مقامات التلاوة والإنشاد

يكره من مقامات التلاوة ما يجري على نسق الألحان الموسيقيّة، والإنشاد الحامل على الرقص والتمايل المستقبح غناءٌ محرّمٌ، ووسائل الدعوة قد تكون مصالح مرسلةً.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنتهم إلى يوم الدين.
مقامات التلاوة هي مثل أوزان الشعر، تتبعوا طريقة الناس في التغني بالقرآن والألحان التي تورث الحزن أو السكون أو التأمل فجمعوها في أوزان سموها مقامات.
وحكمها هو كراهة ما يجري منها على نسق الألحان الموسيقية وجواز ما سواها.
والألحان تجري على نسق الإيقاع الموسيقي، كما ورد في معجم معاصر ودلت عليه أقوال الفقهاء.
والتلحين مشتق من الألحان.
وقواعد الألحان الموسيقية واردة من بلاد العجم كما ذكر الفقهاء.
نقل ابن حجر عن ابن عبد البر قوله في الغناء: (وإنما وردت الرخصة في الضرب الأول دون ألحان العجم) [١].
وأما الإنشاد في استعمال الفقهاء فهو الترنم بالشعر والرجَز (دون الشعر) بنسق لا يجري على قواعد الإيقاع الموسيقي، ويطلق أيضاً على رفع الصوت بالشعر.
الإنشاد بهذا المعنى مباح لأنه مثل الترنم بالشعر والرجَز على طريقة الحُداء والنصْب.
قال ابن حجر رحمه الله: (واستدل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنصب، وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقاً بالألحان التي تشتمل عليها الموسيقى) [١].
ضابط تشبيه الإنشاد بحداء الإبل والنصب هو ألا يحمل على الرقص والتمايل المستقبح.
ومعنى الترنم والتغني واحد بأنواعه المتعددة.
فإذا عددنا التغني على سبيل حداء الإبل والنصب غناءً، فإباحته استثناء.
فما سواه من الغناء محرم ولو كان بدون معازف.
وإباحة الدف للنساء في العرس والعيد استثناء من تحريم المعازف.
فيحرم التغني بما يحمل على الرقص والتمايل المستقبح من الألحان.
ولا يكره احتواء كلمات الإنشاد على أمر ديني.
(فقد كان الأنصار يرجزون عند حفر الخندق بقولهم؛ "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما حيينا أبداً"، فيجيبهم رسول الله ﷺ بضرب من ضروب الرَّجَز (دون الشعر) بقوله؛ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجره") [٢].
فذم السماع المنقول عن أئمة الفقه خاص بالتعبد به وجعله وسيلة لتزكية النفس.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: (ما تقول في أهل القصائد؟ قال: (بدعة، لا يُجالسون)) [٣].
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (خلّفتُ ببغداد شيئاً أحدثتْه الزنادقة يسمّونه التغبير، يصدُّون به الناس عن القرآن) [٤].
فلا بأس بالإنشاد وسيلة تأليف من ابتلي بالغناء وحث على العمل والجهاد مع مراعاة عدم التوسع فيه.
وقد يكون التوسع في المباحات خلاف الأولى، وقد يكره، كما يكره التضييق فيها عن قدر الحاجة.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ: (يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) [٥].
وجعل التوسع في مباح وسيلة عبادة يعد من جنس البدع.
فقول بعض العلماء بأن الإنشاد الإسلامي بدعة يحمل على التوسع فيه لا على مجرد اتخاذه وسيلة تأليف وحث على العمل والجهاد.
ولا يقال إسلامي لما كان فرقه عن المباحات من وسائل العبادة مجرد النية، فلا يقال نوم إسلامي ولا أكل إسلامي لمجرد الاحتساب.
وفارقت المصالح المرسلة المباحات التي تنقلب عبادات كالنوم من جهة أن المصلحة المرسلة عبادة بطريقة استعمالها وليس بمجرد الاحتساب.
والأصل في الأشياء (الدنيوية التي يشترك في فعلها المسلم والكافر) الإباحة إلا لنص، وتشمل الأعيان والمعاملات والعادات.
ولولا أن المصالح المرسلة عبادات لكونها وسيلة لها لعدت من المباحات، ومنها؛ حفر الخندق، وجمع المصحف.
والفرق بين مرسلة ومباحة من حيث الشروط هو أن المصالح المرسلة يشترط لها عدم وجود مقتضيها أو وجود مانع منها في عهد الرسالة، بينما المباح لا تشترط له هذه الشروط.
ووسائل الدعوة توقيفية لأنها عبادة، ولكن الأصل فيها الإرسال (مصالح مرسلة) إلا لنص.
وكذا جميع وسائل العبادات، لأنها عبادات، والعبادات توقيفية.
وإرسال وسائل العبادة (المصالح المرسلة) هو من جهة أصلها لا من جهة صفة فيها كزمانها ومكانها (مطلقة).
فالعبادات النصية قد تكون مطلقة من جهة صفة فيها لا من جهة أصلها (مرسلة).
وإلجام المرسل بدعة، وكذا تقييد المطلق، كإرسال المنصوص عليه وإطلاق المقيد.
ولذا أفتى العلماء بجواز ترجمة خطبة الجمعة ومنع ترجمة الأذان، لأن الأذان مقيد بصيغة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتهليل، بينما الخطبة مطلقة الصيغة.
وخطبة الجمعة وسيلة دعوية تعليمية، والأذان وسيلة دعوة لعبادة.
فبعض وسائل العبادات مرسلة (أصلها) وبعضها مطلقة أو مقيدة (بصفات)، فخطبة الجمعة مثلاً مقيدة بوقت ومطلقة الصيغة.
وكل محدث مخالف للسنة بدعة ولو لم يكن من جنس العبادات.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
السبت ٢٧ صفر ١٤٤٦هـ، ٣١ أغسطس ٢٠٢٤م

المراجع

[١] فتح الباري (ج١٠/‏ص٥٤٣) - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢).
[٢] أخرجه البخاري (٣٧٩٦)، ومسلم (١٨٠٥).
[٣] الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه (ج١٣/ص‏٢٢٨) - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١).
[٤] الكلام على مسألة السماع (ج١/ص‏٢٤٩) - ابن القيم (ت ٧٥١).
[٥] صحيح البخاري (٥١٦٢).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق