السودان مظهر والمَقرِن جوهر

رجوع إلى قسم سياسة        الكوشيّة ومسائل نسَبيّة وتاريخيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
«السودان» وصفُ لونٍ لا جوهر، وقد ألبس على الناس فهمَ كلام المؤرخين. أمّا «المَقرِن» فيعبّر عن مشهد ووصف فريد، وعن بلدٍ يقرن أنساباً وثقافاتٍ وعاداتٍ متنوّعة، ويقرن القارة الإفريقية بمحيطها العربي والآسيوي.
«السودان» اسمٌ يصف اللّون ولا يصف المعاني والجواهر، وقد أحدث لبساً في فهم مراد السابقين من الكلمة من جهتين:
١. أنّ معنى الكلمة أوسع بكثير من حصرها في قومٍ معيّنين أو بلدٍ واحد.
٢. أنّ الكلمة في أصلها اللغوي وفي إطلاق المتقدّمين يُراد بها الناس لا الأرض.
«المَقرِن» اسم يحمل دلالات لغويّة ومعنويّة وجغرافيّة.
لغويّاً؛ «المَقرِن» اسمُ مكانٍ مشتقٍ من "الاقتران"، وهو لفظٌ أصيلٌ يعبّر عن وحدة الدولة والوطن السياسي.
فاسم المكان في العربية يُصاغ من الفعل الثلاثي على وزن مَفْعَل أو مَفْعِل، بحسب حركة عين المضارع، أو اعتلال أوله أو آخره.
وأمّا جغرافيّاً؛ ف«المَقرِن» يعبّر عن المكان الذي يقترن فيه نهران عظيمان بمشهدٍ ووصفٍ لا نظير له في العالم.
وهو مشهدٌ فريدٌ عالميّاً يمنح الدولة خصوصية مكانيّة لا تشاركها فيها غيرها.
فهو ماركة طبيعيّة مسجّلة لوطن سياسيّ له مميزاته.
وهو يعبّر أيضاً عن المكان الذي يقرن بين قارتين عظيمتين، ويربط إفريقيا (ومنها السودان) بالمحيط العربي والآسيوي.
وأمّا معنويّاً؛ ف«المَقرِن» يعبّر عن المكان الذي تقترن وتجتمع فيه شعوبٌ وقبائل بينها وشائجٌ ورحم، فيكون مَقرِناً ومَجْمَعاً للقدرات والعادات الحسنة [١].
«السودان» في اللغة كلمةٌ تعني القوم السود، كما أنّ «البيضان» تعني القوم البيض.
قال ابن منظور رحمه الله: "والبيضان من الناس: خلاف السودان" [٢].
وفي حديث الغناء يوم بُعاث، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدُّرُق والحراب)) [٣].
ولا إشكال في إطلاق اسم المكان وإرادة أهله، أو العكس، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
غير أنّ لفظ «السودان» في كتب المتقدّمين كان يُستعمل غالباً في معناه الحقيقي، فالعرب لا يقولون «السودان» ويريدون الأرض في غالب استعمالهم، وإنما يقولون: أرض السودان أو بلاد السودان.
وتخصيص اسم «السودان» لبلدٍ بعينه إطلاقٌ دخيلٌ؛ بدأه محمّد علي باشا الألباني، ثم عمّمه الإنجليز.
وقد تسبّب هذا الإطلاق في لبسٍ عند قراءة كلام العلماء والمؤرخّين المتقدّمين.
فأوّل من خصّص اسم «السودان» ليكون اسماً لبلدٍ معيّنة هو محمّد علي باشا الألباني سنة ١٨٢٤م، في فترة الحكم التركي (١٨٢١–١٨٨٥م) [٤].
وكان البلد قبل ذلك منقسماً إلى: مملكة سنّار العربيّة الإسلاميّة (١٥٠٤–١٨٢١م) وسلطنة دارفور الإفريقيّة الإسلاميّة (١٦٠٣–١٨٨٦م).
ويتبيّن للباحث معنى كلمة «السودان» في كتب السابقين متى استصحب معناها اللّغوي، وتأمّل كل ما يقرأه من نصوصٍ مترجمةٍ أو أصليةٍ، مثل: ممالك السودان، بلاد السودان.
فـ«ممالك السودان» مثلاً تعني: ممالك القوم السود.
ويُقال إنّ «السودان» و«إثيوبيا» ترجمتان لكوش.
و«إثيوبيا» كلمةٌ يونانيّة تعني: صاحب الوجه المحروق، أو اللّون الأسمر أو الأسود.
والأصل اليونانيّ يشير إلى أنّه وصفٌ أطلقه مؤرّخون زاروا تلك البلاد أو قرؤوا عنها.
ولا يُظنّ بقومٍ أن يختاروا لأنفسهم وصف «الوجوه المحروقة» إلّا بجهلٍ عقديٍّ.
وقد ذهب بعض شُرّاح مقدّسات اليهود والنصارى إلى القول بلعنة كوش، استناداً إلى خرافة «لعنة حام» المختلقة.
وشيوع أسماء جديدة لبلدان بعد أن ترسّخت أسماؤها القديمة ممكن، فقد تغيّرت أسماء بلدان وشاعت أسماؤها الجديدة، مثل: فارس ⟵ إيران، والقسطنطينيّة ⟵ إسطنبول، والحبشة ⟵ إثيوبيا.
ومن دلالات تغيير الاسم التحرّر من الإرث الاستعماريّ الإداريّ، فتغيير الاسم رفضٌ لقرارٍ إداريٍّ عمره قرنان فقط، فهو لا يعبّر عن هويّة الأمّة وتاريخها وأسباب اقترانها بميثاقٍ سياسيٍّ جامعٍ.
وهذا المقال امتدادٌ لمقالين منشورين على الرابطين [١] و[٥].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ٢٤ محرم ١٤٤٦هـ، ٣٠ يوليو ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

المصادر والمراجع

١. الكوشيون أخوال عُربنا؛ رابط المدونة، رابط الواتسآب، رابط التلغرام.
٢. لسان العرب (ج٧/‏ص١٢٣).
٣.صحيح البخاري (٩٤٩).
٤. مقال لأبي كنانة على قناته في تلغرام قال فيه: "وأما تخصيصه اسماً لبلدنا: فأول من أطلقه عليه سياسياً هو محمد علي باشا التركي الألبانيّ عام ١٢٣٦هـ، ثم نشره الإنجليز من بعده وأذاعوه، كما أفاده النسابة الفحل بن طاهر النافعي الجعلي العباسي (ت ١٣٩٥هـ) والمؤرخ أ. د. يوسف بن فضل الجعلي".
٥. دعاوى حول أرض كوش؛ رابط المدونة، رابط الواتسآب، رابط التلغرام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق