بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الشرك الأكبر دركات متفاوتة، وكذا الكفر الأكبر بعضه أغلظ من بعض.
ومن الأخطاء الشائعة الظن بأن أفراد الجنس الواحد متساوية.
فالبياض درجات والسواد درجات، قاله ابن تيمية رحمه الله.
ويقسم كل منهما رقمياً إلى ١٢٨ درجة في الأنظمة الإلكترونية، ويسمى ما في وسطها باللون الرمادي.
والتشريع هو اتخاذ أمر نهجاً صالحاً (اعتقاد صلاحه) [١].
وكلما تعلقت المخالفة التشريعية بالأصول كلما كانت أغلظ.
فتحليل زواج المتعة مخالفة في فروع المعتقد.
وإنكار وجوب الزكاة مخالفة في أصول المعتقد، لأنّ الزكاة من أركان الإسلام.
وادعاء جواز عبادة الشفعاء أغلظ من إنكار وجوب الزكاة من جهة شرك التشريع [٢].
فمن سجد لغير الله فضلاً عمن دعا غيره مشرك ولو لم يعتقد جواز عمله (اعتقاد صلاحه) إذا أقيمت عليه الحجة.
وذلك لأن مجرد السجود لمخلوق فيه فساد القلب بالتذلل له كما يتذلل لله، وفيه شرك محبة إذا كان للمال والدنيا [٣].
فدعاء غير الله شرك في التشريع باستحلال ما حرم الله، وتذلل لمخلوق كما يتذلل لله (العبادة)، واعتقاد النفع والضر في مخلوق (الربوبية)، ومساواة مخلوق بالله في الصفات (الأسماء والصفات).
ولأن الدعاء شامل لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (نداء الله بأسمائه الحسنى)، فإن دعاء غير الله أغلظ من السجود لغيره، وكلاهما شرك أكبر [٤].
فكلما تعلق شرك التشريع بما هو ركن وعبادة في ذاته كلما كان أغلظ.
والحكم في قول الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ينصرف لحكمه بعبادته وحده قبل غيره من أحكامه.
فقد قال في الآية: ﴿أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾، والأمر حكم.
وقال فيها عما يعبد من دونه: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾.
فالآية بتمامها؛ ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
وكذا قول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ تدل بمناسبة الآيات التي قبلها على أنها تنصرف أصالة لشرك التشريع بتجويز عبادة غير الله.
وما من رسول إلا ودعا قومه أولاً إلى توحيد الله والطاعة جملة بدءً بالطاعة في توحيد الله.
قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾.
وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾.
وكل رسول قال لقومه: ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾.
وتوحي كلمة شرك القصور بسوء فهم كلمة الشريعة بقصرها بسياسة الدنيا.
فأولى الواجبات السلطانية إقامة الشهادتين المتضمنتين للتوحيد والإيمان بالرسالة ثم الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿وليمكننّ لهم دينهم﴾، وأهم الدين أصله، ولذا قال في آخر الآية: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾.
وقال الله تعالى: ﴿الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوُا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.
وفي الحديث؛ ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)).
وكل ما سبق يدلنا على غلط من يقول: "بعض الناس ينشغل بالشرك الساذج البدائي وينسى الشرك الحضاري" ليقلل من خطورة أعظم أنواع الشرك.
ولا يصح تقسيم الشرك إلى حضاري وبدائي.
فلكثير من البدو أعراف مخالفة للشرع يعتقدون صلاحها في أحكام الدماء والأعراض والأموال.
فالنظام سمة بشرية لابدّ منه في حياة الحضر والبدو والرحل، ونظام الحضر أكثر تعقيداً كلما كبر من حياة الرحل، وهذا ما يميّز الحضارة.
بل النظام سمة عامّة في الخلق من الكواكب والنجوم والمجرات إلى النمل وأصغر المخلوقات.
ووُجدت في عهد الرسالة حضارات كفارس والروم، وكان أهل مكة حضراً غير رحل.
وقد بدأ النبي ﷺ الدعوة بتوحيد الله والإيمان المجمل بالرسالة قبل تفاصيل الشريعة.
فلم يدعُ أول الأمر لأحكام الإسلام في المعاملات وتحريم المحرمات والحدود، فأكثرها لم يُشرع بعد.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها؛ (ولو نزل أول شيءٍ لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً) [٥].
والفصل العملي (بدون استحلال) لأصل الدين (الشهادتين والصلاة) عن الدولة أعظم من فصل ما دونه [٦].
والاستحلال يتضمن اعتقاد صلاح العمل.
وإذا جاز التنازل عن توحيد العبادة لأجل الوحدة لجاز التنازل عن حرب العلمانيّة فهي شرك وكفر بيّن.
فعجباً للزعم بأنّ الوحدة مقدّمة على التوحيد، فمن يجهل أهمية توحيد العبادة يجهل حقيقة الإسلام، إذ لا إسلام بلا توحيد، فهو الغاية من الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الجهاد والبعث والنشور ونصب الموازين والجنة والنار، وكل دين الإسلام يدور حول معنى التوحيد.
وقد استشهد بعضٌ لهذا الزعم الباطل بقول الله تعالى حكاية عن هارون عليه السلام: ﴿قال يَبۡنَؤُمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾، ونسوا قول الله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
الثلاثاء ٨ شعبان ١٤٤٧هـ، ٢٧ يناير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.
المراجع
١. حكم التقنين العام.
٢. شفاعة شركية أو دعوى جدلية.
٣. الإيمان بصلاح القلب والكفر بفساده.
٤. أغلظ شرك في العبادة.
٥. صحيح البخاري (٤٩٩٣).
٦. شرعية السلاطين بإقامة أصل الدين.
٢. شفاعة شركية أو دعوى جدلية.
٣. الإيمان بصلاح القلب والكفر بفساده.
٤. أغلظ شرك في العبادة.
٥. صحيح البخاري (٤٩٩٣).
٦. شرعية السلاطين بإقامة أصل الدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق