نوّاب الأمّة هم أهل الحل والعقد، وهم من يعقد النظام السياسيّ ويحلّه لسبب متقضٍ ليعقدوا نظاماً آخر مكانه.
فبالنظر في أقوال العلماء سلفاً وخلفاً واعتبار القواعد الشرعيّة والمصالح العامّة يُعلم أنّ مفهوم أهل الحل والعقد فيه معنى تمثيل المُسلمين مع النظر في مصالح الناس الدينيّة والدنيويّة باشتراط صفات لأهل الحل والعقد.
وتمثيل أهل الحل والعقد الناس معتبر شرعاً وعقلاً، وذلك لأن مقصود الإمامة لا يتم إلا بذلك، ويرجع ذلك إلى كونهم متبوعين يصدر الناس عن رأيهم عن قبول ورضاً.
ممّا يدلّ على أنّ أهل الحلّ والعقد يمثّلون الناس وينتخبون رأس الدولة نيابةً عنهم؛ قول ممثلي الأنصار في السقيفة: (منّا أمير، ومنكم أمير) [١] وقول أبي بكر رضي الله عنه ممثّلاً للمهاجرين: (لا، ولكنّا الأمراء، وأنتم الوزراء) [١].
ولذا عدّ الفقهاء رؤساء الناس وأعيانهم وشيوخ القبائل من أهل الحلّ والعقد.
ولم يكن هذا التمثيل حزبيّاً لأنّ من قال من الأنصار: (منّا أمير، ومنكم أمير) ظنّ أنّ الأمر في الإسلام يستمرّ على ما كان متعارفاً عليه عند العرب.
فلم تكن العرب تعرف السيادة الأمميّة القوميّة، فكان لكلّ قبيلةٍ أو شعبٍ سيّدٌ، والشعب نسب بعيد، والنسب من جهة الآباء فقط، والرحم من الجهتين (الآباء والأمّهات).
ولمّا قال أبوبكر رضي الله عنه: (منّا الأمراء، ومنكم الوزراء)، فقد كان يشير إلى ما أشار إليه عمر رضي الله عنه بقوله: (لا يصلح سيفان في غمدٍ واحدٍ)، وهو وحدة الأمّة سياسيّاً على ما ورد في السنّة من أنّ الخلافة في قريش.
والوزير لغةً هو المؤازر والمعين، وفي الاصطلاح هو من يعين رأس الدولة برأي أو باختصاصٍ بجانبٍ من إدارتها.
فما حدث في السقيفة لم يكن تنافساً جماعيّاً على السلطة (حزبيّة سياسيّة)، وإنّما كان تمثيلاً نيابيّاً.
وممّا يدل على أن أهل الحل والعقد ينوبون عن المسلمين في اختيار السلطات العليا ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في حديث طويل رواه ابن عباس رضي الله عنهما: (من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا) [٢].
فقوله (فلا يبايع هو) يعني لا يبايع نائباً عن المسلمين في بيعة الإمام؛ (ولا الذي بايعه) يعني من بايعه إماماً للمسلمين من غير مشورتهم.
يؤكد ما سبق قوله في آخر الحديث: (لا يُتابَع) يعني المُبايِع من غير مشورة المُسلمين، ويؤكد ذلك أيضاً قوله في بداية الحديث عندما كان بمكة: (إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم).
ويؤكد أن المراد نيابة أهل الحل والعقد عن جميع الناس قول عمر رضي الله عنه عن مقولته هذه في المدينة: (فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عدل عن تحذير الناس في الحج بعد أن أشار إليه بذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه خشية ألا يعي الناس قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيحدثوا به على غير وجهه.
فقد قال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نوى تحذير الناس من يريدون غصبهم أمرهم: (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها).
وفي وصف العلماء السابقين والمُعاصرين أهل الحل والعقد معنى تمثيل المُسلمين، كقولهم وجوه الناس ورؤساؤهم وأقيادهم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ( المعتبر بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس الذين يتيسر حضورهم ) [٣].
أقوال السابقين تشترط في أهل الحل والعقد خمسة شروط إضافة إلى شروط التكليف والصحة العامة في مثل هذا الواجب الكفائي، والخمسة شروط هي؛ العلم بشروط الإمامة، والعدالة، والرأي، والقبول لدى العامة، وموافقة رؤوس أهل الشوكة، هذا مع اعتبارهم المقدور عليه من تلك الشروط.
وشرط العدالة يمنع اختيار الفاسق المجاهر بالكبيرة، والشوكة تعني القوة والبأس والسلاح، فأهل الشوكة هم أهل البأس وحملة السلاح، وأهل الشوكة في عصرنا هم الجيش ثم بقية المؤسسات العسكرية.
شرط موافقة رؤوس أهل الشوكة هو بسبب أن مقصود الإمارة لا يتحقق إلا بأهل الشوكة، فهو لاعتبار القدرة والإمكان، إذ الواجبات تسقط مع عدم القدرة، ورؤوس أهل الشوكة في عصرنا هم قادة الجيش بمن في ذلك قادة الاستخبارات العسكرية.
فإن كان رؤوس أهل الشوكة من أهل العدالة والعلم والرأي تحقق مقصود الولاية على وجه أكمل، وإن كان فيهم فسق أو جهل أو سفه نقص من المقصود بحسب ما فيهم من نقص، فالشروط المعتبرة أصالة هي العلم بشروط الإمامة والرأي والعدالة وقبول المسلمين ورضاهم.
وإطلاق العلماء السابقين والمُعاصرين القول بإدخال وجوه الناس ورؤسائهم وأعيانهم في أهل الحل والعقد هو من باب القدرة والإمكان أيضاً، إذ قد يغلب على وجوه الناس ورؤسائهم وأعيانهم نقص في العلم أو العدالة، فالواجب يسقط بسبب العجز سواءٌ كان عجزاً حقيقياً أو بسبب التعسر، لأن القدرة قد تكون شرط وجوب وقد تكون شرط صحة.
ولذا فرق ابن تيمية رحمه الله بين ما تنعقد به الولاية على غير استحقاق وما تنعقد به على غير أولوية وما تنعقد به على استحقاق وأولوية، فذكر أن ما تنعقد به على غير استحقاق أو على غير أولوية هو ما كان باتفاق أهل الشوكة أو رؤوسهم بحيث يكون بقية أهل الشوكة تبع لهم.
وذلك حسب توفر شروط أهل الحل والعقد في رؤوس أهل الشوكة، فإن كان فيهم نقص قليل في العلم بشروط الإمامة أو العدالة كان انعقاد الإمامة على غير أولوية غالباً، وإن كان فيهم نقص كثير كان انعقاد الولاية على غير استحقاق غالباً.
وذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن ما تنعقد به الولاية على الاستحقاق والأولوية هو ما كان باتفاق الجميع أو الجمهور.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (أما الإجماع على الإمامة، فإن أريد به الإجماع الذي ينعقد به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة بحيث يكون متمكناً بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة حتى إذا كان رءوس الشوكة عدداً قليلاً ومن سواهم موافق لهم حصلت الإمامة بمبايعتهم له، هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة وهو مذهب الأئمة كأحمد وغيره، وأما أهل الكلام فقدرها كل منهم بعدد، وهي تقديرات باطلة.
وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور.
وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر) [٤].
وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر) [٤].
اعتبار جميع الناس في انعقاد البيعة على الاستحقاق والأولوية في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هو في قوله: (وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور).
وقد ذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى أنه قال: (الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول؛ هذا إمام) [٥].
وقد ذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى أنه قال: (الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول؛ هذا إمام) [٥].
ومن معاني تمثيل أهل الحل والعقد الناس والنيابة عنهم؛ سؤال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بعض العامة بعد استشارة رؤوس الناس وأقيادهم، وذلك لأنَّ سؤاله بعض العامة استطلاع رأي عشوائي للتحقق من أن رؤوس الناس وأقيادهم يمثلون من ينوبون عنهم في الاختيار.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى، ومجتمعين سراً وجهراً حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها) [٦].
المصادر
[١] صحيح البخاري (٣٦٦٧).
[٢] صحيح البخاري (٦٨٣٠)، (ج8/ص168)، المحقق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر؛ دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.
[٣] روضة الطالبين وعمدة المفتين (ج10/ص43)، تحقيق؛ زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة الثالثة.
[٤] منهاج السنة النبوية (ج8/ص356)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
[٥] منهاج السنة النبوية (ج1/ص529)، الطبعة السابقة.
[٦] البداية والنهاية (ج10/ص211)، تحقيق؛ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى.
[٢] صحيح البخاري (٦٨٣٠)، (ج8/ص168)، المحقق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر؛ دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.
[٣] روضة الطالبين وعمدة المفتين (ج10/ص43)، تحقيق؛ زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة الثالثة.
[٤] منهاج السنة النبوية (ج8/ص356)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
[٥] منهاج السنة النبوية (ج1/ص529)، الطبعة السابقة.
[٦] البداية والنهاية (ج10/ص211)، تحقيق؛ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى.
![]() |
![]() |
---|
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق