ينزل الله تعالى إلى السماء الدنيا، بلا حلولِ ما فوقها من مخلوقاتٍ فيه، ولا نزوله تحتها، فإنّ غاية نزوله ليست كغاية نزول المخلوق.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الجليل، العليِّ بلا مثيل، والصلاة والسلام على النبيّ الخليل، والآل والصحب والتابعين من كلِّ جيل.
ينزل في علوّه
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)، أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).
مذهب السلف هو أنّ الله تعالى ينزل في علوّه إلى السماء الدنيا، فلا يحلُّ ما فوقها من مخلوقاتٍ فيه، ولا ينزل هو سبحانه وتعالى تحتها.
قال ابن تيمية رحمه الله: «ولهذا كان مذهب السلف والأئمة أنّه مع نزوله إلى سماء الدنيا لا يزال فوق العرش.
لا يكون تحت المخلوقات، ولا تكون المخلوقات محيطةٌ به قط، بل هو العليُّ الأعلى: العليُّ في دنوِّه، القريب في علوِّه.
ولهذا ذكر غير واحدٍ إجماع السلف على أنّ الله ليس في جوف السماوات» [١].سئل حماد بن زيد رحمه الله؛ «الحديث الذي جاء "ينزل الله إلى سماء الدنيا" أيتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد، ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف شاء» [٢].
ومراد حمّاد بن زيد رحمه الله بمكانه علوّه، فالمعنى؛ (هو في علوّه، يقرب من خلقه كيف شاء)، وقد ورد السؤال بأين في السنَّة.
ومن نفى المكان قصد به المكان المخلوق.
وقد أورد حمّاد بن زيد رحمه الله لفظ المكان للمقاربة والتفهيم جواباً للسؤال؛ (أيتحول من مكان إلى مكان؟) لا لإبدال لفظ العلوِّ بالمكان.
والتقيّد بالألفاظ النصيّة أسلم.
وكره بعضٌ عبارة: «لا يخلو منه العرش»، وهو الأسلم؛ لأنّ كلمة «يشغل» لم ترد، وهي مفهوم المخالفة لكلمة؛ «لا يخلو»، وإنّما وردت كلمة «استوى» وما في معناها.
ولا شك أنّ المعنى الذي أراده الأئمة بعبارة لا يخلو منه العرش صحيح.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والقول الثالث: هو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوّه، ونزوله إلى سماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم؛ بل الله منزّه عن ذلك) [٣].
وقد نصّ ابن تيمية رحمه الله على أنّ قول السلف هو أنّه لا يخلو منه العرش، والمقصود إجماعهم على المعنى المراد لا على ذات اللفظ.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والصواب قول السلف: أنّه ينزل ولا يخلو منه العرش) [٤].
الخلاف الذي نقله ابن تيمية في المسألة هو بين من بعد السلف من أهل الحديث، وقال بأنّ القول بأنّ العرش يخلو منه هو قول طائفةٍ قليلةٍ منهم، ونصّ على أنّه لا يوجد نقلٌ عن أئمة أهل الحديث بأنّه يخلو منه العرش.
قال ابن تيمية رحمه الله: (" وفي الجملة ": فالقائلون بأنّه يخلو منه العرش طائفةٌ قليلةٌ من أهل الحديث، وجمهورهم على أنّه لا يخلو منه العرش، وهو المأثور عن الأئمة المعروفين بالسنّة، ولم ينقل عن أحدٍ منهم بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنّ العرش يخلو منه) [٥].
وكما سبق، فالصحيح إجماعهم على معنى أنّ النزول لا يقتضي أن تكون بعض المخلوقات فوقه.
ومعنى النزول بدون تكييف واضحٌ بذاته لا يحتاج إلى بيان، ولكن اقتضى الحال بسبب مثل هذه الأقوال والشبهات بيان معنى النزول بنحو؛ ينزل في علوّه، ينزل ولا يزال فوق العرش.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وفي الحنبلية أيضاً مبتدعة؛ وإن كانت البدعة في غيرهم أكثر وبدعتهم غالبا في زيادة الإثبات في حق الله وفي زيادة الإنكار على مخالفهم بالتكفير وغيره) [٦].
قول شيخ الإسلام مبتدعة لا يشمل أمثال ابن منده رحمه الله الذي نُسب إليه القول بخلوِّ العرش عند النزول [٧]، ولكن شيخ الإسلام استنكر هذا القول، فهو من زلات العلماء التي حذروا منها.
فمثل هذه الأقوال جعلت الأمر مشتبهاً حتى على بعض كبار طلبة العلم فضلاً عن العوام.
ويلاحظ في الأشهر الأخيرة هذه زيادة في الحملة على العقيدة السلفية، يبدو أنها مدعومة من جهات خارجية.
وللاختصار يُفضّل قول: ينزل في علوّه، وهو مماثلٌ لتعبير حماد بن زيد رحمه الله.
وقول "في علوه" بعد "ينزل ربنا إ لى السماء الدنيا" هو مثل قول "بائنٌ من خلقه" بعد "مستوٍ على عرشه".
فقد لزم بسبب الشبهات كما سبق البيان لدفع توهُّم حلولِ ما فوق السماء الدنيا من مخلوقاتٍ في الله تعالى ونزوله تحتها.
والأصل في ألفاظ النبي ﷺ أنّها واضحةٌ، ولذا لم تخف على السلف معانيها، والمؤمن لا يستقبحها، ولا يفضِّل غيرها عليها.
والعقل لا يحيل إثبات صفة النزول لله تعالى.
ولا يردّها إلا ضعيف الرأي أو مبتدع، قاله ابن راهويه رحمه الله.
فنزول الله تعالى اللّائق به هو نزوله في علوّه، فليس فيه حلولٌ في السماوات ولا نزولٌ تحتها.
النزول بلا حد
القول بأنّ المراد بنزول الله تعالى نزول رحمته حدٌّ للنزول وتحريفٌ للمعنى، وليس صرفاً لنصٍّ عن ظاهره المعتاد.
ونسبته للإمام مالك ضعفها أهل الشأن.
والقول بنزول ملائكته أبعد.
فالملك والرحمة لا يقولان: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
ولذا نهى الإمام أحمد عن حد النزول بالعلم.
قال ابن رجب رحمه الله: (وقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ ينزل كيف يشاء) [٢].
وعلى فرض صحّة ما رواه البيهقي بدون سند عن حمّاد بن زيد أنّه قال: (نزوله إقباله) فإنّه لا ينافي ما صحّ عنه من إثبات صفة النزول والدنوّ والاقتراب.
فالإقبال والنظر الخاصّ مضمّن في النزول وسياق الحديث؛ (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
أخرج البيهقي عن أبي داود الطيالسي أنه قال: (كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث لا يقولون كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر. قال أبو داود: وهو قولنا. قلت (البيهقي): وعلى هذا مضى أكابرنا) [٨].
تعلُّق إلى
يصحُّ نظراً لظاهر التركيب اللُّغوي القول بأنّ «إلى» متعلِّقةٌ بالنزول، وأنّها لانتهاء الغاية، غير أنّ غاية نزول الله تعالى لا تشبه غاية نزول المخلوق.
فنزول الله تعالى إلى السماء الدنيا اللائق به هو نزوله في علوِّه.
ف«إلى» لا تعني الانتهاء لغايةٍ بها يحلّ في مخلوقاتٍ أو يصير تحتها.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم؛ بل الله منزّه عن ذلك) [٣].
ويصحُّ نظراً لظاهر السياق أن يقال عن تعلُّق «إلى» أنّه تعلُّق بمحذوفٍ مضمرٍ، والتقدير؛ ينزل، ليدنو إلى السماء الدنيا، ولينظر إليها نظر رحمةٍ بمن تحتها.
ولا فرق بين التعلُّقين في المعنى، ولا في إمرار النصِّ على ظاهره، وانظر: ليس هذا بتأويلٍ.
وذلك لأنَّ السياق يدلُّ على أنَّ النزول للإقبال على الناس بالقرب منهم، هذا مع ضميمة أنّ الدنوَّ من لوازم النزول.
فقد ورد في سياق حديث النزول قوله ﷺ: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
وألفاظ أحاديث النزول (ينزل، يهبط، يدنو) يشرح بعضها بعضاً، وكلُّها مرادة.
وتعلُّق «إلى» بمقدّرٍ مضمرٍ هو كتعلّق «على» بمقدّرٍ مضمرٍ في قول الله تعالى: ﴿قد أنزلنا عليكم لباساً﴾.
والتقدير؛ أنزلنا أمرنا، لنييسر عليكم. وينزل ربُّنا، ليدنو إلى السماء الدنيا، ولينظر إليها نظر رحمةٍ بمن تحتها.
ففي حديث النزول معاني؛ النزول، والدنو، ونظر الرحمة.
كما أنّ في إنزال اللِّباس معنى إنزال أمر الله تعالى ومعنى تيسيره على الناس.
وبهذا التقدير ينتفي التعلُّق بمثل هذه الآية لإبطال معنى النزول.
إذ لابدَّ لكلمتي أنزل وينزل من معنىً.
والفرق هو أنّ الفعل أنزل متعدٍّ لمفعولٍ به، ونزل لازمٌ، ولذا كان التيسير بإنزال أمر الله تعالى، والدنوُّ بنزوله هو، نزولاً لائقاً به سبحانه وتعالى.
وأمَّا القول بأنّ إنزال الحديد والأنعام واللِّباس والنُّعاس على ظاهر التركيب اللُّغوي ولكن من غير السماء، فله وجهٌ في الحديد والأنعام.
وليس فيما قيل في إنزال اللِّباس إجراءٌ للنص على ظاهره اللُّغوي، خلافاً لمراد من قال به.
وذلك لأنَّ الإنزال فيما قيل ليس لللِّباس، وإنَّما هو لما يُصنع منه، كالقطن يُنزل من النبات، والجلود من الحيوان المعلَّق، والأصواف من الحيوانات وهي قائمةٌ.
وأما إنزال الحديد ذاته، فممكن إذا قيل بأنَّه نزل من الجبال عند خلق الأرض فاستقرَّ بعضه في باطنها أو قيل بما يقال حديثاً في علوم الطبيعة بأنَّه نزل من النجوم في آخر أعمارها.
وكذلك الأنعام إذا قيل بنزولها من بطون أمَّهاتها [٩].
وأمَّا نزول ماء الفحل في رحم أنثى الأنعام، فهو ليس نزولاً للأنعام، مثل ما سبق في اللِّباس.
وكذلك يقال في إنزال الأبخرة التي تسبب النُّعاس.
والمعنى الأقرب في إنزال الأنعام واللِّباس هو خلقها وتيسيرها بإنزال أمر الله، لأنّ السياق فيه المنة على الخلائق والثناء على الخالق.
قال السعدي رحمه الله: (﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ أي: خلقها بقدر نازلٍ منه) [١٠].
وقال الطبري رحمه الله: (﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً﴾ يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقه لهم، ورزقه إياهم) [١١].
فإن قيل: لِم لم يقل السلف بتقدير مضمرٍ لتعلُّق «إلى»؟ فالجواب هو اقتضاء الحكمة الإعراض عمَّا لم ينتشر من شبه المبطلين.
وهذه الشبهة متعلِّقةٌ بنشأة علوم اللُّغة والنحو، لأنَّها مبنيَّة على قول اللُّغويِّين بأنَّ «إلى» لانتهاء الغاية المكانيَّة أو الزمانيَّة.
والتعلُّقان لحرف «إلى» - بالنزول والدنو - متماثلان في إمرار النصِّ على ظاهره، وفي إثبات صفة النزول على وجهها الشرع.
ولا ينبغي تنزيل أقوال اللُّغويِّين منزلة النصوص بالوقوف عندما هو مكتوب في كتب اللُّغة، فلقائل أن يقول أنّ «إلى» لانتهاء الغاية البصريّة أيضاً، كما في قول؛ « نظر الرجل إلى البيت»، فمع علاقة الغاية البصريّة بالمكانيّة إلّا أنّها متعلّقة بغير المكان أيضاً.
ليس هذا بتأويل
المعنى المؤوّل للكلمة لقرينة في السياق هو معناها الظاهر فيها، لأنّه المتبادر للذهن من معانيها في ذلك السياق [١٢].
فالمتبادر للذهن من كلمة أسد؛ الرجل الشجاع في جملة؛ "رأيت أسداً على فرسه يحمل سيفه"، فهذا المعنى هو ظاهر السياق.
وليس في القول بتعلُّق «إلى» بمقدَّرٍ مضمرٍ تأويلٌ، لأنَّه إمرارٌ للنصِّ على ظاهر السياق.
فالتقدير هو: ينزل ربُّنا، ليدنو إلى السماء الدنيا، ولينظر إليها نظر رحمةٍ بمن تحتها.
وهذا المعنى ظاهرٌ عند قراءة حديث النزول بكامله، لما سبق من أنَّ سياقه يدلُّ على أنَّ النزول للإقبال على الناس بالقرب منهم، وأنَّ الدنوَّ من لوازم النزول.
ولذا قال العلماء في قول حماد بن زيد: (والفرقة الثالثة: أطلقت النزول كما ورد، ولم تتعد ما ورد، ونفت الكيفية عنه، وعلموا أن نزول الله تعالى ليس كنزول المخلوق. وهذا قول أئمة السلف: حماد بن زيد، وأحمد؛ فإن حماد بن زيد سئل عن النزول، فقال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء) [١٣].
ومن ظاهر السياق؛ أنّ المراد بـ«نزل» في «نزل عندي ضيفاً»: حلَّ وأقام، وفي «نزل إلى السوق»: ذهب، والمراد بـ«أنزل» في «أنزلتُه منزلة أبي»: جعلته.
والقرينة البدهيّة تجعل المعنى ظاهراً، لأنَّه يتبادر للذهن معها.
ومثالها؛ فهم أنّ النظر خاصٌّ في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾، فهو ليس تأويلاً، لأنَّه الظاهر المتبادر للذهن بالبداهة الشرعيَّة والفطريَّة التي يفهمها العامي.
وكذا دلالة الحسِّ البدهيَّة على أنِّ حرف «على» ليس متعلِّقاً بإنزال اللِّباس ذاته في قول الله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا﴾.
ألفاظ أحاديث النزول
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع الوضوء، ولأمرتهم أن يؤخروا صلاة العشاء إلى نصف الليل، أو إلى ثلث الليل، إن الله عز وجل يدنو إلى السماء الدنيا فيقول: هل من داع فأجيبه، هل من سائل فأعطيه، حتى يطلع الفجر» [١٤].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (بل الأحاديث الصحيحة: ﴿أن الله يدنو عشية عرفة﴾ وفي رواية ﴿إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟﴾) [١٥].
عن عائشة رضي الله عنها: إن رسول الله ﷺ قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا من النار، من يوم عرفة. وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة. فيقول: ما أراد هؤلاء؟» [١٦].
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يَفتَحُ أبْوابَ السَّماءِ ثُلثَ اللَّيلِ الباقيَ، ثُمَّ يَهبِطُ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ يَبسُطُ يَدَه، ثُمَّ يقولُ: ألا عبدٌ يَسأَلُني فأُعطِيَه؟ حتى يَسطَعَ الفَجرُ» [١٧].
اختلاف ثلث اللّيالي
لا وجه للاعتراض باختلاف زمان ثلث الليل الآخر من بلد إلى آخر.
فإذا كنّا لا نعرف الزمن المخلوق معرفةً مطلقةً، فمن باب أولى ما يتعلّق منه بأفعال الخالق سبحانه وتعالى.
فمعرفتنا بالزمن نسبيّة؛ بحركة أجسام مخلوقة (الساعات الكونية والمصنوعة).
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: (الزمان مقدار الحركة؛ والحركة قائمة بالجسم المتحرك) [١٨].
وفي النظريات الحديثة؛ الثانية الواحدة قد تبدو في جسم متحرِّكٍ ساعاتٍ بل سنين متطاولة لناظرٍ إليها من إطارٍ مغايرٍ، وكذا عند القرب من الجاذبيَّات، وهو ما يعرف عند علماء الطبيعة بتباطؤ الزمن.
بل يعتبرون بعض هذا التباطؤ حقيقياًَّ وبعضه ظاهرياًَّ، وفي اعتباره حقيقيَّاً نظرٌ، ليس هذا محلُّ بسطه.
ومما حملهم على اعتباره حقيقيَّاً أنَّ آنيشتاين توصل بالنسبيَّة الخاصّة التي تحوي تباطؤ الزمن إلى علاقة تكافؤ الطاقة-المادَّة، والتي ثبتت في التفاعلات النوويّة، ثم فسّروا به وصول الميونات إلى الأرض.
من أقوال السلف
قول الإمام أبي حنيفة: (ينزل بلا كيف) [١٩].
قول الإمام مالك منقولٌ في التالي؛
قول الإمام الشافعي: (القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء) [٢٠].
قول الإمام أحمد؛ (قال إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد: «ينزل ربنا عز وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا» أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح. قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي) [٢١].
والنقولات عن السلف كثيرة، وفيما سبق غنية.
العلوّ وكروية الأرض
ملخص: التوجُّه إلى الله من الكرة الأرضيَّة دلالةٌ على أنَّه الأعلى، واختلاف جهات العلوِّ النسبيِّ لا يناقض معنى علوّ الأعلى الذي يدلُّ عليه التوجُّه.
حكى ابن تيمية رحمه الله الإجماع على كروية السماوات والأرض.
فقد نقل عن ابن المنادي من الطبقة الثانية من أصحاب الإمام أحمد قوله: «وكذلك أجمعوا على أن الأرض بجميع حركاتها من البر والبحر مثل الكرة» [٢٢].
وقال ابن تيمية رحمه الله: «اعلم أن الأرض قد اتفقوا على أنها كروية الشكل وهي في الماء المحيط بأكثرها» [٢٣].
وقال أيضاً: «والأفلاك مستديرة بالكتاب والسنة والإجماع» [٢٣]
علوُّ ما يحيط بالأرض من مخلوقاتٍ هو علوٌّ نسبيٌّ إلى الأرض.
والله تعالى هو الأعلى بذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وهو بائنٌ من خلقه سبحانه وتعالى.
وهو سبحانه محيطٌ بكلِّ شيءٍ بصفاته لا بذاته، ومن صفاته المحيطة بخلقه علوَّه سبحانه، وسمَّاه بعض السلف مكاناً للتقريب والتفهيم، لورود السؤال بأين، لا لإبدال لفظ العلوِّ بالمكان، فالصفات توقيفيَّة.
قال ابن تيميَّة رحمه الله: «بل قد تبيّن أنّه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وإنّها عنده أصغر من الحمّصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا» [٢٤].
فالتوجُّه إلى الله من كلِّ جوانب الكرة الأرضيَّة لا يقتضي تناقضاً في معنى العلوِّ باختلاف مواضع المتوجِّهين.
وأساس دعوى التناقض الخطأ في فهم دلالة التوجُّه، الناشئ عن التكييف والتشبيه، والمتفرِّع عن خطأٍ في تصوُّر العلوِّ النسبيِّ.
فالخطأ ففي فهم دلالة التوجُّه هو توهّم امتداد الكيفيَّة الهندسيَّة لخطِّه المستقيم وراء محيط المكان المخلوق، والعلوُّ ثابتٌ بلا تكييف.
فدلالة التوجُّه هي أنَّه الأعلى سبحانه، لا تمثيلِّ علو الأعلى بعلوٍّ نسبيٍّ.
ولا يشهد للوهم في دلالة التوجُّه حديث إدلاء [رجلٍ] بحبلٍ لضعفه ونكارة متنه، لأنَّ نصه: «لهبط على الله» [٢٥]، وما يصل إلى الله يوصف بالصعود لا الهبوط.
وقد حمله شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على الفرض والتقدير، ولم يصحِّحه، وقرَّر امتناع اختراق المُدلى مركزَ الأرض بغير قوَّةٍ تدفعه ضدَّ جاذبيَّتها (قوَّة الهبوط).
وذلك بقوله: «كما أنَّ الجهة العليا من عندنا تردُّ ما يصعد إليها من الثقيل، فلا يصعد الثقيل إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوَّته من الهبوط، فكذلك ما يهبط من أعلى الأرض إلى أسفلها - وهو المركز - لا يصعد من هناك إلى ذلك الوجه إلا برافع يرفعه يدافع به ما في قوَّته من الهبوط إلى المركز» [٢٦].
وأمَّا الخطأ في تصوّر العلوّ النسبيّ فهو توهُّم أنَّ نظير جانبنا وراء مركز الأرض سُفْلٌ بالنسبة إلينا، فيضطَّرب تصوُّرهم لما يقصده المتوجِّهون إلى العليِّ سبحانه.
فالعلوُّ النسبيُّ في الأرض عكس اتِّجاه جاذبيَّتها، فأسفل الأرض مركزها، وأعلاها ما يحيط بها، فالإشارة المعاكسة لجهة مركزها إشارةٌ باتِّجاه علوِّها من كل جوانبها.
قال ابن تيمية رحمه الله: «فمن المعلوم باتِّفاق من يعلم هذا أنَّ الأفلاك مستديرةٌ كروية الشكل، وأنَّ الجهة العليا هي جهة المحيط، وهي المحدَّب، وأنَّ الجهة السفلى هي المركز، وليس للأفلاك إلا جهتان العلوّ والسُفل فقط» [٢٧].
وكان علماء الهيئة (الفلك) يرون الأرض مركز الكون، فجعل بعض العلماء الأرض السابعة أسفل طبقةٍ في أرضنا.
ويبدو أنَّ هذا تأويلٌ، مع أنَّ ظاهر كلام شيخ الإسلام يفيد ذلك، فقد قال: «وأنَّ المركز الذي هو باطن ذلك وجوفه، وهو قعر الأرض، هو سجِّين وأسفل سافلين» [٢٨].
فالمثليَّة في قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾، وإن احتملت أن تكون في أنَّ السماوات طباقٌ بعضها محيطٌ ببعضٍ إضافةً لعددها، فالمتبادر للذهن من شكل الأرض المرئيِّ أنَّ الأرضين سبعٌ منفصلةٌ بعضها أسفل من بعضٍ.
فالأقرب في مركز الكون أنَّه أرضٌ سابعةٌ منفصلةٌ، وقد رجَّح الطبريُّ رحمه الله أنَّ سجيناً فيها، وفي حديث البراء رضي الله عنه: «اكتبوا كتابه في سجِّين في الأرض السفلى» [٢٩].
ولا يقتضي وجود مركز الكون خارج أرضنا وقوع توجُّهٍ معتبرٍ له عند توجُّهنا نحو علوِّنا النسبيِّ، فقد لا ندرك مسامتتنا لمركز الكون (محاذاته بخطٍّ مستقيمٍ)، لاحتمال انقضاء المسامتة في مدَّةٍ أقصر من أن تُدرك، لضيق المركز وبُعده ودوراننا مع دورانٍ للأرض.
وأما نفيُ فلكيِّي عصرنا مركزاً للكون، فمبنيٌّ على تقدير تجانسه، استناداً إلى تماثل الخلفيّة الكونيّة الميكرويّة في الجهات، وافتراض عدم تميُّز موضعنا في رصد تماثلها.
ولا يحيط الرصدُ المباشر، ورصدُ الآثار، والقياسُ عليهما، بكلِّ شيء؛ فالجزم بنفي مركزٍ للكون تحكُّمٌ، كحصر تمدُّده في ازدياد المسافات داخله.
وقد يترجَّح حصرُهم هذا، وذلك لأنَّ السماء الدنيا بناءٌ وسقفٌ محفوظٌ، فقد يدلُّ هذا على أنَّ لها حدّاً، والنجومُ فيها لا خارجها، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ﴾ [الملك - ٥].
والتوجُّه إلى الله تعالى في اتِّجاه السماء بالقلب والنظر والإشارة فطريٌّ، وفيه دلالةٌ على أنَّ الله هو الأعلى سبحانه.
قال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾.
وقال رسول الله ﷺ: «إنّ الله حييٌّ كريمٌ، يستحيي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردّهما صفراً خائبتين» [٣٠].
ورفع رسول الله ﷺ إصبعه السبابة إلى السماء في خطبة عرفة، ثم نكتها إلى الناس، وقال: «اللهم اشهد» ثلاثاً [٣١].
وسأل رسول الله ﷺ الجارية: «أين الله؟» قالت: «في السماء»، قال: «من أنا؟» قالت: «أنت رسول الله»، ثمَّ قال: «أعتقها فإنَّها مؤمنة» [٣٢].
قال ابن تيمية رحمه الله: «والربّ سبحانه فوق سماواته على عرشه بائنٌ من خلقه؛ ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته» [٣٣].
فتوهُّم التعارض بين كرويَّة الأرض والسماوات وعلوّ الله تعالى سببه التكييف، وهو تشبيهٌ، والله تعالى يقول: ﴿ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير﴾.
وعلوّ الله تعالى ثابتٌ بالشرع والفطرة والعقل.
وإحاطة الله تعالى بخلقه عند أهل السنّة والجماعة إحاطة صفاتٍ لا إحاطة ذاتٍ، والعلوّ صفةٌ.
وإحاطة علوِّ الله تعالى ثابتةٌ بالشرع والعقل والفطرة، بلا تكييف.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء - ١٢٦].
وسمّى بعض السلف العلوّ مكاناً من باب التقريب والتفهيم، لا لإثبات المكان صفةً، والأولى ترك لفظ المكان لعدم وروده في النصوص، ولالتباسه بالمكان المخلوق، فيكفينا لفظ العلوّ وسائر الألفاظ الواردة في النصوص.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في حديث إدلاء [رجلٍ] بحبلٍ: «بل بتقدير ثبوته يكون دالَّاً على الإحاطة، والإحاطة قد عُلم أنَّ الله قادرٌ عليها، وعلم أنَّها تكون يوم القيامة بالكتاب والسنَّة، وليس في إثباتها في الجملة ما يخالف العقل ولا الشرع» [٣٤].
والإحاطة الثابتة يوم القيامة التي أشار إليها ابن تيميَّة رحمه الله هي قبض السماوات والأرض بيده سبحانه وتعالى، يؤكِّده قوله بأنَّه قادرٌ عليها، لأنّ القدرة وصفٌ للذات على الأفعال.
ويد الله سبحانه وتعالى لا تحلُّ بشيءٍ من خلقه، فلا تحلُّ بالمكان المخلوق، فدلَّ إمكان قبض الله الخلق في الدنيا على إحاطة علوِّ الله سبحانه بالعالم، بلا تكييف.
وقبضُ الله تعالى العالمَ يوم القيامة، وإمكانُه في الدنيا، من كمال قدرته وعظمته.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر - ٦٧].
ومصداق إحاطة العلوِّ قول النبيِّ ﷺ: «وأنت الباطن فليس دونك شيءٌ»، فلم يقل أسفلك، وإنَّما قال دونك، يعني أنَّه الأقرب إلى خلقه سبحانه وتعالى، والعالم عنده أصغر من الخردلة في كَفِّ أحدنا، وسبق أنَّه لا سُفل في الإحاطة.
فورود صفة الباطن مقابل: «وأنت الظاهر فليس فوقك شيءٌ»، فيه دلالةٌ على الإحاطة بجميع الأمكنة، كما أنَّ في الأوَّل والآخر دلالةً على الإحاطة بجميع الأزمنة.
وهي إحاطة صفاتٍ، لا إحاطة ذاتٍ، فنثبتها بلا تكييف.
وأقوال أئمة أهل السنَّة في هذا معلومة، ولو كانت الإحاطة إحاطة ذاتٍ ما احتاج أهل العلم إلى تأويل حديث إدلاء [رجلٍ] بحبلٍ، وصرفه عن ظاهره: «لهبط على الله»، فقد نقل الترمذي تأويله بالهبوط على علم الله وقدرته وسلطانه، وتأوَّله ابن القيِّم بالهبوط على قبضة الله.
وابن القيِّم رحمه الله لا يسميه تأويلاً، فقد قال: «إذا هبط في قبضته المحيطة بالعالم هبط عليه، والعالم في قبضته وهو فوق عرشه» [٣٥].
وسبق نقل قول ابن تيميَّة رحمه الله في نفي إحاطة الذات: «بل قد تبيَّن أنَّه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك».
فإن وصفنا المبطلون بالحدّيّة لهذا، فما قصدوه بنفي الحدّيّة يُلزِمهم الحلول أو نفي الوجود، فإن التزموه، فهم حلوليّةٌ أو ملاحدةٌ.
وأمّا من أثبت الحدّ من أهل السنّة، فقد قصد به إثبات العلوِّ والبينونة من الخلق، ومن نفاه قصد به نفي إحاطة علمنا بعلوِّ الله وذاته وصفاته سبحانه.
وحديث إدلاء [رجلٍ] بحبلٍ فيه: «والذي نفس محمد بيده، لو أنكم دلّيتم رجلاً بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله، ثم قرأ: ﴿هو الأوَّل والآخر والظاهر والباطن وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ﴾» [٣٦].
وعلى فرض صحَّته، فهو على الفرض والتقدير حتى في لفظ الهبوط، فيصرف معناه إلى: لارتفع إلى الله، وذلك لأنَّه إذا جاوز مركز الأرض ارتفع ولم يهبط، فهبوطه ينتهي عند المركز.
وكلُّ ما يأتي من الله يوصف بالنزول، وكلُّ ما يصله يوصف بالصعود، كما في قول الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر - ١٠].
والواجب إثبات كلّ الصفات التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسوله ﷺ، وفهم معانيها بإمرارها كما جاءت دون تكييف.
قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه - ١١۰].
والإحاطة بمعاني الصفات إنَّما تكون بمعرفة الكيفيَّة، وهي ممتنعةٌ بالشرع والعقل والفطرة، فالله تعالى أعظم من ذلك.
الفقرات التالية منقولة من مقال قديم [٣٧].
المدار الذي به يتعاقب اللَّيل والنهار
الدوران الذي به يتعاقب الليل والنهار، ومعنى طلوع الشمس ومغيبها، ومستقرها عند كل مغيب، مع القول باكتمال دورتها حول مركز المجرة في ٢٣٠ مليون سنة.
بتتبُّع نظريَّات علماء الطبيعة يُعلم أنَّها استنتجت أنَّ للشمس مساراتٍ غير منتظمةٍ.
فالشمس في هذه النظريَّات تدور حول مركز المجرَّة، متأثرةً بالمجال الجذبيِّ لما فيها من نجومٍ وغازٍ ومادةٍ مظلمةٍ، وتتحرَّك المجرَّة مع غيرها ضمن مجموعاتٍ مجريّة وعناقيدَ صغرى وكبرى.
وقد سمّى علماء الفلك بعض هذه المسارات مداراتٍ؛ لقولهم بحركتها حول مراكز جذبيَّة، لا لكونها دائريةً منتظمةً.
ويقولون بأنَّ الشمس تستغرق نحو ٢٣٠ مليون سنة لإكمال دورتها حول مركز المجرَّة، وأنَّ تعرُّجات مسارها غير المنتظم تحدث على مدى عشرات الملايين من السنين.
في دوران الأرض عموماً يقول الشيخ الألباني بأنه حقيقة علمية لا تقبل جدلاً [٣٧].
ويقول الشيخ العثيمين: (لو ثبت بطريق علمي لا إشكال فيه أن اختلاف الليل والنهار بدوران الأرض، فنحن نقول به) [٣٨].
وقد ثبت، فيما يبدو، بتحليل المشاهد المحسوس أن تعاقب اللَّيل والنهار بدوران الأرض حول محورها، انظر؛ [٣٩].
ولا يوجد نصٌّ على أنَّ تعاقب اللَّيل والنهار بدوران الشمس، وأمَّا جزم بعض العلماء بذلك، فمبناه على ظواهرَ لغويَّةٍ للنصوص، ومن ذلك:
١. نسبة الطلوع والمغيب للشمس في النصوص.
٢. دلالة النصوص الصحيحة على أنَّ الشمس تجري، فتسجد عند مغيبها في مستقرٍّ لها تحت العرش، فيؤذن لها بالطلوع من مطلعها، إلى أن تؤمر بالطلوع من مغربها.
ففي رواية للبخاري عن أبي ذر رضي الله عنه: (قال النبي ﷺ حين غربت الشمس: (تدري أين تذهب)؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: (فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فتستأذن فيؤذن لها، ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها، وتستأذن فلا يؤذن لها، يقال لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾) [٤٠].
اختلاف أزمنة الغروب لا يخفى حتى في زمن الرسالة، ولا بدَّ منه على كلا التقديرين لتعاقب الليل والنهار: بدوران الشمس، أو بدوران الأرض حول محورها.
فقد يكون زمن مستقر الشمس هو زمن غروبها في المدينة، ونظيره الأمر بالتوجه نحو الشرق والغرب في النهي عن استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة، فهو باعتبار اتجاه القبلة في المدينة، إذ الشرق قبلة بعض البلدان، وكذا الغرب.
قال رسول الله ﷺ: (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها بغائط ولا بول، ولكن شرقوا وغربوا) [٤١].
أمَّا نسبة الطلوع والمغيب للشمس، فقد تكون بمقتضى ما يبدو للناس، كما لو قيل: سار معنا القمرُ.
فإنَّ معنى طلوع الشمس ومغيبها متردِّد بين ظاهري الاستعمال واللُّغة.
فمن ظاهر الاستعمال كلام الناس وفق الحركة الظاهريَّة، كقول راكب الفرس أو القطار، أو مشاهد الشاشة: أرى الأشجار متحركةً.
وما يراه مشاهد الشاشة إنِّما هو صورٌ ساكنةٌ متتاليةٌ بتردُّد معيَّن، فيُخيَّل بهذا إلى الذهن حركةٌ لا وجود لها.
فللجمل ظاهر استعمالٍ كالكلمات.
وقد تردَّد معنى: "لا يصلينَّ أحدٌ العصر إلا في بني قريظة" بين دلالتي اللُّغة والاستعمال.
ودلالة الاستعمال ظاهرةٌ في قول الوالد لولده: إذا لم تشتر الخبز فلا ترجع إلى البيت.
ولا تعارض بين النظريَّات الحديثة، وبين جريان الشمس، ومستقرِّها تحت العرش عند مغيبها كلَّ يومٍ.
أما جريان الشمس، فواضحٌ أنَّه يمكن تفسيره بحركتها حول مركز المجرَّة، وحركتها مع المجرَّة ضمن المجموعات المجريَّة والعناقيد.
وأمَّا مستقرُّ الشمس، فقد يكون ذهابها إليه بمسارٍ لا يُدرك بالرصد (ما وراء العناقيد المرئيَّة)، وقد يكون هو الحال الذي تدركه عند تمام سيرها الظاهري اليوميِّ، بلا انتقالٍ، فكلُّ موضعٍ تمرُّ به هو تحت العرش.
ففي رواية للبخاري في أمر الشمس آخر الزمان (وكأنَّها قد قيل لها: ارجعي من حيث جئت، فتطلع من مغربها) [٤٢].
فمعنى هذه الرواية أنَّ الأمر ليس على ظاهره اللُّغوي، والأقرب أنَّه ورد وفق المسير الظاهري للشمس.
وفي روايةٍ أخرى للبخاري في أمر الشمس آخر الزمان؛ (ارجعي من حيث جئت)، وفي روايةٍ لمسلم؛ (أصبحي طالعة من مغربك).
فيُحتمل، بدلالة رواية «وكأنَّها قد قيل لها»، أنَّ صيغة الأمر هنا خرجت مخرج ما تدركه الشمس من حالها، فيكون المراد عكس دورانها حول مركز المجرَّة، ويكون طلوعها من مغربها بانعكاس دوران الأرض حول محورها، أو بما لا يعلمه إلا الله.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٦هـ، ١٩ يونيو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.
مصادر ومراجع
١. درء تعارض العقل والنقل (ج٧/ص٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢. الضعفاء الكبير للعقيلي (ج١/ص١٤٣) - العقيلي (ت ٣٢٢هـ)، وانظر؛ شرح حديث النزول (ج١/ص٤١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٤١٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٢٤٣) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٥. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٣٩٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٦. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٨٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٧. العرش للذهبي (ج١/ص٢٢٤) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
٨. السنن الكبرى (ج٣/ص٣) - أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) - ط العلمية.
٩. انظر؛ مجموع الفتاوى (ج١٢/ص٢٥٤) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٠. تيسير الكريم الرحمن (ج١/ص٧١٩) - عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦هـ).
١١. جامع البيان (ج١٠/ص١١٩) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط هجر.
١٢. إنها حرفية لا ظاهرية.
١٣. فتح الباري (ج٦/ص٥٣٥) - ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ).
١٤. النزول للدارقطني (ج١/ص١٢٣) - الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ).
١٥. مجموع الفتاوى (ج٣/ص٣٨٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٦. أخرجه مسلم (١٣٤٨).
١٧. شعيب الأرنؤوط، صحيح، تخريج المسند لشعيب (٤٢٦٨)، أخرجه أحمد (٤٢٦٨) واللفظ له، وأبو يعلى (٥٣١٩).
١٨. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٨٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٩. الحجة في بيان المحجة (ج٢/ص١٢٨) - إسماعيل التيمي الأصبهاني (ت ٥٣٥هـ).
٢٠. العلو للعلي الغفار (ج١/ص١٦٥) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
٢١. الإبانة الكبرى (ج٧/ص٢٠٥) - ابن بطة (ت ٣٨٧هـ).
٢٢. مجموع الفتاوى (ج٢٥/ص١٩٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص١٥٠) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٤. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٨٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٥. الترمذي (٣٢٩٨).
٢٦. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٧٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٧. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٦٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٨. الفتاوى (ج٢٥/ص١٩٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٩. الألباني: صحيح، صحيح الجامع (١٦٧٦)، أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وغيره.
٣٠. جامع الترمذي (٣٥٥٦)، وسنن أبي داود (١٤٨٨).
٣١. صحيح مسلم (١٢١٨).
٣٢. صحيح مسلم (٥٣٧).
٣٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٢٦٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣٤. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٧٤) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣٥. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ج٢/ص٤٨٥) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ابن الموصلي (ت ٧٧٤هـ).
٣٦. الترمذي (٣٢٩٨).
٣٧. دوران الأرض حول محورها.
٣٨. يوتوب » الشيخ الألباني - ما قولكم في مسألة دوران الأرض.
٣٩. يوتوب » دوران الشمس حول الأرض للشيخ محمد ابن صالح العثيمين.
٤٠. صحيح البخاري (٣١٩٩)، صحيح مسلم (١٥٩) باختلاف يسير.
٤١. أخرجه البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤)، واللّفظ له.
٤٢. البخاري (٧٤٢٤).
٢. الضعفاء الكبير للعقيلي (ج١/ص١٤٣) - العقيلي (ت ٣٢٢هـ)، وانظر؛ شرح حديث النزول (ج١/ص٤١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٤١٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٢٤٣) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٥. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٣٩٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٦. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٨٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٧. العرش للذهبي (ج١/ص٢٢٤) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
٨. السنن الكبرى (ج٣/ص٣) - أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) - ط العلمية.
٩. انظر؛ مجموع الفتاوى (ج١٢/ص٢٥٤) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٠. تيسير الكريم الرحمن (ج١/ص٧١٩) - عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦هـ).
١١. جامع البيان (ج١٠/ص١١٩) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط هجر.
١٢. إنها حرفية لا ظاهرية.
١٣. فتح الباري (ج٦/ص٥٣٥) - ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ).
١٤. النزول للدارقطني (ج١/ص١٢٣) - الدارقطني (ت ٣٨٥ هـ).
١٥. مجموع الفتاوى (ج٣/ص٣٨٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٦. أخرجه مسلم (١٣٤٨).
١٧. شعيب الأرنؤوط، صحيح، تخريج المسند لشعيب (٤٢٦٨)، أخرجه أحمد (٤٢٦٨) واللفظ له، وأبو يعلى (٥٣١٩).
١٨. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٨٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٩. الحجة في بيان المحجة (ج٢/ص١٢٨) - إسماعيل التيمي الأصبهاني (ت ٥٣٥هـ).
٢٠. العلو للعلي الغفار (ج١/ص١٦٥) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
٢١. الإبانة الكبرى (ج٧/ص٢٠٥) - ابن بطة (ت ٣٨٧هـ).
٢٢. مجموع الفتاوى (ج٢٥/ص١٩٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص١٥٠) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٤. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٨٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٥. الترمذي (٣٢٩٨).
٢٦. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٧٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٧. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٦٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٨. الفتاوى (ج٢٥/ص١٩٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢٩. الألباني: صحيح، صحيح الجامع (١٦٧٦)، أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وغيره.
٣٠. جامع الترمذي (٣٥٥٦)، وسنن أبي داود (١٤٨٨).
٣١. صحيح مسلم (١٢١٨).
٣٢. صحيح مسلم (٥٣٧).
٣٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٢٦٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣٤. مجموع الفتاوى (ج٦/ص٥٧٤) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٣٥. مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (ج٢/ص٤٨٥) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ابن الموصلي (ت ٧٧٤هـ).
٣٦. الترمذي (٣٢٩٨).
٣٧. دوران الأرض حول محورها.
٣٨. يوتوب » الشيخ الألباني - ما قولكم في مسألة دوران الأرض.
٣٩. يوتوب » دوران الشمس حول الأرض للشيخ محمد ابن صالح العثيمين.
٤٠. صحيح البخاري (٣١٩٩)، صحيح مسلم (١٥٩) باختلاف يسير.
٤١. أخرجه البخاري (١٤٤)، ومسلم (٢٦٤)، واللّفظ له.
٤٢. البخاري (٧٤٢٤).
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق