‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحكام ومسائل. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات أحكام ومسائل. إظهار كافة الرسائل

القدر المقصود للركوع والسجود

السنة في قدر الركوع والسجود هي تناسبهما مع القيام، فقدرهما المعتاد نحو ثلاث تسبيحات في الفريضة، ويطولان بطول القيام المسنون فيها، وقد يقاربان القيام في صلاة الليل.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
القدر المعتاد للركوع والسجود في الفريضة نحو ثلاث تسبيحات.
فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (كان إذا ركع قال: سبحان ربّي العظيم وبحمده ثلاثاً، وإذا سجد قال: سبحان ربّي الأعلى وبحمده ثلاثاً) [١].
يؤكده قول البراء رضي الله عنه: «كان ركوع النبي ﷺ، وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء» [٢].
ويقارب زمنُ ثلاث تسبيحات زمنَ الذكر بلا تكرار عند الاعتدال من الركوع وبين السجدتين.
ومن باب الاستئناس فإن سنة تقارب قدر مواضع الصلاة، خلا القيام والقعود؛ تناسب فضل القرآن على غيره وفضل قراءته في الصلاة [٣].
- قال الله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾.
- وقال رسول الله ﷺ: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدّم من ذنبه»، وقال: «لا حسد إلا في اثنتيْن؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار» [٤].
ولابد من التوفيق بين رواية البخاري: «ما خلا القيام والقعود» ورواية مسلم لحديث البراء: «رمقت الصلاة مع محمد ﷺ. فوجدت قيامه، فركعته، فاعتداله بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف، قريباً من السواء» [٥].
ولعل الراجح الجمع بينهما بالقول بأن للقرب هنا معنيان: القرب في قدر ما عدا القيام والقعود، والقرب في تناسب قدرهما مع قدر ما سواهما.
قال ابن القيم رحمه الله: «فإن البراء هو القائل هذا وهذا؛ فإنه في السياق الأول أدخل في ذلك قيام القراءة، وجلوس التشهد. وليس مراده أنهما بقدر ركوعه وسجوده، وإلا ناقض السياق الثاني؛ وإنما المراد أن طولهما كان مناسباً لطول الركوع والسجود والاعتدالين، بحيث لا يظهر التفاوت الشديد في طول هذا وقصر هذا؛ كما يفعله كثير ممن لا علم عنده بالسنة، يطيل القيام جداً، ويخفف الركوع والسجود، وكثيراً ما يفعلون هذا في التراويح! وهذا هو الذي أنكره أنس بقوله: «ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من صلاة رسول الله ﷺ»؛ فإن كثيراً من الأمراء في زمانه كان يطيل القيام جداً، فيثقل على المأمومين، ويخفف الركوع والسجود والاعتدالين، فلا يكمل الصلاة» [٦].
يدل على التناسب في الفرض ما رواه ثابت عن أنس رضي الله عنه أنه قال: «إني لا آلو أن أصلي بكم كما رأيت النبي ﷺ يصلي بنا، قال ثابت: كان أنس يصنع شيئاً لم أركم تصنعونه، كان إذا رفع رأسه من الركوع قام حتى يقول القائل قد نسي، وبين السجدتين حتى يقول القائل قد نسي» [٧].
رواية ابن حبان: «رأيت أنس بن مالك يصنع شيئاً لا أراكم تصنعونه» [٨] تحمل على أن ثابتاً البنانيّ رحمه الله رأى ذلك في واقعة أو وقائع محدودة.
وأما رواية الصحيحين، فإن لم ترو بالمعنى، فإنها تعني أحياناً متكررة، لدلالة النصوص، ولأن ثابتاً رحمه الله قال قوله هذا بسبب ما رآه من إحداث إطالة القراءة مع تخفيف الركوع والسجود.
ومما قد يُذكر من حِكَم تخفيف الفريضة في المعتاد: دوام الصلة بالله بتكرارها، مع تخفيف ثقل التكرار، لقول النبي ﷺ: «أحب الأعمال إلى الله أدومه وإن قل» [٩].
ولذلك شُرع في قيام الليل التطويل.
عن حذيفة رضي الله عنه قال: «صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة. فافتتح البقرة. فقلت: يركع عند المائة. ثم مضى. فقلت: يصلي بها في ركعة. فمضى. فقلت: يركع بها. ثم افتتح النساء فقرأها. ثم افتتح آل عمران فقرأها. يقرأ مترسلاً. إذا مر بآية فيها تسبيح سبح. وإذا مر بسؤال سأل. وإذا مر بتعوذ تعوذ. ثم ركع فجعل يقول "سبحان ربي العظيم" فكان ركوعه نحواً من قيامه. ثم قال "سمع الله لمن حمده" ثم قام طويلاً، قريباً مما ركع. ثم سجد فقال "سبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريباً من قيامه» [١٠].
وقد ضعف بعض العلماء زيادة قدر العشر تسبيحات الواردة في قول أنس رضي الله عنه: «ما صليت وراء أحدٍ بعد رسول الله ﷺ أشبهَ صلاةً برسول الله ﷺ من هذا الفتى، يعني عمر بن عبد العزيز، قال: فحزرنا في ركوعه عشر تسبيحات، وفي سجوده عشر تسبيحات» [١١].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ، ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

المصادر

١. الألباني: صحيح، صحيح الجامع (٤٧٣٤)، أبو داود (٨٧٠)، والبيهقي (٢٥٩١)، بلفظهما.
٢. صحيح البخاري (٧٩٢).
٣. قدر الورد المُردّد وفضل الحفظ المُسدّد.
٤. صحيح مسلم (٨١٥)، وأخرجه البخاري (٧٥٢٩) باختلاف يسير.
٥. صحيح مسلم (٤٧١).
٦. الصلاة (ج١/‏ص٢٩٥) - ابن القيم (ت ٧٥١هـ) - ط عطاءات العلم.
٧. البخاري (٨٢١)، ومسلم (٤٧٢).
٨. شعيب الأرنؤوط: "إسناده صحيح على شرطهما"، تخريج صحيح ابن حبان (١٨٨٥).
٩. البخاري (٦٤٦٤)، ومسلم (٢٨١٨).
١٠. صحيح مسلم (٧٧٢).
١١. شعيب الأرنؤوط: "حسن دون قوله: فحزرنا في ركوعه ... "، تخريج سنن أبي داود (٨٨٨)، أحمد شاكر: "إسناده صحيح، إلا القطعة التي في آخره"، تخريج المسند (ج٨/‏ص٢٩١)، الألباني: ضعيف، ضعيف أبي داود (٨٨٨).

إحكام ما يُمسك عنه بالصيام

الرجوع إلى قسم مسائل وأحكام
المفطرات الاختيارية (ما يمسك عنه الصائم) سهلة المعرفة إذا ضبطت بالنصوص والإجماع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين.
الالصوم إمسكاك، ولذا فالحاجة عامة لضبط ما يمسك عنه الإنسان (المفطرات التي يفعلها الإنسان باختياره).
والمفطرات العامة غير الاختيارية عند المرأة، وهي الحيض والنفاس.
ويمكن تقسيم المفطرات الاختيارية إلى خاصة بالصوم وعامة في التكاليف الشرعية.
أما المبطلات الاختيارية العامة فهي الردة وإزالة العقل بسكر أو مخدر ولو كان قبل بداية الصوم.
وذلك لأن الإسلام والعقل من شروط الصحة في عموم التكاليف الشرعية.
وأما الخاصة بالصوم فالمنصوص عليها قسمان؛ مجمع عليها ومختلف فيها.
المجمع عليها مما ورد فيه النص من المفطرات الاختيارية هي؛ الأكل والشرب والجماع والقيء عمداً.
وأما المختلف فيه مما ورد فيه نص فهو الحجامة.
ورد في القيء عمداً قول النبي ﷺ: ((مَن ذَرَعَهُ القَيْءُ وهو صائِمٌ فلَيسَ عليه قَضاءٌ، ومَنِ اسْتَقاءَ فلْيَقْضِ)) [١].
وأما الحجامة فورد فيها ما يدل على أنها من المفطرات؛ عن شداد بن أوس أنه مرَّ مع رسولِ اللهِ ﷺ زمَنَ الفتحِ على رجلٍ يحتجمُ بالبقيعِ لثمانِ عشرةَ خَلَتْ من رمضانَ فقال: ((أفطرَ الحاجمُ والمحجومُ)) [٢].
ولكن الحديث السابق معارض بحديث لا شك في صحته وهو؛ عن عبدالله بن عباس ((أنَّ النبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو مُحْرِمٌ، واحْتَجَمَ وهو صائِمٌ)) [٣].
والأحوط ترك الحجامة في نهار رمضان لاحتمال أن يكون جوازها للصائم منسوخاً.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ((أنه كان يحتجم وهو صائم قال ثم ترك ذلك بعد فكان إذا صام لم يحتجم حتى يفطر)) [٤].
ويحتمل أن يكون النهي للكراهة لا التحريم، والجمع بين النصوص أولى من النسخ والترجيح.
فعن بعضِ أصحابِ رَسولِ الله ﷺ: ((أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عن المُواصَلةِ والحِجامةِ للصَّائِمِ، ولم يُحَرِّمْهما؛ إبقاءً على أصحابِه)) [٥].
وعن أنسِ بنِ مالكٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه سُئِل: ((هل كُنتُم تَكرهونَ الحِجامةَ؟ فقال: لا، إلَّا مِن أجلِ الضَّعفِ)) [٦].
وأما المقيس على المفطرات الاختيارية المنصوص والمجمع عليها؛
فيقاس على الجنون التخدير الذي يغيب العقل بأشد من النوم الطبيعي.
ويقاس على الحجامة التبرع بالدم، وأجاز بعض العلماء أخذ الدم للتحليل.
وأما ضابط المقيس على الأكل والشرب، فلعل الصحيح أن له ضابطان:
١. الحقن الوريدية المغذية، وكل ما يستغنى به عن الأكل والشرب.
٢. وصول شيء إلى الجوف عن طريق الفم أو الأنف.
عن لقيط بن صبرة أن النبي ﷺ قال: ((بالغْ في الاستنشاقِ إلا أن تكون صائمًا)) [٧].
ومجرد تذوق شيء بالفم لا يفطر كالسواك ولو كان بالمعجون، وذلك لأن الصائم يتوضأ ويتذوق طعم الماء.
وفي المرئي [٨] (لقاء بمسجد لوند) مزيد تفصيل حول الحيض والنفاس وغيرهما مما يتعلق بمفطرات الصوم المعتادة.
والله تعالى أعلم، والحمد لله رب العالمين.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
ليلة الإثنين ٧ شعبان ١٤٤٧هـ، ٢٥ يناير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

المراجع

١. صححه الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (٦٢٤٣).
٢. علي بن المديني؛ صحيح، تنقيح تحقيق التعليق (ج٢/ص٣١٩).
٣. صحيح البخاري ١٩٣٨.
٤. موطأ الإمام مالك (٦٦٢).
٥. أخرجه أبو داود (٢٣٧٤)، وأحمد (١٨٨٢٢)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٢٦٦). صحح إسناده ابن كثير في إرشاد الفقيه (١/ ٢٨٦)، وابن حجر في فتح الباري (٤/ ٢١٠)، والعيني في عمدة القاري (١١/ ١٠١)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٢٣٧٤).
٦. رواه البخاري (١٩٤٠).
٧. صححه الألباني، إرواء الغليل (٩٣٥).
٨. لقاء ليلة الأحد ٦ شعبان ١٤٤٧هـ بمسجد لوند بالسويد.
pdf
الرجوع إلى قسم مسائل وأحكام

التصوير الآلي والاقتناء المعني

تصوير الذكاء الاصطناعي محرّم بلا شك، والتصوير الضوئيّ لغرض مباح جائز، واقتناء الصورة في وضع موقّر محرّم، والصورة هي الثابتة بوجه واضح المعالم لكلّ ذي روح.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكبير المتعال، ذي العزّة والجلال، المنزّه عن الشريك والمثال، والصلاة والسلام على كريم الخصال، وعلى من معه خير صحبٍ وأكرم آل.
الوعيد الوارد في التصوير أشدّ من الوعيد في اقتناء الصورة المحرّم.
قال النبيّ ﷺ: (إنّ أشد الناس عذاباً عند الله يوم القيامة المصوّرون)، متّفقٌ عليه [١].
وقال ﷺ: (من صوّر صورة في الدنيا كلّف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ)، متّفقٌ عليه [٢].
وقال ﷺ: (قال الله عزّ وجل: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا حبّةً، وليخلقوا ذرّة)، متّفقٌ عليه [٣].
فالمصوّرون ملعونون، وهم من أشدّ الناس عذاباً يوم القيامة، ويكلّفون فيه بنفخ الروح فيما صوّروا فلا يستطيعون، لمضاهاتهم خلق الله.
ومضاهاة خلق الله واضحة في الرسم والنحت البشري والآليّ.
فصنع تماثيل بمصنع آليّ فيه قوالب جاهزة محرّم كالنحت.
وفي برامج المونتاج قوالب تُحفظ رقميّاً، بها يحلّل الذكاء الاصطناعيّ ويصوّر.
فالمضاهاة فيها واضحةٌ، لأنّها تعدّل الصورة ذاتها أو تصنعها.
وأمّا الصورة الضوئيّة فهي مجرّد حبس أثر الضوء، وتجويد هذا الحبس هو مثل تجويد صنع المرآة.
فتجويد عدسة الكاميرا الزجاجيّة مثلاً هو مثل تجويد زجاجة المرآة.
فالتصوير الضوئيّ ليست فيه مضاهاة كما لا توجد مضاهاة بسبب الفن في صناعة المرآة وطريقة استخدامها بزاوية مناسبة وإضاءة كافية.
وليس المراد بالتصوير المحرم مجرد الاسم.
فالتصوير المنهي عنه تصوير مخصوص لا يشمل تصوير غير ذوات الأرواح.
والعلّة الفارقة المؤثّرة في الحكم هي مضاهاة خلق الله.
وقد نفت السنّة اسم الصورة (المحرّمة) عمّا قطع منه الرأس، فإذا جمعنا إليه الأمر بطمس الصورة وعلّة المضاهاة علمنا أنّ المقصود أكرم ما في الرأس والإنسان وهو الوجه.
فالتصوير الضوئي مباح، وتحريمه لغيره منوط بغرضه، كالاقتناء المحرّم للصورة، كسائر المباحات تأخذ حكم مقاصدها.
والقول بأنّ التصوير عموماً محرّم لغيره يفتقر للدليل، وورود استثناء الصور الممتهنة في السنّة يضعفه من جهة النظر.
فالنصوص تدلّ على أنّ التصوير غير الضوئي محرّم لذاته، وعلى أنّ علة تحريمه هي مضاهاة خلق الله.
وأمّا علّة اتخاذه وسيلة للاقتناء المحرّم للصورة فهي تحرّمه ولو كان مباحاً في الأصل.
ويكفي في العلل المتعدّدة أحدها لإمضاء الحكم، مثل السفر والمرض لجواز الفطر في نهار رمضان، خلافاً للعلّة المركّبة، للمزيد انظر؛ حد السفر الشرعي.
ولاستثناء الصور الممتهنة فإنّ تحريم اقتناء الصورة منوط بعلّةٍ هي الوضع الموقّر للصورة.
ومن مقاصد تحريم اقتناء الصورة في وضع موقّر دفع ذريعة الشرك وابتعاد الملائكة.
وللتفريق بين العلل والمقاصد بمثال انظر؛ حد السفر الشرعي.
فيحرم تعليق الصورة مطلقاً ولو كانت مصنوعة بحبس أثر الضوء فقط، مطبوعةً كانت أو ثابتةً على شاشة عرض ضوئيّة.
وجواز استخدام المرئيّات في الدعوة ونحوها هو بسبب انتفاء علّة المضاهاة في التصوير الضوئيّ وانتفاء علّة الوضع الموقّر للصور فيها.
وأمّا القول بجوازها لحاجة نشر العلم ونحوها مع القول بأنّ التصوير الضوئيّ محرّم لغيره، ففيه تبرير وسيلة بغايتها.
فالحاجة المذكورة في مثل هذه الفتوى عاديّة يمكن تحصيلها بدون تصوير.
والحاجة (المصلحة الحاجيّة) في كلام العلماء قسمان؛
١. الحاجة الملجئة لفعل محرّم لغيره (الاحتياج).
٢. الحاجة العاديّة (غير الملجئة).
ونظير هذا أن يقال؛ الضرورة (المصلحة الضروريّة) في كلام العلماء قسمان؛
١. الضرورة الملجئة لفعل محرم لذاته (الاضطرار).
٢. الضرورة العادية (غير الملجئة).
وبغير هذا الفهم، تكون القاعدة من جملة الغاية تبرّر الوسيلة.
وذلك لأنّ من شروط الاحتياج والاضطّرار التعيّن، وهو عدم وجود سبيل شرعيّ لتحصيل المصلحة الحاجيّة أو الضروريّة.
ولما سبق فإنّ تشغيل المرئيّات المصنوعة بتصوير غير ضوئيّ ليس فيه حرمة، لأنّه ليس فيه اقتناء محرّم للصور.
فالمرئيّات وصور الأجهزة ولو رسمت وصنعت بتصوير غير ضوئيّ تنقل وتحفظ في هيئات رمزيّة (مغنطيسيّة أو ضوئيّة أو شحنات كهربيّة)، ولا تظهر صورةً إلا على الشاشة ثم تختفي (غير ثابتة كصور المرآة).
وأذكر أنّني كنت في درس في المسجد الحرام في العشر الأواخر للشيخ العثيمين رحمه الله فحثّ على نقل الصور التي تبيّن مآسي المسلمين، وقال أرى أن توضع في ألبوم ليطّلع عليها الناس ولا تعلّق، ثم سأل عن كلمة ألبوم عربيّة أم لا، ثم طلب من تلاميذه البحث في أصلها.
ولا بأس باستخدام الرموز التعبيريّة لأنّها تظهر بطريقة غير موقّرة وغير ثابتة، ولأنّ الوجه مطموس المعالم.
والمراد بالرأس الوجه في قول النبيّ ﷺ: (فإذا قطع الرأس فلا صورة)، فالرأس بدون وجه ليس له معنىً يُذكر، لأنّ الوجه يدلّ على هويّة الإنسان، ولأنّه أكرم ما فيه.
وحديث؛ (ولا صورةً إلا طمستها) يدلّ على أنّ الطمس كافٍ، وبجمعه إلى الحديث السابق مع اعتبار علّة المضاهاة نعلم أنّ المراد طمس الوجه.
وفي صحيح البخاري؛ (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه).
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
ليلة الأربعاء ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٧هـ، ٧ أكتوبر ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. صحيح البخاري (٥٩٥٠)، وأخرجه مسلم (٢١٠٩) بلفظٍ مختلف.
٢. أخرجه البخاري (٥٩٦٣)، ومسلم (٢١١٠).
٣. أخرجه البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١).

الائتمام والترديد في تكبيرات العيد

تكبير المجتمعين في العيد جهراً فرادى أو بصوت واحد بدون ائتمام فيه تشويش أظهر من منازعة الإمام القراءة، وثبت جماعةً بائتمام عن السلف.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لم أجد نقلاً معتبراً عن السابقين للقول بأنّ التكبير جماعةً بائتمامٍ في العيدين بدعةٌ.
وأوّل قول وجدته فيه نقلٌ عن سابقين يوهم به هو للتويجري رحمه الله في كتاب؛ إنكار التكبير الجماعي وغيره.
والقول بأنّ ما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم ونُقل عن الإمامين مالكاً والشافعي رحمهما الله ليس مراداً به التكبير الجماعيّ مخالفٌ لظاهر اللّغة.
وما نقله التويجري رحمه الله عن ابن الحاج رحمه الله ليس مراداً به أنّ تكبيرات العيدين جماعةً على سبيل الائتمام بدعةٌ.
فواضح أن قصد ابن الحاج هو التكبير بصوت واحد بدون ائتمام، وكان يتحدث عما يفعله المؤذنون في عهده.
قال ابن الحاج رحمه الله: (ثم إنّهم يمشون على صوتٍ واحدٍ، وذلك بدعةٌ، لأنّ المشروع إنّما هو أن يكبّر كلّ إنسانٍ لنفسه، ولا يمشي على صوت غيره) [١].
فلو أراد النهي عن الائتمام لقال: (لا يتابع غيره) لا؛ (ولا يمشي على صوت غيره).
يؤكّده قوله في تبليغ الجماعة عن الإمام: (هذا ما لم يتعمّد أن يمشي على صوت غيره) [٢]، فالمبلّغ عن الإمام مؤتمّ به.
ومن يأتمّ بغيره يكبّر لنفسه ولو وافق صوته صوت غيره.
وابن الحاج رحمه الله مالكي لا يخفى عليه قول مالك في المسألة.
ومن المالكية من جمع بين القول بالائتمام والنهي عن توحيد الصوت مع إسماع كل واحدٍ نفسه فقط، وفيه نظر لما ورد في البخاري: ((حتى ترتجّ منى تكبيراً)).
قال الحطّاب الرّعيني المالكي رحمه الله: (فإذا سلّم الإمام من صلاة الفرض في تلك الأيّام كبّر تكبيراً يسمع نفسه ومن يليه، وكبّر الحاضرون بتكبيره، كلّ واحدٍ يكبّر لنفسه، لا يمشي على صوت غيره، على ما وصف من أنّه يُسمع نفسه ومن يليه. فهذه هي السنّة) [٣].
 والشاهد في الائتمام قوله: (وكبّر الحاضرون بتكبيره).
وقول الإمام مالك رحمه الله: (تكبير الإمام والناس معه) هو في الائتمام، لأنّ الإمام مالك يحتجّ بعمل أهل المدينة، وعملهم لن يخرج عن فعل الصحابة رضي الله عنهم.
ولأنّ التوافق بدون ائتمام مثل منازعة الإمام القراءة، بل أشدّ، والشريعة لا تفرق بين متماثلين.
فالائتمام هو معنى قول الإمام مالك: (الأمر عندنا أنّ التكبير في أيّام التشريق دبر الصلوات. وأوّل ذلك تكبير الإمام والناس معه) [٤].
وقد ثبت الائتمام والترديد في تكبيرات العيدين عن الصحابة رضي الله عنهم.
فقد صحّ عن أم عطيّة رضي الله عنها أنّها قالت: ((كنّا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتّى نخرج البكر من خدرها، حتّى نخرج الحيض، فيكنّ خلف الناس، فيكبرنّ بتكبيرهم، ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته)) [٥].
وروى البخاري معلّقاً: ((وكان عمر رضي الله عنه يكبّر في قبّته بمنى، فيسمعه أهل المسجد فيكبّرون ويكبّر أهل الأسواق حتى ترتجّ منى تكبيراً)) [٦].
وروى معلّقاً أيضاً: ((كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيّام العشر يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما)) [٧].
والباء للإلصاق أصالةً، فلزم أن يكون ظاهر معناها في هذا السياق الائتمام والمتابعة.
وقول الإمام الشافعي رحمه الله: (جماعةً وفرادى) وصفٌ لحالين مختلفين، فالتكبير فرادى عندما يكون الناس في أماكن متفرّقة.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (فإذا رأوا هلال شوال أحببت أن يكبّر الناس جماعةً وفرادى في المسجد والأسواق، والطرق، والمنازل، ومسافرين، ومقيمين في كلّ حال) [٨].
التشويش في التكبير الجماعي بدون ائتمامٍ ومتابعةٍ أشدّ من التشويش في منازعة الإمام القراءة في الصلاة، لأنّ التكبير جهريّ مع تنوّع صيغ التكبير.
أمّا التشويش في منازعة الإمام القراءة، فيحدث للمأموم لعدم معرفته مواضع سكتات الإمام ونحوها.
والقول بأنّ السنة أن يُسمع المكبر نفسه ومن يليه يخالف ما صح من ارتجاج منى بالتكبير، وفيه دليل على جواز توحيد الصوت والتغنّي بدون تكلّف.
وليس للمقلّد في المسألة الإنكار على باحثها.
ولم يكن السلف يسارعون في إنكار كلّ ما يظنّونه بدعةً [٩]، كما فعل أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في الذكر الجماعي.
والاجتماع على ذكرٍ فردي بدون اعتقاد استحباب الاجتماع من البدع المكروهة كراهة تحريم [٩].
وإنكار البدع واجب ما دامت واضحة بيّنة وكان المُنكِر فقيهاً بدرجات إنكار المنكر مراعياً مقاصده.
وأمّا المسائل الظنية في ذاتها أو بسبب ضعف علمٍ بها، فلا ينبغي التعجل في إنكارها، وهكذا كان السلف.
فقد قال أبو موسى الأشعري لابن مسعود، رضي الله عنهما: (ما قلتُ لهم شيئاً، انتظار رأيك، وانتظار أمرك).
وكان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قد رأى؛ (في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون الصلاة، في كلّ حلقةٍ رجلٌ، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبّروا مئةً، فيكبّرون مئةً، فيقول: هلّلوا مئةً، فيهلّلون مئةً، ويقول: سبّحوا مئةً، فيسبّحون مئةً).
فاشتدّ نكير ابن مسعود رضي الله عنه عليهم بمثل قوله: (والذي نفسي بيده إنّكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمّد أو مفتتحو باب ضلالة) [٩].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الإثنين ٦ ذو الحجة ١٤٤٦هـ، ٢ يونيو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.
١. المدخل (ج٢/‏ص٢٨٥) - ابن الحاج (ت ٧٣٧هـ).
٢. المدخل (ج٢/ص‏٢٠٩) - ابن الحاج (ت ٧٣٧هـ).
٣. مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (ج٢/ص‏١٩٨) - الرعيني، الحطاب (ت ٩٥٤هـ).
٤. موطأ مالك (ج١/ص‏٤٠٤) - مالك بن أنس (ت ١٧٩هـ) - رواية يحيى - ت عبد الباقي.
٥. أخرجه البخاري (٩٧١)، ومسلم (٨٩٠).
٦. صحيح البخاري  (ج٢/‏ص٢٠) - البخاري (ت ٢٥٦هـ).
٧. المصدر السابق، الألباني؛ صحيح، إرواء الغليل (٦٥١).
٨. الأم (ج١/ص‏٢٦٤) - الشافعي (ت ٢٠٤هـ) - ط الفكر.
٩. التزام عدد في الذكر المطلق.

بروك البعير وهندسيّات النحرير

من يبرك كما يبرك البعير هو من يضع ركبتيه قبل كفّيه، نصّاً ولغةً ومعنىً، وهندسيّات بروك البعير وجبلّة الألباني.

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
حبذا تأمّل مرئي يبرك فيه بعير ويسجد ساجد.
عن أبي هريرة أنّ النبيّ ﷺ قال: (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه) [١].
وعلى فرض ضعف زيادة (وليضع يديه قبل ركبتيه)، فإنّ صدر الحديث يدلّ على صحة معناها.
فليس فيها انقلابٌ خطأً من قول؛ "ركبتيه قبل يديه" إلى قول؛ "يديه قبل ركبتيه".
ويندفع الاضطراب في هذه الزيادة بترجيح هذه الرواية على المعاكسة (فليبدأ بركبتيه) ورواية (فليضع يديه على ركبتيه) لضعفهما، فلا ضير في تفرّد الدراوردي بها [٢].
رواية "وليضع ركبتيه على يديه" ضعيفة لأن الحسن بن علي بن زياد مجهول لم يجد له الباحثون المعاصرون ترجمة [٣].
وأما الرواية المعاكسة (فليبدأ بركبتيه قبل يديه) فهي ساقطة الإسناد لضعف عبد الله بن سعيد الشديد حتى أن يحيى القطان اتهمه بأنه يكذب [٤].
وأمّا الرواية الخالية من الزيادة فهي لا تخالفها، بل تؤكّدها.
وعن نافع؛ (عن ابن عمر أنّه كان يضع يديه قبل ركبتيه، وقال: كان النبيّ ﷺ يفعل ذلك) [٥].
ويُعتبر الاسم الوارد نصّاً مع معناه، كالركبة والبروك، ويغلّب معنى ما ورد وصفاً على اسمه، كالعُرقوب (ركبة البعير).
قال ابن منظور رحمه الله: (وكلّ ذي أربع، ركبتاه في يديه، وعُرقوباه في رجليه) [٦].
قال سراقة بن مالك رضي الله عنه في قصّة الهجرة: (ساخت يدا فرسي في الأرض حتّى بلغتا الركبتين) [٧].
وورد في غير السجود تسمية الخرور على الركبتين بروكاً في؛ (فبرك عمر على ركبتيه) [٨]، (ثمّ بركوا على الركب) [٩].
وبتقديم المسميّات على الأسماء لا سيّما ما لم يرد نصّاً، فإنّ البعير لا يهوي على خفّي يديه (كفّيه) لأنّهما ملامسان للأرض حال قيامه، بل يهوي على ركبتيه (مرفقيه).
والساجد يقدّم كفّيه ولا يثني يديه من مرفقيه (ركبتي يديه) كما يفعل البعير.
ظهر البعير ينتقل من استواءٍ حال قيامه إلى استواءٍ حال بروكه (⬅️) بتدرّج ممرحل، لكيلا يسقط المتاع المسنود بسنامه.
فالبعير ينحني في اتّجاهين متعاكسين، يبدأ باتجاه الرأس (↙️) ثم الرجلين (↖️) ثم الرأس (⬅️) مرّة أخرى.
والهاوي على يديه ينحني في اتجاه رأسه فقط بزيادة ثني ركبتيه كلّما زاد من حني رأسه.
وظهر الإنسان معتدل أثناء قيامه (⬆️) ومائل إلى جهة رأسه أثناء سجوده (↙️).
فإذا قدّم الساجد يديه، فإنّه يخالف البعير في الانحناء من جهة الرأس بالميلان إلى جهة الرجلين (↖️)، لأنّه انحناء بعد اعتدالٍ لا استواء، ويستمرّ هذا الميلان بسبب أنّ الانحناء اتّجاه الرأس مصاحَب بثني الركبتين، ثم يستوي ظهره لحظيّاً، ثم يميل إلى جهة رأسه أثناء سجوده.
فهيئة البعير عندما يبرك هي؛ ⬅️ ↙️ ↖️ ⬅️.
وهيئة الهاوي بيديه عندما يسجد هي؛ ⬆️ ↖️ ↖️ ⬅️ ↙️.
فاختلاف الهيئتن بيّن.
وأمّا إذا قدّم الساجد ركبتيه، فإنّه يبرك كبروك البعير من ثلاث جهات؛ أنّه يبدأ بثني رجليه من ركبتيه مثلما يثني البعير يديه من ركبتيه (مرفقيه) في انحنائه الأوّل، وأنّه يبدأ بخفض أعلى فخذيه مثلما يفعل البعير في انحنائه الثاني، وأنّه يضع ثقل جسمه على ركبتيه فيخرّ بشدّة مثلما يفعل البعير عندما يضع عرقوبيه (ركبتي رجليه).
ولذا قال الإمام مالك رحمه الله في تقديم وضع اليدين: (هذه الصفة أحسن في خشوع الصلاة) [١٠].
ويقدّم حديث أبي هريرة على حديث وائل؛ (رأيت رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه) [١١].
لرجحانه ولأنّ شريكاً ليس بالقويّ إذا تفرّد.
قال الدارقطنيّ رحمه الله: (ولم يحدّث به عن عاصم بن كليب غير شريك، وشريك ليس بالقويّ فيما يتفرّد به) [١٢].
وقال ابن التركمانيّ رحمه الله: (وحديث أبى هريرة المذكور أَوّلاً دلالته قوليّة وقد تأيّد بحديث ابن عمر فيمكن ترجيحه على حديث وائل لأنّ دلالته فعليّة) [١٣].
وتأيّد حديث أبي هريرة أيضاً بالنهي عن مشابهة البعير.
وتفرّد شريك لا يردّ بإطلاق.
فلا يصحّ الجزم بضعف حديث وائل بن حجر لمجرّد أنّه تفرّد به شريك بن عبدالله القاضيّ، وذلك لأنّ راويه عنه هو يزيد بن هارون بواسط، وسماعه منه قديم قبل أن يتولّى القضاء، وسوء حفظ شريك حدث بعد تولّيه القضاء.
قال ابن حبّان رحمه الله: (وولي القضاء بواسط سنة خمسين ومائة، ثم ولي الكوفة بعد ذلك، ومات بالكوفة سنة سبع أو ثمان وسبعين ومائة، وكان في آخر أمره يخطئ فيما يروي، تغيّر عليه حفظه، فسماع المتقدمين عنه الذين سمعوا منه بواسط ليس فيه تخليط؛ مثل يزيد بن هارون وإسحاق الأزرق، وسماع المتأخرين عنه بالكوفة فيه أوهام كثيرة) [١٤].
وصحّ في المسألة قول علقمة والأسود: (حفظنا عن عمر في صلاته أنّه خرّ بعد ركوعه على ركبتيه كما يخرّ البعير، ووضع ركبتيه قبل يديه) [١٥].
ولنا فيه؛ (كما يخرّ البعير)، فأقلّ ما فيه تفضيل تقديم اليدين، وهذا على حمل النهي عن مشابهة البعير على النهي عن خلاف الأولى.
والسنّة النبويّة مقدّمة على فعل الصحابيّ.
فيحتمل أنّ فعل عمر هذا حدث مرّة ونحوها لعدم علمه بالنهي.
فسنّة فعليّة كهذه لا تخفى، قال الأوزاعي: (أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم) [١٦]، والإمام مالك يعتبر عمل أهل المدينة.
وتقديم اليدين يناسب وصف الهوي والخرور للسجود الوارد في نصوص القرآن والسنّة.
وفي الهوي رفق عند تقديم وضع اليدين.
وسبب شدّة الخرور عند تقديم وضع الركبتين هو أنّ ثقل الجسم يكون عليهما في هذه الحال.
ولذا فشدّة الخرور وصف غير منضبط بذاته.
والأحكام تناط بعلل، وهي أوصاف مناسبة (تتضمّن المقاصد والحِكم)، وظاهرة، ومنضبطة (لا تختلف باختلاف حال المكلّف).
كدفع المشقّة لا يناط به جواز الفطر في نهار رمضان، وإنّما يناط بمطلق السفر أو بما هو مظنّة مشقّة بطبيعته (لا بظن المسافر) كالسفر الطويل [١٧].
فدفع شدّة الخرور مقصد، وتقديم وضع اليدين علّة تتضمّنه.
والقول بجواز الأمرين هو رواية عن مالك وأحمد وبه قال ابن تيمية، رحمهم الله تعالى.
وحجّة من قال بوجوب تقديم اليدين هي النهي عن مشابهة البعير والأمر بتقديم اليدين، فتأويلهما يحتاج إلى صارف من السنّة لا ما دونها في مواضع الخلاف، لا سيّما ما كان فعلاً لا قولاً لصحابي.
البعير يبرك بتدرّج ممرحل لكيلا يسقط المتاع المسنود بسنامه، كما سبق [١٨].
والهندسة البشريّة مبنيّة على مواد وقوانين مخلوقة وفيها محاكاة للمخلوقات.
فالروبوتات الآليّة مثلاً تحاكي حركة الإنسان.
والطائرة في شكل الأسماك أو الطيور، لأنّها تسبح في الهواء كما تسبح الأسماك في الماء.
والذكاء الاصطناعيّ يعتمد أغلبه على ما يعرف بالشبكة العصبيّة المستفادة من الطريقة التي يعمل بها المخ.
والمهن والقدرات قد تفيد في جوانب شرعية، (ما من نبي إلا ورعا الغنم).
كانت للشيخ الألباني رحمه الله تصميمات هندسيّة، وكان ساعاتيّاً قبل انشغاله بالعلم والتأليف، وكانت له معرفة بإصلاح السيّارات والكهرباء والسباكة.
والشيخ الألبانيّ (الأوروبيّ) رحمه الله متميّز بقدرات جبليّة هندسيّة.
والأوربيّون عموماً - والألبان أوروبيّون - أقوياء في المتوسط العام في الهندسة جبلةً [١٩].
والعرب أقوياء في العلوم النظريّة والفقهيّة جبلةً، ومنهم من تميّز في الإدارة كقريش، ولا يبعد أن يكون في بعض قبائلهم تميّز هندسيّ [١٩].
وفي أفراد كل الشعوب والقبائل من يكون أقوى في أمور لا يتميّز بها شعبه أو قبيلته من كثير من أفراد من يتميّز بها من الشعوب والقبائل [١٩].
لاحظت من خلال إشارات الشيخ الألبانيّ الهندسيّة أثناء كلامه عن بروك البعير أنّه كان يظن أنّ كل من يسمعه قادر على تصوّر بروك البعير وسجود الساجد بسهولة، وهذا بسبب قدرته الهندسيّة الجبليّة.
وبدون تلك الإشارات الهندسيّة للشيخ الألباني رحمه الله، لم أكن لأنتبه لأمور متعلّقة ببروك البعير، هذا مع أنّني اشتغلت بالهندسة.
ولولا فضل الله عليّ بهذا الاشتغال ما تمكّنت من فهم وشرح كيف يبرك البعير ويسجد الساجد بطريقة التجزئة والرسم.
ومما قرأت من تصميمات الشيخ الألبانيّ رحمه الله تعالى الهندسيّة ما يلي؛
١. طاعوم طيور تلقائيّ مبرمج.
وهو جهاز يفرّغ الماء والحبوب بكميّة محدّدة في أقفاص الطيور يوميّاً في ساعة محدّدة.
والماء يصبّ في آنية الطيور.
فقد كان الشيخ يربّي في بيته أنواعاً معيّنة من الطيور كالبطّ والدجاج والحمام، وقد صمّم هذا الجهاز لأنّه احتاج هو وأهله للسفر للعمرة لمدّة أسبوعين، فرجع والطيور على ما يرام تأكل وتشرب في الأوقات المحدّدة!
ومن اللّطائف أنّه كانت عند الشيخ على شبّاك المكتب مثل الزحليقة يضع فيها بقايا الطعام فيتدحرج إلى الأسفل عند الدجاج.
٢. قاطوف تين يدويّ.
وهو عصا مقسّمة متداخلة لقطف التين، بحيث يتحكّم في طولها وقصرها حسب اختياره، وضع في نهايتها كأساً مدبّبة حادّة، بحيث يسقط فيها التين إذا مسّه برأس تلك العصا.
فقد كان في منزله في عمّان شجرة تين، وكان يأخذ ثمر التين منها وهو جالسٌ في شرفة المنزل.
٣. مزولة لأوقات الصلاة النهاريّة.
وهي ساعة شمسيّة يعرف بها الوقت من الظل، وهذا الظل يسقط على أرقام مدرّجة بشكل دائريّ.
٤. سخّان ماء تلقائي.
وهو عبارة عن صندوق مسطّح، مطليّ بالقار، يمرّ فيه الماء البارد، فيمتصّ القار حرارة الشمس، فترتفع حرارة الماء، ويظل الماء يحتفظ بحرارته مهما برد الجو، ويصبّ الماء في الأنبوب الرئيس الذي يمدّ منافع البيت بالماء الساخن.
٥. جلّاب كتب يدويّ.
وهو دوّار لجلب الكتب أثناء الجلوس.
قال عصام هادي: (واللهِ يا شيخنا إنّك لبارع وذكيّ حتّى في الصناعات، ولا أدلّ على ذلك من هذا الدوّار الذي تضع فيه كتبك - وهو دوّار كان شيخنا يضع عليه الكتب المهمة والتي يُكثِر من تناولها مثل؛ تهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب،  وتاريخ البخاري، والجرح والتعديل، وغير ذلك من كتب التراجم -.
فما كان من شيخنا إلاّ أن قال لي: "يا أستاذ، للإنصاف هذا ليس من ابتكاري، فقد رأيته عند الشيخ أحمد شاكر، لكن بحجم أصغر، وأنا كبّرته") [٢٠].
٦. رافعة.
وهي في شكل قاعدة يقف عليها الشيخ، يرفعها كابل معدنيّ بواسطة محرّك يشبه (الدينمو)، فإذا ضغط زراً ارتفعت إلى أعلى أو أسفل حسب مكان القاعدة.
صمّمها لتحمله من الطابق الأرضيّ حتى الطابق العلويّ، فقد كان يشقّ على الشيخ صعود الدرج بسبب حجمه، فقد كان كثير الجلوس للقراءة والكتابة.
٧. أنبوب لنقل بقايا الطعام للطيور.
وضع ماسورة طرفها عند شرفته ونهايتها في مكان الطيور.
وكان يضع في رأس الماسورة الحبّ وفضلات ما يأكله من اللّوز والفواكه والحبّ فينزل إلى الطيور.
فقد كان مكان الطيور في منزله يبعد عن شرفته قرابة عشرين متراً.

تأكيد ابن بنت أخ الألباني هندسيّاته

قال ابن المنذر رحمه الله : (وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فممن رأى أن يضع ركبتيه قبل يديه؛ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبه قال النخعيّ، ومسلم بن يسار، والثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه، وأهل الكوفة.
وقالت طائفة: يضع يديه قبل ركبتيه، قاله مالك، وقال الأوزاعي: أدركنا الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم، وقال ابن أبي داود: وهو قول أصحاب الحديث) [٢١].
وقال الألباني رحمه الله: (ثبت ممّا تقدّم أنّ السنّة الصحيحة في الهوي إلى السجود أن يضع يديه قبل ركبتيه، وهو قول مالك والأوزاعى وأصحاب الحديث، كما نقله ابن القيّم في الزاد والحافظ في الفتح وغيرهما، وعن أحمد نحوه كما في التحقيق لابن الجوزي) [٢٢].
وقال الألباني رحمه الله: (قال الحازمي: "وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب؛ فذهب بعضهم إلى أنّ وضع اليدين قبل الركبتين أولى. وبه قال مالك والأوزاعي، وقال: أدركت الناس يضعون أيديهم قبل ركبهم.
وخالفهم في ذلك آخرون، ورأوا وضع الركبتين قبل اليدين أولى. ومنهم: عمر بن الخطاب، وبه قال سفيان الثوريّ، والشافعيّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو حنيفة وأصحابه".
قلت: وحجّة هؤلاء ما سلف من الأحاديث، ولو صحّت لقلنا بجواز الأمرين؛ كما هو رواية عن مالك وأحمد كما في الفتح، وإذ لم تصحّ؛ فالعمدة على ما ذهب إليه الأوّلون، وهو قول أصحاب الحديث كما قال ابن أبي داود، ونقله في الزاد (ج١/ص٨٢)، وحجّتهم في ذلك هذا الحديث) [٢٣].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ١٥ رمضان ١٤٤٦هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.
١. الألباني؛ صحيح، صحيح الجامع الصغير وزيادته (ج١/ص١٦٤) - ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠)، أخرجه أبو داود (٨٤٠)، والبيهقي (٢٧٣٩)، والنسائي (١٠٩١)، وأحمد (٨٩٥٥).
٢. انظر؛ أصل صفة صلاة النبي ﷺ (ج٢/ص٧٢١) - ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠) ونيل الأوطار (ج٢/ص٢٩٦) - الشوكاني (ت ١٢٥٠).
٣. انظر؛ مسند أحمد (ج١٤/ص٥١٦) - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١) - تحقيق الأرناؤوط وآخرين - ط الرسالة.
٤. انظر؛ نهي الصحبة عن النزول بالركبة (ج١/ص٣٨) - أبو إسحق الحويني (معاصر).
٥. الألباني في الإرواء (ج٢/ص٧٧): صحيح على شرط مسلم، أخرجه الحاكم (٨٢١)، وابن خزيمة (٦٢٧)، والبخاري معلقاً قبل (٨٠٣).
٦. لسان العرب (ج١/ص٤٣٣) - ابن منظور (ت ٧١١).
٧.
 البخاري (٣٩٠٦).
٨. البخاري (٩٣)، ومسلم (٢٣٥٩).
٩. مسلم (١٢٥).
١٠. مصابيح السنة (ج١/ص٣٤٤) - البغوي، أبو محمد (ت ٥١٦).
١١. الألباني في الإرواء (٣٥٧): ضعيف، النسائي (١٠٨٩)، وأبو داود (٨٣٨)، والترمذي (٢٦٨).
١٢. سنن الدارقطني (ج٢/ص١٥٠) - الدارقطني (ت ٣٨٥).
١٣. الجوهر النقي (ج٢/ص١٠٠) - ابن التركماني (ت ٧٥٠).
١٤. الثقات لابن حبان (ج٦/ص٤٤٤) - ابن حبان (ت ٣٥٤).
١٥. العيني والألباني في نخبة الأفكار (ج٤/ص٤١٤) وصفة الصلاة (ج٢/ص٧١٧): إسناده صحيح، شرح معاني الآثار (ج١/ص٢٥٦).
١٦. الألباني في صفة الصلاة: رواه المروزي في مسائله (١/١٤٧/١) بسندٍ صحيح.
١٧. حد السفر الشرعي.
١٨. كذا يبرك البعير وكذا يُسجد وهندسيّات؛ المدونة، واتسآب،  تلغرام.
١٩. تنوع الذكاء والقدرات.
٢٠. الألباني كما عرفته (ص١٩).
٢١. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف (ج٣/ص١٦٥) - ابن المنذر (ت ٣١٩).
٢٢. جامع تراث العلامة الألباني في الفقه (ج٤/ص٣٠٧) - الألباني (ت ١٤٢٠).
٢٣. أصل صفة صلاة النبي ﷺ (ج٢/ص٧١٩) - الألباني (ت ١٤٢٠).

التقابض في الحلي

الرّاجح في الحلي المصنّع من الذهب والفضة أنّه مثل السلع التي لا يجري فيها ربا البيوع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لا خلاف في جريان ربا البيوع في الذهب والفضة سواء كانت مسكوكة (دنانير ذهبية ودراهم فضية) أو لم تكن [١].
قال ابن القيم رحمه الله: (الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان) [٢].
ومما يدلّ عليه؛ أنّ بيع العرايا مستثنى استثناءاً عاماً من ربا البيوع.
وربا البيوع محرّم لغيره إذا لم يكن ربا قروض، فبينهما تداخل [١].
والمحرّم لغيره يجوز للاحتياج، فإذا كانت الحاجة لأمرٍ عامّةً، فاستثناؤه عام.
وإذا ضاق الأمر اتّسع، وإذا اتّسع ضاق.
فعن ابن عمر رضي الله عنهما (أنّ النبيّ ﷺ نهى عن المُزابَنة) [٣]، وعن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: (أنّ النبيّ ﷺ رخّص في العَرايا بخَرْصِها) [٤].
المزابنة؛ بيع الرطب بالتمر.
العرايا؛ بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر.
والمقصود بقول ابن القيم: (جنس الأثمان) الذهب والفضة ولو لم تكن مسكوكة، لأنّ الأثمان تصنع منها، ولعدم جواز استعمالها إلا في الأثمان وحلي النساء وخاتم الفضة للرجل والضبة اليسيرة.
فعدم فهم قصد ابن القيم هنا ربما كان سبباً في ردّ بعضٍ كلامه.
فلا يمكن أن يكون قصده مخالفاً لمثل هذا المعلوم بالنص والإجماع.
فجنس الأثمان قد يُقصد به ما تصنع منه (الذهب والفضة).
ومن ذلك أنّ لجريان ربا البيوع في النقدين عند بعض الشافعية علتين؛ الثمنية وكونهما جنس الأثمان (تصنع منهما)، وهي علة قاصرة، والأولى متعدّية.
الحلي يباع ويشترى عادةً بغرض الحلي لا الاستفادة من المعدن المصنّع منه.
فيجري ربا البيوع في آنية الذهب والفضة، لأنّ استعمالها محرّم، فلا يجوز شراؤها إلا للاستفادة من المعدن.
قال ابن القيم رحمه الله: (الحلية المباحة صارت بالصنعة المباحة من جنس الثياب والسلع، لا من جنس الأثمان.
ولهذا لم تجب فيها الزكاة، فلا يجري الربا بينها وبين الأثمان كما لا يجري بين الأثمان وبين سائر السلع، وإن كانت من غير جنسها، فإنّ هذه بالصناعة قد خرجت عن مقصود الأثمان، وأعدت للتجارة، فلا محذور في بيعها بجنسها.
ولا يدخلها: «إما أن تقضي وإما أن تربي» إلا كما يدخل في سائر السلع إذا بيعت بالثمن المؤجل. ولا ريب أنّ هذا قد يقع فيها، لكن لو سد على الناس ذلك لسد عليهم باب الدين، وتضرروا بذلك غاية الضرر.
يوضحه: أنّ الناس على عهد نبيهم ﷺ كانوا يتخذون الحلية، وكان النساء يلبسنها، وكنّ يتصدقن بها في الأعياد وغيرها. ومن المعلوم بالضرورة أنّه كان يعطيها المحاويج، ويعلم أنّهم يبيعونها. ومعلوم قطعاً أنّها لا تباع بوزنها فإنّه سفه، ومعلوم أنّ مثل الحلقة والخاتم والفتخة لا تساوي ديناراً، ولم يكن عندهم فلوس يتعاملون بها، وهم كانوا أتقى لله، وأفقه في دينه، وأعلم بمقاصد رسوله، من أن يرتكبوا الحيل أو يعلموها الناس.
يوضحه: أنّه لا يعرف عن أحد من الصحابة أنّه نهى أن يباع الحلي إلا بغير جنسه أو بوزنه، والمنقول عنهم إنّما هو في الصرف.
يوضحه: أنّ تحريم ربا الفضل إنّما كان سداً للذريعة كما تقدم بيانه، وما حرم سداً للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة، كما أبيحت العرايا من ربا الفضل، وكما أبيحت ذوات الأسباب من الصلاة بعد الفجر والعصر، وكما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب والمعامل من جملة النظر المحرم.
وكذلك تحريم الذهب والحرير على الرجال، حرم لسد ذريعة التشبه بالنساء الملعون فاعله، وأبيح منه ما تدعو إليه الحاجة.
وكذلك ينبغي أن يباح بيع الحلية المصوغة صياغة مباحة بأكثر من وزنها، لأنّ الحاجة تدعو إلى ذلك، وتحريم التفاضل إنّما كان سداً للذريعة.
فهذا محض القياس ومقتضى أصول الشرع، ولا تتم مصلحة الناس إلا به أو بالحيل، والحيل باطلة في الشرع.
وغاية ما في ذلك جعل الزيادة في مقابلة الصياغة المباحة المتقومة بالأثمان في الغصوب وغيرها.
وإذا كان أرباب الحيل يجوزون بيع عشرة بخمسة عشر في خرقة تساوي فلساً، ويقولون: الخمسة في مقابلة الخرقة؛ فكيف ينكرون بيع الحلية بوزنها وزيادة تساوي الصياغة؟ وكيف تأتي الشريعة الكاملة الفاضلة التي بهرت العقول حكمة وعدلاً ورحمة وجلالة بإباحة هذا وتحريم ذاك، وهل هذا إلا عكس للمعقول والفطر والمصلحة؟) [٢].
وفي المستدرك على مجموع فتاوى ابن تيمية؛ (ويجوز بيع المصوغ من الذهب والفضة بجنسه من غير اشتراط التماثل. ويجعل الزائد في مقابلة الصنعة، سواء كان البيع حالاً أو مؤجلاً ما لم يقصد كونها ثمناً) [٥].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٢٩ ربيع الثاني ١٤٤٦هـ، ١ نوفمبر ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. الفرق بين ربا القروض وربا البيوع.
٢. أعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص٤٨٥) - ط عطاءات العلم - ابن القيم (ت ٧٥١).
٣. البخاري (٢١٧٢)، ومسلم (١٥٤٢).
٤. مسلم (١٥٣٩) باختلاف يسير.
٥. المستدرك على مجموع الفتاوى (ج٤/ص١٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨).

التحقيق المضبوط في بيع غير المقبوض

الفرق المؤثر في الحكم بين بيع السلم وبيع ما لم يقبض بعلم المشتري هو الحاجة العامة، لأن السلم الحالّ كالمؤجل بأجل معلوم في عدم جهالة زمن تسليمه، وفي متاجر إلكترونية حاجة عامة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
يحرم بيع عينٍ غير مملوكة، لأنّه بيع مال الغير، وتشترط حيازتها ليضمنها البائع.
والحيازة شرطٌ كذلك للبيع الفوريّ للموصوف في الذمّة عند انعدام الحاجة العامّة، لأنّه بيعٌ محرّم سدّاً لذريعة الغرر والضرار.
ويُعدّ بيع غير المقبوض بيع عينٍ إذا تمّ البيع قبل القبض على أنّ المبيع موجودٌ لدى البائع مملوكٌ له، أمّا إذا صرّح البائع بعدم وجوده عنده، وأنّه ملتزم بتوفيره، فإنّه موصوف في الذمّة حالٌّ غير آجل.
وبيع السلم هو بيع موصوف في الذمة مؤجل فيه مصلحة حاجية عامة، هي الرفق بالبائع والمشتري بسبب الأجل.
فلجوازبيع السلم بالنصوص والإجماع، اختلف العلماء في المقصود بشرط حيازة المبيع.
ففسّر بعضهم حديث (لا تبع ما ليس عندك) بما فيه غرر بنحو بيع موصوفٍ في الذمة مشكوكٍ في قبضه، وخصه ابن القيم رحمه الله ببيع الأعيان.
وذهب آخرون إلى تخصيصه بالربويّات، ومنهم من خصّه بالطعام مكيلاً كان أو موزوناً.
ومنهم من خصّه بالحالّ من الموصوف في الذمّة، وخصّ الجواز بالسلم المؤجّل، ونسب هذا القول للإمامين أحمد والشافعي رحمهما الله.
ولا خلاف في جواز المواعدة المجردة غير الملزمة، فغاية معنى الحديث النهي عن عقد البيع قبل القبض.
ورواية الترمذي لحديث حكيم بن حزام رضي الله  عنه تفسّر بروايات غيره أو بأنّ النبي ﷺ أجابه بالمنهي عنه لأنّ سكوته عمّا سأل عنه  إقرارٌ.
فلفظ الترمذي هو؛ عن حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: (أتيت رسول الله ﷺ فقلت يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه؟ قال لا تبع ما ليس عندك)، صححه الألباني في إرواء الغليل.
الراجح في الحديث أنه على ظاهره في النهي عن بيع ما لم يقبض، وهو يشمل بيع العين، ويشمل كذلك الموصوف في الذمة الحالّ ما دام أن بيعه بلا حاجة عامة ولا احتياج خاص.
وتقدم أن غير المقبوض بعلم المشتري يعد موصوفاً في الذمة، وأنه يعد عيناً بجهله بعدم ملك البائع وحيازته المبيع.
وقد فارق بيع السلم بيعَ ما لم يقبض بعلم المشتري بالحاجة العامة والأجل، غير أن الفرق المؤثر في الحكم هو الحاجة العامة، لا الأجل، لأن السلم الحالّ مثل السلم المؤجل بأجل معلوم في عدم جهالة زمن تسليمه.
فبجمع الحديث إلى جواز بيع السلم بالنص والإجماع، يعلم أن المراد به النهي عن بيع الأعيان وما ليس فيه حاجة عامة من الموصوف في الذمة.
ومن صور الحاجة العامة؛ التوسط بين البائع والمشتري في تسويق السلع وإيصالها إلى المشتري.
وأمّا بيع الموصوف في الذمّة الحالّ بلا حاجة عامّة شائعة فليس فيه منفعة تذكر، وقد يؤدّي للغرر وإضرار الباعة الآخرين بعدم اطّلاع المشترين على محلاتهم.
ولا يُعلّل بالمقصد إلا إذا كان وصفاً ظاهراً منضبطاً، والحاجة العامة وصف ظاهر منضبط.
ومما يدلّ على أثر الحاجة العامّة الشائعة في حكم المحرّم لغيره؛ بيع العرايا المستثنى استثناءً عاماً من ربا البيوع.
فربا البيوع محرّم لغيره إذا لم يكن ربا قروض، فبينهما تداخل [١].
والمحرّم لغيره يجوز للاحتياج، فإذا كانت الحاجة لأمرٍ عامّةً شائعةً، فإنّه لا يدخل في المحرّم لغيره.
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما (أنّ النبيّ ﷺ نهى عن المُزابَنَةِ) [٢]، وعن زيد بن ثابتٍ رضي الله عنه: (أنّ النبيّ ﷺ رخّص في العَرايا بخَرْصِها) [٣].
المزابنة؛ بيع الرطب بالتمر اليابس.
العرايا؛ بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر اليابس.
وهذا ممّا يدلّ على قاعدة إذا ضاق الأمر اتّسع، وإذا اتّسع ضاق، وقاعدة البلوى العامة [٤].
فيترجّح تخصيص ما فيه حاجة عامّة من  السلم الحالّ من عموم حديث (لا تبع ما ليس عندك)، قياساً على السلم المؤجل وبيع العرايا.
فالحديث عام يشمل الموصوف في الذمّة، وهو ليس خاصاً ببيع الأعيان، كما يبدو من كلام ابن القيم رحمه الله.
قال ابن القيّم رحمه الله: (وقد ظنّ طائفة أنّ السلم مخصوص من عموم هذا الحديث، فإنّه بيع ما ليس عنده، وليس كما ظنوه، فإنّ الحديث إنّما تناول بيع الأعيان، وأما السلم فعقدٌ على ما في الذمّة.
وما في الذمّة مضمون مستقرّ فيها، وبيع ما ليس عنده إنّما نهي عنه لكونه غير مضمون عليه ولا ثابت في ذمّته، ولا في يده، فالمبيع لا بدّ أن يكون ثابتاً في ذمّة المشتري أو في يده، وبيع ما ليس عنده ليس بواحد منهما، فالحديث باقٍ على عمومه) [٥].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ونهي النبي ﷺ حكيم بن حزام عن بيع ما ليس عنده: إمّا أن يراد به بيع عين معينة فيكون قد باع مال الغير قبل أن يشتريه وفيه نظر) [٦].
فيعدّ بيع معيّن بعينه ليس عند البائع بيعاً لمال الغير قبل شرائه، وأمّا إذا عُيّن المبيع بوصفه، فلا يعدّ بيعاً لمال الغير، لثبوته في ذمّة البائع وضمانه.
ابن القيم رحمه الله لا يشترط الحيازة إلا فيما فيه غرر بالشك في الحصول عليه، ويرى أنّ حديث (لا تبع ما ليس عندك) في بيع الأعيان فقط، وتقدّم أنّ بيع العين هنا لا يُتصوّر إلّا إذا لم يخبر البائع المشتري بعدم وجود المبيع عنده.
فقد قال: (وأمّا قوله ﷺ: «ولا تبع ما ليس عندك» فمطابق لنهيه ﷺ عن بيع الغرر، لأنّه إذا باع ما ليس عنده فليس على ثقة من حصوله، بل قد يحصل له وقد لا يحصل، فيكون غرراً، كبيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وما تحمل ناقته ونحوه) [٧].
ويرى ابن تيمية رحمه الله أنّ حديث (لا تبع ما ليس عندك) في المشكوك في القدرة على تسليمه وإن كان موصوفاً، ويميل إلى أنّه ليس في بيع الأعيان (قبل التملك والحيازة).
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (وإمّا أن يراد به بيع ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمّة وهذا أشبه؛ فيكون قد ضمن له شيئاً لا يدري هل يحصل أو لا يحصل؟ وهذا في السلم الحالّ إذا لم يكن عنده ما يوفيه، والمناسبة فيه ظاهرة) [٦].
والتعليل بالشك في القبض بعيد عن لفظ حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه، فليس فيه ما يدل على أنه خاص بالمشكوك في القدرة على تسليمه، وهو عام شامل لبيع العين والموصوف في الذمة الحالّ كما سبق.
التعليل بالشك في القبض يعني عدم اشتراط الحيازة، لأن كل مشكوك في القدرة على تسليمه يحرم بيعه، بما في ذلك العين المملوكة، كالعبد الآبق والجمل الشارد.
ويرى ابن تيمية رحمه الله أنّ حديث (لا تبع ما ليس عندك) في المشكوك في القدرة على تسليمه وإن كان وصفاً، ويميل إلى أنّه في غير المقبوض بعد شرائه وتملكه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ولهذا صار أحمد بن حنبل وطائفة إلى القول الثاني، فقالوا: الحديث على عمومه يقتضي النهي عن بيع ما في الذمّة إذا لم يكن عنده، وهو يتناول النهي عن السلم إذا لم يكن عنده، لكن جاءت الأحاديث في جواز السلم المؤجّل، فبقي هذا في السلم الحالّ) [٨].
التعليل بالحالّ عند الحاجة العامّة الشائعة غير مناسب، ومن شروط العلل أن تكون مناسبة، ومعناه أن تكون متضمنة للمقاصد والحكم، بل الحالّ مع الحاجة العامّة أولى بالجواز من المؤجّل.
وقد يُعلّل بالمصالح والمفاسد بشرط أن تكون أوصافاً منضبطة وظاهرة، وغالباً ما تكون العلل أوصافاً أخرى غير المقاصد والحكم، كدفع المشقّة مقصد والسفر والمرض علّتين لجواز الفطر في نهار رمضان، لعدم انضباط المشقّة في هذه الحال.
 الفرق المؤثر في الحكم هو الحاجة العامة، لا الأجل، لأن السلم الحالّ مثل السلم المؤجل بأجل معلوم في عدم جهالة زمان تسليمه.
والتعليل الحادث لا يخالف الإجماع ما لم يحدث قولاً يخالف ما أجمعت عليه الأقوال [٩].
فالقول بمنع كلّ ما لم يقبض عدا السلم الحالّ عند الحاجة العامّة الشائعة والسلم المؤجّل يوافق من وجه قول من خصّ النهي بالمشكوك في القدرة على تسليمه أو الأعيان، ويوافق من وجوهٍ أخرى من خصّه بالربويّات، ومن خصّه بالطعام، ومن استثنى منه السلم فقط، وليس فيه ما يخرج عمّا اتفقت عليه هذه الأقوال.
ومن الصور الحديثة للحاجة العامّة لبيع ما لم يقبض؛ المتاجر الإلكترونية التي فيها عون لمن لا يجد وقتاً لإدارة مثلها من البائعين والصنّاع أو التي يتحقّق بها زيادة ترويج سلع الصنّاع والباعة الأصليين.
ويُشترط لصحّة بيع ما لم يُقبض عبر هذه المتاجر الإلكترونية إعلامُ المشتري بأنّ المبيع ليس عند البائع، وأنّ الذي سيتولّى تسليمه إليه غيرُه.
فإذا أُعلِم المشتري بذلك، علم أنّ على البائع ضمان الموصوف له، وعلى مُسلِّم العين ضمانها للبائع حتى يسلِّمها سالمةً إلى الناقل، وعلى الناقل ضمانُ إيصالها سالمةً إلى المشتري.
وتقوم معلومية زمن الإرسال مع مدة الشحن المعتادة مقام معلومية زمن الاستلام.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٨ ربيع الثاني ١٤٤٦هـ، ٣١ أكتوبر ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

حكم الانتفاع بالبرامج المهكرة

لا يجوز استخدام البرامج المهكرة المعصوم أصلها إلا بإذن صاحبها أو دلالة العرف على إذنه، كالتي ترك دعمها الفني، ولا يحل المال المكتسب ببيعها وإيجارها إلا بعفو صاحبها، ولا يحرم المال المكتسب ببيع منتج بها مع الإثم، وعليه ضمان قيمتها.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
اتفق العلماء المعاصرون على اعتبار حقوق الاختراع والملكية الفكرية بجميع أنواعها وأنها مال مقوم.
فالأصل عدم جواز استخدام البرامج المهكرة لما في ذلك من التعدي على مال معصوم.
والمقصود بالمال العصوم هنا الذي لا يساهم به مالكه في قتال المسلمين والإضرار بهم.
ويستثنى ما دل العرف على إذن صاحب أصل البرنامج المهكر باستخدامه، كاستخدام البرامج التي ترك دعمها الفني وتطويرها.
فالبرامج التي تركت الشركات دعمها الفني لم تعد في استخدام المهكر منها شبهة منع معتبرة، وذلك لأن المقصود عدم الإضرار بصاحب حق الملكية الفكرية وملكية الاختراع.
وعندما تترك الشركات الدعم الفني كتحديثات الأمان فإنها تتوقف عن بيع تلك النسخ، وقد سأل أحد الإخوة إحدى الشركات فأفادته بأنها غير معنية باستخدامه النسخ التي أوقفت دعمها.
والتكسب بالبرامج المهكرة إما أن يكون ببيعها أو إيجارها أو ببيع منتج آخر أنتجه بها المكتسب.
فالمال المكتسب ببيع أو إيجار البرامج المهكرة لا يحل إلا بتعويض صاحب الحق أو عفوه.
وذلك لأنه يشترط لصحة المنهي عنه لعلة طارئة تتعلق بحق المخلوق التحلل منه بعفوه أو تعويضه [١].
ولا يحرم المال المكتسب ببيع منتج بالبرامج المهكرة مع الإثم، وعليه ضمان قيمتها.
وذلك لأن الكسب في هذه الحال من إنتاج المكتسب، ولأن التحريم لوصف طاريء.
والراجح في النهي اقتضاء الإثم دون البطلان إذا كان لعلة طارئة لعمومها (لوصف طاريء) [١].
والنهي يقتضي البطلان إذا كان لخصوصه، وهو ما كان لذاته أو لعلة أصلية (وصف أصلي)، سواء كانت العلة الأصلية قاصرة أو متعدية [١].
ومن العلماء من أفتى بجواز الاستخدام الشخصي للبرامج المهكرة، ولعل من أفتى بذلك نظر إلى أن الشركات الكبرى لا تتضرر من الاستخدام الخاص مهما كان عدد المستخدمين.
فالبرامج المهكرة تختلف عن عين المسروق من جهة أنها نسخة من أصل، فملكية أصحاب أصولها ليست للعين وإنما لوصف فيها، والاستخدام المحدود المشروط لا يترتب عليه ضرر ولا فوات نفع للشركات لا سيما الكبرى.
ولذا فلابد من شروط للعمل بهذه الفتوى، وهي تعود إلى تقدير الشخص المستخدم للبرامج المهكرة من أربع جهات؛ الأولى؛ اطمئنان نفسه لفتاوى من أجاز، والثانية؛ تقدير عدم قدرته على الشراء، والثالثة؛ تقدير عدم تضرر صاحب الملكية الفكرية من استخدامه، والرابعة؛ اعتبار شروط الاضطرار والاحتياج [٢].
ومن شروط الاحتياج والاضطرار التعيُّن، ويعني عدم وجود بديل شرعي لتحقيق المصلحة الضرورية أو الحاجية أو رفع الضرر أو رفع المشقة أو دفعهما.
فيجب النظر في البدائل المجانية كالبرامج مفتوحة المصدر، والبرامج التي تطرحها الشركات مجاناً بتعطيل بعض ميزاتها أو لفترة تجريبية أو التي تطرحها لبعض المستخدمين كالطلاب.
واطمئنان النفس هنا لا يستلزم اليقين [٣]، لأن الأصل في الأحكام الاجتهادية أنها مبنية على غالب الظن.
والشبهات الواجب تركها هي ما كان أقرب إلى الحرام أو تساوى فيه الاحتمالان.
وأما ما كان أقرب إلى الحلال فقسمان؛
الأول؛ ما اطمأنت إليه النفس مما كان احتمال حله عظيماً، ويعد تركه تديناً من التنطع والتشدد المنهي عنه.
والثاني؛ ما في النفس منه شيء غير قليل ولكنه لا يرقى إلى درجة الشبهات، وتركه يعد من الورع المستحب.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأربعاء ٢١ ربيع الثاني ١٤٤٦هـ، ٢٣ أكتوبر ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

مقامات التلاوة والإنشاد

يكره من مقامات التلاوة ما يجري على نسق الألحان الموسيقيّة، والإنشاد الحامل على الرقص والتمايل المستقبح غناءٌ محرّمٌ، ووسائل الدعوة قد تكون مصالح مرسلةً.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنتهم إلى يوم الدين.
مقامات التلاوة هي مثل أوزان الشعر، تتبعوا طريقة الناس في التغني بالقرآن والألحان التي تورث الحزن أو السكون أو التأمل فجمعوها في أوزان سموها مقامات.
وحكمها هو كراهة ما يجري منها على نسق الألحان الموسيقية وجواز ما سواها.
والألحان تجري على نسق الإيقاع الموسيقي، كما ورد في معجم معاصر ودلت عليه أقوال الفقهاء.
والتلحين مشتق من الألحان.
وقواعد الألحان الموسيقية واردة من بلاد العجم كما ذكر الفقهاء.
نقل ابن حجر عن ابن عبد البر قوله في الغناء: (وإنما وردت الرخصة في الضرب الأول دون ألحان العجم) [١].
وأما الإنشاد في استعمال الفقهاء فهو الترنم بالشعر والرجَز (دون الشعر) بنسق لا يجري على قواعد الإيقاع الموسيقي، ويطلق أيضاً على رفع الصوت بالشعر.
الإنشاد بهذا المعنى مباح لأنه مثل الترنم بالشعر والرجَز على طريقة الحُداء والنصْب.
قال ابن حجر رحمه الله: (واستدل بجواز الحداء على جواز غناء الركبان المسمى بالنصب، وهو ضرب من النشيد بصوت فيه تمطيط، وأفرط قوم فاستدلوا به على جواز الغناء مطلقاً بالألحان التي تشتمل عليها الموسيقى) [١].
ضابط تشبيه الإنشاد بحداء الإبل والنصب هو ألا يحمل على الرقص والتمايل المستقبح.
ومعنى الترنم والتغني واحد بأنواعه المتعددة.
فإذا عددنا التغني على سبيل حداء الإبل والنصب غناءً، فإباحته استثناء.
فما سواه من الغناء محرم ولو كان بدون معازف.
وإباحة الدف للنساء في العرس والعيد استثناء من تحريم المعازف.
فيحرم التغني بما يحمل على الرقص والتمايل المستقبح من الألحان.
ولا يكره احتواء كلمات الإنشاد على أمر ديني.
(فقد كان الأنصار يرجزون عند حفر الخندق بقولهم؛ "نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما حيينا أبداً"، فيجيبهم رسول الله ﷺ بضرب من ضروب الرَّجَز (دون الشعر) بقوله؛ "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فأكرم الأنصار والمهاجره") [٢].
فذم السماع المنقول عن أئمة الفقه خاص بالتعبد به وجعله وسيلة لتزكية النفس.
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: (ما تقول في أهل القصائد؟ قال: (بدعة، لا يُجالسون)) [٣].
وقال الإمام الشافعي رحمه الله: (خلّفتُ ببغداد شيئاً أحدثتْه الزنادقة يسمّونه التغبير، يصدُّون به الناس عن القرآن) [٤].
فلا بأس بالإنشاد وسيلة تأليف من ابتلي بالغناء وحث على العمل والجهاد مع مراعاة عدم التوسع فيه.
وقد يكون التوسع في المباحات خلاف الأولى، وقد يكره، كما يكره التضييق فيها عن قدر الحاجة.
فعن عائشة رضي الله عنها أنها زفت امرأة إلى رجل من الأنصار فقال نبي الله ﷺ: (يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو) [٥].
وجعل التوسع في مباح وسيلة عبادة يعد من جنس البدع.
فقول بعض العلماء بأن الإنشاد الإسلامي بدعة يحمل على التوسع فيه لا على مجرد اتخاذه وسيلة تأليف وحث على العمل والجهاد.
ولا يقال إسلامي لما كان فرقه عن المباحات من وسائل العبادة مجرد النية، فلا يقال نوم إسلامي ولا أكل إسلامي لمجرد الاحتساب.
وفارقت المصالح المرسلة المباحات التي تنقلب عبادات كالنوم من جهة أن المصلحة المرسلة عبادة بطريقة استعمالها وليس بمجرد الاحتساب.
والأصل في الأشياء (الدنيوية التي يشترك في فعلها المسلم والكافر) الإباحة إلا لنص، وتشمل الأعيان والمعاملات والعادات.
ولولا أن المصالح المرسلة عبادات لكونها وسيلة لها لعدت من المباحات، ومنها؛ حفر الخندق، وجمع المصحف.
والفرق بين مرسلة ومباحة من حيث الشروط هو أن المصالح المرسلة يشترط لها عدم وجود مقتضيها أو وجود مانع منها في عهد الرسالة، بينما المباح لا تشترط له هذه الشروط.
ووسائل الدعوة توقيفية لأنها عبادة، ولكن الأصل فيها الإرسال (مصالح مرسلة) إلا لنص.
وكذا جميع وسائل العبادات، لأنها عبادات، والعبادات توقيفية.
وإرسال وسائل العبادة (المصالح المرسلة) هو من جهة أصلها لا من جهة صفة فيها كزمانها ومكانها (مطلقة).
فالعبادات النصية قد تكون مطلقة من جهة صفة فيها لا من جهة أصلها (مرسلة).
وإلجام المرسل بدعة، وكذا تقييد المطلق، كإرسال المنصوص عليه وإطلاق المقيد.
ولذا أفتى العلماء بجواز ترجمة خطبة الجمعة ومنع ترجمة الأذان، لأن الأذان مقيد بصيغة تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتهليل، بينما الخطبة مطلقة الصيغة.
وخطبة الجمعة وسيلة دعوية تعليمية، والأذان وسيلة دعوة لعبادة.
فبعض وسائل العبادات مرسلة (أصلها) وبعضها مطلقة أو مقيدة (بصفات)، فخطبة الجمعة مثلاً مقيدة بوقت ومطلقة الصيغة.
وكل محدث مخالف للسنة بدعة ولو لم يكن من جنس العبادات.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
السبت ٢٧ صفر ١٤٤٦هـ، ٣١ أغسطس ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

المراجع

١. فتح الباري (ج١٠/‏ص٥٤٣) - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢).
٢. أخرجه البخاري (٣٧٩٦)، ومسلم (١٨٠٥).
٣. الجامع لعلوم الإمام أحمد - الفقه (ج١٣/ص‏٢٢٨) - أحمد بن حنبل (ت ٢٤١).
٤. الكلام على مسألة السماع (ج١/ص‏٢٤٩) - ابن القيم (ت ٧٥١).
٥. صحيح البخاري (٥١٦٢).

الحلف بالطلاق

الطلاق لا يقع بالحلف به لأنه مجرد إلزام للنفس بلفظ لم يوقع بعد، وكفارة الحنث فيه هي كفارة اليمين، وهو ليس تعظيماً للمخلوق بالحلف به، وكذا الحلف بالعتاق والحرام ونحوهما.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
الحلف بالطلاق هو إلزام الرجل نفسه به بلفظٍ يدلّ على عقد نيّته وعزمه عليه، كقول يلزمني الطلاق أو علي الطلاق.
قال ابن تيمية رحمه الله: (كذا إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلن كذا فهذه يمين باتفاق أهل اللغة والفقهاء) [١].
فالحلف واليمين يردان في اللّغة بمعنى إلزام النفس بلفظٍ يدلّ على العزم وانعقاد النية عليه.
قال ابن منظور رحمه الله: (: (الحَلِفُ؛ اليمين، وأصلها العَقْد بالعزم والنية) [٢].
ولذا فالمقصود بالحلف بالطلاق والإعتاق والحرام ونحوها مما ورد عن السلف والفقهاء هو إلزام الإنسان نفسه بأمرٍ ما بلفظٍ يدلّ عليه، كقول؛ علي الطلاق أو علي الحرام.
وكلّ ما ألزم الرجل نفسه به بلفظٍ يدل على انعقاد نيّته وعزمه عليه فهو يمين، كالنذر.
فقد أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (كفارة النذر كفارة اليمين) [٣].
ولذا فالصحيح من أقوال العلماء أن الطلاق لا يقع بالحلف به، وذلك لأن من حلف بالطلاق لم يطلق بحلفه به، وإنما ألزم نفسه بأن يطلق حال وقوع شرطه، فله أن يحنث وتلزمه كفارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة فإن لم يستطع صام ثلاثة أيام.
فقد أخرج مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قال: (من حلف على يمين، فرأى غيرها خيراً منها؛ فليكفر عن يمينه، وليفعل) [٤].
وأما وجوب كفارة اليمين على من ألزم نفسه بالطلاق من غير حلف بالله، فلعموم معنى الحلف واليمين في النصوص، ولدلالة السنة على أن كفارة النذر هي كفارة اليمين كما سبق.
وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما قال: (من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً في معصية فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً لا يطيقه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذراً أطاقه فليف به)، صححه الألباني رحمه الله موقوفاً [٥].
قال الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فنزول الآية في الحلف بالله لا يخصص عمومها، فتشمل كل تلفظ فيه إلزام للنفس بأمر متعلق بحكم شرعي كالعتق والطلاق والحرام.
فأصل اليمين العهد على النفس، وإنما سميت يميناً بسبب أنهم كانوا إذا تحالفوا ضرب كل امرئٍ منهم يمينه على يمين صاحبه.
قال ابن تيمية رحمه الله: (القول بثبوت الكفارة في جميع أيمان المسلمين هو القول الذي تقوم عليه الأدلة الشرعية التي لا تتناقض وهو المأثور عن أصحاب رسول الله ﷺ وأكابر التابعين) [٦].
الإلزام للنفس بمثل قول؛ "علي الطلاق إن فعلت كذا" ليس بشرك أصغر لأنه ليس حلفاً بشيء معظم، والصحابة والتابعون والأئمة لم ينهوا عن مثله مع عده يميناً منعقدة.
فصيغة الحلف بشي معظم هي بدؤه بالواو أو الباء أو التاء كقول؛ والله وبالله وتالله، وأما الحلف بالطلاق الوارد عن السلف فهو مجرد إلزام بأمر ذي بال مكروه للنفس، وليس حلفاً لمجرد التعظيم.
ولذا نص ابن تيمية رحمه الله على أن الحلف بالطلاق من أيمان المسلمين وأنه ليس من الحلف بالمخلوقات، ولو كان محرماً لما عد من أيمان المسلمين.
قال ابن تيمية رحمه الله في الطلاق بالحلف: (اليمين في كتاب الله وسنة رسوله نوعان؛ نوع محترم منعقد مكفَّر كالحلف بالله، ونوع غير محترم ولا منعقد ولا مكفَّر وهو الحلف بالمخلوقات، فإن كانت هذه اليمين من أيمان المسلمين؛ ففيها الكفارة، وهي من النوع الأول) [٧].
وأخشى أن يكون القول بأنّ الحلف بالطلاق شرك شائعاً، فقد رأيت مشايخ يقولون به.
وشيوع مثل هذا الخطأ ليس بمستغرب، لأنه بسبب عدم معرفة معنى كلمتي الحلف واليمين في مثل هذا الحال.
بل الحلف بالطلاق ونحوه بهذا المعنى ليس محرماً ما لم يكن فيه ابتذال، وشرعت الكفارة على الحانث منعاً للابتذال.
ثم وجدت فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله تطابق نتيجة هذا المبحث [٨]، وقد أفتى فيها بأنّ الحلف بالطلاق ليس شركاً.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
١٥ ذو القعدة ١٤٤٥هـ، ٢٤ مايو ٢٠٢٤ش
الرياض، السعودية.

مصادر ومراجع

١. مجموع الفتاوى (ج٣٣/ص٢٢٣) - ابن تيمية (ت ٧٢٨).
٢. لسان العرب (ج٩/ص٥٣) - ابن منظور (ت ٧١١).
٣. صحيح مسلم (١٦٤٥) - ط التركية (ج٥/ص٨٠) - مسلم (ت ٢٦١).
٤. صحيح مسلم (١٦٥٠) - ط التركية (ج٥/ص٨٥) مسلم (ت ٢٦١).
٥. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل (ج٨/‏ص٢١٠) - ناصر الدين الألباني (ت ١٤٢٠)، أخرجه أبو داود (٣٣٢٢) مطولاً واللفظ له، وابن ماجه (٢١٢٨) مختصراً.
٦. مجموع الفتاوى (ج٣٣/ص٢٢٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨).
٧. الطبعة السابقة.
٨. بيان كون الحلف بالطلاق ليس شركاً، الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله.

جمل في الأطعمة والأشربة

الرجوع إلى قسم مسائل وأحكام
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

القواعد العامة

١. الأصل في الأطعمة والأشربة الحل إلا لنص.
٢. كل نجس حرام.
٣. كل ضار حرام.
٤. كل مسكر ومفتر حرام.
٥. الأصل في الدواب حل لحمها إلا لنص.
٦. الأصل في اللحوم الحرمة إلا ما ذكيت.
٧. كل ما أهل به لغير الله أو ذبح على النصب فهو حرام.

الأصل في الأطعمة والأشربة

قاعدة الأصل في الأطعمة والأشربة الحل إلا لنص مندرجة تحت قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة إلا لنص، والأشياء في هذه القاعدة تشمل؛ الأعيان ومنها الأطعمة والأشربة، والمعاملات كالبيع، والعادات كطريقة اللبس والاحتفال بالزواج.
يدل على هذه القاعدة قول الله جل ثناؤه: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، واللام للإباحة.
ويدل عليها أيضاً؛ قول الله تعالى ذِكرُه: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥].
وهذه الآية خاصة بالأنعام بدليل سابقاتها، ولأنه ورد في السنة تحريم غير ما ورد في هذه ا لآية من الحيوانات والطيور.

النجاسات

ومنها الدم المسفوح، فكل نجس يحرم أكله أو شربه بدليل آية الأنعام السابقة؛ ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، وبدليل الإجماع.
ولكن ليس كل ما حرم أكله وشربه نجس عند بعض العلماء، وهو الراجح، فالنباتات السامة محرمة وليست نجسة، وكذا الخمر عند بعضهم.

المسكرات والمفترات

وذلك لقول النبي ﷺ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)، صحيح البخاري (٦١٢٤)، وصحيح مسلم (٢٠٠٢) [١].
وعن أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: (نهى رسول اللهِ ﷺ عن كل مسكر ومفتر)، أخرجه أبو داود (٣٦٨٦)، وأحمد (٢٦٦٣٤)، سكت عنه أبو داود، وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح، وحسن إسناده ابن حجر رحمه الله تعالى وغيره [٢].
والمسكر هو ما غيب العقل مع نشوة وفرح.
والمفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف والبدن.

الضار

ولا خلاف في تحريم كل ضار كالسموم الممرضة والقاتلة، وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، والخبيث هو المستقبح، وكل ضار مستقبح، ولاختلاف الأذواق فإن المستقبح لا ينضبط إلا بالضار، ولقول الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١۹٥].

الدواب

الأصل في الدواب حل لحمها إلا لنص، وما ورد تحريمه من الدواب بالنص عليه أو بلازم نص ما يلي؛

١. الميتة وما أهل به لغير الله وما ذبح على النصب

قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣].
وتحريم الميتة مع استثناء ما ذُكي في الآية السابقة يدل أن الأصل في اللحوم الحرمة إلا أن يثبت بيقين أو ظن غالب أنها ذكيت، والتذكية تكون بالذبح أو النحر أو الصيد أو العقر.
والفرق بين الذبح والنحر هو أن النحر في اللبة والذبح في موضع الرقبة، ويستحب النحر في الإبل، ويستحب الذبح في غير الإبل، والصيد والعقر بنفس المعنى غير أن العقر هو للحيوان الأليف الذي توحش.
ويستثنى من الميتات ما يلي؛
السمك.
عن ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قال: (أُحِلَّتْ لنا مَيتَتانِ ودَمانِ، فالمَيتَتانِ السمكُ والجَرادُ، والدمانِ: الكَبِدُ والطِّحالُ)، أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/٢٧١) واللفظ له، وصححه موقوفاً الألباني رحمه الله تعالى وغيره، وله حكم الرفع [٣].
الجراد.
للحديث السابق.
ميتة البحر.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال في البحر: (هوَ الطَّهورُ ماؤُهُ الحلُّ ميتتُهُ)، أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٨٧٣٥)، وصححه الألباني في صحيح النسائي (٤٣٦١) وغيره [٤].
واختلف العلماء في بعض ميتات البحر، كخنزير البحر.

٢. لحم الخنزير

لقول الله تعالى﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾.

٣. كل ذي ناب من السباع

وهي آكلات اللحوم، كالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، والكلب، والقرد.
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه قال: (نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن أكْلِ كُلِّ ذِي نابٍ مِنَ السِّباعِ)، أخرجه البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢) [٥].

٤. كل ذي مخلب من الطير

وهي آكلات اللحوم، كالحدأة والصقر والنسر.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عن كُلِّ ذي نابٍ مِن السَّبُعِ، وعن كُلِّ ذي مِخلَبٍ مِن الطَّيرِ)، أخرجه مسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٣)، والنسائي (٤٣٤٨)، وابن ماجه (٣٢٣٤)، وأحمد (٣٠٢٣) [٦].

٥. الحمر الأهلية

 عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: (نُهِينا عن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ)، أخرجه البخاري (٥٥٢٥)، ومسلم (١٩٣٨).

٦. ما نهي عن قتله

الراجح تحريم أكل ما نهي عن قتله، لأنه لا سبيل إلى أكله إلا بقتله بالذكاة الشرعية، فبما أن قتله محرم فلزم تحريم أكله.
والراجح أن النهي عن قتل هذه الدواب للتحريم لعدم ورود ما يدل على صرف النهي إلى الكراهة.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: (إنّ النبيَّ ﷺ نهى عن قتلِ أربعٍ من الدوابِّ، النملةِ، والنحلةِ، والهدهدِ، والصّردِ)، صححه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح أبي داود (٥٢٦٧).
والصرد طائر وكذا الهدهد.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبيَّ ﷺ قال: (لا تقْتُلُوا الضفادِعَ)، صححه الألباني في صحيح الجامع (٧٣٩٠).
ولا يرد على ما سبق النهي عن قتل الجراد، وذلك إما بسبب أن حل الجراد استثناء مما نهي عن قتله أو لأن الجراد يؤكل ميتاً.
قال النبيَّ ﷺ: (لا تقْتُلُوا الجرادَ، فإنَّهُ مِن جنْدِ اللهِ الأعظَمِ)، حسنه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح الجامع (٧٣٨٨)، وأخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (١٤٤٠)، والطبراني (٢٢/٢٩٧) (٧٥٧) باختلاف يسير، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠١٢٧) واللفظ له.

٧. ما أمر بقتله

الراجح تحريم أكل ما أمر بقتله، لأنه لو جاز أكله لأمر بذكاته والانتفاع به، وذلك لتحريم إتلاف المال، والمال هو كل ما له قيمة مما ينتفع به.
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: (خَمْسٌ فَواسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحَرَمِ: الفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ، والحُدَيّا، والغُرابُ، والكَلْبُ العَقُورُ)، أخرجه البخاري (٣٣١٤) ومسلم (١١٩٨).
والحديا هي الحدأة، وهي من الطيور الجارحة.
وعَنْ أُمِّ شَرِيكٍ رضي الله عنها؛ (أنّ رَسولَ اللهِ ﷺ، أمَرَ بقَتْلِ الوَزَغِ، وقالَ: كانَ يَنْفُخُ على إبْراهِيمَ)، صحيح البخاري (٣٣٥٩).
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنّه سَمِعَ النبيَّ ﷺ يَخْطُبُ على المِنبَرِ يقولُ: (اقْتُلُوا الحَيّاتِ، واقْتُلُوا ذا الطُّفْيَتَيْنِ والأبْتَرَ، فإنّهُما يَطْمِسانِ البَصَرَ، ويَسْتَسْقِطانِ الحَبَلَ. قالَ عبدُ اللهِ: فَبَيْنا أنا أُطارِدُ حَيَّةً لأقْتُلَها، فَنادانِي أبو لُبابَةَ: لا تَقْتُلْها، فَقُلتُ: إنّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدْ أمَرَ بقَتْلِ الحَيّاتِ قالَ: إنّه نَهى بَعْدَ ذلكَ عن ذَواتِ البُيُوتِ، وهي العَوامِرُ)، أخرجه البخاري (٣٢٩٧)، ومسلم (٢٢٣٣)، وأبو داود (٥٢٥٢)، والترمذي (١٤٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٥)، وأحمد (٤٥٥٧).

٨. الهوام والحشرات

الراجح تحريم أكل الهوام والحشرات عدا الجراد، وذلك لأنها لا تؤكل إلا ميتة، وقياسها على الجراد ضعيف، وذلك لأن القياس على ما استثني من محرم ضعيف.
وكثيرٌ من الهوام والحشرات تأكل النجاسات، والجمهور على القول بكراهة أكل الجلالة إلا بعد إطعامها بالطاهرات لمدة، والجلالة هي كل دابة تغذت على نجس.
وقد استدل بعض أهل العلم على حرمة الحشرات والهوام بأن الخبيث هو ما استخبثته العرب، والصحيح في الخبيث هو كل مستقبح، وبما أنه لا ضابط للاستقباح بمجرد الذوق، فقد لزم أن يكون معنى الخبيث هو الضار، وذلك لأن كل ضار مستقبح ولأن الضار يمكن ضبطه.

الأشربة

سبق أن الأصل في الأشربة الحل إلا لنص، وما ورد تحريمه في النصوص من الأشربة التالي؛

١. الخمر والمسكرات

وذلك لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ۹۰].
وسبق ذكر النصوص في حرمة كل المسكرات، وأن المسكر هو ما غيب العقل مع نشوة وفرح.

٢. المفترات

للأدلة السابقة، وسبق أن المفتر كل ما يورث الفتور والخدر في الأطراف والبدن.

٣. النجاسات

للأدلة السابقة.

٤. الضار

للأدلة السابقة.

الاستحالة

الراجح من أقوال الفقهاء أن كل ما يحرم أكله وشربه في الأصل يحل أكله أو شربه بالاستحالة إلى طيب.
ومثال الاستحالة؛ استحالة اللحم إلى ملح بوضعه في مملحة.
وقد جزم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بطهارة كل نجس بالاستحالة وحل الطيب الذي يؤكل كالملح إذا استحال عن لحم خنزير، وهذا خلافاً للحنابلة الذين يقولون بطهارة ما استحال من المتنجس وعدم طهارة ما استحال من النجس، وخلافاً للشافعية أيضاً الذين لهم تفريق مماثل.
فالخمر مثلاً متنجسة لأن أصلها طاهر على تفريق الحنابلة، وقد اتفق الفقهاء على جواز الخل إذا تخلل بنفسه لورود حل الخل في السنة.
والصحيح فيما خلله مخلل هو أن تخليل الخمر محرم لغيره، وأما حل الخل فلا فرق بين ما تخلل بنفسه وما خلله مخلل، وقد أفتى الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى بجواز أكل ما خلله اليهود والنصارى، والصحيح العموم مع حرمة صناعة الخل من الخمر.
وكذا الصحيح الجزم بحل كل ما استحال إلى طيب مما يحل أكله وطهارة كل ما استحال من نجس.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأحد ٢١ رجب ١٤٤٤هـ، ١٢ فبراير ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

المصادر

١. صحيح البخاري (٦١٢٤)، وصحيح مسلم (٢٠٠٢).
٢. أخرجه أبو داود (٣٦٨٦)، وأحمد (٢٦٦٣٤)، سكت عنه أبو داود، وقد قال في رسالته لأهل مكة كل ما سكت عنه فهو صالح، وحسن إسناده ابن حجر رحمه الله تعالى وغيره.
٣. أخرجه ابن ماجه (٣٣١٤)، وأحمد (٥٧٢٣)، وابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (٤/٢٧١) واللفظ له، وصححه موقوفاً الألباني رحمه الله تعالى وغيره، وله حكم الرفع.
٤. أخرجه أبو داود (٨٣)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (٥٩)، وابن ماجه (٣٨٦)، وأحمد (٨٧٣٥)، وصححه الألباني في صحيح النسائي (٤٣٦١) وغيره.
٥. أخرجه البخاري (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢).
٦. أخرجه مسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٣)، والنسائي (٤٣٤٨)، وابن ماجه (٣٢٣٤)، وأحمد (٣٠٢٣).
pdf
الرجوع إلى قسم مسائل وأحكام