لفظ الصحيحين: «خلق الله آدم على صورته» يحتمل لغةً صورته المعهودة، وحديث: «وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» يُقرَّب به المعنى الذي أكَّده بالروايات الأخرى من هو أقدم ممَّن يراد الطعن فيهم.
هذا المقال ليس لبحث صحَّة الروايات المرجِّحة، وإنَّما هو لردِّ شبه من يطعن في ابن تيميَّة ومن بعده، وقد يعلم أنَّ الإمامين أحمد وابن راهويه، رحمهما الله، سبقاهم في الجزم بهذا الترجيح.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الجليل، العليِّ بلا مثيل، والصلاة والسلام على النبيّ الخليل، والآل والصحب والتابعين من كلِّ جيل.
قال رسول الله ﷺ: «خلق الله آدم على صورته، طوله ستُّون ذراعاً» [١].
نظراً في معنى لفظ الصحيحين، من جهة اللُّغة دون الجمع بين الروايات، فإنَّ فيه احتمالين:
١. على صورة آدم، وذلك بتقدير وصفٍ محذوفٍ، والتقدير: خلق الله آدم على صورته المعهودة، غير أنَّ طوله ستُّون ذراعاً، يعني المعهودة في بنيه.
٢. على صورة الرحمن، والمقارنة لا تقتضي المماثلة، كما في قول الرسول ﷺ: «لله أرحم بعباده من هذه بولدها» [٢].
وقد قرَّبوا معناه بقول النبيِّ ﷺ في السبعين ألفاً من أهل الجنَّة: «وجوههم على صورة القمر ليلة البدر» [٣].
وبقوله ﷺ: «أوَّل زمرةٍ تدخل الجنَّة على صورة القمر ليلة البدر» [٤].
قال ابن القيَّم رحمه الله: «ومن هذا حديث الصورة وقوله: ««خلق آدم على صورة الرحمن»» لم يرد به تشبيه الرب وتمثيله بالمخلوق، وإنَّما أراد به تحقيق الوجه وإثبات السمع والبصر والكلام صفةً ومحلَّاً، والله أعلم» [٥].
وممَّن ذكر الاحتمالين الشيخ العثيمين رحمه الله، ورجَّح الثاني.
واحتجاجُ الجازمين بالاحتمال الثاني لمعنى لفظ الصحيحين بالروايات الأخرى أضبطُ من احتجاجهم له باللُّغة؛ إمَّا لتصريح تلك الروايات به، وإمَّا لمنعها غيرَه.
أمَّا التصريح، فورد بلفظ: «لا تقبِّحوا الوجه، فإنَّ الله خلق آدم على صورة الرحمن» [٦].
وقد ضعَّفه الألبانيُّ ونقل تضعيفه عن ابن خزيمة وابن قتيبة والمازريِّ، رحمهم الله تعالى [٧].
وصحَّحه ابن راهويه رحمه الله، قال ابن حجر العسقلانيُّ رحمه الله: «قال حرب الكرمانيُّ في السنَّة: سمعت إسحاق بن راهويه يقول: «صحّ أنَّ الله خلق آدم على صورة الرحمن»» [٨].
قال الألبانيُّ رحمه الله في تصحيح ابن راهويه رحمه الله: «فمن الممكن أن يكون ذلك فهماً منه، وليس روايةً» [٩].
وقال ابن تيميَّة رحمه الله: «وأدنى أحوال هذا اللَّفظ أن يكون بهذه المنزلة [الحسن]» [١٠].
وأمَّا ما يمنع عود الضمير على آدم، فمنه رواية مسلم رحمه الله لحديث النهي عن ضرب الوجه: «إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه؛ فإنَّ الله خلق آدم على صورته» [١١].
وأخرجه البخاريُّ رحمه الله دون قوله: «فإنَّ الله...» [١٢].
وما ضُعِّف في مسلمٍ لا يكاد يخرج عن ألفاظٍ في أحاديث صحيحةٍ في أصلها.
ولم أطَّلع على تضعيفٍ لهذه الزيادة.
ووجه الامتناع هو أنَّ عود الضمير على آدم لا يصلح تعليلاً للنهي عن ضرب الوجه.
ويصلح التعليل بإعادة الضمير على المضروب، ولكنَّه بعيدٌ، إذ لو كان كذلك لقال: فإنَّ الله خلقه على صورة آدم.
والصفة لا تُضاف لغير الموصوف بها، فلا يصحُّ القول بأنّ الإضافة للتشريف، كناقة الله، لأنَّها إضافة ذاتٍ، وأمَّا فطرة الله وصبغة الله، فهي إضافة مصدرٍ لفاعله.
فدلالة الروايات الأخرى تؤكِّد قول من جزم بالاحتمال الثاني للفظ الصحيحين، ولا يُسلَّم لهم كلُّ ما قالوه من جهة اللُّغة، وقولهم هو الأقدم، فقد قال به أحمد وابن راهويه، رحمهما الله [١٣].
قال الإمام أحمد رحمه الله لمَّا بلغه أنَّ أبا ثورٍ رحمه الله قال: «على صورة آدم»: «صحَّ الأمر على أبي ثور. من قال: إنَّ الله خلق آدم على صورة آدم فهو جهميٌّ، وأيُّ صورةٍ كانت لآدم قبل أن يخلقه؟» [١٤].
والقائل جهميٌّ بالنوع لا بالعين، فالذي صحَّ على أبي ثورٍ ثبوت المقالة عنه لا تبديعه، ويشير إليه عدول الإمام أحمد عن قول: أبو ثورٍ جهميٌّ، إلى قوله: «من قال ...» مع قيام داعي التصريح.
والصورة من الصفات الخبريَّة الثابتة، بدون تمثيل ولا تشبيه، وإن انتفى خلق آدم عليها.
قال الرسول : «فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون» [١٥].
والصفات الفطريَّة، كالعلوِّ، تنفرد عن الصفات الخبريَّة بثبوتها بالفطرة والعقل، وهي أوضح منها بالشرع.
وتعلُّق الصورة بأصول المعتقد أوضح من خلق آدم عليها، فإنَّه أقرب لفروع المعتقد.
ومن أمثلة فروع المعتقد تحريم زواج المتعة.
وقد يُعذر المخطئ في المخالفات الدقيقة إن لم يتعصَّب لها ويفرِّق بها الجماعة.
قال ابن تيميَّة رحمه الله فيمن أخطأ في دقيق المسائل من المتكلِّمين: «ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولاً يفارقون به جماعة المسلمين؛ يوالون عليه ويعادون؛ كان من نوع الخطأ، والله سبحانه وتعالى يغفر للمؤمنين خطأهم في مثل ذلك» [١٦].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الإثنين ١٥ جمادى الأول ١٤٤٨هـ، ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.
الحواشي
١. البخاري (٦٢٢٧)، ومسلم (٢٨٤١).
٢. البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤).
٣. البخاري (٣٢٤٧)، ومسلم (٢١٩).
٤. البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤).
٥. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ج١/ص٥٣٩) - ابن الموصلي (ت ٧٧٤هـ).
٦. ابن خزيمة في التوحيد (ج١/ص٨٥)، والطبراني (١٣٥٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٠)، واللَّفظ له.
٧. السلسلة الضعيفة (١١٧٥ و١١٧٦) - الألباني (ت ١٤٢٠هـ).
٨. فتح الباري (ج٥/ص١٨٣) - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) - ط السلفيَّة.
٩. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (ج٣/ص٣٢١) - ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ).
١٠. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (ج٦/ص٤٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١١. مسلم (٢٦١٢).
١٢. البخاري (٢٥٥٩).
١٣. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (ج٦/ص٤٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٤. طبقات الحنابلة (ج١/ص٣٠٩) - أبو الحسين ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦هـ) - ت الفقي.
١٥. البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).
١٦. مجموع الفتاوى (ج٣/ص٣٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢. البخاري (٥٩٩٩) ومسلم (٢٧٥٤).
٣. البخاري (٣٢٤٧)، ومسلم (٢١٩).
٤. البخاري (٣٢٤٦)، ومسلم (٢٨٣٤).
٥. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ج١/ص٥٣٩) - ابن الموصلي (ت ٧٧٤هـ).
٦. ابن خزيمة في التوحيد (ج١/ص٨٥)، والطبراني (١٣٥٨٠)، والبيهقي في الأسماء والصفات (٦٤٠)، واللَّفظ له.
٧. السلسلة الضعيفة (١١٧٥ و١١٧٦) - الألباني (ت ١٤٢٠هـ).
٨. فتح الباري (ج٥/ص١٨٣) - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢هـ) - ط السلفيَّة.
٩. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة (ج٣/ص٣٢١) - ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠هـ).
١٠. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (ج٦/ص٤٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١١. مسلم (٢٦١٢).
١٢. البخاري (٢٥٥٩).
١٣. بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (ج٦/ص٤٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٤. طبقات الحنابلة (ج١/ص٣٠٩) - أبو الحسين ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦هـ) - ت الفقي.
١٥. البخاري (٧٤٣٧)، ومسلم (١٨٢).
١٦. مجموع الفتاوى (ج٣/ص٣٤٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق