الإيمان بصلاح القلب والكفر بفساده

لا كفر بدون فساد القلب، ومن عمل المحظور ما هو كفرٌ صريح، وجنس العمل ركن للإيمان، وهو جنس الصلاة، وآحاد العمل جزءٌ مكمّلٌ للإيمان، بما فيها آحاد الصلاة.
الكفر عند بعض الغلاة مجرّد حركاتٍ ظاهرة لا علاقة لها بالباطن.
مما يذكرونه لتقعيد هذا الأصل الفاسد؛ السجود للصنم لأجل مال أو اعتناق النصرانية لأجل مال.
وجواب ذلك هو؛ أنّ من فعل ذلك فقد قدم حب الدنيا والمال على حبّ الله.
قال الله تعالى ذكرُهُ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ  ۖ  وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾ [١].
فأعمال القلوب ليست محصورة في التصديق والتكذيب، فمنها؛ الانشراح والضيق، والمحبة والبغض، والرضا والسخط، والصدق والنفاق، والتعظيم والاستهانة، والاطمئنان والشك، والخضوع والاستكبار، والاستسلام والإباء.
فالتلازم بين الظاهر والباطن من البدهيات العقليّة والضرورات الشرعيّة.
فمن أتى بكفرٍ صريح مع انتفاء الموانع، فقد فسد باطنه أوّلاً فأدّى إلى فساد ظاهره.
قال الله تعالى: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١۰٦)﴾ [٢].
قال ابن تيمية رحمه اللهُ تعالى: (فإنّه من كفر من غير إكراه فقد شرح بالكفر صدراً) [٣].
وكذا سائر موانع التكفير، فمن كفر من غير مانع تكفير، فقد شرح بالكفر صدراً.
فالمكفرات الصريحة من أعمال الجوارح مع عدم الموانع هي دلالات على كفر الباطن.
والكفر المحتمل في ذاته يُسأل صاحبه عن دافعه القلبي، فلأن معاونة كفار على المُسلمين كفر محتمل في ذاته؛ قال النبي ﷺ لحاطب رضي الله عنه: (ما حملكَ على ما صنعتَ؟).
وأمّا الكفر الصريح، فلا حاجة فيه لسؤالٍ لغير التحقّق من موانع التكفير الخمسة، وهي؛ الخطأ، والإكراه، والجهل، والتأويل أو الشبهة، وزوال العقل.
ولا يشترط الاستحلال (اعتقاد صلاح العمل) ولا تصريح باعتقاد آخر للتكفير بالكفر الصريح.
فالملازم للكفر الصريح أعمال قلبيّة أخرى غير الاستحلال، كتذلّل القلب لمخلوقٍ كتذلّله لله تعالى.
وإنّما يشترط الاستحلال للتكفير بالذنوب، ويشترط التحقق من الاعتقاد كذلك فيما هو محتمل للأصغر والأكبر من الكفر والشرك.
ومن الكفر الصريح في ذاته ما لا ترد عليه موانع الجهل والتأويل والشبهة كسب الله جل ثناؤه.
وقد لا يرد على الكفر الصريح في ذاته احتمال في غيره، فلا يعتبر الغضب المعتاد مانعاً من تكفير من سبّ الله تعالى.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وما كان كفراً من الأعمال الظاهرة، كالسجود للأوثان، وسب الرسول ﷺ، ونحو ذلك، فإنما ذلك لكونه مستلزماً لكفر الباطن، وإلا فلو قدر أنه سجد قدام وثن، ولم يقصد بقلبه السجود له، بل قصد السجود لله بقلبه لم يكن ذلك كفراً) [٤].
والتلازم هنا هو التلازم الجلي البدهي الضروري، ولا يجوز التكفير باللازم الخفي ولا الجلي النسبي الذي قد يخفى على بعضٍ ويحتاج إلى نظر وتأمل، وهو المراد بقاعدة لازم القول ليس بلازم حتى يلتزمه صاحبه.
قال ابن تيمة رحمه الله تعالى: (والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح صلح الظاهر، وإذا فسد فسد) [٥].
وقال: (ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلَّف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: (ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد ألا وهي القلب) [٦]) [٧].
كلا غلاة التكفير والمرجئة فصلوا بين الظاهر والباطن، كلٌ من جهة مختلفة عن الآخر معاكسة له، وكلا الطرفين مخالف للجبلة الفطرية والضرورة العقلية مع مخالفته للنُّصوص الشرعية، والحق وسط بين الطرفين.
فالمرجئة بطوائفهم المختلفة فصلوا بين الظاهر والباطن من الجهة المعاكسة للتكفيريين، إما فصلاً كلياً أو جزئياً بما يُخالف الشرع والعقل والفطرة.
فمذهب المرجئة بمختلف طوائفهم هو إرجاء أعمال الجوارح فعلاً للمنهيات وتركاً للمأمورات عن مسمى الإيمان، إما كل أعمال الجوارح فعلاً وتركاً، أو بعضها، وأصل ضلالهم اعتبار الإيمان كلٌ لا يتفاوت.
أمّا من ناحية المنهيات؛ فالمرجئة أخرجوا عمل المنهيات الظاهرة - كلّها أو بعضها - عن مسمّى الكفر أو الفسق أو ضعف الإيمان عموماً.
فغلاة المرجئة زعموا أنّ الإنسان يُمكن أن يكون صحيح الإيمان في الباطن مهما أتى من أعمال مكفِّرة؛ كقتل الرسل واعتناق البوذية ومعاداة الدين.
وأمّا من ناحية المأمورات؛ فمن المرجئة من حصر الإيمان في معرفة القلب أو تصديقه، ومنهم من أدخل فيه غيرهما من أعمال القلوب مع إنكار صلتها بأعمال الجوارح، ومنهم من أدخل إقرار اللسان فقط في مسمّى الإيمان وأخرج منه العمل، إمّا آحاده جزءً من الإيمان مكمّلاً له، أو جنس العمل ركناً في الإيمان، وهو مذهب مرجئة الفقهاء أيضاً.
ولا يفرق غلاة المرجئة بين أقوى الناس وأضعفهم إيماناً (بفعل منهيات وترك مأمورات)، فإيمان أبي بكر الصديق رضي الله عنه عندهم مثل إيمان أشد الأمة فسقاً، والعياذ بالله من الضلال.
وقد علم بالضرورة الشرعية والعقلية بطلان مذاهب المُرجئة البعيد منها والأبعد عن الحق، سواءٌ في ترك المأمورات أو فعل المنهيات باطنةً أو ظاهرة.
أمّا منهج أهل السنة في المنهيات؛ فلأن الظاهر لا ينفصل عن الباطن إلا بموانع، ولأنه لا سبيل للنظر في الباطن؛ فإن التكفير منوط بفعل منهيات ظاهرة (الكفر الصريح) مع توفّر شروط وانتفاء موانع، لا بالنظر في الباطن.
ولا يشترط الاستحلال (اعتقاد صلاح العمل) ولا تصريح باعتقاد آخر للتكفير بالكفر الصريح.
فالملازم للكفر الصريح أعمال قلبيّة أخرى غير الاستحلال، كتذلّل القلب لمخلوقٍ كتذلّله لله تعالى.
وإنّما يشترط الاستحلال للتكفير بالذنوب، ويشترط التحقق من الاعتقاد كذلك فيما هو محتمل للأصغر والأكبر من الكفر والشرك.
وإنّ إبليس وفرعون وغيرهما من أهل الكفر إنما كفروا بعد تصديق القلب ومعرفته.
فمن أعمال القلوب؛ الخضوع والاستكبار، والتعظيم والاستهانة، والانشراح والضيق، والمحبة والبغض، والرضا والسخط، والصدق والنفاق، والاطمئنان والشك، والاستسلام والإباء.
وأما المأمورات في منهج أهل السنة والجماعة؛ فقد أجمعوا على أن القول والعمل من الإيمان يزيد بهما وينقص، وأن القول الذي ينتفي الإيمان بانتفائه هو الشهادتان، وقرروا امتناع تصور الإيمان مع ترك جنس العمل، وهذا الامتناع العقلي ورد تحديده شرعاً بترك جنس الصلاة المفروضة.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع) [٨].
وقال أيضاً: (فالعمل يصدق أن في القلب إيماناً، وإذا لم يكن عمل؛ كذب أن في قلبه إيماناً، لأن ما في القلب مستلزم للعمل الظاهر، وانتفاء اللازم يدل على انتفاء الملزوم) [٩].
ودل الشرع على أن جنس العمل الذي ينتفي الإيمان بانتفائه هو الصلاة المفروضة، فمن تركها بالكلية لا يسجد ولا يركع قط فهو كافر، بخلاف من يصلي أحياناً فإنه لا يكفر كفراً أكبر يخرجه عن الملة.
وعلى هذا يُحمل إجماع الصحابة رضي الله عنهم على أنهم ما كانوا يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، فحمله على الكفر الأصغر بعيد جداً، وذلك لأن ترك غير الصلاة من الأعمال يصح أن يطلق عليه أنه كفر أصغر.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فإن الإيمان عند أهل السنة والجماعة قول وعمل، كما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه السلف، وعلى ما هو مقرر في موضعه، فالقول تصديق الرسول، والعمل تصديق القول، فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمناً، والقول الذي يصير به مؤمناً قول مخصوص وهو الشهادتان، فكذلك العمل هو الصلاة) [١٠].
ولما ورد عن السلف من لزوم عقلي على كفر تارك جنس العمل، وما ورد عن الصحابة رضي الله عنهم من إجماع شرعي على كفر تارك جنس الصلاة المفروضة مع دلالة النصوص على كفر تاركها، يجب تأويل حديث؛ (لم يعملوا خيراً قط) فيمن يخرجهم الرحمن جل ثناؤه من النار؛ بمن لم يعمل خيراً قط على وجهه المأمور به؛ كمن لا يصلي إلا قليلاً ولا يعمل غيرها من الطاعات.
الدليل على أن من يترك الصلاة أحياناً ويصلي أحياناً ليس بكافر ما ورد في السنة من أنه تحت المشيئة.
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (خمسُ صلواتٍ كتبهنَّ اللهُ على العبادِ في اليومِ والليلةِ، من حافظ عليهنَّ: كان له عهدٌ عند اللهِ أن يُدْخِلَه الجنةَ، ومن لم يحافظ عليهنَّ: لم يكن له عهدٌ عند اللهِ، إن شاء عذَّبَه، وإن شاء غفرَ له) [١١]، صححه الألباني في حكم تارك الصلاة (٤٦).
والمُحافظة تعني الاستمرار على أدائها بشروطها.
ولا يجوز الحط ممّن خالف في مسألة ترك الأعمال بالكليّة من أهل السنّة، فبعضهم خالف لفظاً لا معنىً لأنّه قصد آحاد العمل لا جنسه، ومن خالف حقيقةً، فله استدلال بنصوص ونقولٌ عن أئمة من السلف في مسألة تارك الصلاة.
وما سبق لا يعني أنّه لا يكفر إلا من يشعر بكفره، وإنما المقصود أنه لا كفر إلا بفساد القلب، فالآيات صريحة في أن الإنسان قد يكون كافراً مع تزيين عمله له.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٤) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٥) أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾.

المصادر

١. سورة البقرة، الآية رقم ١٦٥.
٢. سورة النحل، آية ١٠٦.
٣. مجموع الفتاوى (ج٧/ص٢٢٠)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
٤. مجموع الفتاوى (ج١٤/ص١٢٠)، الطبعة السابقة.
٥. المصدر السابق.
٦. صحيح مسلم (٤١٧٨).
٧. مجموع الفتاوى (ج٧/ص١٨٧)، الطبعة السابقة.
٨.مجموع الفتاوى (ج٧/ص٦١٦)، الطبعة السابقة.
٩. مجموع الفتاوى (ج٧/ص٢٩٤)، الطبعة السابقة.
١٠. شرح العمدة لابن تيمية (ج١/ص٨٦)، تحقيق؛ خالد بن علي بن محمد المشيقح، الناشر؛ دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤١٨هـ - ١٩٩٧ش.
١١. أخرجه أبو داود (٤٢٥)، والنسائي (٤٦١)، وابن ماجه (١٤٠١)، وأحمد (٢٢٧٥٦) بنحوه.
pdf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق