إظهار الرسائل ذات التسميات التشوقية. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات التشوقية. إظهار كافة الرسائل
التشوَقيّة لِسبق الديمقراطيّة
رجوع إلى قسم منهج وإصلاح
- مقدمة
- الفصل الأول؛ تمهيد
- المبحث الأول؛ الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة
- المبحث الثاني؛ تعريف التَشْوَقَة والحَلْقَدة
- المبحث الثالث؛ مميزات التَشْوَقَة وفوائدها
- المبحث الرابع؛ الاجتهادي والنصي
- المبحث الخامس؛ تبسيط النظام المعقد
- الفصل الثاني؛ الانتخابات والترشيحات
- المبحث الأول؛ التمثيل النيابيّ
- المبحث الثاني؛ أهل الشورى حسب مسائلها
- المبحث الثالث؛ الانتخاب الهرمي
- المبحث الرابع؛ كيفية الترشيح وضوابطه
- المبحث الخامس؛ الانتخاب الدوري المفتوح
- الفصل الثالث؛ السلطات والنظام الإداري
- الفصل الرابع؛ التعدد السياسي والمواطنة
- المبحث الأول؛ شكل التعدد السياسي
- المبحث الثاني؛ المواطنة والتعدد
- المبحث الثالث؛ حظر المنظمات والجماعات
- المبحث الرابع؛ سبيل تحقيق الرؤى السياسية
- المبحث الخامس؛ ضرر التحزب
- الفصل الخامس؛ الشوكة في التشوقة
- الفصل السادس؛ النصح والتقويم
- الفصل السابع؛ إعتراضات وأجوبتها
- تمثيل السقيفة نيابيّ غير حزبيّ
- التَّشْوَقَةُ ليست بمعزل عن التجارب
- الهرميّة لا تمكّن الطُرقيّة
- محفِّزات إنشاء جماعة نصح
- التَّشْوَقَة واقعية
- الحكم العسكري والمكر الخارجي
- بل طلب السلطة مضر
- آليات التَّشْوَقَة ليست كاملة
- التَّشْوَقَة ليست كالنظرية الثالثة
- الديمقراطية الحزبية قد تأتي بالعلمانيين
- حُكم استعمال مصطلح الديمقراطية
- الفصل الثامن؛ تجارب الديمقراطية الحزبية
- المبحث الأول؛ تاريخ الأنظمة البرلمانية والحزبية
- المبحث الثاني؛ التجربة الغربية
- المبحث الثالث؛ التجربة البريطانية
- المبحث الرابع؛ التجربة الهندية
- المبحث الخامس؛ التجربة الماليزية
- المبحث السادس؛ التجربة الإيرانية
- المبحث السابع؛ الديمقراطية والعدالة في الغرب
- الخاتمة
رجوع إلى قسم منهج وإصلاح
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الحكيم الخبير، الذي هدى إلى شرع بالإصلاح جدير، بنوره ندبر أمورنا أحسن تدبير، والصلاة والسلام على البشير النذير، وعلى آله وصحبه ذوي الفضل الغزير، وعلى من يقتفي أثرهم وعلى دربهم يسير.
استناداً على النصوص وأقوال العلماء وقاعدة أن الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة إلا لنص؛ اقترحتُ في هذا الكتاب طريقة لاختيار الولاة، وتقويمهم، وإدارة الدولة، ودور عامّة المسلمين في السياسة الشرعية، سميتها التَّشْوَقَة، وهي كلمة منحوتة من التشاور والتواثق.
ومن أمثلة النحت البسملة من بسم الله الرحمن الرحيم.
واستخدمت كلمة الحَلْقَدة التي نحتها من الحل والعقد بغرض تيسير الاستعمال في نحو تسمية البرلمان بالمجلس الحَلْقَدي، وذلك لتعتز الأمة بدينها ونهج علمائها سلفاً وخلفاً والصحيح من تراثها.
لفظ الديمقراطية يحتمل معان باطلة، فيجب استخدام لفظ الحكم المنتخب أو التَشْوَقِيَّة بدلاً عنه، ولا بأس باستخدام لفظ الديمقراطية مقيداً على نحو؛ الديمقراطية التَشْوَقِيَّة، لأنه مفيد بهذا القيد عند مخاطبة غير المسلمين، انظر؛ حكم استعمال مصطلح الديمقراطية.
أهم آليات التشوقة التي تميزها عن آليات الديمقراطية الحزبية هي؛ الانتخاب الهرمي، وجماعات النصح السياسية التي لا تسعى للسلطة لتكون بديلاً للأحزاب السياسية، والترشيح من الغير بمنع الترشُّح وترشيح عضو نفس المنظمة السياسية.
ولا أحد من أهل السنة يخالف في أن الانتخاب المقابل للجبر هو الصواب، وإنما أنكروا الانتخاب العام بسبب طريقته المتبعة في الأنظمة الديمقراطية الحزبية.
ويمكن أن يحقق الانتخاب العام حسن اختيار أهل الحل والعقد إذا كان هرمياً ومضبوطاً، فكل الناس يمكنهم معرفة الكفؤ الأمين مثلما يعرف الجاهل بالطب الطبيب الماهر، ولذا اقترحت التَشْوَقِيَّة ما أسمته الانتخاب الهرمي.
وأهل الحل والعقد هم ممثلوا الناس من العلماء والحكماء والخبراء وسائر أعيان الناس ورؤسائهم، انظر؛ التمثيل النيابيّ.
ولن يكون للناس أعيان ورؤساء وأقياد إلا عبر تجمعاتهم الطبيعية أو تحالفاتهم المعقودة.
وقد كانت التجمعات قبل نشوء الحزبية السياسية طبيعية ومعقودة، الطبيعية كالقبيلة والعشيرة، والمعقودة كطريقة العرفاء، والقبيلة رحم بعيد معتبر شرعاً وعرفاً.
وروابط الرحم أقوى من روابط الأحزاب السياسية، وروابط الأحلاف مبنية على توافق في الرؤى وتلاق في المصالح.
في التشوقة تمثيل للناس بتجمعاتهم السكنية في الانتخابات الهرمية، وفيها تمثيل لآراء الناس وبرامجهم بتجمعات سياسية غير حزبية.
فلفاعلية العمل الجماعي المنظم فإن التعدد السياسي في التَشْوَقِيَّة في شكل جماعات نصح سياسية لا تسعى لسلطة بديلاً للأحزاب السياسية المتصارعة على السلطة.
فإن قيل لم لا نكتفي بالتجمّعات الطبيعية التي كانت في عهد الخلافة الراشدة لا سيّما وأن روابطها أقوى، فالجواب؛ صحيح أنّها كافية مع طريقة العرفاء في رعاية مصالح الناس الدينية والدنيوية، ولكن مع انتشار التحزب السياسي أصبحت الأحزاب أكثر فاعليّة، وذلك بتأثيرها في القبائل، فكان لابد من بديل جماعات النصح.
وبهذا البديل يُدفع شر الدول المعادية التي غزتنا ثقافياً، بإيهام مثقفينا بأنه لا تعددية بدون أحزاب، محتجة بفاعلية العمل الجماعي المنظم، وبادعاء أنها تدعم مطالب أهل البلد لتنفي عن نفسها التدخل في شؤون الآخرين.
وعبر إنشاء جماعة نصح سياسية يمكن السعي لتشوقة البلد بالتدرج، وذلك بنحو؛ مطالبة صناع القرار بإجراء استفتاء عام حول تحويل الأحزاب السياسية لجماعات نصح، فهذه من طرق تطبيق التشوقة في البلد التي تسمح بالتعدد السياسي.
ولابد في تطبيق التَّشْوَقَة من التدرج اعتباراً للقدرة، ولأن الضرورة تقدر بقدرها فيجب تطبيق أقرب مقدور عليه عند عدم القدرة على تطبيق الأمثل، فالتدرج سنة كونية وشرعية؛ فالطفل يحبو ثم يمشي ثم يجري، ولو لم يتداخل النهار في الليل لأبهر ضوء الشمس العيون.
في الحكم المنتخب مراعاة مصالح غالب الناس الدينية والدنيوية.
أما مراعاة مصلحة الدين، فإن الحكم المنتخب فيه مراعاة مصلحة أصل الدين (الشهادتين والصلاة) حتى مع ضعف تدين الناس، وفي الحديث؛ (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة))، وفي مراعاة مصلحة أصل الدين تنمية للخير.
وأما المصالح الدنيوية فالحكم الجبري يقدم مصالح الفئة المتغلبة على بقية المجتمع، لقول النبي ﷺ: (سترون أثرةً وأموراً تنكرونها)، فالأثرة هي الاستئثار بالسلطة والثروة.
مجموع مميزات التَّشْوَقية عن الديمقراطية الحزبية إحدى عشرة مميزة، ومجملها أقل من إحدى عشرة غير أني فصلت بعضها لإبرازها، أكثرها نصية وقليلٌ منها اجتهادية.
وفي هذا الكتاب دمج بين النصي والاجتهادي والمباديء والآليات لِيتكامل الطرح فيكون مثالاً لنظام حُكم، ولأجل الاختصار والتيسير، فالآليات أمثلة تشرح المباديء، وبالمثال يتضح المقال.
والآليات تعكس المباديء وتختلف باختلافها، لأنها وسيلة لتحقيق المباديء، فمثلاً؛ الانتخاب الهرمي في التشوقة يدل على تمسك حقيقي بمبدأ التشاور والتراضي في العقود.
ومن أمثة المباديء أن تكون الأمة المُسلمة أمة واحدة، ومع أن الشريعة أجازت الاختلاف السائغ واعتبرت غير السائغ عند عدم القدرة؛ إلا أن مبادئها تدل على اعتبار هذا التعدد بطريقة لا تؤدي إلى النزاع وعدم الاستقرار.
وما من نظام حكم إلا ويعتبر بعض الآراء غير سائغة كالتمييز العُنصري، فالاختلاف السائغ شرعي، وغير السائغ هو اختلاف كوني قدري يُعتبر فقط عند عدم القدرة.
وفي جماعات النصح السياسية سد لذريعة النزاع وعدم الاستقرار لأنها لا تسعى لسطة، وآراؤها متباينة تبايناً سائغاً في الأصل وغير سائغ عند عدم القدرة، وهي بديلة للأحزاب السياسية، فبعدم سعيها للسلطة تكون غير حزبية.
والشريعة ما حرمت شيئاً ضاراً إلا وأحلت بديلاً له نافعاً، كتحليل النكاح وتحريم السفاح، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فما حرم الله على عباده شيئاً إلا عوضهم خيراً منه) [١].
وقال أيضاً: (فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله، كرمي النشاب، وسباق الخيل، ونحو ذلك) [٢].
منع التحزب من غير بديل فيه جبر وتحكم، وذلك لفاعلية الجهد الجماعي، ولذا اقترحت التشوقة جماعات النصح السياسية، وقد وردت الإشارة إلى تجمعات الناس في كلام السلف والفقهاء بذكرهم أقياد الناس ورؤساءهم.
واقترحت التشوقة انتخابات عامة بديلة للمعاصرة، وهي التي سمتها الانتخابات الهرمية.
ففي هذه البدائل وأمثالها إظهار حكمة الشريعة الباهرة الدالة على حكمة الله تعالى وعلى صدق رسوله ﷺ.
وأسباب بطلان الانتخابات العامة المعاصرة ثلاثة، وهي؛ ترشيح الرجل نفسه، والتنافس الحزبي، وعدم الهرمية.
وترشيح الرجل نفسه مخالف للسنة القولية والعملية للنبي ﷺ وخلفائه الراشدين، وما ذكره الفقهاء من جواز طلب الولاية هو حكم استثنائي لا يجوز أن يكون سنة متبعة.
ومن أضرار طلب الولاية أنه يؤدي إلى الشحناء والبغضاء، فما أحب أحد الزعامة إلا حسد وبغى، ومن أضراره أنه تنافس على وظائف مهمة ومحدودة يؤدي للصراع.
والطلب الحزبي للسلطة ما هو إلا طلب فردي يتقوى بالحزب، فهو أضر في إثارة والبغضاء والصراع الذي يؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي، بل قد يؤدي إلى الحروب.
ومن أضرار التنافس الحزبي إضافة لما سبق أنه يسهل على الأجنبي التدخل عبر أطماع أعضاء هذه الأحزاب، لا سيما مع الضعف الاقتصادي والعسكري والسياسي وقوة العدو في هذه الجوانب.
وأقل أعضاء الأحزاب طمعاً في السلطة يرغب في علاقة ولو مع رئيس بلدية، فمهما كانت وطنية الحزبي، فإنه يقدم مصالحه الشخصية والحزبية الضيقة على مصالح الوطن.
ولذا فإن النصح بتقديم المصالح العامة على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة لا يجدي بدون آليات تكبح جماح النفس البشرية، ولذا شرعت العقوبات.
والمقصود بكون الانتخابات غير هرمية هنا أنها تخالف أسساً مهمة من أسس التعامل مع الأنظمة المعقدة، وهي أسس يقينية بالدراسات والتجارب البشرية، انظر؛ تبسيط النظام المعقد.
ومن أضرار عدم الهرمية؛ تحكم اللوبيات، وسهولة خداع الناخبين، وسهولة التزوير، وتعقيد الإجراءات الانتخابية.
ومن فوائد التَّشْوَقَة رد شبهة انعدام رؤية سياسية شورية عملية للمسلمين.
للأمة في التَّشْوَقَة أربعة أدوار في السياسة، وهي؛ انتخاب نوابها الذين يختارون ولاتها، واختيار آرائها وآراء ممثليها من أهل الاختصاص عبر استفتاءات عامّة أو استفتاءات مجالس تخصصية فيما فيه خلاف سائغ، وتقويم سياسات ولاة أمرها بالنصح والتقويم بضوابط شرعية، وحَل النظام الفاسد بمجالسها الحَلْقَدية المنتخبة.
ولما في الديمقراطية الحزبية من حق مشوب بباطل؛ فقد أصبح لها رواج عظيم عند العرب والعجم، وقد ساعد في الترويج لها إضافةً إلى تطور المُبشرين بها وسيطرتهم على وسائل الإعلام المؤثرة؛ قصور في شرح الطرح البديل، وهذا ما دفعني لكتابة هذه الأُطروحة.
وما من باطل انتشر إلا وفيه شبهة حق كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك مصداق قول الله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
وما في الديمقراطية الحزبية من حق قد يكون من بقايا تعاليم الرسل، فأول ديمقراطية سُجلت تاريخياً كانت في اليونان، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن ما عند اليونان من خير هو من بقايا تعاليم الرسل، وقد اعترف بعض الأوربيين أنهم استفادوا في أنظمتهم من النصرانية والإسلام.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأحد ٨ شعبان ١٤٣٧هـ، ١٥ مايو ٢٠١٦ش
آخر تعديل؛ السبت ٢٧ محرم ١٤٤٦هـ، ١ أغسطس ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.
المصادر
[١] روضة المحبين ونزهة المشتاقين - ط العلمية (ج١/ص٨).
[٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور (ج٤/ص٣٤٠).
[٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور (ج٤/ص٣٤٠).
محتويات الكتاب ⏫ الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة⏪
المبحث الأول؛ الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة
السياسة الشرعية هي رعاية الدين وسياسة الدنيا.
والأصل في وسائل رعاية الدين الإرسال إلا لنص (مصالح مرسلة).
والأصل في سياسة الدنيا الإباحة إلا لنص.
فرعاية الدين عبادة، ووسيلة العبادة عبادة، فهي توقيفية، ولكن الأصل في وسائل العبادة الإرسال إلا لنص.
وسياسة الدنيا من المعاملات، والمعاملات مندرجة تحت قاعدةِ الأصل في الأشياء الإباحة إلا لنص.
والمباحات هي الأشياء الدنيوية التي يشترك في فعلها المسلم والكافر، وتشمل الأعيان والمعاملات والعادات.
ولولا أن المصالح المرسلة عبادات لكونها وسيلة لها لكانت من المباحات، ومن أمثلتها؛ حفر الخندق، وجمع المصحف، وأحكام التجويد.
فالحرب مثلاً مشتركة بين الناس مسلمهم وكافرهم، ولكن الجهاد عبادة لكونه وسيلة للدفاع عن الدين وإعلائه، ولذا كان الأصل في وسائله الإرسال إلا لنص، كحفر الخندق.
وفارقت المصالح المرسلة المباحات التي تنقلب عبادات كالنوم من جهة أن المصلحة المرسلة عبادة بطريقة استعمالها وليس بمجرد الاحتساب.
والإرسال في المصالح المرسلة هو من جهة أصلها، وأما الإطلاق في العبادات النصية فهو من جهة صفة فيها كالزمان والمكان.
فخالف الإرسالُ هنا إطلاقَ العبادة الذي يذكره العلماء.
فالعبادات النصية قد تكون مطلقة من جهة صفة فيها لا من جهة أصلها.
وإلجام المرسل بدعة، وكذا تقييد المطلق، كإرسال المنصوص عليه وإطلاق المقيد.
ولذا أفتى العلماء بجواز ترجمة خطبة الجمعة ومنع ترجمة الأذان، لأن الأذان مقيد بصيغة نصية تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتهليل، بينما صيغة الخطبة مطلقة.
فبعض وسائل العبادات مرسلة (أصلها) وبعضها مطلقة أو مقيدة (بصفات)، فخطبة الجمعة مثلاً مقيدة بوقت ومطلقة في صيغتها.
وخطبة الجمعة وسيلة دعوية تعليمية، والأذان وسيلة دعوة لعبادة.
والفرق بين المصالح المرسلة والمباحات من حيث الشروط هو أن المصالح المرسلة يشترط لها عدم وجود مقتضيها أو وجود مانع منها في عهد الرسالة، بينما المباحات لا تشترط لها هذه الشروط.
وشروط المصالح المرسلة إنما هي نسبة إلى عهد الرسالة والتشريع لا إلى غيره.
لأن شروط المصالح المرسلة لو كانت نسبة إلى غير عهد الرسالة لقيل بتحريم كل ما لم يؤثر منها عن السلف والسابقين مع وجود مقتضيها وعدم وجود مانع منها في عهدهم، كاتباع طرق البحث الحديثة في البحوث الإسلامية والطرق الحديثة في إدارة الجامعات الإسلامية، ولا أعرف قائلاً بهذا من العُلماء.
ومجال الاجتهاد والمتغيرات والحاجات والضرورات واسع فيما كان أصله الإباحة والإرسال إلا لنص، ومن ذلك مسائل الحرب والسلم، وسياسة الدنيا، وإدارة الدول.
قال ابن عقيل الحنبلي رحمه الله تعالى: (السياسة ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يشرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي ) [١].
والتشبه المحرم بالكفار لا يدخل فيه تقليدهم في النافع من المُباحات والمصالح المرسلة بشروطها مثل النظم الإدارية والآليات بإجماع أهل العلم سلفاً وخلفاً.
مما يدل على ما سبق؛ حفر الخندق وهو نظام حربي دفاعي فارسي، وتدوين الدواوين في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو نظام إداري سياسي فارسي.
ولكن يجب عند الاستفادة من المعارف البشرية والطرق الإدراية للكفار تمييز الخطأ من الصواب فيها ومراعاة خصوصيات الشعوب وثقافاتها واختلاف أديانها وما يناسب المسلمين ولا يناسبهم مما يُنقل من غير المسلمين.
وقد ابتلي كثير من الناس في زماننا مع ضعف المسلمين وتقدم الغرب بانهزام نفسي بكل ما هو غربي، فمع ما في الديمقراطية الحزبية من حق وصواب إلا أنها مشوبة بعيوب ومخالفات شرعية في مبادِئها وآلياتها.
وللمزيد حول أحكام التشبه بالكفار ومخالفتهم؛ مدونتي » قسم أحكام » مخالفة الكفار وترك مجالستهم.
المصادر
[١] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٤/ص٢٨٣)، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
المبحث الثاني؛ تعريف التَّشْوَقَةُ والحَلْقَدة
⏩الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة ⏫محتويات الكتاب مميزات التَّشْوَقَة وفوائدها⏪
التَّشْوَقَة نَحْتٌ من التشاور والتواثق، على وزن فَعْلَلة، ومن أمثلة النحت؛ البَسْمَلة (بسم الله الرحمن الرحيم)، والحَزْرَمة (الحزم والرأي)، والفَذْلَكة (فذلك كذا إذا كان كذا).
ويمكن الاشتقاق منها؛ تَشْوَقَ، يُتَشْوِقُ، تَشْوَقَةً، فهو مُتَشْوِقٌ وتَشْوَقِيٌ، وهي مُتَشْوِقَةٌ وتَشْوَقِيَّة، فيقال النظام التَّشْوَقِي والطريقة التَشْوَقِيَّة ونظام وطريقة التَّشْوَقَة.
ونحتُّ كلمة الحَلْقَدة من كلمتي الحل والعقد، وذلك لسلاسة الاستخدام في مثل قول؛ السلطة الحلقدية.
وكل نحت جار على قواعد اللغة يمكن الاشتقاق منه، فيُقال؛ حَلْقَدَ، يُحَلْقِدُ، حَلْقَدةً، فهو مُحَلْقِدٌ وحَلْقَدي وهي مُحَلْقِدَةٌ وَحَلْقَدِيَّة.
والمنحوت "فَعْلَلَ" يُبْنَى من جُزأي المركب بفاء كلٍ منهما وعينه، فإذا حدث تكرار أو ثقل أو لبس دلالي جاز إكمال البناء بلام أحدهما أو الاختزال غير المتساوي ونحوهما حتى يرتفع الثقل أو اللبس أو التكرار.
والتَّشْوَقَة اسمٌ عَلَم على نظام سياسي، فلا يُشترط أن يُعرف معناها الحرفي، كاسم عمر والديمقراطية اللذين لا يعرف الكثيرون معناهما الحرفي، ولكنهما معروفان كأعلام على شخص ونظامٍ سياسي.
وكلمة التشوقة ليست ثقيلة النطق، وتزول عدم مألوفيتها بالتكرار، ولم تكن كلمة الديمقراطية مألوفة عند أغلب شعوب الأرض لأنها كلمة لاتينية.
ولم أختر كلمة الشورى أو الحَلْقَدة لأن مفهومهما جزئي، وأما التَّشْوَقَة فهي جامعة للمواثيق المدنية والحكومية والدولية، وعلاقة الناس بأمرائهم عقد وبيعة، والأصل في العقود التراضي والتشاور المنافيان للجبر.
والهدف من النحْت تيسير الاستعمال، ولتعتز الأمة وتتمسك بما يميزها، ولأن أثر الفوارق عظيم مع قلتها.
ولا بأس بتمييز هذا النظام الشرعي عن الوضعي بتسميته بالديمقراطية التَّشْوَقِيَّة لا سيما عند مخاطبة غير المسلمين، وذلك لأن للديمقراطية معنى عام متبادر للذهن وهو الحُكم المُنتخب المقابل للحكم الجبري.
ويظهر المعنى العام للديمقراطية في استعمال الكلمة وذكر أنواعها وأمثلتها التاريخية عند العرب والعجم، ومن ذلك قول العربي "كن ديمقراطياً" يعني لا تستبد برأيك.
واختصاراً يُقال التَّشْوَقَة أو التَّشْوَقِيَّة وليس الديمقراطية لأن معناها الخاص المتبادر هو الديمقراطية الحزبية.
⏩الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة ⏫محتويات الكتاب مميزات التَّشْوَقَة وفوائدها⏪
المبحث الثالث؛ مميزات التَّشْوَقَة وفوائدها
سبق أن الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة إلا لنص، وما كان كذلك فإن دائرة اشتراك الناس فيه أوسع من دائرة الفوارق.
فكل المشروبات مثلاً حلال إلا الخمر والضار من السموم ونحوها، والسموم الضارة مشتركة، ففرق المُسلمين من غيرهم في المشروبات الخمر فقط.
ولكن أثر الفوارق القليلة عظيم، فكمية قليلة من السم القاتل قد تفسد الطعام الكثير.
فمثلاً الفرق لا يكاد يذكر بين النظام الصيني والغربي في إدارة شؤون الناس، ومع ذلك أثره كبير، وذلك بدءً من الإدارات الدنيا كالمرور إلى الإدارات العليا كالوزارات والجيش والنظام الحزبي، فالفرق يكاد لا يتعدى الأحادية الحزبية في النظام الصيني والحزبية المتعددة في الغربي، وكلاهما حزبي.
للتَّشْوَقِيَّة إحدى عشرة ميزة على الديمقراطية الحزبية وآلياتها المُعاصرة، وبعض هذه المميزات متداخلة، فصلتُ بعضها في قسم خاص لإبرازها وتأكيدها.
والتَّشْوَقِيَّة مبنية على الشرع كما سبق، فهي مجرد آليات للمباديء التي قررها العلماء.
مميزات التَشْوَقِيَّة الإحدى عشرة على الديمقراطية الحزبية هي؛
١) الترشيح والانتخاب الهرمي.
٢) الترشيح من الغير، فيُمنع الترشُّح وترشيح عضو نفس المنظمة السياسية.
٣) تعدد سياسيّ في شكل جماعات نصح لا تسعى لسلطة.
٤) الانتخاب الدوري المفتوح.
٥) فصل السلطة السياديّة.
٦) تحقيق الرؤى السياسيّة بالاستفتاءات لا بالتحزّب.
٧) منع التحزب السياسيّ الساعي للسلطة.
٨) تحديد وظيفة رؤوس أهل الشوكة السياسيّة.
٩) تَشْوَقَة المؤسسات النظاميّة.
١٠) ضوابطٌ للنصح والتقويم.
١١) حل النظام بالمجالس الحَلْقدية لا الثورات الجماهيريّة.
طريقة الانتخاب الهرمي تصعيدية، فلا يصوت عامّة المسلمين إلا لمجالس حَلْقَدِية قاعدية فقط، ثم تُصعِّد هذه المجالس أعضاء منها إلى مجالس أعلى فأعلى حتى المجلس الحَلْقَدِي الاتحادي (البرلمان).
ويختار البرلمان الاتحادي عدداً إضافياً من المختصين لعضويته يرشحهم رؤساء البرلمانات الولائية، وذلك بسبب أن توزيع المختصين جغرافياً غير متساوٍ في العادة.
ولا تكفي قدرة عامة الناس على حسن الاختيار، فلابد من درء خطر اللوبيات السرية الداخلية والعميلة.
ولتحقيق ذلك يُضبط الترشيح بالمحاكم الدستوريّة (قضاء)، وهي تنظر في صحيفة المرشّح الجنائيّة (شرط عدالة أهل الحل والعقد) وطعونات الناس لا سيّما الاستخبارات (العسكريّة والشرطيّة والحكوميَة).
وليس هذا تحايل، لأن المجلس الحلقدي المُنتخب هو من يختار المحكمة الدستورية العُليا ورئيس البلاد الذي يختار بدوره قيادة أجهزة الاستخبارات.
ومن الطعونات؛ عمالة الأجنبي، والانتماء للوبيّات تناهض التشوقيّة، كالتي تؤمن بعصمة القادة (اللوبيّات الشيعيّة) أو تسلّط حزب واحد (اللوبيّات الشيوعيّة).
أهم فوائد الترشيح والانتخاب الهرمي؛ منع خداع الناخبين، ومنع احتكار السلطة؛ وذلك لأنَّ معرفة الناخب القريبة بالمرشح تُغني عن الحملات الانتخابية الإعلامية التي يحتكرها مالكو المال والإعلام، فالدعاية الانتخابية في الانتخاب الهرمي مباشرة مثل التسويق المباشر، وتزكية الناس أبلغ من تزكية الشخص نفسه.
ومن فوائد الانتخاب الهرمي؛ تسهيل إدارة الانتخابات، وكشف التزوير، وإمكان التقسيم لداوئر انتخابية صغيرة حقيقة وليس لمجرد التسهيل، وذلك لما فيه من فصل.
أهم فوائد منع السعي الفردي والجماعي للسلطة؛ الحد من أسباب التنازع لأن الولايات محدودة ومهمة؛ فالرئيس واحد، وكذا رئيس الوزراء ووزير الصحة وحاكم الولاية، وهكذا، وكلما قل المُتنافس عليه وزادت أهميته وطلبه زاد الصراع عليه.
والصراع على السلطة هو كالصراع على الموارد المحدودة المهمة، بل هو أشد لأنه صراع على السلطة إضافة للصراع على الثروة وأهم الموارد.
والصراع على المستوى القاعدي أخفّ لسببين؛ أنّ عضويّة المجالس القاعديّة ليست من الوظائف العليا، ولأنّ نسبة مرضى السلطة قليلة نسبياًّ في البشر ممّا يعني أنها في الدوائر الصغيرة أقلّ.
ومن فوائد منع السعي الفردي والجماعي للسلطة؛ الحد من أسباب تغليب المصالح الشخصية والحزبية لما في طلب الولاية من حرص على السلطة والثروة، وبيان الكفاءة بخدمة الناس لا بالوعود، والحد من الحسد والبغي، فما أحب أحد الزعامة إلا حسد وبغى.
والطلب الحزبي للسلطة أضر لأنّ حقيقته هي طلب أفراد يتقوون بتحزيب الناس لجماعاتهم.
أهم فوائد شكل التعدد السياسي؛ تشجيع التنافس في الخير ومصلحة البلد، وإثراء النظام من خلال تباين وجهات النظر السائغة، والجهد الجماعي المنظم أبلغ في خدمة الآراء السياسية، وأبلغ عند الحاجة في الضغط على صناع القرار لإجراء استفتاء عام أو تخصصي حول رؤى سياسية.
والقبائل ونحوها كافية في تحقيق المصالح الدينية والدنيوية للناس، وذلك لأنها تجمعات طبيعية أقوى رابطةً، ولكن مع انتشار التحزب السياسي أصبحت الأحزاب أكثر فاعلية حتى في القبائل والتجمعات الطبيعية ونحوها، فكان لابد من بديل جماعات النصح.
أهم فوائد الانتخاب الدوري المفتوح؛ تقديم أهل الخبرة والكفاءات المجربة، وضمان استمرار المشاريع.
أهم فوائد فصل السلطة السياديّة عن التنفيذيّة الخدميّة؛ حفظ هيبتها، وذلك بعدم ربطها بمعايش الناس مباشرةً لمنع تعرّضها لكثرة النقد، وضبط وتيسير إدارة الدولة.
أهم فوائد تحقيق الرؤى السياسية السائغة باستفتاءٍ عام أو تخصصي وليس بالتنافس الحزبي؛ الاختيار الحقيقي لرؤى الناس ورؤى من يثقون فيهم من المختصين، لأن الاستفتاء يُجرى على كل رأي مختلف فيه.
وأما طريقة التنافس الحزبي، فقليلٌ من يقرأ ويعرف تفاصيل برامج الأحزاب، ومن يعرفها بتفاصيلها فإنه قد يختار حزباً لموازنات شخصية ضيقة كتخفيض الضرائب، والأحزاب تدرس فئات المصوِّتين، وللفوز قد تركز على بعضهم بالطرق على أمر واحدٍ كتخفيض الضرائب.
أهم فوائد منع التحزب السياسي؛ الاستقرار السياسي، ووحدة الأمة سياسياً بلا حزبية أحادية متجبرة ولا تعددية حزبية متصارعة مؤدية إلى الفشل، ومنع التدخلات الخارجية عبر اللوبيات الحزبية.
ومنع التحزب مع السماح بجماعات النصح يعني تحويل التعدد السياسي من حزبي تنافسي على السلطة إلى جماعي تنافسي في الخير ومصلحة البلد، فهو بديل نافع لأمرٍ ضرره أكثر من نفعه، وهو يحوي ما في المُبدل منه من منافع.
أهم فوائد تحديد وظيفة رؤوس أهل الشوكة في النظام السياسي؛ حماية الأنظمة االتَّشْوَقِيَّة من الانقلابات العسكرية، وضمان اتخاذ القرارات الصحيحة المتعلقة بالأمن والحرب والسلم.
أهم فوائد تَشْوَقَة المؤسسات النظامية؛ الحد مما في بعض القادة العسكريين من تسلط وتدريبهم على التَّشْوَقَة.
من ضوابط النقد؛ ألا يُعلن إلا للاحتياج وفي حضور المُنتقد، والحضور حُكمي بالوسائط الحديثة في المسائل الظاهرة كما في وسائل التقويم الحديثة، ويُشترط في المسائل الخفية تمكن المُنتقد من الدفاع عن نفسه وقراراته في نفس الجلسة لكيلا يطير نقده كل مطير، فقد يكون له عذر شرعي.
من فوائد ضوابط النقد؛ حفظ هيبة السلطات وحقِّها في الدفاع عن قراراتها، ودرء الفتن وحفظ وحدة البلاد، وتسهيل محاكمات جرائم المعلومات.
وفائدة حَل النظام الفاسد بالمجالس الحَلْقدية لا الثورات الجماهيريّة؛ تغيير الأنظمة الفاسدة دون تعريض البلاد للفوضى والصراع وتدخل الأجنبي.
وفي التشوقة قطع الطريق على الدول المُستكبرة التي تضغط على المسلمين بدعوى الديمقراطية، فيمكن إلزامهم بأن التشوقة أفضل في تمثيل الشعوب واختيار رؤاهم ورؤى من يمثلهم من أهل التخصص، وأن فيها تعدد سياسي أفضل من التعدد الحزبي.
⏪ما هي التَّشْوَقَةُ ولِمَ؟ ⏫محتويات الكتاب النصي والاجتهادي⏪
المبحث الرابع؛ النصي والاجتهادي
الحُكم قد يكون نصياً بدخوله في النص من جهة عمومه، مثل حل الفراولة ومادة السيليكون بقول الله تعالى ذَكْرُهُ: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}، ولذا أفتى العلماء المعاصرون بتحريم السجائر لدخوله في عموم النهي عن الضرر والضرار، وقد ثبت ضرر السجائر بالعلم التجريبي.

ومن الأحكام التجريبية والعقلية المحضة ما هو قطعي، إما بداهةً كقاعدة أن الكل أكبر من الجزء، أو بالدراسة والنظر مثل نظرية فيثاغورس وصحة الخبر المتواتر والآحاد الذي احتفت به قرائن تثبت صحته يقيناً.
والأحكام التجريبية والعقلية المحضة هي التي ترك الشارع تقديرها للبشر وأجاز لهم الاجتهاد فيها ولم يرد فيها نص قطعي ولا ظني وليس فيها إجماع.
والأصل في الأحكام الشرعية الاجتهادية أنها ظنية، ولكن ما ثبت جواز الاجتهاد فيه على وجه اليقين بنص أو إجماع فقد يثبت حُكمه يقيناً بالدراسات والتجارب البشرية كحُكم السجائر.
والاجتهاد في الأحكام الشرعية متعلق بالنصوص، وذلك كأن يكون؛ من جهة ثبوت النص إذا لم يكن ثابتاً على وجه إجماع علماء الحديث.
وقد يتعلق الاجتهاد بالنص من جهة دلالته إذا لم تكن صريحة أو كان له معارض من جنسه وكان في التعارض خفاء متعلق بالجمع بين النصوص أو النسخ أو الترجيح.
وقد يتعلق الاجتهاد بالنص من جهة أنه من المسكوت عنه الذي يقاس على نص، ويكون الاجتهاد ظنياً إذا كان القياس على النص من الأقيسة الخفية، فما عُلم بقياس الأولى الجلي مثلاً يُعد نصياً عند المحققين من العلماء، واليقين والظن قد يكون نسبياً يختلف من عالم إلى آخر.
ثمانٍ من مميزات التَّشْوَقَة تتعلق بمسائل نصية أو إجماعية، وهي؛
1) النهي عن طلب الإمارة ومنع تولية الحريص عليها؛ وهذا متعلق بمنع الترشُّح بدلالة النص، ومتعلق بمنع ترشيحات ومحاصصات المنظمات المدنية بقياس الأولى الجلي الذي هو في حكم المنصوص عليه، وذلك لأنها طلب فردي للإمارة أبلغ في التنازع لتقوي طالبي الإمارة بأحزابهم.
2) تحريم كل ما يؤدي إلى النزاع والظلم؛ وهذا متعلق بمنع التحزب السياسي المتنافس على السلطة.
3) بيعة أمراء الجند واستشارتهم الناس وطاعتهم في المعروف؛ وهذا متعلق بتَشْوَقَة المؤسسات العسكرية.
4) جواز خلاف التنوع والتضاد السائغ واعتبار غير السائغ دفعاً للأضر وتخفيفاً للشر، وهذا متعلق بالتعدد السياسي.
5) استشارة الخاصة في مسائل والعامة في أُخرى؛ وهذا متعلق بالانتخابات العامة، وبتحقيق الرؤى السياسية السائغة باستفتاءٍ عام أو استفتاءِ مجلس حَلْقدي أو تخصصي وليس بالتنافس الحزبي.
6) النهي عن منازعة الأمر أهله المسلمين الحارسين لأصل الدين (الشهادتين والصلاة)؛ وهذا متعلق بحَل النظام الفاسد بالمجالس الحَلْقدية وليس بالثورات الجماهيريّة.
7) النهي عن نقد الأمراء في المنابر العامة في غيبتهم، وهذا متعلق بضوابط نصح الأُمراء وتقويمهم.
8) وأجمع أهل السنة على اعتبار أهل الشوكة في ثبوت البيعة، وهذا متعلق بتحديد وظيفة رؤوس أهل الشوكة في السياسة.
وأما المتعلق بأحكام اجتهادية من مميزات التشوقة فأربع مميزات، وهي؛
9) الانتخاب الهرمي.
10) والانتخاب الدوري المفتوح.
11) وفصل السلطة السيادية.
4) وشكل التعدد السياسي.
ومع أن هذه المميزات الأربع اجتهادية فهي مبنية على أسس يقينية بالدراسات والتجارب البشرية، ولا يوجد كمال في التطبيقات العملية، فهذه الآليات قابلة للتطوير.
ولكن هذه الآليات يقينية نسبياً بالدراسات والتجارب البشرية المشابهة والمقابلة أو المماثلة والمقابلة، ولدلالة النصوص والإجماع على جواز الاجتهاد فيها إما لأنها من المباحات أو لأنها من المصالح المرسلة.
فمثلاً؛ الانتخاب الهرمي وفصل السلطة السيادية مبنيان على كيفية التعامل مع الأنظمة المُعقدة، وهي كيفية ثابتة بالدراسات والتجارب البشرية في كل المجالات.
والانتخاب الدوري المفتوح مبني على دلالة سنة الخلفاء الراشدين على جواز العقد المفتوح ودلالة الدراسات والتجارب البشرية على فوائد الانتخاب الدوري.
وشكل التعدد السياسي مبني على الدراسات والتجارب البشرية، فجماعات النصح هي منظمات مدنية مختصة بالسياسة، ولا تختلف عن الأحزاب السياسية إلا في أنها لا تسعى لسلطة بترشيحات ولا محاصصات.
⏩مميزات التَّشْوَقَة وفوائدها محتويات الكتاب ⏫ تبسيط النظام المعقد⏪
المبحث الخامس؛ تبسيط النظام المعقد
لفك تعقيد أي نظام معقد فإنه يتعامل معه في الجملة بثلاثة أسس؛

١. تقسيمه لوحدات صغيرة بطريقة هرمية.
٢. التعامل مع كل وحدة جملة دون تفصيل في المستويات العليا.
٣. فصل الوحدات عن بعضها.
ولفك تعقيد أنظمة إدارة الدولة تُتبع سياسة اللامركزية والفصل بين السلطات والصلاحيات، والانتخاب الهرمي المقترح في التَّشْوَقَة هو لتبسيط تعقيد النظام الانتخابي .
وتبسيط النظام المعقد ليس خاصاً بالإدارة، بل يشمل كل نظام معقد، ومن ذلك الأنظمة الطبيعية كخريطة العالم، والأنظمة التقنية الآلية كمعالجات الحاسوب التي قد تحوي مليارات الترانزيسترات، والأنظمة التعليمية.
فمثلاً خريطة العالم تعد نظاماً معقداً، ولكنه يصبح بسيطاً بفك تعقيده بما سبق، فمستوى خريطة العالم العلوي يشمل عدداً قليلاً من القارات والمحيطات والبحار.
فلا يُمكن رؤية عدة شوارع في أقطار متفرقة في خريطة العالم، ولكن يمكن فيها رؤية القارات فقط، ثم تُرى الدول في كل قارة أو جزءٍ منها، ثم تُرى المدن في كل دولة أو جزءٍ منها، وهكذا إلى أن تُرى بعض الشوارع.
وهذه الكيفية في التعامل مع الأنظمة المعقدة بدهية يعرفها كل إنسان، ولكنها راسخة أكثر عند أصحاب بعض المهن كالصُنّاع، لا سيما صُنَّاع البرمجيات والصلبيات.
فالمهن تُكسب صاحبها مهارات في غيرها، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: (ما بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا رَعى الغَنَمَ، فَقالَ أصْحابُهُ: وأنْتَ؟ فَقالَ: نَعَمْ، كُنْتُ أرْعاها عَلى قَرارِيطَ لِأهْلِ مَكَّةَ)، صحيح البخاري (٢٢٦٢).
صَنَّاع الحاسوب قد يصنع لوحده حاسوباً يحوي أكثر من ١٩ ألف وحدة صغيرة بكل بساطة، بسبب التقسيم والفصل وإخفاء التفاصيل في مستويات هرمية معلومة.
وأعني بالصُنّاع المهندسون وبالصلبيات الهاردوير، فكلمة صناعة أوضح من كلمة هندسة، لأن الهندسة تختص بالأشكال والأبعاد، ومن ذلك الهندسة التحليلية التي تختص بحساب كميات أبعاد الأشكال، ومن أمثلة مسائلها نظرية فيثاغورس التي تحسب بها أضلاع المثلث.
والسابقون كابن تيمية والقرافي وابن خلدون رحمهم الله كانوا يقصدون الهندسة التحليلية بإطلاق كلمة الهندسة.
ومسألة التعامل مع النظام المعقد ذاتها بدهية يتعامل بها أقل الناس علماً، ولكن هذا لا يعني أنه لا يحدث فيها خلل، بل هذه المسألة قد تسببت في زوال إمبراطوريات عظيمة ودول قوية.
ولا شك في أنه قد وُجد في تلك الإمبراطوريات التي سقطت تبسيط للنظام المعقد، لأنه يستحيل أن يتابع الإمبراطور كل تفصيل في الإمبراطورية المترامية الأطراف.
ويستحيل أن يتابع الخليفة الراشد تفاصيل إدارية في قرية في العراق وهو في المدينة، مما يدل على أن تبسيط النظام المعقد كان موجوداً في عهد الخلافة الراشدة.
⏩النصي والاجتهادي محتويات الكتاب ⏫ شروط أهل الحل والعقد⏪
الفصل الثاني؛ الانتخابات والترشيحات
رجوع إلى المحتويات
- المبحث الأول؛ التمثيل النيابيّ
- المبحث الثاني؛ مساواة الناس في الشورى
- المبحث الثالث؛ الانتخاب الهرمي
- المبحث الرابع؛ كيفية الترشيح وضوابطه
- المبحث الخامس؛ الانتخاب الدوري المفتوح
لوند، السويد
الأحد 8 شعبان 1437هـ، 15 مايو 2016م
آخر تعديل؛ السبت 17 محرم 1442هـ، 5 سبتمبر 2020م.
رجوع إلى المحتويات
المبحث الأول؛ التمثيل النيابيّ
نوّاب الأمّة هم أهل الحل والعقد، وهم من يعقد النظام السياسيّ ويحلّه لسبب متقضٍ ليعقدوا نظاماً آخر مكانه.
فبالنظر في أقوال العلماء سلفاً وخلفاً واعتبار القواعد الشرعيّة والمصالح العامّة يُعلم أنّ مفهوم أهل الحل والعقد فيه معنى تمثيل المُسلمين مع النظر في مصالح الناس الدينيّة والدنيويّة باشتراط صفات لأهل الحل والعقد.
وتمثيل أهل الحل والعقد الناس معتبر شرعاً وعقلاً، وذلك لأن مقصود الإمامة لا يتم إلا بذلك، ويرجع ذلك إلى كونهم متبوعين يصدر الناس عن رأيهم عن قبول ورضاً.
ممّا يدلّ على أنّ أهل الحلّ والعقد يمثّلون الناس وينتخبون رأس الدولة نيابةً عنهم؛ قول ممثلي الأنصار في السقيفة: (منّا أمير، ومنكم أمير) [١] وقول أبي بكر رضي الله عنه ممثّلاً للمهاجرين: (لا، ولكنّا الأمراء، وأنتم الوزراء) [١].
ولذا عدّ الفقهاء رؤساء الناس وأعيانهم وشيوخ القبائل من أهل الحلّ والعقد.
ولم يكن هذا التمثيل حزبيّاً لأنّ من قال من الأنصار: (منّا أمير، ومنكم أمير) ظنّ استمرار الأمر على ما كان متعارفاً عليه عند العرب من اتخاذ سيّد لكل قبيلة أو شعبٍ.
والشعب نسب بعيد، والنسب من جهة الآباء فقط، والرحم من جهة الآباء والأمّهات أيضاً.
فلم تكن العرب تعرف السيادة الأمميّة القوميّة، ولم تكن تعرف السيادة المؤقّتة، وكانت لليهود في أول الأمر في المدينة استقلالية قضائية وحربية واقتصادية.
ولمّا قال أبوبكر رضي الله عنه: (منّا الأمراء، ومنكم الوزراء)، فقد كان يشير إلى ما أشار إليه عمر رضي الله عنه بقوله: (لا يصلح سيفان في غمدٍ واحدٍ)، وهو وحدة الأمّة سياسيّاً على ما ورد في السنّة من أنّ الخلافة في قريش.
والوزير لغةً هو المؤازر والمعين، وفي الاصطلاح هو من يعين رأس الدولة برأي أو باختصاصٍ بجانبٍ من إدارتها.
فما حدث في السقيفة لم يكن تنافساً جماعيّاً على السلطة (حزبيّة سياسيّة)، وإنّما كان تمثيلاً نيابيّاً.
وممّا يدل على أن أهل الحل والعقد ينوبون عن المسلمين في اختيار السلطات العليا ما رواه البخاري في صحيحه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال في حديث طويل رواه ابن عباس رضي الله عنهما: (من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه، تغرة أن يقتلا) [٢].
فقوله (فلا يبايع هو) يعني لا يبايع نائباً عن المسلمين في بيعة الإمام؛ (ولا الذي بايعه) يعني من بايعه إماماً للمسلمين من غير مشورتهم.
يؤكد ما سبق قوله في آخر الحديث: (لا يُتابَع) يعني المُبايِع من غير مشورة المُسلمين، ويؤكد ذلك أيضاً قوله في بداية الحديث عندما كان بمكة: (إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس، فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم).
ويؤكد أن المراد نيابة أهل الحل والعقد عن جميع الناس قول عمر رضي الله عنه عن مقولته هذه في المدينة: (فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي).
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد عدل عن تحذير الناس في الحج بعد أن أشار إليه بذلك عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه خشية ألا يعي الناس قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيحدثوا به على غير وجهه.
فقد قال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه لعمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما نوى تحذير الناس من يريدون غصبهم أمرهم: (يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع الناس وغوغاءهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس، وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مطير، وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة، فإنها دار الهجرة والسنة، فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكناً، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها).
وفي وصف العلماء السابقين والمُعاصرين أهل الحل والعقد معنى تمثيل المُسلمين، كقولهم وجوه الناس ورؤساؤهم وأقيادهم.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: ( المعتبر بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس الذين يتيسر حضورهم ) [٣].
أقوال السابقين تشترط في أهل الحل والعقد خمسة شروط إضافة إلى شروط التكليف والصحة العامة، والخمسة شروط هي؛ العلم بشروط الإمامة، والعدالة، والرأي، والقبول لدى العامة، وموافقة رؤوس أهل الشوكة، هذا مع اعتبارهم المقدور عليه من تلك الشروط.
وشرط العدالة يمنع اختيار الفاسق المجاهر بالكبيرة، والشوكة تعني القوة والبأس والسلاح، فأهل الشوكة هم أهل البأس وحملة السلاح، وأهل الشوكة في عصرنا هم الجيش ثم بقية المؤسسات العسكرية.
شرط موافقة رؤوس أهل الشوكة هو بسبب أن مقصود الإمارة لا يتحقق إلا بهم اعتباراً للقدرة، فالواجبات تسقط مع عدم القدرة، ورؤوس أهل الشوكة في عصرنا هم قادة الجيش بمن في ذلك قادة الاستخبارات العسكرية.
فإن كان رؤوس أهل الشوكة من أهل العدالة والعلم والرأي تحقق مقصود الولاية على وجه أكمل، وإن كان فيهم فسق أو جهل أو سفه نقص من المقصود بحسب ما فيهم من نقص، فالشروط المعتبرة أصالة هي العلم بشروط الإمامة والرأي والعدالة وقبول المسلمين ورضاهم.
وإطلاق العلماء السابقين والمُعاصرين القول بإدخال وجوه الناس ورؤسائهم وأعيانهم في أهل الحل والعقد هو من باب القدرة والإمكان أيضاً، إذ قد يغلب على وجوه الناس ورؤسائهم وأعيانهم نقص في العلم أو العدالة، فالواجب يسقط بسبب العجز سواءٌ كان عجزاً حقيقياً أو بسبب التعسر، لأن القدرة قد تكون شرط وجوب وقد تكون شرط صحة.
ولذا فرق ابن تيمية رحمه الله بين ما تنعقد به الولاية على غير استحقاق وما تنعقد به على غير أولوية وما تنعقد به على استحقاق وأولوية، فذكر أن ما تنعقد به على غير استحقاق أو على غير أولوية هو ما كان باتفاق أهل الشوكة أو رؤوسهم بحيث يكون بقية أهل الشوكة تبع لهم.
وذلك حسب توفر شروط أهل الحل والعقد في رؤوس أهل الشوكة، فإن كان فيهم نقص قليل في العلم بشروط الإمامة أو العدالة كان انعقاد الإمامة على غير أولوية غالباً، وإن كان فيهم نقص كثير كان انعقاد الولاية على غير استحقاق غالباً.
وذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن ما تنعقد به الولاية على الاستحقاق والأولوية هو ما كان باتفاق الجميع أو الجمهور.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (أما الإجماع على الإمامة، فإن أريد به الإجماع الذي ينعقد به الإمامة، فهذا يعتبر فيه موافقة أهل الشوكة بحيث يكون متمكناً بهم من تنفيذ مقاصد الإمامة حتى إذا كان رءوس الشوكة عدداً قليلاً ومن سواهم موافق لهم حصلت الإمامة بمبايعتهم له، هذا هو الصواب الذي عليه أهل السنة وهو مذهب الأئمة كأحمد وغيره، وأما أهل الكلام فقدرها كل منهم بعدد، وهي تقديرات باطلة.
وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور.
وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر) [٤].
وهذه الثلاثة حاصلة في خلافة أبي بكر) [٤].
اعتبار جميع الناس في انعقاد البيعة على الاستحقاق والأولوية في كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى هو في قوله: (وإن أريد به الإجماع على الاستحقاق والأولوية، فهذا يعتبر فيه إما الجميع وإما الجمهور).
وقد ذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى أنه قال: (الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول؛ هذا إمام) [٥].
وقد ذكر ابن تيمية عن الإمام أحمد رحمهما الله تعالى أنه قال: (الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول؛ هذا إمام) [٥].
ومن معاني تمثيل أهل الحل والعقد الناس والنيابة عنهم؛ سؤال عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بعض العامة بعد استشارة رؤوس الناس وأقيادهم، وذلك لأنَّ سؤاله بعض العامة استطلاع رأي عشوائي للتحقق من أن رؤوس الناس وأقيادهم يمثلون من ينوبون عنهم في الاختيار.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: (ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يستشير الناس فيهما ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى، ومجتمعين سراً وجهراً حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها) [٦].
المصادر
[١] صحيح البخاري (٣٦٦٧).
[٢] صحيح البخاري (٦٨٣٠)، (ج8/ص168)، المحقق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر؛ دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.
[٣] روضة الطالبين وعمدة المفتين (ج10/ص43)، تحقيق؛ زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة الثالثة.
[٤] منهاج السنة النبوية (ج8/ص356)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
[٥] منهاج السنة النبوية (ج1/ص529)، الطبعة السابقة.
[٦] البداية والنهاية (ج10/ص211)، تحقيق؛ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى.
[٢] صحيح البخاري (٦٨٣٠)، (ج8/ص168)، المحقق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، الناشر؛ دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.
[٣] روضة الطالبين وعمدة المفتين (ج10/ص43)، تحقيق؛ زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت- دمشق- عمان، الطبعة الثالثة.
[٤] منهاج السنة النبوية (ج8/ص356)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
[٥] منهاج السنة النبوية (ج1/ص529)، الطبعة السابقة.
[٦] البداية والنهاية (ج10/ص211)، تحقيق؛ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، الطبعة الأولى.
⏩النصي والاجتهادي ⏫محتويات الكتاب أهل الشورى حسب مسائلها ومساواتهم⏪
المبحث الثاني؛ أهل الشورى حسب مسائلها
كان النبي صلى الله عليه وسلم يستشير في بعض المسائل كل الصحابة رضي الله عنهم فيقول: (أشِيرُوا أيُّها النّاسُ عَلَيَّ) [1]، وكان في بعض المسائل يستشير الخاصة أو خاصة الخاصة.
فقد خص النبي صلى الله عليه وسلم بالاستشارة في بعض المسائل أبابكر وعمر رضي الله عنهما كما في مسألة أسرى بدر، وقد خص يوم الخندق بالاستشارة السعدين (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة) رضي الله عنهما.
فإن قيل كيف ينتخب كل المسلمين وفيهم الفاسق والجاهل بشروط الإمامة والسفيه، فجوابه أن هذه موانع الترشيح، وأما الناخبون فينتخبون أهل الحل والعقد من بين العدول وأهل الرأي والعلم بشروط الإمامة.
والتحقق من استيفاء المُرشحين الشروط والنظر في الطعونات هو دور المحكمة الدستورية وفروعها، لا سيما طعونات الاستخبارات العامة والعسكرية، وذلك لدرء خطر اللوبيات السرية الداخلية والعميلة.
وسبق أنه لا يوجد تحايل في ضبط الترشيح بالمحاكم الدستورية لا سيما عبر الأجهزة الاستخبارية، وذلك لأن المجلس الحلقدي المُنتخب هو من يختار المحكمة الدستورية العُليا ورئيسَ البلاد الذي يختار بدوره قيادة أجهزة الاستخبارات.
وسبق أنّ قول العلماء بإدخال كل وجوه الناس وأعيانهم كرؤوس القبائل في أهل الحل والعقد هو باعتبار المقدور عليه، فقد يكون فيهم فسق أو جهل بشروط الإمامة.
وفي الانتخاب الهرمي أيضاً اعتبار المقدور عليه، وهو أقرب إلى توافر شروط أهل الحل والعقد، وذلك لدور المحاكم الدستورية في التحقق من توافرها، وللمنظمات المدنية دورٌ في نصح المسلمين وتوعيتهم بأن الانتخاب أمانة.
وإذا غلب الهوى في مجتمع ما، فإن في الانتخاب الهرمي حفظ للخير الموجود وتنميته وتقليل للشر، وذلك لأن المُسلمين يختارون من يُقيم أصل الدين؛ الشهادتين والصلاة، وفي الحديث؛ ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)).
فأصل الدين والمصالح الدنيوية المشتركة محل رعاية الناس، وفي اشتراكهم في اختيار ولاة أمرهم إبعاد الأهواء التي قد يلتقي عليها قلة تتعارض مصالحهم مع المصالح العامة المُشتركة، وأهم المصالح هي مصلحة حفظ الدين.
وعلاقة الناس بولاتهم عقد، فإذا كان مبنياً على اختيار الناس ورضاهم فإنهم يتعاونون مع ولاة أمرهم ويصبرون على ما لا قدرة لهم عليه، وفي ذلك دفع لأسباب التمرد والصراع والحروب وتحقيق للعدل والمصالح المشتركة، فاختيار الناس ورضاهم من أهم أسباب نجاح الأنظمة الحاكمة، ولذا اشترطت الشريعة في العقود التراضي والتشاور.
والمساواة بين الناس في الأصوات لازمة حتى عند تفشي الأمية أو عدم التوزيع المتساوي لنسبة المتعلمين جغرافياً، وذلك لأنّ حق الأمي مساوٍ لحق المتعلم في كل ما يتعلق بالسياسة الشرعية من رعاية الدين وسياسة الدنيا.
واختيار أهل الحل والعقد إنما يكون حسب كفاءتهم وأمانتهم، والأمانة والكفاءة قد يستوي الأمي والمتعلم في معرفة اتصاف الرجال بهما.
والأمي قد يكون أكثر أمانةً وتديناً، والخصال الجبلية قد تكون أفضل عند الأمي، فقد يكون الأمي أكثر ذكاءً وفطنة وحكمة وقُدرةً على معرفة الرجال من المُتعلم.
وأما الكفاءة فإن الأمي قادر على معرفة الكفؤ، فالأمي يختار الأكفاء في أمور دنياه، فتجده مثلاً يختار أمهر الأطباء للعلاج، وقد يكون أفضل من المتعلم في اختيار أفقه الفقهاء في أمور دينه، لأنه قد يكون أبعد عن اتباع الهوى.
ومع أن الأمي قد يكون بحاجة إلى توجيهٍ أكثر من المتعلم في مسألة الكفاءة، إلا أن معرفة الكفؤ أمرٌ يسير الفهم ليس فيه تعقيد، والتوجيه يمكن أن يتم عبر منظمات المجتمع المدني لا سيما الدعوية والسياسية.
فتُعتبر منظمات المجتمع المدني لوبيات علنية ضامنة لتوجيه الانتخاب الهرمي بطريقة الإقناع الذي لا يتضمن غشاً ولا كتمان حقائق، لأن معرفة الناخب القريبة بالمرشح تحُد من الغش واختيار غير الأمين.
المبحث الثالث؛ الانتخاب الهرمي
كما سبق فإن الطريقة الانتخابية في أُطروحة التَّشْوَقَة تصعيدية، قوامها هرمية الترشيح والانتخاب، بحيث لا ينتخب الناس إلا مجالس قاعدية فقط، ثم تختار هذه المجالس مجالس أعلى منها، ثم تختار المجالس الأعلى مجالس أعلى منها، وهكذا إلى قمة الهرم.
فتُقسم البلاد حسب الكثافة السكانية إلى دوائر انتخابية صغيرة في الأحياء والقرى والأرياف، فتنتخب كل دائرة مجلساً قاعدياً، ثم تختار المجالس القاعدية مجالس المدن التي تختار مجالس ولائية، ثم تختار المجالس الولائية المجلس الحَلْقَدي الاتحادي (البرلمان).
إذا لم يُرشَّح أحدٌ أو عددٌ كافٍ للتصعيد بسبب تنافس خفي باعتقاد كل واحد من أعضاء بعض المجالس أنه الأصلح، يُصعد تلقائياً الأجدر باعتبارات معينة مثل؛ عدد الأصوات والخبرة السابقة والتخصص والشهادات والعُمُر.
إضافة لاختيار عامة الناس أهل الكفاءات، ولأن توزيع المختصين جغرافياً غير متساو في العادة؛ يختار المجلس الحلقدي الاتحادي عدداً إضافياً من علماء الشريعة والاقتصاد وسائر التخصصات ذات الصلة لعضويته، يرشح هؤلاء المختصين رؤساء البرلمانات الولائية.
ويُناط بالمختصين في المجلس الحلقدي مع اللجان التقنينية المتخصصة فيه وضع برنامج متكامل للبرلمان في الاقتصاد وسائر الشؤون السياسية، وتتم توعية بقية أعضاء البرلمان بالبرنامج وأسباب اختياره مع عقد دورات علمية لهم في المباديء العلمية ذات الصلة.
ولجماعات النصح الاعتراض على برنامج البرلمان السياسي الذي وضعه مختصوه والمطالبة باستفتاءات عامّة أو تخصصية حول بعض بنوده.
أهم فوائد الانتخاب الهرمي؛ منع خداع الناخبين ومنع احتكار السلطة وذلك لمعرفة الناخب القريبة بالمرشح، وتسهيل إدارة الانتخابات لأنه مبني على وحدات صغيرة منفصلة عن بعضها بطريقة هرمية تصاعدية.
لأن إدارة الانتخابات أيسر في الانتخاب الهرمي فهو أبعد عن التزوير، والفصل في الانتخاب الهرمي تترتب عليه قدرة على التقسيم لداوئر انتخابية صغيرة حقيقة، فحجمها الصغير ليس لمجرد تسهيل الإجراءات.
عدم المعرفة القريبة لا تضر في المستويات الهرمية العليا، وذلك لأن أهمية المعرفة القريبة تأتي من جهة الأمانة أكثر من الكفاءة، والمجالس القاعدية معروفة ومأمونة ومستأمنة على اختيار المجالس الأعلى منها.
فالاختيار في المجالس العُلوية يكون من بين من عُرفت أمانته بتزكية مجتمعه الخاص، فيُختار من بينهم حسب الكفاءة والخبرة والأداء السابق مع اعتبار عدد ما تحصلوا عليه من أصوات من مجتمعاتهم.
معرفة الناخب القريبة بالمرشح تعين على منع احتكار اللوبيات للسلطة، وذلك لأنها تُغني عن الحملات الانتخابية الإعلامية التي يحتكرها مالكو المال والإعلام.
ولا غنى عن القدرة المالية في الحملات الانتخابية الإعلامية حتى في وسائل التواصل الاجتماعي المجانية، وذلك لتغطية تكاليف الإنتاج والكتابة والنشر والمتابعة.
فالدعاية الانتخابية في الانتخاب الهرمي مباشرة مثل التسويق المباشر، وتزكية الناس أبلغ من تزكية الشخص نفسه.
ومصلحة الحملات الانتخابية الإعلامية مرجوحة، وذلك لأنها مغمورة في مضار الحملات والتنافس على السلطة، ولأن محتويات برامج الأحزاب السياسية تخصصية لا يفهمها العوام على وجهها.
فحقيقة الحملات الانتخابية الإعلامية أنها مجرد وعود تفيد شرائح مستهدفة لنيل أصواتها دون أخرى أو خداع أو غير ممكنة، وقل أن تكون فائدتها عامة.
ومن فوائد الانتخاب الهرمي؛ تمثيل الجهات والأفرع تمثيلاً عادلاً في المجلس الحلقدي الاتحادي حسب نسبتهم، ومن فوائده؛ تمثيل القبائل في الجهات حسب نسبتهم، وفي هذا حد من النزاعات الجهوية والقبلية.
ومن فوائد الانتخاب الهرمي؛ أنه يساعد على التخلص من اللوبيات الحزبية، وذلك لأن معرفة الناخبين بالمرشحين القريبة تُقلل من استغلال طلاب السلطة الحزبية للصعود على اكتافها إلى السلطة، وبالتالي تُزهد طلاب السلطة في عضوية اللوبيات الحزبية.
إذا قيل بأنّ الانتخاب الهرمي موجود في الديمقراطيات الحزبية، فالجواب؛ أن فيها تقسيم لدوائر انتخابية ولا يوجد فصل بين مستويات هرمية، ففي بعض البلاد ينتخب عامّة الناس عبر تلك الدوائر رئيس البلد مباشرةً، وفي بعضها ينتخب العامّة أعضاء البرلمان الاتحادي مباشرةً.
في حال الانتخاب المباشر لأعضاء البرلمان الاتحادي فإن التقسيم الحقيقي لدوائر انتخابية هو على المستوى الذي يُختار منه أعضاء البرلمان، وكل تقسيم أدنى هو لمجرد تسهيل بعض الإجراءات.
وذلك لأن عدد أعضاء البرلمان الاتحادي لابد أن يكون محدوداً لتسهيل الحوار وتقليل وقته وتخفيض المنصرفات.
فمن عيوب الانتخاب غير الهرمي كبر حجم الدوائر الانتخابية الحقيقية نسبياً، ومع ذلك فإنه قد يحتوي على عيب العدد الكبير نسبياً لأعضاء البرلمان وما يترتب عليه من زيادة صرف وإشكالات إدارة وقت الحوار.
طريقة الانتخاب الهرمي قوامها التقسيم والفصل بين الوحدات بمستوياتها الهرمية، وهذه الطريقة تُستخدم في كل الأنظمة المعقدة.
مثال التعامل مع النظام المعقد في خريطة العالم؛ أنه لا يُمكن رؤية شارع من الشوارع في خريطة العالم، والتي يمكن فيها رؤية القارات فقط، ثم تُرى الدول في كل قارة أو جزءٍ منها، ثم تُرى المدن في كل دولة أو جزءٍ منها، وهكذا إلى أن تُرى بعض الشوارع.
وطريقة التقسيم والفصل تُستخدم في كل نظام معقد، ومنها الأنظمة الإدارية المعقدة، وهو ما يُعرف باللامركزية والفصل بين السلطات والصلاحيات.
المبحث الرابع؛ كيفية الترشيح وضوابطه
الترشيح في كل وحدة من مستويات الهرم الانتخابي من داخله، ويُمكن تحديد حد أدنى من المرشِّحين (بكسر الشين) لتأهل المُرشَّح للانتخابات أو تحديد حد أعلى للمرشَّحين (بفتح الشين) ثم اختيار الأكثر ترشيحاً.
فإذا لم يرشح أهل الدائرة أحداً تختار اللجنة المكلفة من قبل مفوضية الانتخابات مرشحين باعتبار صفات محددة وبالتشاور مع وجهاء الدائرة، وذلك بنحو اعتبار إعادة ترشيح الحاصل على أصوات أكثر في دورات سابقة.
وتتحقق المحكمة الدستورية أو فروعها من توافر شروط أهل الحل والعقد في أكبر عدد ممكن من المُرشحين، وتنظر في الطعونات المقدمة ضد مرشحين، لا سيما طعونات الأجهزة الاستخبارية العسكرية والشرطية والعامة.
وليس هذا تحايل لحكم جبري، لأن المجلس الحلقدي المُنتخب هو من يختار المحكمة الدستورية العُليا ورئيسَ البلاد الذي يختار بدوره قيادة أجهزة الاستخبارات.
من أمثلة الطعونات؛ عدم استيفاء شرط خلو صحيفة المرشح الجنائية؛ {وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}، وغير ذلك من شروط أهل الحل والعقد الثابتة والتي تصدر عن المجلس الحلقدي الاتحادي المنتخب.
ومن أمثلة الطعونات؛ العمالة لجهات أجنبيّة، والانتماء للوبيّات تناهض التشوقيّة، كالتي تؤمن بعصمة القادة (كاللوبيّات الشيعيّة) أو تسلّط حزب واحد (كاللوبيّات الشيوعيّة)، انظر مبحث؛ التجربة الإيرانية.
ومن أهم الطعونات تلك المقدمة من الأجهزة الاستخبارية العسكرية والعامة في المرشح بأدلة تدل على الاشتباه في علاقته بجهات خارجية أو لوبيات حزبية داخلية.
فعامّة النّاس كثيراً ما يتعاملون بحسن النية وافتراض النزاهة في كل من أظهرها لهم، فأكثر الناس يجهل ما تعرفه الأجهزة المختصة وأهل الخبرة وأصحاب الشأن.
وثمة أمثلة عديدة لذلك، من أواخرها التجار الذين أرسلتهم الاستخبارات الأمريكية في بدايات القرن الماضي إلى جزيرة هاواي، فأوجدوا أزمة اقتصادية وأثاروا عامّة القوم إلى أن تمكنوا من سجن الملكة ثم نفيها ثم استعمار الجزيرة، لتصبح ولاية أمريكية.
وعندما دخل المستكشفون الاستخباريون الأسبان ولاية فلوريدا (المُزهرة بالأسبانية) طلبوا من السكان الأصليين ضيافتهم فضيفوهم، ولم يعلم السكان الأصليون أنها كانت الخطوة الأولى نحو استعمارهم بل وإبادتهم.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فلا يحتاج إلى المعاينة؛ بل الاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى إنَّه يستدلُّ عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم"، فهذا لدفع شرِّه، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "احترسوا من النَّاس بسوء الظن". فهذا أمر عمر، مع أنَّه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن) [1].
وفي ضبط الترشيح بالمحاكم الدستورية اعتبار دور أهل التخصص والخبرة في العلوم الشرعية والاستخباراتية وغيرها في توجيه العامة مع سد هذه الثغرة التي قد تنفذ منها لوبيات للتسلط، وذلك في دورة تبدأ من الناس وتعود إليهم وتمر بالمُختصين في المحاكم الدستورية.
ويمنع قانون الانتخابات ترشيح أحدٍ نفسه أو أحدٍ من منظمته المشكوك في سعيها للسلطة قطعاً لأسباب التنازع، لأن الوظائف العليا محدودة وبالغة الأهمية، وقطعاً لأسباب تغليب المصالح الشخصية والحزبية على العامة، وحثاً على بيان الكفاءة بالعمل وخدمة الناس لا بالوعود والكلام، وللحد من الحسد والبغي، فما أحب أحد الزعامة إلى حسد وبغى.
فطلب الإمارة يفتح مجال الخداع الكلامي لمرضى السلطة، وفيه شبهة تقديم المصالح الخاصة المُفضي إلى الفساد، لأن الحرص على الإمارة حرص على الشرف أو المال أو عليهما، ومن يحرص على السلطة والثروة يفسد حتى ولو كان مريداً الإصلاح.
طلب الإمارة يؤدي إلى التنازع وعدم الاستقرار السياسي لأن الوظائف العليا محدودة وعالية الأهمية، وكلما نقصت الموارد وزادت أهميتها وكثر طلبها كلما اشتد التنافس عليها، وشدة التنافس مع نقص حاد في الموارد تؤدي إلى النزاع والصراع.
فالوظائف السياسة العليا في كل بلد محدودة؛ رئيس واحد، ونائب أول واحد للرئيس، ورئيس وزراء واحد، ونائب أول واحد لرئيس الوزراء، ووزير صحة واحد، ووالي ولاية واحد، ورئيس بلدية واحد، وهكذا.
وأما جواز طلب الوظائف العادية فهي أكثر وأقل أهمية، خلافاً للعليا فهي محدودة وأهم فيشتد التنافس عليها، والتنافس على الزعامة يورث الحسد والبغي.
وليس في التصعيد في الانتخاب الهرمي تنافس مضر لأن الترشُّح في النظام التشوقي ممنوع في التصعيد أيضاً، وعدم الترشح فيه تأكيد احتمال زهد أهل الحل والعقد في السلطة.
وترشيح منظمات المجتمع المدني أعضاءها للوظائف السياسية العليا أو للمجالس الحَلْقدية التي تؤدي إليها هو في حقيقته طلب وتنافس أفراد، وهو أضر من طلب الإمارة الذي ورد النهي عنه في النصوص لتقوي طالبي السلطة بأحزابهم والتي تتقوى بالأجنبي، ويؤدي تنافس أفراد الحزب الواحد على تلك الوظائف إلى انشقاقات.
وقادة الأحزاب يسعون لأعلى الوظائف كرئاسة مجلس الوزراء، وبالتالي فإن تنافس قادة الأحزاب فيما بينهم هو تنافس أفراد، والطبقات التي تلي قادة الأحزاب يسعون لوظائف عُليا أدنى كالوزارات وولاية الولايات.
وعامة أعضاء الأحزاب يؤيدون أحزابهم لحظوظ عادية، ومع أن التنافس على الوظائف العادية جائز إلا أن تنافس أعضاء الأحزاب عليها يكون عبر الحزب الذي تتضارب مصالحه مع مصالح الأحزاب الأخرى ومع بقية المجتمع.
ومن كمال الشريعة أنها فرقت بين طلب الإمارة وطلب المال مع أن كليهما سبب للنزاع والركون للدنيا، والرياسة من الشرف، والحرص على الشرف والمال مفسدان للدين ومفرقان لجماعة المُسلمين.
فحرمت الشريعة طلب الإمارة وحضت على طلب المال للإنفاق والدار الآخرة وليس للتوسع في المباحات المنافي للزهد المُستحب، كما في حديث؛ لا حسد إلا في اثنتين وذكر منهما رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق.
وقد فرّقت الشريعة بين طلب المال وطلب الرياسة لحكم بالغة منها؛ أنّ الرياسة أقلّ وأهمّ من المال، لأنّ الرياسة شرف ومال، والصراع يزداد كلّما قلّ المتنافس عليه وزادت أهميّته.
ومن حكم الشريعة في التفريق بين طلب المال وطلب الرياسة؛ أنّ مصلحة طلب المال راجحة لأنّه لا قوّة للاقتصاد بدون القطاع الخاص، ولذا قدّم الله تعالى جهاد المال على جهاد النفس، وليس في طلب الرياسة مصلحة راجحة إلّا على وجه الاستثناء.
فلما كان المال ضرورياً لقوة المسلمين حضت الشريعة على طلبه، ولكنه لما كان سبباً في النزاع والركون للدنيا حضت على أن يكون القصد بطلبه الإنفاق والدار الآخرة.
وأما الوظائف السياسة العليا فقد حرمت الشريعة طلبها لأنه ليس في طلبها مصالح راجحة، ولأنها محدودة العدد وبالغة الأهمية مما يؤدي إلى شدة الصراع عليها، هذا إضافة لما فيها من ركون للدنيا.
المصادر
[1] مجموع الفتاوى (ج28/ص372)، مجمع الملك فهد، 1416هـ/1995م.
⏩الانتخاب الهرمي ⏫محتويات الكتاب الانتخاب الدوري المفتوح⏪
المبحث الخامس؛ الانتخاب الدوري المفتوح
بما أن الأصل في السياسة الشرعية الإرسال والإباحة إلا لنص؛ فلا يحرم تأقيت العقود (الانتخاب الدوري لفترة محددة) ولا إطلاق العقود (الانتخاب لفترة مفتوحة)، ولا يحرم التعيين بتفويض الناس بدليل تعيين أبي بكر الصديق عمر بن الخطاب رضي الله عنهما بتفويض من أهل الحل والعقد.
من إيجابيات الانتخاب الدوري؛ سهولة استبدال الضعيف بالأقوى ومن فيه فساد بالأصلح وفاقد الأهلية بالكفؤ، فقد يحدث خطأ في الاختيار أو يطرأ فساد كان خافياً، ومن فوائده؛ حرص السلطة المنتخبة على تحقيق مصالح الناس لكيلا يُشمت به لعدم إعادة انتخابه.
من عيوب الانتخاب الدوري المحدد بمدة قصوى (تأقيت العقد)؛ نقص المعرفة العملية بالمنتخب الجديد، وإبعاد من اكتسب خبرة إدارية، وكثرة تغيير الخطط بسبب أن لكلٍ تصوراته وطريقته، ونقص في حرص السلطة المنتهية مدتها على تحقيق المصالح العامة.
في التَّشْوَقَة جمع بين محاسن العقد المؤقت والمفتوح، وذلك بتبني الانتخاب الدوري مع عدم تحديد حد أقصى لتجديد الترشيح للانتخابات.
وعند بعض الناس قدرات قيادية جبلية (كاريزما)، وفي النظام الدوري المفتوح تُختبر الصفات الجبلية لإعادة ترشيح ثم انتخاب من فيه صفات أفضل.
وأما خوف التسلط بسبب طول المكث في القيادة، فإنه يحترز منه بمثل تقوية الرقابة والشورى في السلطة الحلقدية في كل المستويات، وعدم منح الأفراد والسلطات التنفيذية والسيادية صلاحيات مؤثرة في النظام الأساسي، ومنع كثرة مدح وإطراء القادة.
وتحديد حد أقصى لإعادة الترشيح والانتخاب فيه تعد على حق الناس في اختيار ولاتهم، فلا يجوز منعهم إذا رغبوا في دوام ولاية من يرونه الأصلح.
الفصل الثالث؛ السلطات والنظام الإداري
في الأُطروحة التَّشْوَقِيَّة أربع سلطات، وهي التالية مرتبة وفق درجة سلطتها من الأعلى للأدنى؛
١. السلطة الحَلْقَدية (كالبرلمان الاتحادي).
٢. السلطة القضائية (كالمجلس العالي للقضاء، والمحكمة الدستورية).
٣. السلطة السيادية (كالمجلس الرئاسي).
٤. السلطة التنفيذية (كمجلس الوزراء).
والمتعارف عليه في العلوم السياسية المعاصرة تقسيم السلطات إلى ثلاث؛ تشريعية، وتنفيذية، وقضائية.
والسلطة التشريعية حلقدية (حل وعقد النظام السياسي) حتى في الفكرة الديمقراطية المعاصرة نظرياً، وأما عملياً فالأنظمة التي تسمى ديمقراطية كلها جبرية، ففي بريطانيا مثلاً للملك حق حل البرلمان الذي يفترض أن يكون سلطة تشريعية حلقدية.
فإن قيل؛ السلطة السيادية تنفيذية، فيقال؛ وكذلك القضائية، وكما أن في القضاء ما يميزه، فكذلك السيادة.
ففصل السلطة السيادية عن السلطة التنفيذية الخدمية فيه حفظ هيبة السلطة السيادية، وذلك لما في ارتباط السلطة الخدمية بمعاش الناس مباشرةً من تعرضها لاستياء الناس ونقدهم، ومن فوائده؛ ضبط وتيسير إدارة الدولة، وذلك بفصل السلطات والصلاحيات وتجزئتها.
واستخدمت كلمة تقنينية بدل تشريعية لكيلا يلتبس المعنى الشرعي لكلمة التشريع على الناس، وقاعدة لا مشاحة في الاصطلاح لا تشمل ما يحدث لبساً في المعاني من الاصطلاحات الحادثة.
وذلك لأن الشريعة في اصطلاح القرآن والمسلمين هي الدين والنهج القويم، فالتشريع في استعمال القرآن والمسلمين يعني وضع حُكم أو أحكام دينية كحق لله تعالى وحده أو وضع ما يُخالف الدين أو ما لم يأذن به الله على سبيل التدين أو الفكر والنهج الصالح.
والشريعة في أصل اللغة هي منحدر الماء أو مورد الشاربين، فيعود المعنى لغةً إلى أقرب طريق مُوصل إلى المُراد وهو النهج الصالح القويم.
وأما فصل السلطة السيادية عن السلطة التنفيذية الخدمية ففيه؛ حفظ هيبة السلطة السيادية، وذلك لما في ارتباط السلطة الخدمية بمعاش الناس مباشرةً من تعرضها لاستياء الناس ونقدهم، ومن فوائده؛ ضبط وتيسير إدارة الدولة، وذلك بفصل السلطات والصلاحيات وتجزئتها.
ترتكز السلطة السيادية على أهل الشوكة ورؤوسهم؛ الجيش، والاستخبارات العسكرية والشرطية والعامة، والشرطة العامة.
المجالس السياسية الاتحادية العليا المُقترحة في التَّشْوَقَة خمسة، وهي؛ المجلس الحَلْقَدي الاتحادي كأعلى سلطة حَلْقَدية، ومجلس رئاسي كسلطة سيادية، ومجلس وزراء كأعلى سلطة تنفيذية خدمية، ومجلس القضاء العالي والمحكمة الدستورية العُليا كأعلى سلطتين قضائيتين.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)