المتسَوْرِرون وأصحابهم الأوّلون

إذا كان المُتَسَوْرِرون صادقين فلماذا يركزون على الأهواء والاختراقات الاستخبارية في بعض دون آخرين؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لم أذكر أسماء أشخاص ولا هيئات للوقوف عند المسميات قبل الأسماء، والمعاني قبل الأشكال والمباني.
ولأن ذكر الأسماء والهيئات يكدر المعاني عند المتعصبين والعاطفيين ومن يسيء الظن بغرض الكاتب.
الأهواء والاختراقات الاستخبارية لا يخلو منها مجتمع بما في ذلك المجتمعات الأسلمية (التي تدعو لأسلمة الحياة).
فلماذا يركز المتسوررون على مجتمعات أسلمية دون الأخرى؟
وبعضهم يتميّزون بصراحة وجرأة.
والناس عامة والسودانيون خاصة يحبون الرجل الصريح الجريء.
والعاطفيون مع جهلهم لا يفرقون بين الجرأة في الحق والجراة على الباطل إذا رأوا في صاحبها جرأة في بعض الحق.
وقد تضررت البلد والدعوة كثيراً من الاندفاع والتهور دون حكمة ولا مراعاة للمصالح والمفاسد.
فماذا يستفيد المتسوررون من الطعن في جماعة خاصة ومن على نهجها عامة باتهامهم بتبعية استخبارية لدولة أجنبية!
فالمجتمعات المعتدلة لا تخلو من أهواء واختراقات أصالةً أو استدراجاً لمرضى القلوب وضعاف النفوس.
بل إنّ وجود نفاق في غيره المدينة من المجتمعات الطاهرة من باب أولى.
وتبعية استخبارات دول عربية مسلمة لا تعدُّ من النفاق الأكبر، ولكنّها من أمراض القلوب المهلكة للفرد المضرّة بالأمة التي لا ينبغي التساهل في أمرها والتهاون في استئصالها.
وما فائدة تضخيم ظواهر لا يخلو منها مجتمع؟ وهي ظواهر لا يكتشفها إلا القلة النادرة من المراقبين العقلاء، وما فائدة إشاعتها وذكرها لمن لا يستطيع التحقق منها فضلاً عن معرفة مقدارها إن وجدت؟!
وإذا صحّ أنّ بعض من حرفته السياسة الحزبية خاصة وغير الشرعية عامة ممن يدعي نصر السنة يرى جواز عقد اتفاقات دبلوماسيّة حزبية مع دول أجنبية عربية، فمن أين أتوا؟
أليس من قول زعيم أسلمي؛ لن يتحقق نجاح سياسي بدون علاقة بدولة خارجية؟
وأيهما أقبح التعاون غير الشرعي مع دولة فارسية رافضية أم التعاون غير الشرعي مع دولة عربية سنية؟
فمن ينحاز لهم المتسوررون تعاونوا تعاوناً غير شرعي مع دولة رافضية غير عربية قبل وصولهم للسلطة.
بل لم يصلوا للسلطة إلا بمثل هذا التعاون غير الشرعي كما صرح بما يدل عليه زعيمهم.
غير أنّ التهوّر والغلوّ في الانتصار للنفس يوردان الرجل موارد التهلكة.
وسبب ما في المتسوررين من غلو تعصبهم لشيخ لهم اختلف مع شيخه وشيخهم القديم [١].
ولذا يركزون على الطعن في شيخهم هذا وكأنهم لم يكونوا مقلدين له فيما كان سبباً لفتن دون قصد.
وأهل السنة أهل وسط واعتدال، يلتمسون العذر له، ولا ينكرون صوابه وجهوده، ولا يتعصبون له ولا لأقواله، ولا يجعلونه إماماً.
وظني به أنه لو علم بالمعاينة لا الخبر ما أحدثه بعض من ينتسب إليه لا سيما في بلاد الكفار، لكان إنكاره عليهم بأشد مما قاله في بعضهم [٢].
قال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان الغلط شبراً صار في الأتباع ذراعاً ثم باعاً، حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة" [٣].
وأهل الزيغ والضلال يعادونه بسبب ردوده على أهل البدع والأهواء والتحزب والمجاملة في الدين.
أعاذنا الله وسائر إخواننا من الاندفاع والتهور والغلو في الانتصار للنفس وآثار مرضى القلوب والمخترقين والمنافقين.
وإذا سألت عن معنى المتسورِر، فهو من صار سروريّاً حقيقةً أو ادعاءً أو مجاملة.
وإذا سألت عن معنى كلمة سروري، فأعني به من يتعصب للآراء التي كان يتبناها رجل اسمه محمد بن سرور زين العابدين.
وهي آراء تعد من قبيل الزلات والفلتات في حق من لا يتعصب لها، ولا يوالي ويعادي عليها، ولا يفرق بها جماعة المسلمين.
ويُعد من أهل البدعة والفرقة؛ من جعل مخالفته في أحد فروع المعتقد أصلاً عظيماً، يوالي عليها ويعادي، ويفرق بها جماعة المسلمين، ويكفرهم بمخالفتها، ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، كما تفعل الخوارج [٤].
وقد كان منشأ بدعة الخوارج التعصب لرأيهم السياسي الرافض للتحكيم حتى جعلوه مخالفاً لأصل الدين وهو التوحيد، فقالوا لا حكم إلا لله.
فتأول الخوارج أوّلاً ثم أصروا فوقعوا في الكفر بتحريم ما أحل الله (التحكيم) فحكموا بغير ما أنزل الله، وكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
وحول اشتقاق متسورر من كلمة سروري أنقل التالي [٥]؛
السين والتاء في استفعل تعني الطلب كاستعان بمعنى طلب العون.
وتعني التحول الحقيقي كاستحجر بمعنى صار حجراً.
وتعني التحول المدعى والمجازي كاستنسر البغاث، واستنوق الجمل، واستتيست العنز.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ١٥ محرم ١٤٤٧هـ، ١٠ يوليو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. تعاون أهل الأديان وشيخان عَلَمان.
٢. الإخوان بين اليوسف والمدخلي وأنصار السنة.
٣. بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (ج١/‏ص٤٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. الغلو في التبديع.
٥. المحاسن في إحداث كلمة مواطن.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق