لا فقه إلا بعلم، وما كلّ عالمٍ مُلمّ

رجوع إلى قسم قواعد وأصول
الفقه في الدين لا يُنال إلا بالعلم، وليس كلّ العلماء فقهاء، ففيهم الحافظ والفقيه والأفقه، والآلة الذكية تحلل الألفاظ بلا وعي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم الحكيم، والصلاة والسلام على الهادي بالوحي إلى صراطٍ مستقيم، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن سلك نهجهم إلى يوم  الدين.
الفقه في اللغة معناه الفهم.
قال رسول الله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» [١].
الغيث الكثير هو مثل العلم والهدى، والأرضون الثلاث التي تلقت الغيث هي مثل من تلقى العلم.
فالأرض النقية هي مثل الفقيه، والأرض الجدباء هي مثل العالم غير الفقيه، والأرض القاع هي مثل من لم يقبل الهدى.
فلا فقه في الدين بغير علم واهتداء بالوحيين.
فلا بد في أي علم من معلومات يُبنى عليها التحليل السليم، ولا تكفي القريحة الجبلية وحدها ليكون صاحبها أقوى فهماً وتحليلاً.
فالطبيب لا يشخّص المرض إلا بعلم بالطب، وبأعراض المريض، وبنتائج التحاليل الطبية إذا لزمت.
وكما أنه لا فقه بدون علم، فليس كلّ حافظٍ، ولا كلّ جامعِ معلوماتٍ، فقيهاً، وليس كل فقيه مجتهداً، فالفقه درجات متفاوتة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "وهناك من العلماء من غلب على علمهم الحفظ والإتقان، ولكن ليس من شأنهم التفقه والتبصر واستنباط الأحكام، وهم الحفاظ؛ فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي أمسكت الماء حتى شرب منه الناس فسقوا وزرعوا، والحفاظ أخذ منهم الناس العلم ونقلوا منهم العلم وانتفع بهم الناس" [٢].
وعن جبير بن مطعم عن أبيه قال: «قام رسول الله ﷺ بالخيف من منًى، فقال: نضّر الله امرأً سمع مقالتي، فبلّغها، فربّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه» [٣].
فهذه ثلاثة أقسام لحملة الفقه؛ غيرُ فقيهٍ، وفقيهٌ، وأفقه. وقسم الفقيه مستنبط من الحديث، والقسمان الآخران منصوص عليهما فيه.
فكثيرٌ من الناس اجتهدوا في تحصيل العلم الشرعي، فنفع الله تعالى بهم، وهم ثلاثة أقسام؛
١. فمنهم من هو متفوّق في الحفظ مع ضعف في الفهم (غير فقيه).
٢. ومنهم من هو قويٌّ في فهم ما يتلقى مع ضعف في ملكة النقد، أي في القدرة على الترجيح والاستنباط وتنزيل الأحكام على الوقائع (فقيه).
٣. ومنهم من تفوق في الفهم والنقد، فتجده متفوقاً في الترجيح والاستنباط وتنزيل الأحكام على الوقائع (أفقه).
والعلم يحتاج إلى رسوخ ودربة، لا سيما علم الغاية، كالفقه والدعوة والإصلاح.
فبعض المسائل الرجوع فيها آكد إلى الكبار في الفهم والمراس والرسوخ والحلم والرزانة والصدق.
والمصيبة ليست فيمن حفظ وضعف فهمه إذا كان يعلم أنه ليس بفقيه أو ليس بناقد، فمثل هذا ينتفع الناس بتبليغه العلم، كما دل على هذا حديث مثل العلم والهدى كمثل الغيث.
ويدل عليه كذلك قول رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرءً سمع منّا شيئاً، فبلّغه كما سمعه، فربّ مبلّغٍ أوعى من سامعٍ» [٤].
فمن سمع حديث رسول الله ﷺ ينتفع بقدر فهمه، فإذا بلغه بنصه انتفع بذلك من هو أوعى منه.
المصيبة هي في أدعياء الفقه والفكر ممن ليس لهم حظ في العلم الشرعي.
وقد ابتلينا في زماننا بكتّابٍ غيرِ مؤصّلين، مع سهولة البحث، لا سيما بعد الذكاء الاصطناعي، يعتمدون على ما تجمعه الآلة من معلومات ثم يحلّلونها وفق أهوائهم، ويعتمد بعضُهم تحليل الآلة، فكثر الاحتطاب بالليل، والله المستعان.
وما يبدو في الذكاء الاصطناعي من فهمٍ يرجع إلى أن الألفاظ قوالب المعاني، فهو يحلل الألفاظ بلا وعي، انظر؛  نعمة الذكاء الاصطناعي بمثال واقعي [٥].
ولعل من حكم الله تعالى في سهولة تلقي المعلومات والبحث سرعة الزمان وقلة بركته، فهي نعمة إن أحسن استغلالها.
والناس يميزون بين الناقل المؤصل وحاطب الليل، إذ لا يخلو أحدٌ من قدرٍ من المعرفة يمكّنه من إدراك الفارق بينهما.
وأهل العلم، ولو بمسائل معدودة، يشهدون لمن كان مؤصّلاً من خلال ما يقرؤون له ويسمعون منه من علم وتأصيل وفهم.
وسواء كان ذلك في العلوم الشرعية أو المعارف البشرية.
ومن يهوى تلقي المعلومات بالوسائل الحديثة بلا تأصيل لا يختلف عمن كان في القديم مولعاً بكثرة القراءة بلا تأصيل.
وكلما اتسعت معارف العالم قوي تحليله، والفقيه أحوج الناس إلى توسيع معارفه، والتوسع لا يضاد التخصص، انظر؛  التوسع لا يضاد التخصص [٦].
والله تعالى أعلم.
 عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
السبت ١٨ صفر، ١٤٤٨هـ، ١ أغسطس ٢٠٢٦ش
مصر، القاهرة.
المصادر
١. البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).
٢. الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز.
٣. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٤٩٨).
٤. الترمذي (٢٦٥٧) واللفظ له، وابن ماجه (٢٣٢)، وأحمد (٤١٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٧٦٤).
٥. نعمة الذكاء الاصطناعي بمثال واقعي.
٦. التوسع لا يضاد التخصص.
pdf

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق