوف بعرفة خير من الانشغال بقراءة القرآن في ذلك الموقف، فخلُص رحمه اللّه تعالى إلى أنَّ أفضل العبادة العمل على مرضاة الرّبِّ سبحانه وتعالى في كلِّ وقت بما هو مقتضى ذلك الوقت ووظيفته. [1].
مما يبيِّن ذلك ما جاء في الحديث المتَّفق عليه عن أَبي عَمْرٍو الشَّيْبَانِىّ يَقُولُ حَدَّثَنَا صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ الله قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم (أَىُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى الله؟ قَالَ: "الصَّلاَةُ عَلَى وَقْتِهَا". قَالَ: ثُمَّ أَىُّ؟ قَالَ: "ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ". قَالَ: ثُمَّ أَىُّ؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ الله". قَالَ: حَدَّثَنِى بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِى)[2]، ثمَّ إنَّه صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: (مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى الله مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ الله وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ الله؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: وَلاَ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ الله إِلاَّ رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَىْءٍ)[3]، ففي هذا دليل على أنَّ الجهاد يكون مفضولاً في بعض الأوقات.
وذكر ابن القيِّم رحمه اللّه أنَّ أفضل النَّاس من يدور مع العبادات بحسب الحال، وذلك لأنَّ أفضلهم من يُدعى من أبواب الجنَّة الثمانية، وأنَّ من يتعلق بعبادة واحدة فيه شيئٌ من اتِّباع هوى النفس.
وتحسن الإشارة هنا إلى أنَّ النيَّة القليلة للدنيا التي لا تساوي نيَّة الآخرة ولا تزيد عليها لا تفسد العمل الصالح، يدل على ذلك حديث من قتل قتيلاً فله سلبه، وفي كثير من نصوص القرآن والسنَّة وعد بجزاء دنيوي على عمل أُخروي، منها قوله تعالى: { فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا (11) }[4].
والتحقيق أنَّ النيَّة القليلة للدنيا وإن لم تفسد العمل فإنَّها تُنقص الأجر في الآخرة، يدل على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)[5].
إنَّ من كمال التجرُّد للّه وابتغاء الدار الآخرة أن ترى الرجل في جميع ميادين الخير، فعند الفقر والحاجة تجده في باب النفقة وإطعام الطعام، وعند اللِّقاء تجده فارساً مغواراً، لايضرُّه خذلان المخذلين ولا مخالفة المخالفين، وتجده من الذاكرين اللّه كثيراً، وعند حلول البدع وانتشار الأهواء تجده صادعاً بالحقِّ، محتملاً للأذى، آمراً بالمعروف، ناهياً عن المنكر، مبايناً لأهل الأهواء والزيغ والفتن، لا يخاف في اللّه لومة لائم، ولا تكاد تفقده في أيّ باب من أبواب الخير، وهذا الصنف في الناس قليل، قال اللّه سبحانه وتعالى: { تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚوَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)}[6].
هذا الكلام مقرَّر عند العلماء ولكنَّ الذين يُركِّزون على عبادة الجهاد دون غيرها قد يقولون: "نحن لا نخالف في هذا، ولكنَّ الجهاد من حيث الزمان يُعد أفضل عبادة لوجود الهجمة الشرسة على بلاد المسلمين"، لذا لابُدَّ من معرفة أنَّ حكم الجهاد مرتبط بالقدرة وتحقُّق المصلحة، ومجرَّد وجود احتلال لبعض بلاد المسلمين لا يجعله الأفضل من غيره، إذ الجهاد وسيلة لغاية، وليس غايةً في ذاته.
فالجهاد وسيلة لإقامة الدين وإزالة الفتنة، قال اللّه تعالى: { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ۖ فَإِنِ انتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193)}[7]، وهو وسلية لرفع الظلم والقهر عن المسلمين، قال اللّه تعالى: {وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (75)}[8].

المصادر

[1] أنظر مدارج السالكين (ج1/ص88).
[2] صحيح البخاري، مواقيت الصلاة 527. صحيح مسلم، الإيمان 264
[3] صحيح البخاري، العيدين، 969, سنن الترمذي، الصوم، 762.
[4] سورة نوح آية رقم 10.
[5] صحيح مسلم (1906).
[6] سورة القصص آية رقم 83
[7] سورة البقرة آية رقم 193
[8] سورة النساء آية رقم 75

pdf
حال المسلمين اليوم   المحتويات   حكم الجهاد

حكم الجهاد

أفضل الأعمال   المحتويات   من يُفتي في أحكام الجهاد؟
لقد تقرَّر عند أهل العلم أنَّ الجهاد بالنفس فرض كفاية في الأصل، فواجبات الإسلام العينية في باب العبادات لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة، وما سوى ذلك من الواجبات العينية إما أنها تتعلق بأحكام المعاملات الدنيوية مثل النفقة على الأرحام، أو أنها تبع لغيرها.
الواجبات العينية التي تعد تبعاً لغيرها من الواجبات العينية والكفائية والمحرمات هي التي لا تستقل بذاتها كطلب العلم العيني، وكوجوب حضور الجمعة والجماعة، وكوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعض ما يطلق عليها واجبات هي في حقيقتها محرمات وليست واجبات كوجوب إعفاء اللحية فهو في حقيقته نهي عن حلقها، وكوجوب تغطية المرأة سائر بدنها عدا ما ظهر من زينتها، فهو في حقيقته نهي عن التبرج لأنه ليس فيه تكليف زائد على وصف اللبس، فهو نهي في صيغة الأمر.
الأدلة على أن الواجبات الشعائرية العينية لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة كثيرة، منها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه (أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولِ اللهِ، دُلَّنِي على عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا أزِيدُ على هذا شيئًا أبَدًا، ولا أنْقُصُ منه، فَلَمّا ولّى قالَ النبيُّ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: مَن سَرَّهُ أنَّ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذا)، متفق عليه واللفظ لمسلم [١].
الواجبات الكفائية قد تتعين على بعض الناس، فالجهاد يتعيَّن في حالات ذكرها أهل العلم، منها إذا استنفر الإمام ناساً بأعيانهم، ومنها إذا نذر المسلم الجهاد بنفسه.
وإذا قدر أن الكفاية لم تكتمل في جهاد بعينه، فحكمه هو أنه من المشابهات التي تشبه فرض العين [٢]، ومشابهات الواجبات لا تجب على كل الأعيان، وإنما تجب على الأقرب فالأقرب.
وذلك لما في إيجابها على جميع الأعيان من تعطيل المشابهات الأخرى، فهي إنما تجب على الأقرب فالأقرب من جميع الجوانب كالجندية والقدرة الجبلية والعمر والاستعداد والمكان.
فما أكثر الواجبات الكفائية! ووجود مُشابهات الواجبات أكثره بسبب عدم حصول الكفاية، وما أكثر النقص في أداء فروض الكفايات!
فمن أمثلة مُشابهات فروض الأعيان طلب العلم الشرعي الكفائي، لأن الكفاية فيه لم تحدث، فالمُسلمون بحاجة إلى طالب علم كبير في كل مسجد للتعليم والدعوة والإفتاء، فالمُفتي بحاجة إلى معرفة حال المُستفتي وليس فقط حال البلد.
فهذا لا يعني أن طلب العلم الشرعي الكفائي واجب على كل مسلم، فثمة واجبات كفائية أخرى كثيرة لم تحصل الكفاية فيها.
ومن الناس من يحسن غير العلم من الكفائيات أكثر، فيجب أن يسد كل مسلم ما يليه من ثغرات متعلقة بفروض الكفايات.
والجهاد بالنفس يجب على الجند أكثر من غيرهم بسبب العهد والتفرغ له بالمال العام، فالجندي عاهد الله سبحانه وتعالى ثم قيادته والناس على الدفاع عن الدين والأرض والناس وأعراضهم وممتلكاتهم.
وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقد قال ما معناه أن القتال على الجند أوجب للعهد والرزق (الراتب).
وأول من أعطى العطايا للجند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان المقاتلون يعطون من الغنيمة.
وكان كل الناس مقاتلين في عهد الرسالة، ولكن النبي ﷺ ما كان يستنفر كل المقاتلين في كل حال.
بعض الناس جعلوا الجهاد بالنفس فرض عين على كلِّ الأمة في زماننا بفهم خاطئ وشبه واهية، حيث عمدوا إلى نصوص للفقهاء في جهاد الدفع فأنزلوها على واقعنا دون تحقيق المناط والنظر إلى الحال، ودون الرجوع إلى أهل العلم.
فإن قُدِّر وجود جهاد صحيح اليوم في بعض البلاد؛ فالأمر فيه بالنسبة للأعيان يدور بين عدم الحاجة إلى رجال أو وجود الحاجة وعدم إمكان استيعاب المقاتلين إما لقلَّة النفقة أو لأسباب ميدانية أو نحو ذلك، فكيف يكون مع ذلك الجهاد بالنفس فرض عين على كلِّ الأمَّة، وأنَّ تاركه آثم، وأنَّه لا يجب إذن الوالدين فيه؟
قد يقول بعض من يُغلِّب العاطفة على العقل والحكم الشرعي، إنَّ الله سبحانه وتعالى هو مقدِّر النَّفقة، ولا حاجة للإعداد لها، ولا شك أنَّ هذا خطأ، لأنَّ الله عز وجل قد أمر باتِّخاذ الأسباب.
وترك الأسباب من الغلوِّ في الأحكام، وهو قدح في العقل والشرع، والاعتماد على الأسباب شرك، وقد قال اللّه تعالى في حال خيرة المجاهدين وهم صحابة النبي صلى الله عليه وسلم: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوا وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ (٩٢)} [٣].
إنَّ احتلال أجزاء من العالم الإِسلامي ليس فقط في العصر الحديث بعد سقوط الحُكم العثماني، الذي به انتهت الحدود الجغرافية الدينية وظهرت الحدود الوطنية القومية، فقد احتلَّ الكفار من الصليبيين والتتار والإنجليز والفرنسيين وغيرهم أجزاء من العالم الإسلامي، وبقوا في بعض الأحيان عشرات السنين، وقبل أن يستعدَّ المسلمون لإِخراجهم لم نجد من العُلماء السابقين مثل هذه الفتاوى الحماسيَّة التي تجعل الجهاد بالنفس فرض عين على كلِّ الأمَّة وتؤثِم الجميع، أم أنَّ كلَّ السابقين قد فسدوا وركنوا إلى الدُّنيا في نظر هؤلاء؟!
لقد تجرَّأ بعض الناس على القول بأنَّ الجهاد بالنفس فرض عين منذ سقوط الأندلس، والتي سقطت قبل قرون! فهل كلُّ العلماء في هذه الفترة قاعدون عن الجهاد آثمون؟ فما أجرأَ بعض الناس على الفتوى في دين اللّه عزَّ وجل بغير علم.
ولا يجوز للإنسان أن يُعرِّض نفسه لما لا يطيق من البلاء، إلا في أمر لابدَّ منه إذا ترجَّحت المصلحة، وإن جاز له تعريض نفسه للبلاء فإِنَّه لا يجوز له تعريض زوجته وأطفاله وغيرهم من المسلمين للبلاء مع عدم رجحان المصلحة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَسَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِىَ السَّحَابِ وَهَازِمَ الأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ) [٤].

المصادر

[١] صحيح البخاري (١٣٩٧) و صحيح مسلم (١٤).
[٢] الواجبات العينية ومُشابهاتها
[٣] سورة التوبة، رقم الآية ٩٢.
[٤] صحيح البخاري (٢٩٦٦)، كتاب الجهاد.

pdf
أفضل الأعمال   المحتويات   من يُفتي في أحكام الجهاد؟

من يُفتي في أحكام الجهاد؟

حكم الجهاد    المحتويات   أسباب الغلو واضطراب الغلاة
يُشترط في المفتي في أحكام الجهاد أن يكون من أهل العلم في مسائل الجهاد خصوصاً والفقه عموماً وكذا علوم الوسائل كأصول الفقه وقواعده، كما يُشترط أن يكون عارفاً بالموازنات السياسيَّة، والعلاقات الدوليَّة، والخطط الحربيَّة، خاصَّةً الحديثة، ويُشترط أن يكون من أهل الرأي والحكمة من غير خور، وأن يكون ثقةً غير متهم في دينه.
ويُشترط كذلك أن يكون من أهل السنَّة لا من أهل البدعة، فإِنَّ أهل البدع لا يؤخذ عنهم العلم، إذ لا يؤتمنون في آرائهم، فمن فسد أصله فسد فرعه.
قال ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: (مع أنَّ المخالفين للحق البيِّن من الكتاب والسنّة هم عند جمهور الأمَّة معروفون بالبدعة، مشهود عليهم بالضلالة، ليس لهم في الأمَّة لسان صدق، ولا قبول عام، كالخوارج والروافض والقدرية ونحوهم)[1].
والاضطرار أو الاحتياج يبيح أخذ علمٍ عن صاحب بدعة، ولكن بشرط التعين؛ بمعنى تعذر أو تعسر أخذه عن سني، وأن يقدر ذلك بقدره بحيث لا يُزاد عما تقتضيه الحاجة أو الضرورة، وأن تكون المصلحة الضرورية أو الحاجية متيقنة أو مظنونة بظن غالب، وأن يؤمن ضرر بدعته أو أن يكون ضررها محتمَلٌ مقابل مصلحة العلم المتلقى عنه.
قال ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: (فإذا تعذَّر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك، إلا بمن فيه بدعة، مضرَّتها دون مضرَّة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيراً من العكس)[2].
يقول بعض الناس: "لا يُستفتى في أحكام الجهاد إلا من اغبرَّت قدمه في سبيل الله"، ويستدلُّون على ذلك بكلام الإِمام أحمد وابن المبارك رحمهما اللهُ تعالى في أنَّ النَّاس إذا تنازعوا فانظر ما عليه أهل الثغور فإنَّ الحق معهم لقول اللهِ تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)}[3].
إنَّ ما نُسب إلى هؤلاء الأَئِمة من تفضيل آراء المجاهدين على غيرهم ليس على إطلاقه، فالمجاهد قد يخطئ، كما حدث من أسامة ابن زيد رضي الله عنه لما قتل رجلاً قد أسلم، وكما حدث من خالد بن الوليد رضي الله عنه، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهمَّ إنِّي أبرأ إليك مما فعل خالد)، وذلك لمَّا أرسله إلى بني جذيمة فقتلهم، وأخذ أموالهم بنوع شبهة، فوداهم النبي صلى الله عليه وسلم وضمن أموالهم.
فكلام الإمام أحمد وابن المبارك رحمهما اللّه تعالى يُحمل على ما إذا تساوى المجاهد وغيره في العلم فيُنظر إلى مرجِّح الجهاد، فيجب استفتاء من هو أكثر علماً وأدرى بالحال وإن لم يكن مجاهداً، وأمَّا إذا كان المجاهد عاميَّاً فإنَّ العوام لا يُستفتون في الأحكام الشرعيَّة.
ممَّا يدلُّ على أنَّ العلم في باب الفتوى مقدَّمٌ على غيره من الأمور ككثرة التنسُّك والتعبُّد حديث الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، فإنَّه لما سأل العابد لم يجد عنده الحكم الشرعي الصحيح، ولمَّا سأل العالم أرشده إلى الحكم الصحيح.
عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضي الله عنه أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللهِ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ. فَانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِى أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ. قَالَ قَتَادَةُ فَقَالَ الْحَسَنُ "ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أَتَاهُ الْمَوْتُ نَأَى بِصَدْرِهِ")[4].

المصادر

[1] مجموع الفتاوى، المجلد السابع، صفحة 357، دار عالم الكتب الرياض 1991م
[2] مجموع الفتاوى المجلد 28 صفحة 212 دار عالم الكتب الرياض 1991م
[3] سورة العنكبوت آية رقم 69
[4] صحيح مسلم، التوبة، حديث رقم 7184

pdf
حكم الجهاد   المحتويات   أسباب الغلو واضطراب الغلاة

أسباب الغلو واضطراب الغلاة

من يُفتي في أحكام الجهاد؟   المحتويات    فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم
إنَّ منشأ الغلوِّ في أحكام الجهاد هو الجهل عموماً، والجهل بقاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان، والجهل بالواقع وأسباب النصر والهزيمة، واتِّباع الهوى، والتعصُّب للرِّجال والأحزاب، والاعتداد بالآراء، وانتقاص العلماء واتِّهامهم بالجهل بواقع المسلمين، واتِّهامهم بالمداهنة وكتمان العلم إرضاءاً للخلق، وعدم الصبر والاستعجال لتحقيق النصر.
قال الله تعالى: {وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (11)} [1].
ولمَّا كان الغلاة حريصين على تكفير الحكَّام لحاجة في نفوسهم، إِمَّا استعجالاً لتغيير الأوضاع إلى الأحسن أو حباً في السلطة والثروة أو حباً في الظهور ومدح الناس لهم بالشجاعة والإقدام أو غير ذلك، فقد وضعوا قواعد فاسدة لتكفير الحكام، ثم اختلفوا في تنزيلها على الواقع.
فمن الغلاة من يكفِّر الوزراء، بحجة أنَّهم أركان الدولة الذين يساعدون الطاغوت على الموحِّدين، ومنهم من يرى أنَّ الوزراء وظيفتهم خدميَّة وأنَّهم ليسوا كفَّاراً، ومنهم من كفَّرَ الجيش، والشرطة، والمخابرات، ومنهم من يراها طوائف ردة يجوز قتلهم دون تكفير أعيانهم، ومنهم من لايرى تكفير هذه القطاعات.
ومن الغلاة من كفَّر نواب البرلمانات وإن كانت نيَّتهم تطبيق الشريعة الإسلاميَّة، وما إلى ذلك من الاضطِّراب في الأقوال، هذا إضافة إلى تبديع من لا يوافقهم من العلماء والدعاة وأئمة المساجد والمصلحين.
ولو أنَّهم قالوا في التكفير؛ إنَّ كل من وقع في كفر أكبر وتوفَّرت فيه شروط التكفير وانتفت الموانع عنه فهو كافر، سواءاً كان حاكماً أو محكوماً، لما وقعوا في الاختلاف والاضطِّراب والتناقض.
ولكنَّهم أرادوا تكفير الحكومات والخروج عليها، لذا نجد كثيراً منهم لا يعير اهتماماً لكثير من الانحرافات العقديَّة والسلوكيَّات الشركيَّة التي تصدر من كثير من العوام، كالاعتقاد في الأولياء والصالحين والمقبورين، ودعائهم كدعاء اللّه سبحانه وتعالى، واللجوءِ إليهم في الملمَّات والكربات والاستغاثة بهم.
يقول بعض الناس اعتماداً على كتابٍ لعبد اللّه عزَّام رحمه اللّه بعنوان الدِّفاع عن أراضي المسلمين أهم فروض الأعيان: "إنَّ بلاد المسلمين اليوم محتلَّة من قبل الكفار، إمَّا من الكفار الأصليِّين أو من المرتدِّين من حكام المسلمين، ولا فرق بين كون الكافر أجنبيَّاً أو محليَّاً، وبما أنَّ الدفاع عن أراضي المسلمين من أهمِّ فروض الأعيان؛ فإنَّه يجب القيام بالجهاد ولا يجوز الانشغال بغيره، وإن لم يكن بالإمكان القيام به فلا يجوز الانشغال بغير الإعداد له".
ثم إن بعضهم ناقضوا أنفسهم بعد قولهم بفرضيَّة العين بقولهم بأن الجهاد ليس واجباً في كل البلدان، ثم زعموا أنَّه جائز بل مستحب في الأماكن التي لا يجب فيها، هكذا بإطلاق.
ولا يصح إطلاق القول بالجواز أو الاستحباب في كل الأحوال، فالقدرة قد تكون شرط صحَّةٍ ووجوب وقد تكون شرط وجوب فقط حسب الحال، لا كما ادَّعى الغلاة أنها شرط وجوب فقط.
ثم إنَّ بعض القائلين بأن القدرة لا تكون إلا شرط وجوب فقط ناقضوا أنفسهم، ومن ذلك دعواهم بأن القدرة ليست شرط صحة بأي حال من الأحوال مع اشتراطهم النظر في المصالح والمفاسد المترتبة على العمليات؟!
بل صرَّح بعض الغلاة بجوازِ الجهاد أو استحبابه دون نظر في المصالح والمفاسد المترتِّبة عليه، بحجَّة أنَّه أمر اللّه، وأنَّ أوامر اللّه كلُّها مصالح، ولا شك أنَّ أوامر اللّه كلُّها مصالح إمَّا راجحة وإما محضة، ولكن هل أَمَرَ اللّه بعدم مراعاة الأحوال؟
لقد أدَّى مثل هذا الفهم إلى مفاسد كثيرة منذ أواخِر القرن الرابع عشر الهجري، وقد نصح كثيرٌ من العلماء والدعاة أصحابَ ذلك المنهج، ولكنَّ بعض الناس ما زالوا على ما هم عليه، وما زالوا ينشرون فكرهم المنحرف في شباب الأمة.

المصادر

1. سورة الإسراء آية رقم 11.
pdf
من يُفتي في أحكام الجهاد؟   المحتويات    فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم

فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم

نسخ العفو والسلم عند السلف ظرفيٌّ مشروطٌ بالقدرة، والعفو هنا هو الكفّ عن قتال المعتدي، والسلم هنا هو موادعة المحارب والمخوف عدوانه بدون جزيةٍ.
كيف يُنسخ العفو والصفح والسلم وهي قيم فطرية؟
سؤال استنكاري يطعن به الطاعنون في الإسلام.
وهو تحريف لقول السلف بنسخ آيات السلم والموادعة والعفو والصفح والكفّ عن القتال بآيات السيف والبراءة.
فالسلف كانوا يستعملون لفظ ‘النسخ’ أحياناً بمعناه اللغوي، فمرادهم به هنا رفع الحكم رفعاً ظرفيّاً، مشروطاً بالقدرة، لا رفعاً كليّاً له، وهو متعلّقٌ بالمحاربة أو بخوف العدوان، لا بمجرّد الكفر.
فالمحاربة جزء علّة جهاد الدفع، وخوف العدوان جزء علّة جهاد الطلب، والجزء الثاني من العلّة المركّبة لكليهما هو الكفر، انظر؛ موجب جهاد الطلب.
ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات ظاهرة، سواء كانت قبل قوة المسلمين أو بعدها، انظر؛ موجب جهاد الطلب.
فكلمة ‘النسخ‘ عند السلف قد ترد بمعنًى أوسع من رفع الحكم بجملته، فقد يطلقونها على رفع دلالةٍ معيّنةٍ للحكم، ومن ذلك الرفع المعلّق بالحال.
قال ابن القيّم رحمه الله: (ومراد عامّة السلف بالناسخ والمنسوخ رفع الحكم بجملته تارةً، وهو اصطلاح المتأخرين، ورفع دلالة العام والمطلق والظاهر وغيرها تارةً، إمّا: بتخصيصٍ، أو تقييدٍ، أو حمل مطلقٍ على مقيّدٍ، وتفسيره وتبيينه) [١].
فنسخ آيات العفو والصفح عند السلف هو رفعٌ ظرفيٌّ لحكم الكفّ عن قتال المحاربين، وهو ما كان مأموراً به قبل الإذن بقتالهم.
ونسخ آيات السلم بآيات السيف عندهم هو رفعٌ ظرفيٌّ لجواز موادعة المحاربين والمخوف عدوانهم بلا جزيةٍ.
فقد شرعت الموادعة بدون جزية بعد الأمر بقتال المعتدي، ثم نسخ هذا الحكم [نسخاً مشروطاً بالقدرة] بعد قوّة المسلمين وقدرتهم على ردع المحاربين ومن يعدّ لحرب المسلمين.
فكان حكم القتال في البداية المنع، ثمّ الإذن بالدفع، ثمّ وجوبه مع جواز السلم بدون جزية، ثمّ النهي عن السلم بدون جزية في شأن المحاربين والمعدّين للقتال عدّته، وكل هذه المراحل مشروطة بالقدرة.
وقد بيّن العلماء أنّ تغيير أحكام الجهاد المرحلي الذي أسماه السلف نسخاً كان بسبب ارتفاع المانع، وهو عدم القدرة حال ضعف المسلمين.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فمن كان من المؤمنين بأرضٍ هو فيها مستضعفٌ، أو في وقت هو فيه مستضعفٌ، فليعمل بآية الصبر والصفح عمَّن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأمّا أهل القوّة فإنّما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [٢].
من أسباب عدم ذكر قيد المحاربين أو المخوف عدوانهم في كثيرٍ من أقوال السلف في الحرب والسلم محاربة عامّة مشركي العرب ومن حولهم من نصارى ومجوسٍ المسلمين.
ومن الأسباب أيضاً أنّ عهود السلم النصيّة كانت مع المحاربين فقط، فلم تكن توجد منظّمات إقليميّة ودوليّة كالأمم المتّحدة.
وقد بُني جواز صلة غير المحاربين على أنّ الأصل البراءة من الاعتداء، هذا مع أنّ الأصل في الكفَّار عداوة الإسلام والمسلمين.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [النساء - ١۰١].
ومع ذلك يعامل الكفّار بما ظهر من عداوةٍ لا ما بطن منها، فعسى أن تنقلب عداوتهم مودّةً بإسلامهم.
قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً وَاللَّهُ قَدِيرٌ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧) لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩)﴾ الممتحنة [٦۰: ٧-٩].
والله تعالى أعلم.

موجب جهاد الطلب

موجب جهاد الطلب (علته المركبة مع شرطه) هو الكفر وخوف العدوان والقدرة، ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات سابقة لقوة المسلمين أو لاحقة.
جهاد الطلب هو جهاد ابتداء يخير فيه العدو بين الإسلام والجزية والقتال.
وموجب جهاد الطلب (علته المركبة مع شرطه) ليس مجرد الكفر، وإنما هو الكفر وخوف العدوان والقدرة.
فعلته المركبة هي الكفر وخوف العدوان، وشرطه هو القدرة.
ولا يصح خوف العدوان إلا بأمارات ظاهرة، وقد تكون سابقة لقوة المسلمين وصلتهم بنحو تكرار الغدر ومعاونة المحاربين.
والعلة هي مناط الحكم، وأما الشرط فيتوقف عليه ترتب الحكم.
وقد يلتبس جزء العلة المركبة بالشرط، ويظهر الفرق بينهما في أن جزء العلة المركبة متمّم لمناسبة الحكم، بينما تتمّ المناسبة بدون الشرط.
والكفر وخوف العدوان متمّمان لمناسبة درء الفتنة وصد العدوان، وذلك لأن الأصل في الكفار عداوة الإسلام، لقول الله تعالى: ﴿إنّ الكافرين كانوا لكم عدوّاً مبيناً﴾.
والقدرة تقتضي وجود إمام وراية ومنعة وقوة، وذلك لتحقيق رجحان المصالح على المفاسد.
مما يدل على أن خوف العدوان هو جزء علة جهاد الطلب آية النبذ وآيات براءة وآية جواز صلة غير المحارب.
أما آية النبذ إلى من خيفت خيانتهم، فقد شملت المعاهد ومن في حكمه بالصلة، والخيانة عدوان.
وأما آيات براءة التي نبذت العهود والسلم بدون جزية إلى المشركين، ففيها تأكيد ما في آية النبذ.
وأما آية جواز صلة غير المحارب (البر والقسط إليه)، فقد شملت من ليس لهم عهد أو ما يقوم مقامه.
والنبذ إلى من خيفت خيانتهم يعرف اليوم بقطع الصلات الدبلوماسية.
وهو شرط لمباغتة من لم يغدر.
ولا يشترط نبذ السلم والعهد إلى من خان، وقد خرج النبي ﷺ سراً إلى مكة بعد سنتين من صلح الحديبية الذي كان أمده عشر سنوات، وذلك بسبب خيانة قريش.
فالخيانة تنقض العهد بذاتها بخلاف خوف الخيانة.
قال الله تعالى: ﴿وإمّا تخافنّ من قومٍ خيانةً فانبذ إليهم على سواءٍ إنّ الله لا يحبّ الخائنين﴾.
الآية نص في أن خوف خيانة قوم شرط للنبذ إليهم، ودل حذف المنبوذ على شموله العهد والسلم.
فالنبذ إيذان بالحرب، فتعليقه على خوف الخيانة يدل على أن خوف العدوان جزء علة جهاد الطلب في حق المعاهد ومن في حكمه.
وشرع النبذ للبراءة من الغدر والخيانة.
ولذا فإن خوف الخيانة لا يصح إلا بوجود أماراتها، نص عليه الإمامان الشافعي والطبري.
قال الطبري رحمه الله: (وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك قد فسخت العهد بينك وبينهم، بما كان منهم من ظهور أمار الغدر والخيانة منهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك لهم محارب، فيأخذوا للحرب آلتها، وتبرأ من الغدر) [١].
وقال أيضاً: (فإن قال قائل: وكيف يجوز نقض العهد بخوف الخيانة، و"الخوف" ظن لا يقين؟ قيل: إن الأمر بخلاف ما إليه ذهبت، وإنما معناه: إذا ظهرت أمار الخيانة من عدوك، وخفت وقوعهم بك، فألق إليهم مقاليد السلم وآذنهم بالحرب. وذلك كالذي كان من بني قريظة) [٢].
ومن مناسبة الآيات أن في آية سابقة لآية النبذ إشارة إلى أن تكرار الغدر فيما مضى أمارة خوف خيانة، وهي قول الله تعالى: ﴿الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرّةٍ وهم لا يتقون﴾.
وآيات القرآن يفسر بعضها بعضاً، وقد ذكر الله تعالى خوف العدوان في آيات براءة بقوله تعالى: ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون﴾.
وذكر فيها أمارة خوف العدوان السابقة لقوة المسلمين بقوله تعالى: ﴿ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين﴾.
وهذه الأسئلة الاستقرارية تخاطب ما استقر في النفوس بالشرع والفطرة والعقل من قبح صنيع المعتدين.
وأما قول ابن القيم رحمه الله بأن آية النبذ خاصة بأصحاب العهود المؤقتة فبعيد للعموم في الآية.
وقول المفسرين بأنها نزلت في بني قريظة وبني النضير يدل على شمولها أصحاب العهود المطلقة، لأن عهودهم مع النبي ﷺ كانت مطلقة [غير مؤقتة].
وممن قال بشمولها أصحاب العهود المطلقة الإمام الطبري بقوله: (فكذلك حكم كل قوم أهل موادعة للمؤمنين ظهر لإمام المسلمين منهم من دلائل الغدر مثل الذي ظهر لرسول الله ﷺ وأصحابه من قريظة منها) [٣].
وتشمل الآية من في حكم المعاهد بالصلة، لأن "قوم" نكرة في سياق الشرط فتفيد العموم المخصص بالسياق، ولأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، ولدخول من ليس لهم عهد في آيات براءة التي نبذت العهود والسلم بدون جزية إلى المشركين.
قال الإمام الطبري: (انسلاخ الأشهر الحرم، إنما كان أجل من لا عهد له من المشركين مع رسول الله ﷺ، والأشهر الأربعة لمن له عهد، إما إلى أجل غير محدود، وإما إلى أجل محدود قد نقضه) [٤].
وفي قول الإمام الطبري (أجل غير محدود) إشارة إلى جواز العهد المطلق.
ما سبق مختص بالمعاهد ومن في حكمه بدلالة آية النبذ وآيات براءة.
وأما من ليس لهم عهد ولا ما يقوم مقامه من غير المحاربين، فإن جواز صلتهم والحث على تأليف قلوبهم رجاء إسلامهم لمما يدل على أن خوف العدوان جزء علة ابتداء جهادهم.
قال الله تعالى: ﴿لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبرّوهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين (۸) إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولّوهم ومن يتولّهم فأولئك هم الظالمون﴾.
وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنهما والمفسرون أن البر هنا هو الصلة [٥].
ويؤكد موجب تشريع الجهاد النصوص التي تحرّض المؤمنين على الجهاد معاملةً بالمثل.
من تلك النصوص؛ ﴿أذن للذين يقاتلون بِأنهم ظلموا﴾، ﴿وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة﴾، ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾، ﴿وهم بدءوكم أول مرة﴾، ﴿وأخرجوهم من حيث أخرجوكم﴾.
وسمى الله تعالى إيقاد نار الحرب إفساداً في الأرض في قوله: ﴿كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فساداً والله لا يحب المفسدين﴾.
نسبة القول بأن موجب القتال مجرد الكفر للإمام الشافعي هي بلازم بعيد، ولازم المذهب ليس بمذهب ما لم يلتزمه صاحبه.
فقوله باشتراط المدّة أو خيار النبذ مبنيٌّ على عدم وقوع عهد نصيٍّ إلا مع محاربٍ في عصره، وفي زماننا عهود نصيّةٌ لكلّ الأمم عبر الأمم المتّحدة.
فكلامه واضح في أنه في مهادنة محارب نزلت بسببه بالمسلمين نازلة.
فقد قال: (فأحب للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة - وأرجو أن لا ينزلها الله عز وجل بهم إن شاء الله تعالى - مهادنة يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدة، ولا يجاوز بالمدّة مدة أهل الحديبية، كانت النازلة ما كانت، فإن كانت بالمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة، فإن لم يقو الإمام فلا بأس أن يجدد مدة مثلها أو دونها) [٦].
وسبق نقل كلام الإمام الطبري في العهد المطلق.
ومما قال ابن القيم رحمه الله في جوازه: (وعامة عهود النبي ﷺ مع المشركين كانت كذلك مطلقة غير مؤقتة جائزة غير لازمة) [٧].
ويرى الإمام الشافعي أن العهد المطلق [مع المحارب] لا يجوز بدون خيار النبذ معللاً ذلك بأنه أبدي [لازم] بقوله: (وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدة هدنة مطلقة، فإن الهدنة المطلقة على الأبد وهي لا تجوز لما وصفت، ولكن يهادنهم على أن الخيار إليه حتى إن شاء أن ينبذ إليهم) [٨].
والصحيح في العهد المطلق أنه جائز مع المحارب لازم مع المسالم ما لم تستجد أمارة خوف عدوان.
وذلك لأن أمارة خوف خيانة المحارب سابقة للعهد الاضطراري معه.
فالعقد اللازم لا يجوز إلغاؤه إلا بسبب.
ولا فرق بين العهد المطلق والمؤقت غير لزوم مدة المؤقت مع المحارب ما لم تستجد أمارة خيانة.
وقد حُمل على غير مراد الإمام الشافعي كذلك قوله بعدم قبول الجزية من غير أهل الكتاب والمجوس، فكلامه يحمل على من خيفت عداوتهم منهم.
فلا يلزم من أقواله هذه نفي لزوم السلم مع غير المحارب.
ومما يؤكد ذلك كلامه التالي؛
قوله: (فإن اختلف حال العدو، فكان بعضهم أنكى من بعض أو أخوف من بعض، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف أو الأنكى) [٩].
وتقييد المشركين بالمحاربين في قوله: (ومن كان من أهل الكتاب من المشركين المحاربين قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) [١٠].
وقوله: (فإن قال الإمام: أخاف خيانة قومٍ، ولا دلالة له على خيانتهم من خبرٍ ولا عيانٍ، فليس له - والله تعالى أعلم - نقض مدتهم إذا كانت صحيحة؛ لأن معقولاً أن الخوف من خيانتهم الذي يجوز به النبذ إليهم لا يكون إلا بدلالة على الخوف) [١١].
وقد نص الإمام الطبري كذلك على أن خوف الخيانة لا يصح إلا بأمارات ظاهرة، وسبق نقل كلامه.
وأمارات خوف عدوان الكفار غالبة الحدوث، لأن الأصل فيهم العداوة.
ونحن نرى اليوم أسباب خوف العدوان السابقة لقوة المسلمين من محاربةٍ ومظاهرةٍ عليها وحصارٍ وتضييقٍ ونحوها.
ولذا فإن أثر التعليل بخوف العدوان يكاد ينحصر في البراءة من الغدر وعدم تنفير من يرجى إسلامه.
ويظهر هذا المعنى كذلك بالتأمل في تقديم قتال الأخوف والأنكى مع شرط القدرة.
وقد أمرنا بالدعوة إلى الله تعالى بالحسنى مع استثناء الذين ظلموا.
وفي المسألة ردود على حجج أخرى في ثلاثة مباحث؛ 
والله تعالى أعلم.

المصادر

١. جامع البيان (ج١١/ص‏٢٣٨) - ط هجر
٢. جامع البيان (ج١١/ص‏٢٣٩)
٣. جامع البيان (ج١١/ص٢٣٨)
٤. جامع البيان (ج١١/ص٣١٧)
٥. الولاء الشرعي.
٦. الأم (ج٤/ص‏٢٠٠) - ط الفكر
٧. أحكام أهل الذمة (ج٢/ص٨٧٧)
٨. الأم (ج٤/ص‏٢٠٠)
٩. الأم (ج٤/ص‏١٧٧)
١٠. الأم (ج٤/ص‏٢٥٢)
١١. الأم (ج٤/ص‏١٩٦)

دفع الإشكال عن المأثور في القتال

من أسباب الإشكال في فهم المأثور من النصوص وأقوال السلف تغيُّر الأحوال والمصطلحات.
وسبق أنّ من أسباب عدم ذكر قيد المحاربين أو المخوف عدوانهم في كثيرٍ من أقوال السلف في الحرب والسلم محاربة عامّة مشركي العرب ومن حولهم من نصارى ومجوسٍ المسلمين.
وسبق كذلك أنّ عهود السلم النصيّة في عهد السلف كانت مع المحاربين فقط، وأنّ جواز صلة غير المحاربين كان مبنياً على البراءة الأصليّة من الاعتداء مع أنّ الأصل في الكفّار العداوة، والفرق هو أنّ العلاقات في عصرنا نصيّة عبر منظّمات إقليميّة ودوليّة كالأمم المتّحدة.
قال الإمام الشافعي رحمه  الله: (فلم يكن من الناس أحدٌ في أوّل ما بعث أعدى له من عوام قومه ومن حولهم، وفرض الله عز وجل عليه جهادهم فقال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾  فقيل: فيه فتنة شرك ويكون الدين كلّه واحداً لله، وقال: في قومٍ كان بينه وبينهم شيء ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ الآية مع نظائر لها في القرآن) [٧].
وقوله فيمن لم يكن لهم عهد (كان بينه وبينهم  شيء) مرادٌ  به العدوان  بسبب السياق، وقد يكون مراده الصلة، لأنّ من ليس له صلة ولا عهد لا يشترط النبذ إليه، والاحتمال  الأول أولى بسياق الكلام.
وقد سبق في مبحث فقه نسخ العفو والسلم ببصيرة وعلم بيان أنّ نسخ العفو والسلم عند السلف ظرفيٌّ مشروطٌ بالقدرة، وأنّ العفو هنا هو الكفّ عن قتال المعتدي، وأنّ السلم هنا هو سلم المحارب والمخوف عدوانه بدون جزية. 
وقد سبق في مبحث موجب جهاد الطلب بيان أن نسبة القول بأنّ موجب جهاد الطلب الكفر المجرد للإمام الشافعي رحمه الله هو بلوازم  بعيدة  لمذهبه في مسائل متعلّقة.
فلا يصحُّ قول ابن نجيم الحنفي رحمه الله: (وسبب الجهاد عندنا كونهم حرباً علينا وعند الشافعي هو كفرهم) [١].
فقول الإمام الشافعي رحمه الله بأنّ الهدنة لا تكون إلّا مؤقتةً أو بالنص على جواز إلغائها إذا كانت مطلقة، فلأنّ العهود النصيّة كانت لا تعقد إلا مع من فيه محاربة.
وسبق نقل كلامه  في مبحث موجب جهاد الطلب الذي يدلّ على ذلك، وفيه قوله عندما تحدّث في اشتراط التأقيت أو الخيار في العهد: (إذا نزلت بالمسلمين نازلة).
وأمّا قوله بعدم قبول الجزية  من غير أهل  الكتاب والمجوس فهو فيمن خيف عدوانهم، وسبق نقل كلام الإمام الشافعي رحمه الله الذي يؤكّد هذه المعاني في مبحث موجب جهاد الطلب.
فسبب تشريع الجهاد هو عدوان الكفّار، ومقاصده هي درء الفتنة، ونصرة الدين، وصدّ العدوان والتآمر، ورفع الظلم، وغايته هي إقامة الدين وإعلاؤه، وعلله تختلف باختلاف نوعه.
وهي علل مركّبة، وهي الكفر والمقاتلة في جهاد الدفع، والكفر وخوف العدوان في جهاد الطلب.
يدلّ على سبب تشريع الجهاد النصوص التي تحرّض المؤمنين على الجهاد معاملةً بالمثل.
من تلك النصوص؛ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾، ﴿وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، ﴿وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾.
وسمّى الله تعالى إيقاد نار الحرب إفساداً في الأرض في قوله جل ثناؤه: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾.
فهذا سبب تشريع الجهاد، وأمّا غايته فمن النصوص التي تدلّ عليها قول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
وشرط الانتهاء عن القتال دليلٌ على نفي الإكراه، وأمّا الانتهاء عن الكفر؛ فلأنّه سبب العدوان بالقتال والظلم والتآمر، بدليل استعمال كلمة العدوان على وجه المجازاة بالمثل.
ومقاصد الجهاد مضمّنة في سبب تشريعه وغايته وعلّته.
وأمّا علّة الجهاد فهي مركّبة من وصفين، يختلف الثاني حسب نوع الجهاد.
فجزء العلّة الأول في كلا نوعي الجهاد الكفر.
وجزء العلّة الثاني في جهاد الدفع المقاتلة.
وأمّا في جهاد الطلب فجزء العلّة الثاني هو خوف الخيانة.
وجهاد الطلب هو ما فيه تخيير بين الإسلام والجزية والقتال.
وخوف الخيانة يكون بظهور أماراتها لاحقاً أو بمحاربةٍ سابقة أو غدرٍ سابقٍ للعهد وقوّة المسلمين.
فمن لا تُخشى خيانتهم لا يُلزمون بجزية عند قوّة المسلمين والقدرة عليهم.
فلا يشرع أيّاً من نوعي الجهاد إلا بوجود جزأي علّته المركّبة ليكتمل الوصف علّةً مركّبةً للحُكم.
وهاتان العلّتان المركّبتان لنوعي الجهاد مناسِبتان للحُكمين بتضمّنهما المقاصد والحِكَم.
والعلّة هي الوصف الموجب لتغيّر الحُكم، فهو يدور معها وجوداً وعدماً، وهي وصف ظاهر منضبط مناسب.
والنصوص الدالّة على الجزء الثاني من علّة جهاد الطلب محكمة غير منسوخة.
من تلك النصوص قول الله تعالى ذكرُهُ: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ  إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾.
وسبق في مبحث؛ حُكم العهد المطلق أنّ نبذ العهد إلى أصحابه هو إعلامهم بإلغائه، وأنّه يُعرف اليوم بقطع العلاقات الدبلوماسيّة.
فهذه الآية صريحةٌ في اشتراط خوف الخيانة لنبذ العهد، وفي شمولها كلّ عهدٍ مؤقّتاً كان أو مطلقاً عُرفياًّ كان أو نصيّاً، فكلمة قومٍ تفيد العموم (نكرةٌ في سياق الشرط).
فتخصيص الآية بأصحاب العهود المؤقّتة لا دليل عليه كما شُرح في المبحث السابق.
وأمّا النصوص الأخرى التي تدلّ دلالة صريحة مع آية نبذ العهد إلى أصحابه على علّة جهاد الطلب؛ فمنها قول الله جلّ ثناؤه: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ التوبة [۹: ١٣].
وهذا تعليل راسخٌ في النفوس مقرّر بالشرع، فإنّ الأسئلة التقريريّة والاستنكاريّة تخاطب الفطرة والبداهة العقليّة والشرعيّة، وقد وردت هذه الأسئلة في عدد من الآيات.
فمن تلك الأسئلة الاستنكاريّة قول الله تعالى: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ۸].
ففي هذه الآية تعليل وجوب ابتداء القتال بخوف الخيانة، وفي الآية السابقة ذكر أمارة خوف الخيانة، وهي أنهم بدءُوا الحرب ظلماً وعدوناً؛ ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
وهاتان الآيتان في سياق نبذ عهود المشركين إليهم بآيات براءة، فهما تفسير لآية نبذ عهود من خيفت خيانتهم إليهم، وأفضل تفسير للقرآن هو تفسيره بالقرآن.
فآيات السيف نبذت عهود المشركين إليهم؛ ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ التوبة [۹: ٣].
ولأنّ هذه الآيات من آيات السيف والبراءة، فإنها ليست منسوخة قطعاً، ودلالاتها محكمة، فلزم القول بها.
والنصوص المحكمة التي لم يُنقل أنّها منسوخة تقدّم على الإجماع الظني.
ولذا فإنّ أيّ قول مخالف لدلالتها يعتبر قولاً شاذاً، وأيّ إجماعٍ ظني مخالفٍ لدلالتها يعدّ متوهّهماً.
فهذه العلل مستنبطة من النصوص بفهم سلفي.
فالجهاد إنّما شرع لأنّ همّة الكفّار مقاتلة المسلمين، وتُعرف همّتهم بمحاربة سابقة أو بظهور علاماتها لاحقاً، إذ لو كانت تُعرف بمجرّد معرفتنا بها لما كان للشرط في آية نبذ العهد إلى من خيفت خيانتهم معنىً.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (فإن قال الإمام: أخاف خيانة قومٍ، ولا دلالة له على خيانتهم من خبرٍ ولا عيانٍ، فليس له - والله تعالى أعلم - نقض مدّتهم إذا كانت صحيحة؛ لأنّ معقولاً أنّ الخوف من خيانتهم الذي يجوز به النبذ إليهم لا يكون إلا بدلالة على الخوف) [٢].
وسبق نقل قول الطبري رحمه الله في أنّ خوف الخيانة يكون بظهور أماراتها وعلاماتها في؛ حكم العهد المطلق.
ولذا فإنّ؛ ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ ليست منسوخة ولا تعني نفي جهاد الطلب، فالمعنى؛ الذين همّتهم مقاتلتكم، وتُعرف همّتهم بمؤامرات سابقة أو إعدادٍ لها.
قال ابن كثير رحمه الله: (حتى قال: هذه منسوخة بقوله: (فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) [ التوبة : ٥ ] وفي هذا نظر; لأنّ قوله: (الذين يقاتلونكم) إنّما هو تهييج وإغراء بالأعداء الذين همّتهم قتال الإسلام وأهله، أي: كما يقاتلونكم فقاتلوهم أنتم.
كما قال: (وقاتلوا المشركين كافّة كما يقاتلونكم كافّة) [ التوبة : ٣٦ ]; ولهذا قال في هذه الآية: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم) أي: لتكن همّتكم منبعثة على قتالهم، كما أن همّتهم منبعثة على قتالكم، وعلى إخراجهم من بلادهم التي أخرجوكم منها، قصاصاً) [٣].
وأمّا الحديث المتفق عليه؛ (أمرت أن أقاتل الناس حتّى يشهدوا أن لا إله إلّا الله، وأنَّ محمّداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا منّي دماءهم وأموالهم، إلا بحقّ الإسلام، وحسابهم على الله) [٤]، فلِفهمه على وجهه المراد، يجب فهم ثلاث مسائل؛
الأولى؛ الراجح في لام التعريف (ال) أنّها للعهد، فالمعنى؛ أمرتُ أن أقاتل هؤلاء الناس (مشركي العرب المحاربين الممتنعين عن دفع الجزية)، ويُلحق بهم من ماثلهم في المحاربة مع الامتناع عن دفع الجزية.
وعلى القول بأنّ الجزية لا تقبل من المشركين العرب أو كلّ المشركين عرباً وعجماً، يكون المراد المحاربين منهم.
وقد تكون لام التعريف (ال) التي للعهد في الحديث لأهل مكّة ومن حولها، ويكون سبب عدم قبول الجزية منهم شدّة محاربتهم الإسلام لا لكونهم مشركين ولا لكونهم عرباً، فيلحق بهم كل من اشتد في عدوانه قبل قوة المسلمين.
الثانية؛ أنّ الحديث في القتال وليس القتل.
الثالثة؛ أنّ الغاية في قوله: (حتى يشهدوا) هي غاية الكف عن القتال وليست غاية المقصد.
أمّا المراد بالناس، فلرواية؛ (أمرت أن أقاتل المشركين).
والإمام الشافعي رحمه الله يرى أنّ الجزية لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس، وأنّ المشركين عرباً وعجماً لا تقبل منهم الجزية، وهو قول مرجوح.
فعلى هذا القول يكون الحديث فيمن خيفت خيانتهم من المحاربين من المشركين عرباً وعجماً.
ولا يبعد أن يكون هذا مراد الشافعي رحمه الله، فإنّ القول بابتداء قتال من لم يحارب ولم نخف خيانته مخالف للمقرّر بالنصوص المحكمة المستقرّ في الفطرة.
فممّا قد يبيّن قول الشافعي رحمه الله المطلق تقييده في مواضع منها ما يلي:
قال الإمام الشافعي رحمه الله فيمن تقبل منهم الجزية: (ومن كان من أهل الكتاب من المشركين المحاربين قوتلوا حتى يسلموا أو يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون) [٥].
وقال أيضاً: (فإن اختلف حال العدوّ، فكان بعضهم أنكى من بعضٍ أو أخوف من بعضٍ، فليبدأ الإمام بالعدو الأخوف أو الأنكى) [٦].
وقد سبق نقل كلامه في أنّ خوف الخيانة يكون بدليل عليها لا بمجرد معرفة الإمام.

وأمّا قول الإمام الشافعي رحمه الله بأنّ الهدنة لا تكون إلّا مؤقتةً أو بالنص على جواز إلغائها إذا كانت مطلقة، فلأنّ العهود النصيّة كانت لا تعقد إلا مع من فيه محاربة، ففي عصره لم توجد عهود نصيّة مع غير المحاربين عبر منظّمات إقليميّة ودوليّة كالأمم المتّحدة.
يدلّ على ذلك قوله عندما تحدّث في اشتراط التأقيت في العهد: (إذا نزلت بالمسلمين نازلة).
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (فأحبّ للإمام إذا نزلت بالمسلمين نازلة - وأرجو أن لا ينزلها الله عز وجل بهم إن شاء الله تعالى - مهادنةً يكون النظر لهم فيها، ولا يهادن إلا إلى مدّة، ولا يجاوز بالمدّة مدّة أهل الحديبية، كانت النازلة ما كانت، فإن كانت بالمسلمين قوة قاتلوا المشركين بعد انقضاء المدة، فإن لم يقو الإمام فلا بأس أن يجدد مدّة مثلها أو دونها) [٨].
فقوله: (نزلت بالمسلمين نازلة) يدلّ على أن كلامه في معاهدة المحاربين من الكفّار.
ورأيه هذا هو بسبب ظنّه أنّ العهود المطلقة تؤدّي إلى إلغاء جهاد الطلب، وليس فيه ما يدلّ على أنّه يرى أنّ جهاد الطلب ليس خاصّاً بالمحاربين ومن خيفت خيانتهم.
فأقواله تدلّ على أنّه يمنع العهد المطلق لكونه لازمٌ ولأنّ الأصل وجوب قتال الكفّار حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية، وقد قيّد الكفّار بالمحاربين في المواضع التي سبق نقلها.
قال الشافعي رحمه الله: (وليس للإمام أن يهادن القوم من المشركين على النظر إلى غير مدّةٍ هدنةً مطلقةً، فإنّ الهدنة المطلقة على الأبد وهي لا تجوز لما وصفت، ولكن يهادنهم على أنّ الخيار إليه حتى إن شاء أن ينبذ إليهم) [٩].
وفي القول بأنّ الهدنة المطلقة أبديّة نظر، وذلك لأنّ الهدنة لا تكون إلّا مع محارب، والعهد مع المحارب غير لازمٍ (جائزٌ) لأنّ ابتداءه محاربة المسلمين ظلماً وعدواناً أمارةٌ سابقةٌ من أمارات خوف خيانته.
وأما غير المحارب فلا يكون العهد المطلق معه أبديّاً إلّا مع استقامته، والأصل في الكفّار الذين لا ترجى توبتهم العداوة، فلابدّ أن تظهر علامات خيانة منهم.
ولا يختلف اثنان في وجود عهود عرفيّة مطلقة في عهد الرسالة قبل قوّة المسلمين.
ولكن الإمام الشافعي لا يعتبر العقود العرفيّة، وهي قاعدة يخالفه فيها سائر الأئمة والعلماء.
ولا يصحّ التفريق بين العهد المؤقّت والمطلق في جواز النبذ بخوف الخيانة، فكلاهما لازمٌ مع الفرق في مدّة اللزوم.
والإمام الشافعي يجيز نبذ العهد المؤقّت إلى أصحابه بخوف الخيانة قبل نهاية مدّته، وهو لازمٌ قبل نهاية المدّة.
وسبق في مبحث؛ حكم العهد المطلق أنّ النصوص صريحة الدلالة على أنّ النبذ إلى كل معاهد خيفت خيانته ونقل كلام الإمام الطبري في هذا المعنى.
وفي عموم معنى الحديث قال ابن تيمية رحمه الله: (وقول النبي ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة؛ ويؤتوا الزكاة) مراده قتال المحاربين الذين أذن الله في قتالهم، لم يرد قتال المعاهدين الذين أمر الله بوفاء عهدهم) [١٠].
وقال قبل ما سبق: (وليس في القرآن ولا الحديث تخصيص العرب بحكم من أحكام الشريعة) [١١].
وقال: (وكذلك ظنّ من ظنّ أنّ الجزية لا تؤخذ من مشركي العرب مع كونها تؤخذ من سائر المشركين. وجمهور العلماء على أنّه لا يفرّق بين العرب وغيرهم) [١٢].
وقال حكايةً عمّن قال من العلماء تؤخذ الجزية من كلّ كافر: (قالوا: فدان المشركون كلّهم كافّة بالإسلام ولم يرضوا بذلّ أداء الجزية) [١٣].
فيُفهم من هذا مع شدّة عداوة مشركي العرب قبل فتح مكّة أنّ منهم من امتنع عن الجزية والإسلام قبل أن يسلموا.
فلهذا مع ما يلي من نصوص في أخذ الجزية من المشركين يحتمل أن يكون النبي ﷺ قد عرض الجزية على أهل الطائف مثلاً أثناء حصارها وبعده.
وكانت غزوتا حنين والطائف بعد فتح مكّة، فبعد هزيمة قبيلتي هوازن وثفيف في حنين تحصنوا بالطائف، فحاصرهم المسلمون فيها، فلم ينالوا منهم، فأمر النبي ﷺ بالرحيل، ثمّ أسلمت ثقيف السنة التي بعدها.
فوقوع تفاوضٍ على الجزية واردٌ بعد حصار الطائف وأثناء هذا الحصار الذي لم يتمكّن فيه المسلمون من عدوّهم، فقد نُسخ السلم (مع المحاربين) بدون جزية بعد فتح مكّة.
وقد دلّت السنّة على أنّ النبيّ ﷺ عرض الجزية على المشركين.
من ذلك أنّ النبيّ ﷺ قال لبريدة بن الحصيب رضي الله عنه: (وإذا لقيت عدوّك من المشركين؛ فادعهم إلى ثلاث خصال) ... إلى قوله: (فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكفّ عنهم) [١٤].
ومن ذلك أنّ النبيّ ﷺ أمر معاذاً رضي الله عنه أن يأخذ من كل حالم ديناراً أو عدّ له معافرياً ولم يميّز بين المشركين وأهل الكتاب، فدلّ ذلك على أنّ المشركين من العرب آمنوا، قاله ابن تيمية رحمه الله [١٥].
والروايات المختلفة تشرح معنى الحديث، سواء روي الحديث بالمعنى أو بنصّه أو تكرّر من النبي ﷺ، فإذا روي بالمعنى فإنّ فهم السلف مقدّم على غيرهم.
ففي رواية البخاري المعلّقة وغيره؛ (أمرت أن أقاتل المشركين حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبائحنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها) [١٦].
والعام قد يراد به الخصوص، فلا شك أنّ الناس هنا لا تشمل المسلمين.
ومثال إرادة الخصوص بكلمة الناس؛ قول الله تعالى ذكرُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ آل عمران [٣: ١٧٣].
والخصوصيّة الثابتة في الأحكام هي لجزيرة العرب لا للعرب في أنفسهم.
وأصحّ الأقوال في إجلاء الكفّار من جزيرة العرب أنّها للمصلحة الضرورية إضافةً لخصوصيّة جزيرة العرب.
والمصلحة الضرورية هي التي يترتب على فواتها ضرر، والضرر هنا هو المحاربة.
يدلّ على ذلك إقرار النبي ﷺ اليهود والنصارى على الجزية في جزيرة العرب قبل أن يأمر بإخراجهم، فقد كان أمره ﷺ  بإخراج الكفّار من جزيرة العرب في آخر حياته بعد ظهور خطرهم ومحاربتهم.
قال رسول الله ﷺ: (لأخرجنّ اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً) [١٧].
وهذا ما فهمه الخلفاء الراشدون فعملوا بالفعل الخاص المتقدّم أوّلاً، ولم يعملوا بالأمر العام المتأخّر إلّا بعد خوف خيانة من أجلوهم بظهور أماراتها سابقاً أو لاحقاً.
فهذا ما فعله عمر رضي الله عنه بأهل نجران، فقد أجلاهم لنقضهم العهد الذي صولحوا عليه تنفيذاً للأمر المتأخّر.
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن أهل نجران؛ (وكان عمر يخافهم أن يميلوا على المسلمين) [١٨].
ونجران ليست من الحجاز، مما يدلّ على أنّ جزيرة العرب المرادة بإخراج الكفّار منها أوسع من الحجاز.
وأصحّ الأقوال فيها هو أنّها تشمل أرض العرب كلّها، وذلك لعدم الدليل على الخصوص.
قال أبو الوليد الباجي: (وقال مالك: جزيرة العرب منبت العرب قيل لها جزيرة العرب لإحاطة البحر والأنهار بها) [١٩].
ولكن الحجاز أخصّ من غيرها لورود نص خاص في إخراجهم منها.
فهذا العموم في معنى جزيرة العرب مع إقرار الخلفاء الراشدين بقاء الكفّار في اليمن والشام ونحوهما يدلّ على أنّ إجلاءهم متعلّق بالمصلحة الضروريّة.
ومن ذلك أنّ عمر رضي الله عنه أجلى يهود خيبر إلى الشام، والشام من جزيرة العرب على الأرجح، ولم يخرجهم إلا بعد تجدد عدوانهم مع أنّ عهدهم كان جائزاً غير لازم، وكان النبي ﷺ قد أجلاهم من المدينة إلى خيبر بسبب غدرهم.
قال ابن القيّم رحمه الله: (ولا خلاف أنّ خيبر من جزيرة العرب، فعمل الخليفتان الراشدان بالخاص المتقدّم، وقدّماه على العام المتأخّر، وأُقرّ أهل خيبر فيها إلى أن أحدثوا في زمن عمر رضي الله عنه ما أحدثوا وعلم، فأجلاهم إلى الشام) [٢٠].
والخاص المتقدّم هو إقرار النبي ﷺ أهل خيبر فيها، والعام المتأخّر هو أمره بإخراج الكفّار من جزيرة العرب.
أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر رضي الله عنه قال: (قام عمر خطيباً فقال: إنّ رسول الله ﷺ كان عامل يهود خيبر على أموالهم، وقال: (نقركم ما أقركم الله). وإن عبد الله بن عمر خرج إلى ماله هناك، فعدي عليه من الليل، ففدعت يداه ورجلاه، وليس لنا هناك عدو غيرهم، هم عدونا وتهمتنا، وقد رأيت إجلاءهم) [٢١].
ولكن عموم قول النبي ﷺ: (لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) يدلّ على عدم جواز إدخال من لم يكن من سكّانها من الكفّار للإقامة فيها إلا مروراً أو لمصلحة ضروريّة كما نصّ على ذلك العلماء.
واختلفوا في مرورهم بمكّة فذهب الجمهور إلى عدم جواز مرورهم بها، وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾.
والغاية في حديث (أمرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ...إلخ) هي غاية الكفّ والحبس، وكذا قوله؛ (فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم)، وذلك لأنّ الحديث في القتال لا القتل.
ولو كانت الغاية هي غاية المقصد لكان أولى الناس بالقتل في الحرب هم الرهبان ولجاز قتل النساء.
وممّا يدلّ على أنّ الغاية ليست غاية المقصد أيضاً قبول الجزية ممّن لم يقبل الدخول في الإسلام.
والإسلام هو غاية الكفّ والحبس لأنّ الكفر هو سبب الشحّ والحسد وعداوة المسلمين وقتالهم واستضعاف الشعوب والأمم وسرقة خيراتها والعدوان على الناس، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾.
وهذا المعنى هو المراد كذلك بقول النبي ﷺ: (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له)، رواه الإمام أحمد وصححه الألباني في صحيح الجامع.
فالمعنى أنّه إذا عُبد الله وحده تحقّق الكفّ عن السيف، لأنّ الشحّ والصد عن سبيل الله يكون مع الشرك ولابدّ.
وأما قول الحق تبارك وتعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فالآية خبر عن واقع، وهي عامّة في مثله.
وذلك لأنّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فالآية عامّة فيمن كانت صفتهم مثل صفة من نزلت فيهم.
وقد نزلت الآية في قتال الروم بعد الفراغ من قتال مشركي العرب وإسلامهم.
فالآية فيمن خُشي شره بظهور علاماته بمحاربةٍ سابقة قبل قوّة المسلمين أو بظهور علامات الشر لاحقاً.
مما يدلّ على ذلك ما رواه البخاري من قول عمر رضي الله عنه: (ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنّه يريد أن يسير إلينا) [٢٢].
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى في تفسير الآية: (ولم تغمض عين دولة الروم حامية نصارى العرب عن تداني بلاد الإسلام من بلادهم، فأخذوا يستعدون لحرب المسلمين بواسطة ملوك غسان سادة بلاد الشام في ملك الروم.
ففي صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب أنه قال "كان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكاً من ملوك غسان ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا وأنهم ينعلون الخيل لغزونا.
فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب فقال: افتح افتح فقلت: أجاء الغساني؟ قال : بل أشد من ذلك اعتزل رسول الله ﷺ نساءه" إلى آخر الحديث) [٢٣].
وإذا كان من العلماء من نصّ على أنّ قيد غاية الجزية لا مفهوم له لأنّ الآية حكاية عن واقع، فمن باب أولى القول بأنّها عامّة فيمن حالهم مثل حال من نزلت فيهم.
قال الشيخ السعدي رحمه الله في قيد أهل الكتاب في الآية: (وقيل: إنّ الجزية تؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، لأنّ هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم، فيكون هذا القيد إخباراً بالواقع، لا مفهوم له) [٢٤].
والأولى أن يقال أنّ الآية تدلّ على معاملة المشركين كمعاملة أهل الكتاب بدلالة الأولى، قاله ابن تيمية رحمه الله.
فالنهي عن معاهدة المشركين بدون جزية أولى من النهي عن معاهدة أهل الكتاب بدون جزية.
فقد كان العهد مع المحاربين قبل آيات براءة بدون جزية، ثم لمّا نزلت آيات براءة أمر النبي ﷺ بغزو جميع المحاربين حتى يعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون.
وأمّا ترك النبي ﷺ الإغارة عند سماع الأذان، فهو بسبب خشية إصابة من في دار الحرب من المسلمين.
في الحديث المتفق عليه؛ عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا غزا قوماً لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذاناً أمسك، وإن لم يسمع أذاناً أغار بعد ما يصبح، فنزلنا خيبر ليلاً) [٢٥].
ولا شكّ في خطأ القول بأنّ الغرض من تسمُّع النبي ﷺ الأذان معرفة ما إذا كان أهل  البلدة مسلمين أم لا، بدليل قول أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبي ﷺ تسمَّع الأذان عند خيبر، وذلك لأنّ النبي ﷺ يعلم أنّ أهلها يهود.
وكان اليهود قد غدروا وخانوا العهد الذي كان بينهم وبين النبي ﷺ.
ففي صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: (قال: فخرجنا إلى خيبر، فانتهينا  إليهم ليلاً، فلما أصبح ولم يسمع أذاناً ركب) [٢٦].
قال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله: ("وينظر، فإن سمع أذاناً كف عنهم" أي: كان يتثبت فيه ويحتاط في الإغارة، حذراً عن أن يكون فيهم مؤمن فيغير عليه غافلاً عنه جاهلاً بحاله[٢٧]، ولهذا بوب له من وضع أبواب صحيح مسلم بِ؛ (باب الإمساك عن الإغارة على قوم في دار الكفر، إذا سمع فيهم الأذان) [٢٨].
وفي سماع الأذان في دار الكفر دلالةٌ على أنّ أهلها راضون بإعلان الأذان غير صادّين عن الدين.
وبما أنّ خوف الخيانة ظن غالب وليس بيقين، فإنّ رضا الكفار بإعلان الأذان في دارهم سبب آخر لعدم الإغارة عليهم يضاف إلى الحذر من إصابة مسلمين بين الكفار.
قال ابن هُبَيْرَة رحمه الله: (وأما قوله: (فإن سمع أذاناً أمسك) فإن الأذان إذا أعلن به معلن في حي فقد دل على أن أهل ذلك الحي راضون ذلك الإعلان، فتحرم دماؤهم وأموالهم) [٢٩].
وجب ترك الإغارة عند سماع الأذان في دار الحرب لأنّ ضرر ترك جهاد طلب أخفّ من ضرر إراقة دم المسلم.
وهذا على خلاف جهاد الدفع، فقد يلزم مع إصابة من تترّس بهم الكفّار من المسلمين بدون تقصّدهم، فترك القتال قد يؤدّي إلى قتل أعداد أكبر من المسلمين وتسلّط الكفّار على المسلمين.
قال الله تعالى في منع المؤمنين من عمرة الحديبية: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ  لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ  لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.
فقوله: ﴿لو تزيلوا﴾ أي تمايزوا، فلمّا كان بمكّة مؤمنون يُخفون إسلامهم، فقد تأخر فتحها خشية أن يقتلهم المسلمون وهم يجهلون حالهم.
القول بأنّ الغرض من تسمُّع النبي ﷺ الأذان معرفة كُفر أهل البلد التي تُغزى، يوحي بأنّه كان يغزو الكفار دون سبب، وهذا مناقض لما تقرر  بالنصوص المُحكمة.
والقول بأنّ الإسلام انتشر بالسيف هو قول أعداء الملّة والأمّة، وهو مما ينفّرون به الناس عن دين الله عز وجل، وهو مخالف للنصوص البيّنة والمسلّمات المحكمة.
ومن غير فهم سبب مشروعية جهاد الطلب تحرج الدولة الإسلامية في عصرنا بسؤال المستشرقين وأعداء الأمة؛ ماذا تفعلون إذا قويت شوكتكم بأصحاب العهود المطلقة؟
ولم يكن الأمر في بداية الإسلام مختلفاً عمّا هو عليه الآن، فلمّا كانت دولة المسلمين صغيرة ناشئة في المدينة كانت ثمة إمبراطوريتين عظيمتين وقبائل ودولاً حولها.
وكما يحاول العلمانيون اليوم الاستعانة بالغرب والشرق ضد المسلمين، فقد حاول المشركون واليهود الإيقاع بين المسلمين وملك الحبشة وبين المسلمين وملوك الروم.
وسيرة النبي ﷺ معلومة في قتال من قاتله دون غيره، ثمّ لمّا أعزّ الله الإسلام والمسلمين تبرّأ من عهود المشركين الذين ظهرت أمارات مؤامرتهم قبل أو بعد قوة المسلمين.
فنُسخت آيات السلم بآيات السيف، والعنى نسخ السلم بدون جزية، وهو بسبب القدرة على الغزو ابتداءً لإرغام المحاربين، فهو معلّق بالقدرة.
قال ابن القيم رحمه الله: (ومن تأمل سيرة النبي ﷺ تبين له أنه لم يكره أحداً على دينه قط، وأنه إنما قاتل من قاتله، وأما من هادنه فلم يقاتله ما دام مقيماً على هدنته، لم ينقض عهده، بل أمره الله تعالى أن يفي لهم بعهدهم ما استقاموا له، كما قال تعالى: فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم.
فلما قدم المدينة صالح اليهود وأقرهم على دينهم، فلما حاربوه ونقضوا عهده وبدءوه بالقتال قاتلهم، فمنَّ على بعضهم، وأجلى بعضهم، وقاتل بعضهم. وكذلك لما هادن قريشاً عشر سنين لم يبدأهم بقتال حتى بدءوا هم بقتاله ونقض عهده، فحينئذ غزاهم في ديارهم، وكانوا هم يغزونه قبل ذلك كما قصدوه يوم الخندق، ويوم بدر أيضاً هم جاءوا لقتاله ولو انصرفوا عنه لم يقاتلهم) [٣٠].
كلام ابن القيم هذا كان في سياق رد شبهة اليهود والنصارى في أنّ الإسلام انتشر رغبة في الدنيا أو رهبة من السيف.
ورغم ما في كلام ابن القيّم رحمه الله من عموم وإطلاق إلا أنه يلاحظ أنّ كل ما ذكره قبل فتح مكة.
فيلزم أنّ أصل ما ذكره صحيح بعد الفتح وإن اختلف قليلاً، لأن أصل رد الشبهة الواحدة باق كما هو مهما اختلفت الظروف، وتبقى فروق بسبب اختلاف الحال.
والكفر هو جزء علة مشروعية القتال لعدم جواز اقتتال المسلمين وعصمة دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام.
ومن حق الإسلام إقامة الشرائع الظاهرة المتواترة والانتهاء عن المحرمات الظاهرة المتواترة، كما قاتل أبوبكر الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة.
ومن حقّ الإسلام رد البغي والعدوان، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا  فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ الله  فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا  إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
قال رسول الله ﷺ: (لا ترجعو بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض).
وقد أنكر بعض الناس مشروعية جهاد الطلب بحجّة تحوّل البشرية في عصرنا من التسلّط إلى الحريّات، ولا أدري أين هؤلاء من حق الفيتو واعتداءات دولٍ قويّةٍ على ضعيفةٍ وسرقة خيراتٍ وظلمٍ وقهرٍ وتجاوزٍ للمواثيق الدولية.
وأمّا في ديننا فإنّ جهاد الطلب لم يُشرع لسرقة خيرات الناس ولا لاستعباد البشر ولا لظلمهم.
فقد كان سبب تشريع الجهاد بنوعيه هو عدوان الكفّار.
ومقاصد الجهاد هي درء الفتنة، ونصرة الدين، وصدّ العدوان والتآمر، ورفع الظلم.
وغاية الجهاد هي إقامة الدين والتوحيد وإعلاء الكلمة والراية.
وعلّة جهاد الدفع مركّبة من الكفر والمقاتلة.
وعلّة جهاد الطلب مركّبة من الكفر وخوف الخيانة.
والمراد بالسبب هنا الوصف الذي لولاه ما شُرع الجهاد، فهو سبب نزول آيات تشريع الجهاد.
والمراد بالغاية الوصف النهائي المعتبر نيةً وعملاً موصلاً إليه.
والمراد بالعلّة الوصف الموجب لتغيّر الحكم الشرعي.
والمراد بالمقصد (الحِكمة) الوصف الذي يدلّ على مناسبة الحكم وصحّته.
فالعلّة كثيراً ما تكون غير الحِكمة (المقصِد بتعبير حديث).
وبالمثال يتّضح المقال؛ فحُكم جواز الفطر في نهار رمضان له علّتان وحِكمة منصوص عليها كلّها في القرآن.
فالعلتان اللّتان يدور معهما حكم جواز الفطر في نهار رمضان وجوداً وعدماً هما السفر والمرض، والحِكمة هي التيسير ودفع المشقّة.
فلم يرِد في جواز الفطر في نهار رمضان؛ من وجد مشقّة أو ظنّ حصولها فعدّة من أيام أخر.
وإنّما ورد فيه قول الله تعالى ذكرُه: ﴿وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾.
ولمزيدٍ في ضبط العلل والحِكم بهذا المثال؛ مدونتي » أحكام » حد السفر الشرعي.

المصادر

١. البحر الرائق شرح كنز الدقائق ومنحة الخالق وتكملة الطوري (ج٥/ص٧٦) - زين الدين ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ).
٢. الأم للشافعي (ج٤/ص‏١٩٦) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٣. تفسير ابن كثير (ج١/ص٤٨٧)، المحقق؛ محمد حسين شمس الدين، الناشر؛ دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون – بيروت، الطبعة الأولى - ١٤١٩هـ.
٤. أخرجه البخاري (٤٢٥) ومسلم (٢٢) باختلاف يسير
٥. الأم للشافعي (ج٤/ص‏٢٥٢) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٦. الأم للشافعي (ج٤/ص‏١٧٧ ) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٧. الأم للشافعي (ج٤/ص‏١٨١) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٨. الأم للشافعي (ج٤/ص‏٢٠٠ ) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٩. الأم للشافعي (ج٤/ص‏٢٠٠) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
١٠. مجموع الفتاوى (ج١٩/ص‏٢٠) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١١. المصدر السابق ص١٨.
١٢. المصدر السابق ص١٩.
١٣. المصدر السابق ص٢٠.
١٤. أخرجه مسلم (١٧٣١) واللفظ له، والترمذي (١٦١٧)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٨٧٦٥)، وابن ماجه (٢٨٥٨)، وأحمد (٢٣٠٣٠)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٣٢٥).
١٥. مجموع الفتاوى (ج١٩/ص‏٢٣) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٦. أخرجه النسائي (٣٩٦٦) واللفظ له، وأخرجه البخاري معلقاً (٣٩٣) بنحوه، وموصولاً (٣٩٢) بلفظ؛ (أقاتل الناس حتى يقولوا)، وصححه الألباني في؛ صحيح النسائي (٣٩٧٦).
١٧. صحيح مسلم (١٧٦٧).
١٨. مصنف ابن أبي شيبة (٣٩٧٩٤) - (ج٢١/ص‏١٢٤) - أبو بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) - ت الشثري.
١٩. المنتقى شرح الموطإ (ج٧/ص‏١٩٥) - أبو الوليد الباجي (ت ٤٧٤هـ).
٢٠. الفروسية المحمدية (ج١/ص‏١٤٩) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
٢١. صحيح البخاري (٢٧٣٠)، (ج٢/ص‏٩٧٣) - البخاري (ت ٢٥٦) - ت البغا.
٢٢. البخاري (٥٨٤٣)، مسلم (١٤٧٩).
٢٣. التحرير والتنوير (ج١٠/ص١٦٢)، الدار التونسية للنشر، سنة النشر؛ ١٩٨٤م.
٢٤. تيسير الكريم الرحمن (ج١/ص‏٣٣٤) - عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦هـ).
٢٥. صحيح البخاري (٢٩٤٣).
٢٦. صحيح البخاري (٦١٠)، (ج١/ص١٢٥)، المحقق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر؛ دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، ١٤٢٢هـ.
٢٧. تحفة الأبرار شرح مصابيح السنة (ج٣/ص١٦)، تحقيق؛ لجنة مختصة بإشراف نور الدين طالب، الناشر؛ وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، عام النشر؛ ١٤٣٣هـ - ٢٠١٢م.
٢٨. صحيح مسلم (ج١/ص٢٨٨)، المحقق؛ محمد فؤاد عبد الباقي، الناشر؛ دار إحياء التراث العربي – بيروت.
٢٩. الإفصاح عن معاني الصحاح (ج٥/ص‏٣٦١) - ابن هبيرة (ت ٥٦٠هـ)، المحقق؛ فؤاد عبد المنعم أحمد، الناشر؛ دار الوطن، سنة النشر؛ ١٤١٧هـ.
٣٠. هداية الحيارى في أجوبة اليهود والنصارى (ج١/ص‏٣٠) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
pdf