‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سياسة. إظهار كافة الرسائل

الحريق مريب والإعلام معيب وأنت لبيب

حريق مسجد لوليو المريب يؤكّد ضرورة حسم الخطاب الإعلاميّ والسياسيّ المثير للأحقاد والضغائن ورهاب الأجانب عامّة والمسلمين خاصّة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلّا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
أثار الحريق المريب في مسجد لوليو تساؤلات حول دور الإعلام.
فقد اشتبهت الشرطة السويدية في أنه حريق متعمد.
وقد اندلع الحريق مساء الجمعة بمسجد بمنطقة هيرتسون في لوليو.
وقد تعرض قبله مسجد هولتسفريد لحريق يُشتبه في أنه متعمد أيضاً.
وهذه الأحداث تقع بالتوازي مع خطاب سياسي وإعلامي يُثير الأحقاد والضغائن ورهاب الأجانب عامة والمسلمين خاصة.
وهذا يخالف مبادئ الأمان والتعايش التي بنيت عليها مملكة السويد.
ولذا يأمل الأجانب ومسلمو السويد خاصة والسويديون عامة أن تؤدي الشرطة دورها في إنصاف وعدل يحققان الأمن لمساجدنا خاصة والأمة السويدية عامة.
ومساجدنا الآمنة تنبذ الضغائن والأحقاد الآسنة.
فالإسلام يأمر بالخير والمعروف والعدل والإحسان وينهى عن الشر والمنكر والبغي.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل - ۹۰].
وبغض الشر والأشرار لا يحمل الأطهار على الحقد والضغينة.
فالحقد هو البغض الذي يحمل على الاعتداء والظلم، ودافعه أهواء النفوس كالحسد والبغي.
ولذا نهى الإسلام عن المجاوزة في عقاب المعتدين الظالمين.
بل نهى ديننا عن الزيادة على العقوبة بالمثل حتى في الحروب والتمثيل بجثث القتلى.
فعن أُبي بن كعب رضي الله عنه قال: (لما كان يوم أحد، أصيب من الأنصار أربعة وستون رجلاً، ومن المهاجرين ستة فيهم حمزة، فمثلوا بهم فقالت الأنصار لئن أصبنا منهم يوماً مثل هذا لنربين عليهم، قال فلما كان يوم فتح مكة فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّبِرِينَ﴾، فقال رجل لا قريش بعد اليوم فقال رسول الله ﷺ كفوا عن القوم إلا أربعة)، صحّح إسناده الألباني رحمه الله [١].
فالأحقاد والضغائن أمراض نفسية تدمر العمران وتفسد البلدان.
وذلك لكونها بغض يحمل صاحبه على الظلم والعدوان، وسببها غالباً ما يكون الحسد والشر والبغي.
وأما الحب في الله والبغض في الله فإنه لا يحمل على الظلم والعدوان، لأنه خالص للملك الديان، لا لهوى النفوس ونزواتها.
وهو من أوثق عرى الإيمان، فإن من يحب الله تعالى يحب محابه وأولياءه ويبغض ما يبغضه ربه.
ولأن الدافع محبة الله لا هوى النفس، كان أكرم الخلق ﷺ رحيماً مشفقاً على الناس كافة، حتى قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة - ١۰۹].
والمسلمون في هذه البلاد لا يتجاوزون حد الدفاع عن النفس الذي يكفله النظام السويدي، كشأن كل عاقل ولبيب.
فالإسلام يأمر بالإصلاح والنظام وينهى عن الفوضى والإفساد.
وحول الدفاع عن النفس أعيد نشر مقال كتبته بعد اعتداء متطرف على مسجد في نيوزيلندا قبل سنوات.

سفاح نيوزيلندا ودفع الصائل

عندما يقترب إنسان من دجاجة معها صغارها فإنها تنتفش وتهجم عليه غير هيابة ولا وجلة، وترى الرجل القوي الشديد يرجع القهقرى خوفاً على عينيه من دجاجة.
يجب دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا بأي شيء اتفق، ولو بحصاة أو ماء على عينيه، ولا يجوز الاستسلام في حال غلبة الظن بضرر أعظم.
وليس من المروءة الهروب في مثل هذه الحالة وترك العجزة من الكبار والنساء والصبيان.
وإنما يسوغ الفرار إذا أمكن التحرز بالعجزة والنساء والصبيان إلى مكان آمن أو للكر بعد الفر.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فالعدوُّ الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم) [٢].
وهذا لا يعني أن كل جهاد دفع لا يشترط له شرط، فإن النبي ﷺ لم يخرج لقتال الأحزاب، بل حفر الخندق وتحصن حتى بعث الله الريح وجنوداً لم يروها [٣].
والشجاع هو من يغالب الخوف والوجل وهيبة الموت ويقتحم المهالك دفاعاً عن نفسه وعن المسلمين، وعندما يدافع الصائل واحد من المعتدى عليهم فإن في ذلك تشجيعاً لمن حوله.
ومثل هذا السفاح المجرم أجبن من أن يواجه الجموع، لأن الحق مرعب للظالم، أسأل الله تعالى أن يرينا فيه عجائب قدرته وأن يجعله عبرة لكل معتبر.
وأسأل الله تعالى أن يتقبل القتلى من المسلمين في الشهداء وأن يلهم ذويهم الصبر وحسن العزاء.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند السويد
الأحد ٢٧ ربيع الثاني ١٤٤٧هـ، ١٩ أكتوبر ٢٠٢٥م.

مصادر ومراجع

١. صحيح الترمذي (٣١٢٩).
٢. الفتاوى الكبرى (ج٥\ص٥٣٨).
٣. القدرة قد تكون شرط صحة أو وجوب.

السودان مظهر والمَقرِن جوهر

رجوع إلى قسم سياسة        الكوشيّة ومسائل نسَبيّة وتاريخيّة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
«السودان» وصفُ لونٍ لا جوهر، وقد ألبس على الناس فهمَ كلام المؤرخين. أمّا «المَقرِن» فيعبّر عن مشهد ووصف فريد، وعن بلدٍ يقرن أنساباً وثقافاتٍ وعاداتٍ متنوّعة، ويقرن القارة الإفريقية بمحيطها العربي والآسيوي.
«السودان» اسمٌ يصف اللّون ولا يصف المعاني والجواهر، وقد أحدث لبساً في فهم مراد السابقين من الكلمة من جهتين:
١. أنّ معنى الكلمة أوسع بكثير من حصرها في قومٍ معيّنين أو بلدٍ واحد.
٢. أنّ الكلمة في أصلها اللغوي وفي إطلاق المتقدّمين يُراد بها الناس لا الأرض.
«المَقرِن» اسم يحمل دلالات لغويّة ومعنويّة وجغرافيّة.
لغويّاً؛ «المَقرِن» اسمُ مكانٍ مشتقٍ من "الاقتران"، وهو لفظٌ أصيلٌ يعبّر عن وحدة الدولة والوطن السياسي.
فاسم المكان في العربية يُصاغ من الفعل الثلاثي على وزن مَفْعَل أو مَفْعِل، بحسب حركة عين المضارع، أو اعتلال أوله أو آخره.
وأمّا جغرافيّاً؛ ف«المَقرِن» يعبّر عن المكان الذي يقترن فيه نهران عظيمان بمشهدٍ ووصفٍ لا نظير له في العالم.
وهو مشهدٌ فريدٌ عالميّاً يمنح الدولة خصوصية مكانيّة لا تشاركها فيها غيرها.
فهو ماركة طبيعيّة مسجّلة لوطن سياسيّ له مميزاته.
وهو يعبّر أيضاً عن المكان الذي يقرن بين قارتين عظيمتين، ويربط إفريقيا (ومنها السودان) بالمحيط العربي والآسيوي.
وأمّا معنويّاً؛ ف«المَقرِن» يعبّر عن المكان الذي تقترن وتجتمع فيه شعوبٌ وقبائل بينها وشائجٌ ورحم، فيكون مَقرِناً ومَجْمَعاً للقدرات والعادات الحسنة [١].
«السودان» في اللغة كلمةٌ تعني القوم السود، كما أنّ «البيضان» تعني القوم البيض.
قال ابن منظور رحمه الله: "والبيضان من الناس: خلاف السودان" [٢].
وفي حديث الغناء يوم بُعاث، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ((وكان يوم عيد، يلعب السودان بالدُّرُق والحراب)) [٣].
ولا إشكال في إطلاق اسم المكان وإرادة أهله، أو العكس، كما في قول الله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾.
غير أنّ لفظ «السودان» في كتب المتقدّمين كان يُستعمل غالباً في معناه الحقيقي، فالعرب لا يقولون «السودان» ويريدون الأرض في غالب استعمالهم، وإنما يقولون: أرض السودان أو بلاد السودان.
وتخصيص اسم «السودان» لبلدٍ بعينه إطلاقٌ دخيلٌ؛ بدأه محمّد علي باشا الألباني، ثم عمّمه الإنجليز.
وقد تسبّب هذا الإطلاق في لبسٍ عند قراءة كلام العلماء والمؤرخّين المتقدّمين.
فأوّل من خصّص اسم «السودان» ليكون اسماً لبلدٍ معيّنة هو محمّد علي باشا الألباني سنة ١٨٢٤م، في فترة الحكم التركي (١٨٢١–١٨٨٥م) [٤].
وكان البلد قبل ذلك منقسماً إلى: مملكة سنّار العربيّة الإسلاميّة (١٥٠٤–١٨٢١م) وسلطنة دارفور الإفريقيّة الإسلاميّة (١٦٠٣–١٨٨٦م).
ويتبيّن للباحث معنى كلمة «السودان» في كتب السابقين متى استصحب معناها اللّغوي، وتأمّل كل ما يقرأه من نصوصٍ مترجمةٍ أو أصليةٍ، مثل: ممالك السودان، بلاد السودان.
فـ«ممالك السودان» مثلاً تعني: ممالك القوم السود.
ويُقال إنّ «السودان» و«إثيوبيا» ترجمتان لكوش.
و«إثيوبيا» كلمةٌ يونانيّة تعني: صاحب الوجه المحروق، أو اللّون الأسمر أو الأسود.
والأصل اليونانيّ يشير إلى أنّه وصفٌ أطلقه مؤرّخون زاروا تلك البلاد أو قرؤوا عنها.
ولا يُظنّ بقومٍ أن يختاروا لأنفسهم وصف «الوجوه المحروقة» إلّا بجهلٍ عقديٍّ.
وقد ذهب بعض شُرّاح مقدّسات اليهود والنصارى إلى القول بلعنة كوش، استناداً إلى خرافة «لعنة حام» المختلقة.
وشيوع أسماء جديدة لبلدان بعد أن ترسّخت أسماؤها القديمة ممكن، فقد تغيّرت أسماء بلدان وشاعت أسماؤها الجديدة، مثل: فارس ⟵ إيران، والقسطنطينيّة ⟵ إسطنبول، والحبشة ⟵ إثيوبيا.
ومن دلالات تغيير الاسم التحرّر من الإرث الاستعماريّ الإداريّ، فتغيير الاسم رفضٌ لقرارٍ إداريٍّ عمره قرنان فقط، فهو لا يعبّر عن هويّة الأمّة وتاريخها وأسباب اقترانها بميثاقٍ سياسيٍّ جامعٍ.
وهذا المقال امتدادٌ لمقالين منشورين على الرابطين [١] و[٥].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ٢٤ محرم ١٤٤٦هـ، ٣٠ يوليو ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.

المصادر والمراجع

١. الكوشيون أخوال عُربنا؛ رابط المدونة، رابط الواتسآب، رابط التلغرام.
٢. لسان العرب (ج٧/‏ص١٢٣).
٣.صحيح البخاري (٩٤٩).
٤. مقال لأبي كنانة على قناته في تلغرام قال فيه: "وأما تخصيصه اسماً لبلدنا: فأول من أطلقه عليه سياسياً هو محمد علي باشا التركي الألبانيّ عام ١٢٣٦هـ، ثم نشره الإنجليز من بعده وأذاعوه، كما أفاده النسابة الفحل بن طاهر النافعي الجعلي العباسي (ت ١٣٩٥هـ) والمؤرخ أ. د. يوسف بن فضل الجعلي".
٥. دعاوى حول أرض كوش؛ رابط المدونة، رابط الواتسآب، رابط التلغرام.

ترتيب المنثور في تمرد الدقلو المأزور

انتخابات الرئاسة الأمريكية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
لم يكن لفئة قليلة (الصهيونية) أن تسيطر في الغرب من غير خلل كبير في النظام الانتخابي والحزبي نفسه.
فالتنافس الرئاسي في أمريكا هو في الحقيقة تنافس بين أعضاء حزب واحد هو الصهيونية أو بين من يتسابقون إلى إرضائه.
الخلل في الانتخابات الرئاسية الأمريكية هو بسببين؛
1. نظام المجمع الانتخابي.
2. الانتخاب غير الهرمي.
المجمع الانتخابي أو الكلية الانتخابية هي مجمع مُنتخب يختار الرئيس ونائبه، ويتكون من 538 ناخباً كبيراً، ونصف هذا العدد هو 269، ولهذا يجب أن يتحصل الرئيس المنتخب على أقل تقدير على أصوات 270 ناخباً.
ونظام المجمع الانتخابي نظام عقيم جداً، لثلاثة أسباب، وهي؛ 
1. السبب الأول؛ لا يعرف الناس شيئاً عن هوية الناخبين الكبار، وعندما ينتخب الناس مرشحاً رئاسياً ونائبه، فإنهم يختارون في الواقع الناخبين الكبار الذين سينتخبوهما.
2. السبب الثاني؛ قد يفوز مرشح رئاسة ونائبه مع أن مجموع أصوات الشعب التي تحصلا عليها أقل من الخاسر، وحدث هذا خمس مرات، وذلك بسبب اعتبار ثلاثة عوامل معاً متعلقة بالناخبين الكبار.
3. السبب الثالث؛ لا يوجد في الدستور الأمريكي ما يلزم الناخبين الكبار بالتصويت لمرشح معين ونائبه، وبعض الولايات تعاقب بغرامة من لم يحترم نتائج التصويت الشعبي.
لم يحدث تاريخياً اختيار الناخبين الكبار غير إرادة الناس، لأن عدم نص الدستور على إلزام الناخبين الكبار بإرادة الشعب هو إجراء احتياطي، قد يحتاجه الصهاينة في ظروف نادرة الحدوث، وذلك لأن الانتخاب غير الهرمي يضمن فوز اللوبيات.
وأما الغرامة المالية فيمكن للوبي الصهيوني دفعها عن الناخب الكبير إذا اضطر لتغيير نتيجة الانتخابات.
وحدث من بعض الناخبين انتخاب مرشح غير الذي انتخبوا لأجله، ولكن لم يؤثر ذلك على النتيجة العامة.
العوامل الثلاثة المذكورة في السبب الثاني هي؛
1. حصص الولايات من جملة عدد الناخبين الكبار تتفاوت تفاوتاً كبيراً من ولاية لأخرى (ما بين 55 إلى 3)، وذلك حسب الكثافة السكانية للولاية.
2. يمنح الدستور الولايات حرية في تقرير آلية اختيار كبار الناخبين، وفي كافة الولايات باستثناء نبراسكا وماين؛ إذا حقق مرشح رئاسة ونائبه أغلبية الأصوات الشعبية، فإنهما يحصلان على أصوات جميع الناخبين الكبار في تلك الولاية، سواء كانت الأغلبية ساحقة أو بفارق صوت واحد.
3. فوز مرشح الرئاسة ونائبه متعلق فقط بعدد أصوات الناخبين الكبار لصالحهما (270 فأكثر)، ولا علاقة لفوزهما بعدد الأصوات الشعبية التي تحصلا عليها، لعدم وجود نص على ذلك في الدستور.
فيحدث الخلل بسبب أن فوز مرشح ونائبه في ولاية كبيرة قد يكون بفارق صوت واحد مع أن حصة الولاية من الناخبين الكبار قد تكون كبيرة جداً مقارنة بالولايات قليلة الكثافة السكانية، وقد يحدث عكس ذلك.
ويعود هذا النظام إلى دستور 1787م، وقيل إن هدف واضعي نظام المجمع الانتخابي هو تصفية الرأي العام عبر هيئة مؤلفة من أشخاص أكثر حكمة وخبرة من عامة الشعب.
بعض الأمريكان الذين يؤيدون نظام المجمع الانتخابي العقيم يحتجون بأن الفوز بناءاً على الأصوات الشعبية الاتحادية يؤدي إلى ظلم الولايات الصغيرة من ناحية الكثافة السكانية، معللين ذلك بأن المرشح المقتدر مالياً يستطيع أن يركز على عشرة ولايات فقط ويهمل بقية الولايات تماماً، وعدد بقية الولايات أربعون ولاية من مجمل الولايات الخمسين.
وهذه مخاوف حقيقية، ولكن السبب الرئيسي في هذه المخاوف هو الانتخاب غير الهرمي، فعامل القدرة المالية للمرشح راجع للانتخاب غير الهرمي، فالخطأ هو انتخاب الرئيس مباشرةً أو انتخاب هيئة ولائية أو اتحادية مباشرة، ولذا فإن من أهم مميزات التشوقة؛ الانتخاب الهرمي.
والسبب الأساسي لمشكلة خسارة من حصل على أصوات شعبية أكثر أحياناً هو؛ أن المرشح ونائبه يحصلان على أصوات جميع الناخبين الكبار في الولاية إذا تحصلا على أغلبية الأصوات الشعبية بغض النظر عما إذا كانت الأغلبية ساحقة أو بفارق صوت واحد.
وإذا تم الانتخاب بالتصويت لكل واحد من الناخبين الكبار، فكل مرشح قد يحتاج ولو صوتاً واحداً للفوز على منافسيه، وبالتالي يحرص المرشح على كل صوت في كل ولاية، ولكن المخاوف موجودة فعلاً على كل حال، وذلك لأن السبب الرئيسي لهذه المخاوف هو الانتخاب غير الهرمي.
والتوازن في مطلوبات الولايات يكون بالتمثيل حسب عدد السكان، ففي ذلك عدالة من ناحية مطالب الولايات، لأن عدد السكان يتناسب مع الصرف على الخدمات ومطالب كل ولاية.
السبب الثاني في خلل الانتخابات الأمريكية هو؛ الانتخاب غير الهرمي، فالانتخاب غير الهرمي مع السيطرة على الشوكة والمال هو السبب الرئيسي في سيطرة الصهاينة.
فمن أسباب سيطرة الصهيونية؛ اختيار رؤوس أهل الشوكة بتعيين ممن يفوز في الانتخابات التي يحتكرون الفوز فيها، وضمان فرص فوزهم في الانتخابات وحرمان الآخرين، لأن نقص هرمية الانتخابات يجعلها تعتمد على الحملات الانتخابية، والحملات تتطلب صرفاً مالياً كبيراً.
فهيمنة الصهاينة على رؤوس الأموال تمكنهم من السيطرة على السلطة التنفيذية، والسلطة التنفيذية تمكنهم من رؤوس الأموال، في دورة مستمرة، إضافةً إلى إعادة السيطرة على رؤوس أهل الشوكة؛ قيادات الجيش والشرطة والاستخبارات العسكرية والأمنية.
يُمكن إجمال عيوب الأنظمة الديمقراطية الغربية من ناحية الاختيار في؛ الخداع والاحتكار في انتخاب ممثلي الشعب والسلطات، وعدم الاختيار الحقيقي لرؤى الشعب ورؤى من يثق فيه الشعب من أهل التخصص، وهيمنة لوبٍ سري واحد على السلطات، ويتبع ما سبق ظلم في توزيع الثروة والسلطة.

الفرح بانتصار مرشح أمريكي على آخر

مع أن الصهيونية هي المسيطر الحقيقي على أمريكا، إلا أن الصهاينة أنفسهم مختلفون وقلوبهم شتى.
وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن اليهود أن فيهم من يؤدي أمانة قنطار وفيهم من لا يؤدي أمانة دينار.
فكذلك الصهاينة مختلفون في شخصياتهم وتربيتهم وتعليمهم وثقافتهم واعتقاداتهم، ومتفاوتون في عداوتهم وخيانتهم واتباع نزواتهم.
ولا توجد شائعة من غير حقيقة، ولا دخان من غير نار، ولا باطل من غير شبهة حق.
فمع أن الديمقراطية لعبة، إلا أن تنافس الأفراد الصهاينة فيما بينهم فيه كثير من الجد فضلاً عن تنافسهم مع غيرهم، فبينهم ما الله به عليم من النزاع والحسد والبغضاء والأنانية وتقديم المصالح الشخصية على العامة.
ولولا قوتهم الاقتصادية والعسكرية، لتمكن أعداؤهم من اختراقهم كما يخترقون هم الدول والأحزاب العربية والعجمية.
بل تمكن مع ما سبق بعض حكام العرب والعجم من اختراق بعض لوبياتهم وجماعاتهم الضاغطة وأحزابهم وأفرادهم، وذلك لفرط أنانية كثير منهم وحبهم للحياة وحرصهم على المال.
ومع أن الحزبين الكبيرين لعبة، إلا أنها مبنية على اختلاف حقيقي في وجهات النظر عند عامة الشعب وكثير من أعضاء الحزبين.
فلا بأس بالفرح بهزيمة عدو متغطرس، ولكن العاقل لا يعول على انتصار عدو له أخف على عدو أشد، وإنما يجتهد في إصلاح نفسه ومجتمعه.
وهذا هو مراد إمامنا العلامة الألباني رحمه الله تعالى عندما قال بأن الفرح بانتصار مرشح أمريكي على الآخر ضعف توكل وخفة عقل.
فلا شك أن شيخنا رحمه الله تعالى كان يقصد ما كان يشاهده ولا زلنا نراه من اهتمام البعض بالانتخابات الأمريكية أكثر من اهتمامهم بتصفية الدين مما علق به وتربية أنفسهم ومجتمعاتهم.
وأما الفرح بهزيمة عدو لدود بانتصار عدو أخف، فهو أمر طبيعي.
ولما حزن الصحابة رضي الله عنهم عندما انتصر الفرس على الروم، بشرهم الله تعالى بانتصار الروم على الفرس بعد بضع سنين، وأخبرهم أنهم سيفرحون حينئذ بنصر الله الذي يهبه من يشاء لحكم عظيمة.
قال الله تعالى ذكره: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)} [الروم : 1-5].
بل أفتى شيخنا العلامة العثيمين رحمه الله تعالى بوجوب التصويت لمن هو أخف ضرر على الإسلام والمسلمين في أمريكا.
وقال بنحو ذلك العلامة السعدي رحمه الله تعالى في قول الله تعالى: {قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا ۖ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ} [هود : 91].
قال السعدي رحمه الله تعالى في بيان بعض فوائد قصة شعيب عليه السلام مع قومه: (ومنها أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة، قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئاً منها.
وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه.
وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها، بل ربما تعين ذلك، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان.
فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية، يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عملة وخدماً لهم)، المصدر؛ تفسير السعدي (ص388).
وكل ما سبق من باب أخف الضررين، وتبقى أضرار سيطرة الصهاينة في السياسة الداخلية والخارجية ماثلة للعيان، ومن ذلك استئثار اللوبيات وشركاتهم وبنوكهم بالثروة.
وأما المواطن الأمريكي العادي فهو يتعب ويكدح ليدفع الضرائب لتستمتع بها تلك الفئة المفسدة في الأرض.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الاثنين 23 ربيع الأول 1442هـ، 9 نوفمبر 2020م

التطبيع مع العدو الإسرائيلي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
يُفهم من كلمة التطبيع أن العلاقة المطلقة مع المحتل طبيعية مثل العلاقة المطلقة مع غيره، وهذا لا يصح.
فالعلاقات الدولية المعاصرة مثل القديمة؛ لازمة في الأصل، فلا يجوز إلغاؤها إلا إذا خيفت الخيانة بظهور أماراتها لاحقاً أو بسبب سابق، ولا تكون العلاقات جائزة إلا بالنص على ذلك.
والسبب السابق هو المُحاربة بتكرار الغدر قبل قوة المُسلمين أو القتال في الدين أو الإخراج من الديار واحتلالها أو المُظاهرة على ذلك، وقد دل العرف على أن المحارب المحتل يجوز إلغاء عهده عند قوة المظلوم، وذلك لدلالة العقل على أن المظلوم كان مضطراً للعهد المطلق.
ولكن يُشترط عند خوف الخيانة بظهور أماراتها لاحقاً أو بسبب سابق إعلام الطرف الآخر بإلغاء العهد قبل محاربته ما لم يغدر، فإذا غدر جازت مباغتته، وذلك لأن العهد انتقض بالغدر، والإعلام بإلغاء العهد هو ما يعرف اليوم بقطع العلاقات الدبلوماسية.
ولذا فلا يصح أن يقال تطبيع مع المحتل ولا أن ينص معه على اتفاق دائم أو لازم.
الصلح يقابل الحرب والمُقاطعة، وليس الحرب فقط.
فرفض اتفاقات صُلحٍ لا يعني دعوة إلى حرب.
وما لم تتوفر شروطه فهو خيانة أمانة، سواءٌ كان صلحاً مؤتقاً أو مفتوحاً أو حرباً.
وقد كانت الحروب العربية خيانة للأمانة، بما فيها أسوء حربين؛ النكبة ثم النكسة، للمزيد؛ القدس والاحتلال الإسرائيلي.
وقضية فلسطين إسلامية، وأي دعوة لحرب جديدة باسم العروبة تعتبر خيانة للأمانة، لأن الأمة العربية أكثر ضعفاً وتفرقاً والعدو أكثر قوة، فحذارِ من مكر الروافض.
والعدو لا يجرؤ على إعلان حرب، وذلك لأنهم أحرص الناس على حياة، ولأن قلوبهم شتى أحزاباً وأفراداً وطوائف.
وأما المُقاطعة فهي تحقق مصالح ضرورية إذا كثرت الدول المُقاطعة، لا سيما القريبة، إذ لابد أن تتضرر دولة معزولة عن محيطها.
وقد صرح العدو بإضرار المقاطعة برحلاته الجوية، وما يخفيه أعظم.
والأصل مع المُحارب ومن يُظاهره (يعاونه) عدم جواز صلته، وإنما جاز الصلح لدفع أضر أو تحقيق أصلح.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
والتولي في هذه الآية ليس هو مطلق التولي، لأن تحريم مطلق التولي لا يختص بالمحارب، فالتولي هنا هو الصلة الدنيوية، لأن القصر في الآية قصر قلب إضافي، فهو مقابل الصلة المباحة مع غير المحارب، وهي البر في سابقته؛ {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
وقد ذكر المُفسرون في معنى البر في هذه الآية أنه الصلة، وللمزيد؛ الولاء الشرعي والعرفي.
والمصلحة الضرورية هي ما يترتب على فواتها ضرر، وأما المصلحة الحاجية فهي ما يترتب على فواتها مشقة.
فبما أن في مقاطعة العدو الجماعية مصالح ضرورية، فلا يجوز السعي في هدمها إلا لدفع ما هو أضر من الضرر المترتب على فوات تلك المصالح الضرورية.
فلا يجوز الصلح مع المحارب في هذه الحال لمجرد تحقيق مصالح حاجية.
وتجوز الصلة مطلقةً أو مؤقتة لدفع ضرر أعظم من مصالح المُقاطعة الضرورية، وإلا كانت العلاقة المفتوحة مع أمريكا مُحرمة، وذلك لأنها تُظاهر (تُعاون) المحتل المُباشر بأنواع المُعاونة كالفيتو والضغط على مقاطعيه، وقد نصت الآية السابقة على أن حُكم المُظاهِر هو حُكم المُباشر للحرب والإخراج من الديار.
والعلاقات بين الدول لا توزن بمدة العلاقة، وإنما بالمصالح لا سيما الضرورية، وقد صرح وزير خارجية سابق لبريطانيا أنه ليس لهم أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون وإنما مصالح دائمة.
وأهم مصلحة للمُسلمين هي حفظ الدين، ولكن الدنيا تخدم الدين، ولذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جواز العهد المُطلق مع الكفار: (وذلك أنَّ الأصل في العقود أن تعقد على أي صفة كانت فيها المصلحة، والمصلحة قد تكون في هذا وهذا).
وكلمة عهد دائم مضللة، لأن العهد اللازم مثل عقد النكاح - على قول بعض الفقهاء - يجوز إلغاؤه بالإجماع لسبب.
فالصحيح أن العقود إما جائزة أو لازمة، ولا يوجد عقد دائم لا يمكن إلغاؤه بحال.
والألفاظ تؤثر في الفهم، ومن ذلك قولهم دستور دائم، إذ لا يوجد دستور دائم لا يُغير أو يُعدل.
وعهود السلام لازمة في الأصل، فلا يجوز إلغاء المطلق منها (نبذها) عندما يقوى المسلمون إلا إذا خيفت الخيانة.
وخوف الخيانة يكون بظهور أماراتها لاحقاً أو بمُحاربة سابقة؛ كتكرار الغدر قبل قوة المُسلمين، والقتال في الدين، والإخراج من الديار واحتلالها، ومُظاهرة المُحاربين.
وإلغاء العهد بإعلام المُعاهد يُسمى عند الفقهاء بالنبذ، وهو الوارد في قوله تعالى: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}، وهو ما يُعرف في العلاقات الدولية المُعاصرة بقطع العلاقات الدبلوماسية.
وخوف الخيانة يختلف عن الخيانة، فإذا خيفت الخيانة وجب الإعلام بإلغاء العهد قبل إعلان الحرب، وأما إذا ظهرت الخيانة فلا يُشترط الإعلام، لانتقاض العهد بالخيانة.
ويكون العهد المُطلق جائزاً إذا نُص فيه على الجواز، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم ليهود خيبر: (نقركم ما شئنا) أو (ما أقركم اللهحُكم العهد المُطلق.
والعلاقات المفتوحة لا تعني الاعتراف بالاحتلال وإن أصر العدو على هذا المعنى أو وقع عليه بعض المسلمين، فكل صلح يحوي شروطاً باطلة فهو باطل.
بل يمكن إلغاء العهد المطلق بعد يومٍ من توقيعه كما لو ظهرت أمارات خيانة لاحقة، والعدو دائم الغدر، والاحتلال أمارة سابقة تجيز النبذ.
فليس الخوف في العهد المطلق، وإنما الخوف في استسلام المسلمين.
وأشنع استسلام هو ما تضمن إلغاء الفوارق 
بين الأديان ونسبة الأديان الباطلة إلى إبراهيم عليه السلام.
قال الله تعالى: ﴿ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفا مسلماً وما كان من المشركين﴾.

صلة المُحارب عند الضرورة والحاجة

صلة المُحارب تجوز عند الحاجة أو الضرورة حسبما يتقضي الحال، وذلك لأن الصلح والصلة مقابل المُقاطعة، فيكون سبب جواز الصلة متعلقاً بما في المُقاطعة من إضرار بالعدو أو تعسير عليه، ومتعلقاً بما يلحق المُسلمين من ضرر أو عسر من مقاطعة العدو.
قال ابن باز رحمه الله تعالى؛ (وإنما تجوز المصالحة عند الحاجة أو الضرورة)، المصدر؛ الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز » أجوبة على أسئلة بخصوص حكم الصلح مع اليهود.
وأما توجيه آية المُمتحنة؛ فصلة المُحارب محرمة لغيرها، وما حرم لغيره يُباح للحاجة.
المحرم لذاته من ولاء الكفار هو ولاؤهم في الدين، وبما فيه ضرر على المسلمين، وتقديم مصلحتهم على مصلحة المُسلمين ونحو ذلك.
وأما الولاء العرفي الدنيوي في مصالح دنيوية محضة فقد يكون محرماً لغيره وقد يكون مباحاً.
ومن الولاء العرفي الدنيوي المحرم لغيره ما هو محرم مطلقاً سواء كان لمحارب أو غير محارب؛ كالمجالسة (مثل الجليس الصالح ....)، ومنه ما هو محرم للمحارب وهو الصلة المُباحة مع غير المُحارب.
والحقوق المُغتصبة لا ترد إلا بالجهاد غالباً، وأما المقاطعة والصلة فعلاقتها بالمصالح والمفاسد المترتبة على المقاطعة والصلح.
فإذا لم يكن في المقاطعة ضرر على العدو بسبب تفرق الدول المسلمة، ففي هذه الحالة تجوز مصالحته لرفع المشقة عن دولة مسلمة.
والمُقاطعة الجماعية فيها ضرر واضح على العدو، لا سيما مقاطعة الدول القريبة، إذ لابد أن تتضرر دولة معزولة عن محيطها.
وقد اتفقت الدول العربية على المُقاطعة، وخروج بعض الدول من هذا الاتفاق دون سبب يعد غدراً ببقية الدول وخيانة للأمانة.
وعندما وقعت مصر كامب ديفيد، تم تعليق عضويتها في الجامعة العربية لعشر سنوات.
ولكن عندما تم إعلان مصالحات أخرى مع العدو الصهيوني وطالبت السلطة الفلسطينية باجتماع الدول العربية لمناقشة الأمر رُفض الطلب، والله أعلم بالسبب.
والواجب على الدول المُسلمة أن تتحد في المواقف لا سيما التي لا ينفك أثرها على بعضهم عن البعض الآخر. 
والله تعالى أعلم.

سؤال وجواب حول ما يُسمى بالتطبيع

ما رأيك شيخنا في بحث؛ الاستدلال بتعامل الرسول _صلى الله عليه وسلم_ مع اليهود على التطبيع، وهو  يعد من أشهر ما كتب في الموضوع.
الجواب
أود التأكيد أولاً على التالي
كلمة التطبيع يُفهم منها أن الصلة مع دولة اليهود مثل الصلة مع غير المحاربين بالإخراج من الديار واحتلالها ومن يظاهرهم، وهذا لا يصح.
فالعهد المُطلق لازم مع من لم يحارب المُسلمين ولم يخرجهم من ديارهم ويحتلها ويُعاون على ذلك، بمعنى أنه لا يجوز إلغاؤه مستقبلاً عند قوة المسلمين إلا بظهور أمارات الخيانة، ولكن لا تجوز مباغتته لمجرد ظهور أمارات خيانة، بل لابد من ثبوتها أو نبذ عهده إليه أولاً، والنبذ يُسمى حديثاً بقطع العلاقات الدبلوماسية.
وأما من أخرج المُسلمين من ديارهم واحتلها وظاهر على ذلك، فيجوز نبذ عهده إليه عند قوة المُسلمين لهذا السبب السابق، وذلك لأن معنى خوف الخيانة يشمل ظهور أماراتها لاحقاً وبسبب سابق، وقد دل على ذلك أيضاً العُرف والعقل، فالمظلوم بإخراجه من دياره واحتلالها مضطر للعهد المُطلق.
ويجب قبل اتخاذ أي قرار بعهد مفتوح مع دولة اليهود دراسة الأمر من جميع جوانبه، ومن ذلك قرارت مجامع الدول المعنية، وآثار المقاطعة والصلح، والنظر في مصالح العدو المرحلية والاستراتيجية، ومنها خططهم التوسعية من النيل إلى الفرات.
ولي على البحث المُلاحظات التالية
1. قوله: (فاليهود الذين تعامل معهم النبي _صلى الله عليه وسلم_ لم يكونوا محاربين ولا محتلين).
نعم لم يكونوا محتلين، ولكنهم كانوا محاربين ومظاهِرين (معاونين) للأعداء من أهل مكة وغيرهم، ومن يظاهِر المحتل حكمه حكم المتحل؛ {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
وكان اليهود يحرضون على المُسلمين ويغدرون مراراً وتكراراً، ولم يُقاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا لمُحاربتهم، وقوله: (نقركم ما أقركم الله) كان بعد حربهم وأخذ بعض أرضهم عنوة ومصالحتهم على الجزء الآخر بذلك.
وما قول الكاتب في صلح الحديبية؟ ألم يكن أهل مكة محاربين؟
2. قوله: (ومرادهم بالمطلقة : التي لا يُصرّح عند الاتفاق عليها على مدّة محدّدة بل تبقى دون مدّة ، ويكون العقد فيها جائزاً).
وقوله: (أمَّا الصلح في القانون الدولي وفي اللغة السياسية الدارجة ، فالمراد به السلام الدائم !) ... إلى قوله: (لأنَّه يؤدي إلى إبطال ما علمت شرعيته بالضرورة ، وهو جهاد العدو).
أولاً؛ لا يجوز التنصيص على أن الاتفاق دائم أو لازم مع المحتل والمُظاهر.
وأما مع غير المُحتل والمُظاهر، فالصحيح أن العهد المطلق معه لازم، فلا يَنتقِض إلا بالخيانة، ولا يُلغى إلا عند خوف الخيانة بظهور أماراتها، وذلك بدلالة النصوص والقواعد والمعاني الشرعية والعُرف.
فقد دل العرف على عدم الإلزام بالعهد مع ظهور أمارات الغدر، وذلك لدلالة العقل على أن في ذلك ضرر على من لا يغدر.
فإطلاق القول بأن العهد المطلق جائز، والظن بأن العهد المطلق إذا كان لازماً يعطل جهاد الطلب خطأ شائع.
 فالعهد المطلق لا يؤدي إلى تعطيل جهاد الطلب عند القدرة لأنَّ كثيراً من الدول الكُبرى والصغرى تخون وتغدر وتُعد لذلك فتظهر منهم أمارات الخيانة.
وكلام الكاتب يعني تحريم كل العهود الدولية المُعاصرة مع غير المُسلمين سواء عبر الأمم المتحدة أو العلاقات الإقليمية أو علاقات حسن الجوار.
وآفة الفهم السقيم هي الآفة، فأمثال هؤلاء سيظلون إما عازفين عن الإصلاح السياسي بتركه للعامة وأهل البدع ليعبثوا بالسياسة، أو مُقحمين دول المسلمين المهالك، بل لا يخلو واقع من يتبنى هذه الآراء الفقهية من أحد الأمرين.
وإذا كان الفقهاء السابقون معذورون لقوة المُسلمين في عصرهم، فما بال المُعاصرين؟ فلا نرى الكثيرين إلا موغلين في ترك النصوص وفهم السلف في هذه المسائل حتى أنكر بعضهم جهاد الطلب، أو مقلدين لبعض من زلَّ في هذه المسائل من العلماء والأئمة من السلف بعد الصحابة والسابقين (السلف هم القرون الثلاثة المُفضلة).
بينت وجه خطأ القول بأن العهد المطلق جائز مطلقاً أو أنه يعطل جهاد الطلب في ثلاثة مباحث، وهي؛ حكم العهد المطلق، سبب مشروعية الجهاد، آيات السيف والبراءة، وهي من كتاب؛ الموجز اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير.
وأرجو قراءة الروابط الثلاثة كاملة، فأظن أن فيها من الفوائد ما لا يوجد في غيرها، وحبذا قراءة كل الكتاب.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأربعاء 11 ربيع الأول 1442هـ، 28 أكتوبر 2020م

القدس والاحتلال الإسرائيلي

رجوع إلى قسم سياسة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه الطاهرين، ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

لمحة تاريخية

أثناء الحكم العثماني لفلسطين وفي أواخر القرن التاسع عشر وقبل الهجرة الاستيطانية الحديثة لليهود الصهاينة كانت نسبة اليهود في فلسطين حوالي 3%، ظهرت ملامح الهجرة المنظمة لليهود إلى فلسطين أثناء الحكم العثماني، وتُرجع دراساتٌ الهجرة الاستيطانية الحديثة إلى عام 1855م، وذلك بشراء يهودي أرضاً خارج القدس أقام عليها حياً سكنياً لليهود عام 1857م، وقد سهلت سياسة العثمانيين في تمليك الأراضي على أثرياء اليهود الهجرة الاستيطانية[1]، ولكن أغلب اليهود كانوا يفضلون وقتها الهجرة إلى أمريكا، وكان كثيرٌ من اليهود فقراء وقتها بسبب الاضطهاد الكنسي لهم في روسيا والغرب.
في الفترة ما بين 1882م إلى 1903م ظهرت ملاح الهجرة المنظمة، وذلك بعد ظهور الحركة الصهيونية في أوروبا لإقامة دولة لليهود بأي ثمن كان على حساب السكان الأصليين، ووقع الاختيار على فلسطين، وبسبب أن المهاجرين الجدد يحملون الفكر الصهيوني ازدادت المواجهات بينهم وبين السكان الأصليين على مصادر الرزق والأراضي والسكن، قدم على إثرها وجهاء القدس احتجاجاً لدى السلطة العثمانية عام 1891م.
كانت فلسطين حتى عام 1914م ضمن حدود الإمبراطورية العثمانية، وقد حكمها المسلمون لمدة تزيد عن 1100 عام، عاش فيها المسملون والنصارى واليهود في أمن وسلام، وكانت نسبة المسلمين حوالي 85%، والنصارى حوالي 10%، واليهود حوالي 5%، ثم خسر العثمانيون كافة أراضيهم في البلاد العربية لصالح بريطانيا وفرنسا، وذلك بعد أن خاضوا الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا، وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني بموجب اتفاقية سايكيسبيكو عام 1916م بين بريطانيا وفرنسا لتقاسم منطقة الهلال الخصيب بمساندة الإمبراطورية الروسية.
عام 1917م أعلنت بريطانيا التي كانت تحكم فلسطين تأييد إنشاء دولة لليهود في فلسطين فيما سمي بوعد بلفور، ازدادت بعدها حركة الاستيطان لليهود في فلسطين حتى وصلت نسبة اليهود في عام 1947م إلى 31%، ولكنهم كانوا يسيطرون على 8.8% فقط من أرض فلسطين، ومع ازدياد الاستيطان اليهودي في فلسطين ازدادت المواجهات بين الفلسطينيين والمليشيات اليهودية.
في عام 1947م وافقت الأمم المتحدة على قرار تقسيم فلسطين إلى ثلاث مناطق؛ 56% لليهود، 43% للفلسطينيين العرب، و1% منطقة دولية وهي القدس، ووضعت القدس تحت الانتداب بإدارة دولية، قبلت إسرائيل هذا القرار، ورفضته كل الدول العربية وقتها، مما أدى إلى بداية المواجهات بين الدول العربية والكيان الصهيوني.
تحت أعين سلطات الانتداب البريطاني ومع بداية عام 1948م سيطرت المليشيات الصهيونية على عشرات المدن والقرى الفلسطينية وطردوا سكانها الفلسطينيين، واستمرت علميات التهجير القسري منذ ذلك التاريخ تحت مرأى ومسمع العالم أجمع.
أنهت بريطانيا الانتداب البريطاني عام 1948م بضغط من الأمم المتحدة التي طالبتها بإنهائه، وكان ذلك في يوم 14 مايو، وفي 15 مايو 1948م أعلن المجلس اليهودي الصهيوني في تل أبيب قيام دولة إسرائيل مع الامتناع عن تحديد حدود الدولة المزعومة، بعد الإعلان ببضع دقائق أعلن الرئيس الأمريكي هاري ترومان الاعتراف بدولة إسرائيل، وأما الاتحاد السوفياتي فاعترف بالدولة المزعومة بعد ثلاثة أيام من إعلانها.
برفض الدول العربية للحدود التي أقرتها الأمم المتحدة، وبعد إعلان قيام دولة إسرائيل وحتى اليوم، خاضت الدول العربية خمس حروب كبرى مع إسرائيل؛ 1948م، 1956م، 1967م، 1973م، و1982م، إضافة إلى هذه الحروب الكبرى فقد استمرت المواجهات بين الصهاينة والعرب، منها؛ حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية (1969م – 1970م)، والانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987م، ودخول إسرائيل جنوب لبنان عام 1978م، وصراع نهر الأردن، إضافة إلى عشرات من العمليات العسكرية المحددة ذات التأثير الإستراتيجي، كقصف إسرائيل للمفاعل العراقى أوزيراك عام 1981م، ومئات العمليات التي قام بها فدائيون فلسطينيون ومنظمات مقاومة فلسطينية.

الحروب العربية الإسرائيلية

حرب 1948م؛ كان الهدف طرد المليشيات اليهودية من فلسطين، وشاركت فيها كل من المملكة المصرية، ومملكة الأردن، ومملكة العراق، وسوريا، ولبنان، والمملكة العربية السعودية.
عرفت حرب 1948م بالنكبة، وقد أدت إلى سيطرة الصهاينة على 78% بعد أن كانوا يسيطرون على 9% فقط من الأراضي العربية، فأصبح العرب يسيطرون فقط على الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية وقطاع غزة، وعرفت بقية الأراضي التي احتلتها إسرائيل بأراضي 48.
بسبب النكبة قُتل أكثر من 15 ألف عربي، وارتَكبت قوات الاحتلال أكثر من 50 مذبحة، وطُهِّرت أكثر من 531 قرية ومدينة فلسطينية، وهُجِّر أكثر من 780 ألف فلسطيني الذين كان عددهم قبل النكبة حوالي 1.4 مليون، ودخل فلسطين خلال عشر سنوات تلت أكثر من 850 ألف يهودي.
حرب 1956م أو العدوان الثلاثي الإسرائيلي-البريطاني-الفرنسي على مصر، أسبابها؛ تأميم مصر شركة قناة السويس، وتوقيع مصر اتفاقية عسكرية مع الاتحاد السوفييتي، ودعم مصر للثورة الجزائرية.
كان هدف إسرائيل إضافة إلى ضمان نفوذ حلفائها على القناة؛ إضعاف القوات المصرية، وكان هدف بريطانيا إضافة إلى دعم إسرائيل استعادة نفوذها بموجب اتفاقية الجلاء التي نصت على تقديم الحُكومة المصرية التسهيلات للحكومة البريطانية لإعادة تشغيل القناة كقاعدة عسكرية إذا تعرضت أي دولة من دول التحالف لهجوم  من خارج تلك الدول، وكان هدف فرنسا التخلص ممن ساند ثورة الجزائر ونقل ملكية شركة قناة السويس من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة المصرية.
بدأ العدوان بمهاجمة إسرائيل الحدود، وتلا ذلك قصف بريطانيا وفرنسا مدينة بورسعيد على البحر المتوسط، نتائج العدوان؛ سيطرة إسرائيل على قطاع غزة وسيناء، واستيلاء فرنسا وبريطانيا على بورسعيد، ثم اضطرت الدول الثلاث إلى وقف العداون بسبب ضغوط دولية تمثلت في؛ قيام الدول العربية بمنع وصول النفط إلى بريطانيا وفرنسا، إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قراراً بوقف إطلاق النار وافقت مصر عليه ورفضته دول العدوان، حينها تدخل الاتحاد السوفييتي ووجه إنذاراً إلى بريطانيا وفرنسا، وأعلن الزعيم الصيني ماو تسي تونغ  مساندة مصر.
بعد وقف القتال انسحبت القوات الفرنسية والبريطانية من بورسعيد، ثم انسحب جيش الاحتلال من قطاع غزة عام 1957م. تُعد هذه الحرب نصراً سياسياً لمصر رغم الهزمية العسكرية لعدم تحقيق العدوان أياً من أهدافه.
حرب 1967م بين إسرائيل من جهة ومصر وسوريا من جهة أخرى بمساندة لوجستيه من دول عربية من بينها؛ الأردن ولبنان والعراق والجزائر والسعودية والكويت، السبب المباشر للحرب؛ مطالبة مصر بسحب قوات الأمم المتحدة من سيناء وحشد جيشها في سيناء، وإغلاقها مضايق تيران بالبحر الأحمر في وجه الملاحة الإسرائيلية، وانتهت الحرب في 6 أيام بانتصار الجيش الصهيوني واستيلائه على؛ قطاع غزة وسيناء من مصر، والضفة الغربية من الأردن بما في ذلك القدس الشرقية، ومرتفعات الجولان من سوريا.
في 22 نوفمبر 1967م صدر القرار رقم 242 من الأمم المتحدة، نصت بنوده على انسحاب القوات الصهيونية من الأراضي التي احتلتها تلك السنة، وإنهاء جميع حالات الحرب، واحترام سيادة ووحدة أراضي كل دولة في المنطقة واستقلالها سياسياً، وضمان حرية الملاحة في الممرات الدولية في المنطقة، وتحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين.
حرب عام 1973م بدأت بهجوم مفاجيء سوري مصري على الجيش الصهيوني في أكتوبر بغرض استعادة الأراضي المحتلة، وشاركت دول أخرى بإرسال جنودهم للمساعدة ومنها: العراق والجزائر بشكل رئيسي وليبيا والأردن والمغرب والسعودية والسودان والكويت وتونس وباكستان وبنغلادش وكوبا.
أحرزت القوات المصرية السورية تقدماً في البداية إلا أن دخول أمريكا بجسر جوي لمساعدة الكيان الصهيوني أدى إلى تغيير موازين القوى، وبعد 10 أيام من الحرب قامت السعودية (الملك فيصل) والدول العربية بتخفيض إنتاجها من البترول للدول التى تساعد الكيان الصهيوني وعلى رأسها أمريكا.
نتائج حرب 1973م؛ إتفاقية هدنة لا تزال سارية مع سوريا، وتطورت اتفاقية الهدنة مع مصر إلى اتفاقية سلام شاملة "كامب ديفيد" عام 1979م استعادت مصر بموجبها سيناء.
اجتياح لبنان عام 1982م؛ بدأت بهجوم إسرائيلي على منظمة التحرير في جنوب لبنان إثر اغتيال سفيرها في بريطانيا، وحاصرت منظمة التحرير وبعض وحدات الجيش السوري في بيروت الغربية، نفذت مذبحة صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين على يد؛ الجيش الإسرائيلي وحزب الكتائب اللبنانية وجيش لبنان الجنوبي. نتائج حرب 82؛ إخلاء منظمة التحرير الفلسطينية والقوات السورية مواقعها، انسحب جيش الاحتلال عام 1985م جزئياً من لبنان.

تغيُّر مسار القضية

انتفاضة 1987م؛ أعادت الانتفاضة القضية الفلسطينية إلى الأجندة العالمية بعد سنوات من الإهمال السياسي، وكانت منظمة التحرير الفلسطينية من ضمن المنظمات التي أسهمت فيها.
مؤتمر مدريد عام 1991م؛ اعترفت منظمة التحرير الفسطينية بقرار 242 الصادر عن مجلس الأمن الذي تعتبره بعض المنظمات الفلسطينية مجحفاً لاعترافه بدولة إسرائيل.
إتفاقية أوسلو؛ بعد مؤتمر مدريد دخلت المنظمة في مفاوضات سرية مع إسرائيل استضافتها العاصمة النروجية أوسلو وانتهت بإعلان اتفاقية أوسلو عام 1993م.
الحكم الذاتي؛ تبعاً لاتفاقية أوسلو تم الترتيب لوجود حكم ذاتي فلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة مع تأجيل البت في القضايا المصيرية الحساسة مثل القدس واللاجئين والدولة والمياه والحدود.
 في مطلع عام 2006م فازت حماس بالانتخابات التشريعية في غزة، نشأ على إثرها صراع سياسي مع السلطة الفلسطينية، انتهى الأمر بسيطرة حماس على القطاع عام 2007م، ظلت غزة بعدها تحت حصار إسرائيلي، وقامت بعدها قوات الاحتلال بعدة اعتداءات على القطاع.
انتفاضة الأقصى؛ اندلعت انتفاضة الأقصى في سبتمبر 2000م عقب الزيارة الاستفزازية للمسجد الأقصى المبارك التي قام بها أرييل شارون المتورط في مجازر عدة بحق الشعب الفلسطيني من أشهرها مجزرة صبرا وشاتيلا.
مبادرة السلام العربية؛ في عام 2002م أصدرت جامعة الدول العربية إعلان بيروت، أكد الإعلان تبني مباردة السلام السعودية كمباردة عربية، وأكد القادة العرب في ضوء انتكاسة عملية السلام، التزامهم بالتوقف عن إقامة أية علاقات مع إسرائيل، وتفعيل نشاط مكتب المقاطعة العربية لإسرائيل.
أهم بنود المبادرة العربية للسلام هي؛ أ- الانسحاب الكامل من الأراضي العربية المحتلة بما في ذلك الجولان السوري وحتى خط الرابع من يونيو 1967م، والأراضي التي مازالت محتلة في جنوب لبنان. ب- التوصل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يُتفق عليه وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. ج- قبول قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو 1967م في الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون عاصمتها القدس الشرقية، موقع الجزيرة نت » بنود مبادرة السلام العربية.

مقاطعة الكيان الصهيوني وحماية الأقصى المبارك

يبدو أن إعلان القدس عاصمة لإسرائيل هو قرار أمريكا وليس قرار ترامب، وجاء توقيته مع كثرة الاضطرابات في الدول العربية، ومع هذا الإعلان الأمريكي تتأكد ضرورة عودة الدول التي عقدت اتفاقات أحادية مع إسرائيل إلى اتفاق الدول العربية على المقاطعة الكاملة، وذلك بقطع العلاقات الدبلوماسية وجميع أشكال العلاقات مع الكيان الصهيوني.
ومع المشروع الصهيوني التوسعي في المنطقة وإزكاء الصراعات فيها يجب على الجميع ألا ينسوا أكلت يوم أُكل الثور الأبيض، ولكن الصدق والإخلاص للقضية ليس بمجرد رفع الشعارات والاستنكار والإدانة، فلابد من الحزم والقوة من غير تهور، والحكمة والعقل من غير خور ولا ضعف، وحذار ممن يستغل القضية لمكاسب سياسية ضيقة لشخصه أو حزبه.
فمع ازدياد قوة إسرائيل والاضطرابات في ليبيا واليمن وسوريا، واحتلال الفرس الروافض للعراق وعبثهم في اليمن وسوريا ولبنان، فإن الدخول في حرب مع إسرائيل سيكون أسوأ من الحروب السابقة، وقد كانت نتائج الحروب السابقة كارثية؛ من احتلال إسرائيل ل 9% فقط إلى 78% بعد النكبة (حرب 48)، إلى احتلالها لكامل الأراضي الفلسطينية مع أراضٍ عربية أُخرى بعد النكسة (حرب 67)، وآخرها هزيمة حرب 73 قبل اجتياح لبنان وإبعاد منظمة التحرير منها.
وأما انتصار مصر في العدوان الثلاثي (حرب 56) فقد كان سياسياً بسبب تحالفات إقليمية ودولية، مما يؤكد ضرورة اعتبار موزاين القوى المحلية والإقليمية والدولية في الصراعات، فلا نصر من غير اتخاذ أسبابه وإعدادٍ وقوة، والقوة مع الضعف المادي لن تكون إلا بالإيمان، ولا إيمان من غير توحيد، والغاية يجب أن تكون حماية الدين بدءاً بالتوحيد والعقيدة.
والمسجد الأقصى أسس أربعين سنة بعد الكعبة لتوحيد الله تعالى وألا يتخذ الناس من دون الله وكيلاً يعني شريكاً، قال الله تعالى ذكرُهُ: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1) وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وَكِيلًا}، وأسس أول بيت وضع للناس لنفي الشرك {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا}، وجميع المساجد يجب أن تؤسس على أساس من التوحيد ودعاء الله عز وجل وحده، {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا}.

عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأحد  22 محرم 1439هــ، 10 ديسمبر 2017م

المصادر

[1] مصدر هذه المعلومات وما بعدها مواقع فلسطينية وعربية.
pdf
رجوع إلى قسم سياسة

العلاقات العربية والقضايا الإقليمية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن سلك سبيلهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين
رغم القطيعة التي وقعت بين قطر وبعض الدول العربية، فلا يزال ما يجمع قطر وتركيا بمجلس التعاون الخليجي والدول العربية والمسلمة السنة أكثر مما يجمعها مع إيران صاحبة المشروع التوسعي في المنطقة وأحلام إعادة الإمبراطورية الفارسية.
والعامل الاقتصادي هو أهم العوامل في النزاعات والعلاقات، وغالباً ما يترجح على العوامل الفكرية والعقدية، وذلك لأنها تتقوى وتحمى بالمال، ولأن كثيراً من الكفار كفروا استحباباً للحياة الدنيا، والتعلق بالدنيا هو سبب كثير من الفسوق والعصيان، مدونتي » سياسة » أسباب الهجمات ضد المسلمين.
أهم عامل اقتصادي مؤثر في النزاعات الحديثة في العالم عموماً ومنطقتنا خصوصاً هو مصادر الطاقة وبالأخص النفط والغاز الطبيعي.
حوالي ربع احتياجات أوروبا من الغاز الطبيعي تستورد من روسيا لأنه أرخص غاز تحصل عليه، وذلك لوصوله عبر الأنابيب خلافاً لغاز قطر الذي يصل عبر الشحن.
ثمانين بالمائة مما تنتجه أكبر شركات الغاز في روسيا يصدر إلى أوروبا [١].
روسيا تستخدم الغاز ورقةَ ضغطٍ سياسية على أوروبا، مما دفع أوروبا إلى البحث عن بدائل بمساعدة أمريكا حليف أوروبا في الناتو، الأمر الذي ظلت روسيا تسعى لمنعه ولو بخوض حروب طاحنة، ولذا خاضت روسيا حروباً في جورجيا وأوكرانيا للتحكم في مرور الغاز الطبيعي عبرهما من الشرق الأوسط.
أكبر ثلاث دول منتجة للغاز الطبيعي هي؛ روسيا ثم إيران ثم قطر.
احتياطي روسيا يقدر بحوالي ٤٨.٧ تريليون متر مكعب، تليها إيران (٣٣.٧ تريليون متر مكعب)، وتليها قطر (٢٤.٧ تريليون متر مكعب).
غاز قطر وإيران يقع تحت الخليج العربي بعمق ٣٠٠٠ متر، ويقدر بعض أن حصة قطر منه أكثر من حصة إيران.
سعت أوروبا بمساعدة أمريكا لإنشاء خط أنابيب بغرض تزويد غاز رخيص لأوروبا من قطر عبر السعودية الأردن سوريا تركيا، لفك الوصاية الروسية على أوروبا عبر الغاز.
رفض بشار بأمر روسي التصريح بمرور خط الأنابيب القطري عبر الأراضي السورية.
قررت إيران إنشاء أنبوب غاز خاص بها إلى أوروبا بتكلفة تقدر ب ١٠ مليار دولار عبر العراق سوريا البحر المتوسط.
وقع بشار بأمر روسي عام ٢٠١٢م على التصريح لخط الأنابيب الإيراني عبر سوريا، ثم قامت ثورات الربيع العربي فتعطل المشروع [١].
مشروع إيران سوريا تدعمه روسيا بسبب وجود قاعدة عسكرية جوية أمريكية في قطر، الأمر الذي يجعل تحكم روسيا في خط أنابيب قطر من المستحيلات، ويتعارض مشروع إيران مع كل من قطر وتركيا والذي يلتقي مع مصالح أوروبا وأمريكا.
خلاصة ما سبق من الناحية الاقتصادية؛ تتلاقى مصالح قطر مع تركيا وبقية دول الخليج وتتعارض مع مصالح إيران، وهذه المصالح تلتقي مع مصالح أمريكا وأوروبا وتتعارض مع مصالح روسيا.
دعمت دول عربية المعارضة السورية والتقت مصالحها مع تركيا، إلا أن دعم بعض تلك الدول الحليفة لحركات يدعي بعضها الآخر أنها تزعزع أمنها حال دون استمرار العلاقات الطبيعية بينها، فتعرضت علاقاتها لمد وجزر.
الصهاينة يخططون لتقسيم المنطقة، وواجب حُكومات الدول العربية والمسلمة التقارب وفض النزاعات، وواجب العلماء والدعاة نصح الحكام والسعي للإصلاح بينهم، وتنبيههم إلى مخططات أعداء الإسلام والصهيونية، ويجب حث الأفراد والجماعات والحكومات على التوافق على أساس من التوحيد الخالص والاتباع المجرد ونهج السلف، فدعوة التوحيد والسنة هي دعوة الله عز وجل وليست دعوة فرد من الأفراد ولا حزب ولا جماعة ولا حكومة ولا شعب من الشعوب، بل هي النهج الذي لا يسع مسلم تركه.
ويجب على المسلمين النظر بعين العدل والإنصاف مع التجرد لله عز وجل والنصح لله عز وجل ولدينه ولأئمة المسلمين وعامتهم، فلابد من السعي للإصلاح أولاً ثم بعد التبيُّن واستمرار الباغي في بغيه، يجب الوقوف مع المظلوم ضد الباغي، فإن أقلع الظالم بعد ذلك عن الظلم وجب بعد ذلك الإصلاح بينهما، مصداقاً لقول الله عز وجل: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}، هذا مع البعد عن تصديق كل ما يُقال في الإعلام الذي يهدف إلى زيادة الخلاف والشقاق.
اتفقت الدول العربية على مقاطعة إسرائيل للضغط عليها باتجاه مبادرة الدول العربية للسلام، نص بنود المبادرة العربية في؛ موقع الجزيرة نت » بنود مبادرة السلام العربية.
الموقف الرسمي الإسرائيلي رافض للمبادرة العربية للسلام، وكثيرٌ من المحللين السياسيين والصحفيين الإسرائيليين يعتبرون المبادرة وصفة لتدمير إسرائيل، ويوجد تلخيص لموقف بعض الصحف الإسرائيلية من المبادرة العربية في؛ موقع الجزيرة نت » مبادرة السلام السعودية وصفة لتدمير إسرائيل.
وما كان ينبغي لأي دولة عربية الخروج عن قرار الجامعة العربية القاضي بمقاطعة إسرائيل بعقد علاقات دبلوماسية أو تجارية معها، ومع أن المقاطعة قد تكون لازمة حسبما تقتضيه المصلحة إلا أن خيار الحرب مستبعد في الظروف الحالية، والخيانة قد تكون في إقحام الدول العربية في حرب لا قبل لهم بها كما حدث في الحروب مع إسرائيل سابقاً.
ولا شك أن إيران أخطر من إسرائيل سواءٌ في الأثر على عقائد الناس أو في استحلال دماء وأعراض وأموال المسلمين السنة وتشريدهم أو في الأحلام التوسعية في المنطقة، ولكن ومع ذلك فلا بأس أن يكون للدول العربية علاقة حذِرة مع إيران حفاظاً على أمن واستقرار المنطقة إذا اقتضت المصلحة ذلك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ومثل أئمة البدع من أهل المقالات المخالفة للكتاب والسنة أو العبادات المخالفة للكتاب والسنة [٢] ...إلى قوله: ولولا من يقيمه الله لدفع ضرر هؤلاء لفسد الدين وكان فساده أعظم من فساد استيلاء العدو من أهل الحرب، فإن هؤلاء إذا استولوا لم يفسدوا القلوب وما فيها من الدين إلا تبعاً، وأما أولئك فهم يفسدون القلوب ابتداءً) [٣].
وحول جواز العلاقات المطلقة مع أهل البدع المغلظة والكفار لمصلحة الراجحة يُمكن الرجوع إلى؛ مدونتي » إصلاح » الموجز اليسير في الجهاد والتكفير » حُكم العهد المطلق.
واجب الدول العربية تجاه القضية الفلسطينية بعد محاولة الإصلاح بين الفصائل وتوحيدها هو دعم فصيل واحد مع اختيار الأقرب إلى الفهم الصحيح للإسلام والأنفع للقضية الفلسطينية، فإن لم يتفقوا على الأقرب إلى الفهم الصحيح للإسلام، فالأنفع للقضية ولو كان يتظاهر أنه يخدم القضيّة بمعزل عن الإسلام مع استبعاد العلمانيين عقيدةً.
فالذين ينكرون الشرائع المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة في مسائل الحُكم وغيرهم من الكفار إذ لا معنى لمقاومة كافر واستبداله بمن قد يكون أكفر منه، وبعض الناس منافقون يتعللون بالظروف المعاصرة مع أن حقيقة أمرهم هو الكفر وكراهية الشريعة الإسلامية، والتعلل بالظروف المعاصرة لا يصح، فلو كان مجرد تحكيم الشريعة سبب في القضاء على الحُكومات، لتم القضاء على جزر المالديف التي تحكم الشريعة منذ السبعينات.
وهذا واجبهم في سوريا وليبيا واليمن وغيرها من مناطق النزاع والخلاف في الدول العربية؛ فمن الخطأ دعم جبهات مختلفة حتى ولو كانت كلها على منهج إسلامي صحيح لأنها وإن تفادت الصراع بينها ستتصارع عندما تصل إلى دمشق، وذلك لحديث (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر) ولقول الله عز وجل {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}، وأرجو الرجوع إلى؛ مدونتي » سياسة واقتصاد » القضية السورية في خطر!.
فإن قال قائل كيف تدعم الدول العربية فصيلاً واحداً فقط في سوريا وفي كل منطقة قائد ومقاتلون لعفوية الثورة وعدم إمكان التنسيق في بدايات الثورة، فالجواب يمكن إيصال الدعم للفصائل المعتدلة في جميع المناطق عبر فصيل واحد لتقويته وجعل يدٍ له على بقية الفصائل للضغط باتجاه الوحدة.
لا أعرف شيئاً يُذكر عن فتح غير أن بعض قياداتها متهمون بالعمالة وأن نهجها علمانيٌ عملياً ولا أعرف عن توجهاتهم العقدية، ولكن اعتراف حماس بأن كتائب الأقصى الجناح العسكري لفتح تقاتل معهم جنباً إلى جنب في كل عدوان على غزة ثم دعواهم بأن القيادة السياسية تختلف عن القيادة العسكرية أمرٌ يصعب علي أن أفهمه أو أن أصدقه، وكذلك وصفهم لفتح بالعملاء الخونة مرة ومرة برفقاء الدرب والسلاح أمرٌ لا أفهمه ولا أجد مبرراً سائغاً له، ولا أُنصِّب نفسي مدافعاً عن فتح فلستُ متفقاً معها على مبادئها.
وليس من مصلحة الدول العربية ولا القضية الفلسطينية إذا اتفقت الدول العربية على دعم فصيل واحد، وصف الفصائل الفلسطينية الأُخرى المقاومة للاحتلال والمطالبة بحقوق الفلسطينيين بالإرهاب ما لم تكن تستحق هذا الوصف، وإذا استحقت هذا الوصف يجب بيان سبب استحقاقها للوصف بالإرهاب.
ولعل الأولى عدم استخدام مصطلح الإرهاب لسببين؛ الأول؛ لأنه لا يوجد له تعريف متفق عليه، والثاني إرادة الكفار به تشويه الإسلام والمسلمين، وكأنهم يوحون للناس بأن المسلمين ليسوا كلهم إرهابيين، ولكن الإرهاب موجود عندهم أكثر بسبب تعاليم دينهم، وذلك لنهي الله عز وجل عن قول راعنا مع أنها تحمل نفس معنى كلمة أنظرنا، هذا من حيث الأصل، ولكن في ظروف الضعف الإعلامي والاقتصادي والعسكري والعلمي للمسلمين المعاصرة، فلا يُستبعد أن يكون استخدام هذه الكلمة فيما يُسمى بالتحالف الإسلامي فيه مصلحة نفي الشبهة عن الإسلام والمسلمين لما في ذلك من اقتحام وسائل إعلامهم، علماً بأن قادة الكفار وزعماءهم يصرِّحون تقيةً بأن الإرهاب لا علاقة له بالإسلام ولا بأي دين وأن المسلمين ليسوا كلهم إرهابيين، وفي قائمة الأمريكان للإرهاب منظمات نصرانية كجيش الرب، ولعل من أسباب هذه التقية من الكفار أنهم يعلمون أن كتابهم المقدس فيه دعوة لما أسموه بالإرهاب أو جرائم الحرب، وأذكر بأن أحكام التعارض والتزاحم والموازنات تدخل في أحكام الضرورات والحاجات، فلا ينبغي التوسع في استخدام مصطلح الإرهاب، وهذا حوار حول الإرهاب في؛ مدونتي » شبهات » حوار حول تعريف الإرهاب.
كنتُ أقول قبل سنوات إن حماس تسير في نفس خط فتح؛ بداية بمقاومة شرسة فيها كثير من التهور ونقص في التصور ثم تنازل، ومرت السنوات فتنازلت حماس وكونت حكومة وفاق وطني مع فتح، وانقلبت فتح ما بين عشية وضحاها من عملاء خونة إلى رفقاء النضال والسلاح، ومع أن ثمة من قد ثبتت عمالته لليهود ممن ينتسب إلى المقاومة إلا أنني كنت أسأل عن الدليل على عمالة ياسر عرفات، ثم لما سمم اليهود ياسر عرفات رحمه الله، اعترف الحمساويون وقياداتهم أن اليهود قتلوه وسمموه، ونشرت الجزيرة وثائق حول سبب موته.
لا أتهم حماس بعمالة لإيران، ولكن يجب التفريق بين علاقات الدول الطبيعية مع إيران وعلاقة حماس التي تحتاج إلى الدعم والمساندة، وكنتُ ولا زلتُ أرى أن دعم إيران لحماس ليس حباً في حماس، بل إيران تكن لها العداوة وتدعمها فقط لصالح إسرائيل ولإحراج الدول العربية وزعزعة الاستقرار فيها، وقد كتبتُ حول الحروب التي خاضتها حماس مع إسرائيل ثلاث مقالات، وهي؛ 1- مدونتي » سياسة واقتصاد » رأي في قضية غزة. 2- مدونتي » سياسة واقتصاد » عندما لا نميز بين النصر والهزيمة. 3- مدونتي » سياسة واقتصاد » العدوان على غزة، الخسائر والأرباح.
تطبيق منهج في داخل دولة مع دعم فصائل لا تنتمي إليه خارجها - إذا لم يكن لضرورة الاتفاق مع الدول العربية الأُخرى ونحو ذلك - يضرُّ ولا ينفع الدول التي تنتهج هذا النهج، إيران الرافضية لا تدعم إلا الشيعة الموالين لها، فالأولى بالحكومات العربية القائمة على الكتاب والسنة دعم من يتفق معها في المباديء فقط إلا عند الضرورة أو الحاجة، وألا تثق فيمن خالف تلك المباديء في أصل المُعتقد كالعلمانيين والخوارج والشيعة وكذا المخالفين لتلك المباديء في منهج الدعوة والإصلاح.
ولا ينبغي الانشغال بقتال الخوارج عن قتال الروافض لغير سبب شرعي أو واقعي يترجح معه إنعكاس ترتيب الأولويات، لأن الروافض شر من الخوارج في العقيدة والغلو في التكفير واستباحة الدماء والأعراض والأموال، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الشيعة الروافض: (فبهذا يتبيَن أنهم شر من عامة أهل الأهواء وأحق بالقتال من الخوارج) [٤].
كثيرٌ ممن يتحدث عن الأوضاع المعاصرة يتحدث عن عزة تاريخية وليس عن واقع، والإنسان بطبعه يعجبه هذا التباكي الذي يجيده بعض الخطباء ومنذ عقود، وهي في كثير من الأحيان عاطفة جوفاء تشبه الغناء الحزين الملهب لمشاعر الأسى والحزن الذي يسلي النفس ببراءتها وإلقاء اللوم على العلماء ومطالبة حكام المسلمين بما يضر مما كان يفعله حكام المسلمين أيام العزة والقوة.
لا بأس بعقد صفقات مع العدو أو دفع مال له لاتقاء شره عند الضرورة حال ضعف المسلمين، قال ابن قدامة رحمه الله تعالى: (وأما إن صالحهم على مال نبذله لهم، فقد أطلق أحمد القول بالمنع منه، وهو مذهب الشافعي; لأن فيه صغارا للمسلمين، وهذا محمول على غير حال الضرورة، فأما إن دعت إليه ضرورة، وهو أن يخاف على المسلمين الهلاك أو الأسر، فيجوز; لأنه يجوز للأسير فداء نفسه بالمال، فكذا ها هنا، ولأن بذل المال إن كان فيه صغار، فإنه يجوز تحمله لدفع صغار أعظم منه، وهو القتل، والأسر، وسبي الذرية الذين يفضي سبيهم إلى كفرهم) [٥].
ليس دفاعاً عن الحكومات التي لا تحكم بكتاب الله عز وجل أو الكافرة التي ثارت شعوبها عليها؛ ولكن لأن الثورات كانت عفوية غير مدروسة النتائج؛ فإن نتائج الثورات كانت في الغالب غير محمودة العواقب، ولا أدري كيف يؤيد حكيم أو عاقل أمراً عفوياً غير مدروس! ولكن هذا ما حدث خطأً أو حباً في الظهور أو الاغترار بالقيام بدور عظيم في المنطقة، واحتمال إغراء الغرب البعض بدور كبير في المنطقة وارد كما أغرى صدام حسين بالتدخل في الكويت، ويُعدُّ حاكماً بكتاب الله تعالى من أقام الشهادتين والصلاة من الحكام حتى ولو لم يُقم ما دون ذلك من واجبات.
الأجنبي إن لم يكره ديننا، فإنه يسعى لسرقة خيراتنا (ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم)، ومن وسائله الحديثة؛ الحرب بالوكالة أو مُحاربة الناس بعضهم ببعض، والثورات العربية هي ضمن مخطط الحرب بالوكالة، فبينما ساهم الفيسبوك في الثورات العربية أغلق صفحة تدعو إلى الانتفاضة أنشأها فلسطينيون، ووسائل التواصل الاجتماعي تتحكم فيها أمريكا، ومع ذلك فإن وسائل إعلام من أيد الثورات لا زالت تكرر بأن وسائل التواصل الاجتماعي هي صاحبة الفضل في الثورات.
فإن قال قائل لم الاهتمام بالحكومات ادعاءً بأن كل الحكومات كافرة بدعوى أنهم يظاهرون الكفار على المسلمين، فجواب ذلك؛ مظاهرة كفار على المسلمين ليست كفراً بيناً وإنما هي محتملة للكفر الأكبر والأصغر بإجماع العلماء؛ مدونتي » إصلاح » الموجز اليسير في الجهاد والتكفير » حكم من عاون مشركين على المسلمين.
هذا في مظاهرة كفار على مسلمين، وأما الاستعانة بالكفار في قتالٍ على مسلم أو على كافر؛ فالمسألة فيها خلاف بين العلماء، أما في غير القتال فواضح، أرأيت لو أراد مسلمٌ قتلك فرأيت كافراً فاستعنت به على المسلم هل يحرم ذلك؟ وأما في القتال؛ فمن أجازها حال السعة والاختيار اشترط شروطاً منها أن يكون الكافر مأموناً وأن تكون الراية والغلبة للمسلمين، وأما عند الاضطرار؛ فيظهر أنَّ شرط الاستعانة بكافر على مسلم ألا يكون الضرر على الإسلام والمسلمين المُحتمل بالاستعانة بالكفار مثل أو أكثر مما يراد دفعه من ضرر.
قال ابن حزم رحمه الله تعالى: (هل يُستعان على أهل البغي بأهل الحرب أو بأهل الذمة أو بأهل بغي آخرين؟ اختلف الناس في هذا، فقالت طائفة: لا يجوز أن يُستعان عليهم بحربي ولا بذمي ولا بمن يستحل قتالهم مدبرين، وهذا قول الشافعي رضي الله عنه، وقال أصحاب أبي حنيفة: لا بأس بأن يستعان عليهم بأهل الحرب وبأهل الذمة وبأمثالهم من أهل البغي.
وقد ذكرنا هذا في كتاب الجهاد من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إننا لا نستعين بمشرك)، وهذا عموم مانع من أن يستعان به في ولاية أو قتال أو شيء من الأشياء، إلا ما صح الإجماع على جواز الاستعانة به فيه؛ كخدمة الدابة أو الاستئجار أو قضاء الحاجة ونحو ذلك مما لا يخرجون فيه عن الصغار، والمشرك؛ اسم يقع على الذمي والحربي.
هذا عندنا ما دام في أهل العدل منعة، فإن أشرفوا على الهلكة واضطروا ولم تكن لهم حيلة، فلا بأس بأن يلجؤوا إلى أهل الحرب وأن يمتنعوا بأهل الذمة، ما أيقنوا أنهم في استنصارهم لا يؤذون مسلماً ولا ذمياً في دم أو مال أو حرمة مما لا يحل، برهان ذلك؛ قول الله تعالى: {وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه}، وهذا عموم لكل من اضطر إليه، إلا ما منع منه نص أو إجماع.
فإن علم المسلم - واحداً كان أو جماعة - أن من استنصر به من أهل الحرب، أو الذمة يؤذون مسلماً أو ذمياً فيما لا يحل، فحرام عليه أن يستعين بهما، وإن هلك، لكن يصبر لأمر الله تعالى -وإن تلفت نفسه وأهله وماله- أو يقاتل حتى يموت شهيداً كريماً
) [٦].
والحل هو في الوفاء بعهد الله جل ثناؤه وعهد رسوله صلى الله عليه وسلم بدءاً بأهم عهد وهو التوحيد، ومن ذلك الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم بالبيان وعدم الكتمان، ومن أسباب التنازع بين المسلمين حكوماتٍ وشعوباً؛ ترك الحُكم بما أنزل الله، ويُعد حاكماً بما أنزل الله من قام بأهم واجبات الولاية، وهي؛ الدعوة إلى الشهادتين والصلاة، وفي الحديث؛ (يا معشر المهاجرين! خصال خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها؛ إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان؛ إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم؛ إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله؛ إلا سلط الله عليهم عدوهم من غيرهم، فأخذوا بعض ما كان في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله عز و جل و يتحروا فيما أنزل الله؛ إلا جعل الله بأسهم بينهم) [٧]. صحيح الجامع (7978 - 3072).
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الإثنين ١٧ رمضان ١٤٣٨هـ، ١٢ يونيو ٢٠١٧م

المصادر

١. مصدر الأسباب الاقتصادية؛ مقال لمحلل اقتصادي استرالي باللغة الإنجليزية؟
٢. مجموع الفتاوى (ج28/ص231)، الناشر؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر؛ 1416هـ/1995م.
٣. مجموع الفتاوى (ج28/ص232)، الطبعة السابقة.
٤. مجموع الفتاوى (ج28/ص482)، الطبعة السابقة.
٥. المغني لابن قدامة (ج9/ص297-298)، الناشر؛ مكتبة القاهرة، تاريخ النشر؛ 1388هـ - 1968م.
٦. المحلى بالآثار (ج11/ص354-355)، الناشر؛ دار الفكر – بيروت.
٧. صحيح الجامع (7978 - 3072).
pdf
رجوع إلى قسم سياسة

سلفي مؤتمري!

رجوع إلى قسم سياسة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين ومن استن بسنتهم إلى يوم الدين.
استمعت إلى لقاء في قناة الجزيرة مع الدكتور حسن الترابي قبل أسابيع، قال فيه متحدثاً عن حزب المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه: "معنا في الحزب سلفيون وصوفية"، وكان مما قال في اللِّقاء ساخراً: "الجماعات الجهادية السلفية ليس لها هدف ولا غاية" وقد صدق في أنها لا هدف لها ولا غاية وأخطأ في تسميتها سلفية، وأضاف: "أنصار السنة كان لهم هدف وهو محاربة الخرافات والمحدثات خلافاً للتنظيمات السلفية الجهاديَّة"، وأنصار السنة جماعة سلفية تعنى بالدعوة إلى التوحيد والسنة.
قد يظن بعض الناس أنَّ كلام الترابي كذب محض بسبب التعارض بين السلفية والانضواء تحت حزب يتزعمه رجل يخالف السلفية، فقد صرّح في كتاب له بعنوان (المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع) بقوله؛ "النظم القرآنية السنية ليست رهينة بالمجتمع المدني" أو قال: "المجتمع الأول" يقصد بذلك مجتمع الصحابة رضي الله عنهم.
والسلفية هي فهم القرآن والسنة على فهم الصحابة رضي الله عنهم ومن سلك سبيلهم، وفي حديث افتراق الأمة؛ (من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي)، وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه الذي رواه أصحاب السنن؛ (فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة).
فهنيئاً لمن دعا إلى الأصل الأول وحارب المحدثات بدخوله في النصوص الواردة في الفرقة الناجية والطائفة المنصورة، وعجباً لمن يحتار في معرفة الطريق الصحيح بعد هذا البيان الواضح في هذه الأحاديث وغيرها، وقد تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مثل البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك.
وعوداً إلى موضوع المقال، فقد وجد في تنظيم الترابي واقعاً صوفية ومنتسبون لمنهج السلف، ومن هؤلاء من يقدم ولاءه الحزبي لأهواء ومصالح شخصية، كما وجد فيهم من فيهم صدق فيما يعتقدون بتقديم الولاء لعقيدتهم على انتمائهم الحزبي، وهؤلاء ربما تكون قد وردت عليهم شبهات لم يجدوا لها دافعاً في بعض القضايا خفية كانت أم ظاهرة فأوقعتهم في الحيرة والاضطِّراب.
فرغم التعارض بين الانتساب للسلفية وحزب الترابي إلا أن كلامه ممكن نظراً وواقع حالاً، فمن الناحية النظرية قد تتعدد الرؤى في أمور مختلفة، فيخطيء الفرد في ترجيح بعضها، وقد تتعارض الرؤى مع المصالح الشخصيَّة فيقع صاحب الهوى في التناقض.
والترابي رغم مخالفته السلفية تصريحاً وواقعاً إلا أنه ليس مثل المتصوفة في التعصب المذهبي، بل هو في المقابل، وكذلك ليست لديه خرافات المتصوفة واعتقاداتهم الباطلة بل هو ينكر السحر والتلبس، وهو لا يقر ما يقع فيه المتصوفة من شركيات، بل يُنكرها أحياناً.
ولا شك أن ترجيح الوسائل والخطط على الغايات والأهداف خطأ بين وزلل قاتل، فهدف السلفيِّين هو العودة إلى الأصل الأول ونبذ الشرك والبدع، وقد يختلفون في بعض الوسائل، ومع أن الوسائل على قدر كبير من الأهمية لأن لها أحكام المقاصد، ولكن الخلاف بين السلفيين عموماً والإخوان أعمق لأنه خلاف غايات وأهداف وليس خلاف وسائل فقط.
فالسلفيون يرون أن أهم واجبات السلطان المسلم رعاية أصل الدين الشهادتين والصلاة، بينما تخبط الإخوان بين جعل أهم واجبات السلطان المسلم تطبيق الشرائع الظاهرة المتواترة التي دون الصلاة وبين القول بأن الحرية والعدالة مقدمة على الشريعة.
وأما من ناحية الواقع، فأذكر بعض الأمثلة تنشيطاً لذاكرة المجربين، فلما كنتُ بالمرحلة الثانوية في آخر الثمانينات وقبل وصول جماعة الترابي إلى الحكم في السودان؛ كنا في جماعة أنصار السنة نحرص على الفوز بإدارة جمعية الثقافة الإسلامية عبر الاقتراع، وكان حزب الجبهة الإسلامية القومية ينافسنا في محاولة الفوز بإدارة الجمعية.
وقد كان الأستاذ المشرف على الجمعية ينتمي إلى الجبهة، وهو أستاذ التربية الإسلامية، وكان يثبت الصفات على منهج السلف في الحصص، حيث كان يثبت صفة العلو بل يثبت حتى الصفات الخبرية، وقد ساعدنا هذا الأستاذ في الفوز بإدارة جمعية الثقافة الإسلامية، بل كان يسرب إلينا خطط حزبه في محاولة الفوز بإدارة الجمعية لنتمكن من إفشالها، وكان يحرص على أن يقيم أنصار السنة المحاضرات الدينية لطلاب المدرسة.
ومن أمثلة وجود من فيهم عقيدة وسنة في جماعة الترابي أنني كنت في معسكر للدفاع الشعبي في بداية التسعينيات، وكان هذا في بدايات حكم الإنقاذ، وكان يسمى معسكر الجهاد، وكان المعسكرون ملزمين بحضور صلاة الجماعة، وكانت تُلقى نصائح عقب صلاة الفجر على الطلاب والذين كان أكثرهم من طلاب جامعة الخرطوم، وأذكر أنني طلبت من إدارة المعسكر السماح لي بإلقاء نصائح عقب الصلوات فلم يُسمح لي بذلك، وقد طلب آخرون من أنصار السنة ولم يؤذن لهم.
وكان ممن يتحدث عقب الصلوات رجلٌ يبدو من حديثه وكأنه من أنصار السنة، ونسيت اسمه ولكنه كان من إقليم دارفور، وبعد صلاة الفجر التف حوله بعض الإخوة وسألوه عن حكم الموسيقى فأفتى بحرمتها، وعرفنا منه أنه خريج الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، ولما سألت حينها عنه زميلاً له من أنصار السنة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنوَّرة وذكرت له اسمه قال لي هو من أعضاء حزب الجبهة الإسلامية القومية.
وكان معنا بالمدينة المنورة طلاب من أعضاء الجبهة الإسلامية وكانوا على فهم السلف في الجملة مع ما هم فيه من مخالفات.
فكما يوجد من يصح أن يطلق عليه سلفي إخواني حسب تعبير الشيخ الألباني رحمه الله تعالى فكذلك يوجد بالسودان سلفي مؤتمري، مع ملاحظة أن تسمية من حاله كذلك سلفياً فيها تجاوز، وذلك لما بين هاتين النسبتين من تعارض.
وبالسودان الآن مشايخ ذوو توجه سلفي مع خلل عندهم في بعض مسائل العقيدة المتعلقة بمنهج الدعوة والإصلاح، هؤلاء المشايخ كانت لهم ارتباطات سابقة بالإخوان وبعضهم كان في تنظيم الترابي يقيناً، ولعلَّ بعضهم لا يزال من الكوادر السرية في حزب المؤتمر الوطني، وأكثرهم من خريجي جامعات السعودية، يُطلق على هؤلاء المشايخ لقب "سروريون" نسبة إلى رجل إخواني ترك الإخوان حسب زعمه يُدعى محمد بن سرور.
هؤلاء المشايخ يقدَّم لهم دعم سخي من إخوانهم بالداخل والخارج من التنظيمات الإخوانية أو التي فيها قيادات من كوادر الإخوان السرية، وبعض من يدعمهم من الداخل والخارج يريد الكيد بالسلفية المتمايزة عن الإخوان المسلمين، ومن المرجَّح أن يتم تهميشهم في المستقبل من قِبل أحزاب الداخل والخارج، وذلك لأن التيار المتغلِّب في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين هو التيار الأكثر بعداً عن المنهج السلفي.
وكان أحد الشباب يجادل عن شيخ اشتهر حديثاً بالسودان بأنه ليس إخوانياً، وكنت قد قلتُ له عن ذاك الشيخ أنه كان مع الجبهة الإسلامية يقيناً ويغلب على ظني أنه مؤتمر وطني الآن، فكان هذا الشاب والذي أخبرني أنه على صلة مباشرة وقوية بالشيخ المقصود يغضب إذا سمع هذه الحقيقة عن ذاك الشيخ الذي يُحبُه.
وقال لي الشاب؛ جلست معه في أخص مجالسه وهو يسخر من الموسيقى والغناء وكثير من مواقف حزب المؤتمر الوطني، فقلتُ له؛ هو صادق في سخريته وانتقاده للحزب، ولكن يغلب على ظني أنه يخدم حزب المؤتمر الوطني بإخلاص.
وقلتُ للشاب: "اسأل الشيخ هل كان جبهوياً سابقاً، وهل هو الآن وطني؟ ولن يكذب عليك، فهو رجل فيه خير"، فاتصل بي الشاب بعدها بفترة قائلاً: "تحققت أن الشيخ كان جبهوياً، ولكن ما لا أفهمه أنه الآن عضو في المؤتمر الوطني" فقلت للشاب: "أنا لا أفهم عضويته السابقة في الجبهة ولا عضويته الحالية في الوطني ولكن هذا حال الكثيرين من أمثاله".
ومن المؤسف حقاً أن بعض من تربى على السلفية أصبح ينادي بجواز الانتساب إلى أحزاب سياسية مخالفة في منهج الدعوة والإصلاح مع الانتساب إلى ما يسمونه جماعة حسبة يعنون الجماعة السلفية! ومن شبهاتهم أن الرعيل الأول من أنصار السنة كانت انتماءاتهم السياسية متعدِّدة!
والرعيل الأول ما تركوا لأفراد الجماعة حرية الاختيار الحزبي إلا من باب التدرج في الدعوة وتقديم الدعوة إلى التوحيد على ما هو دون ذلك، يدل على ذلك أن الشيخ الهدية رحمه الله تعالى كان يفصل من ينتمي إلى الجبهة الإسلامية من الجماعة في عهد الأحزاب.
وقد نص أئمة السنة على إلحاق من يجالس أهل البدع بهم، ومن ذلك أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى سئل عن الرجل يجالس أهل البدع فقال: "ألحقه بهم"، وذلك لأن الرجل يعرف بأصدقائه، وتدل على هذا المعنى النصوص والعقل، فكيف يصح أن تكون للرجل قناعات ومبادئ ومع ذلك ينتسب إلى غير أصحابها ممن يناقضها إن كان حقاً له ولاء لما يعتقد ويدين الله عز وجل به!
فمن يُجالس الإخوان ممن لا يعرف حالهم يلحق بهم من باب الحذر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "وأما الحذر من الرجل في شهادته وأمانته ونحو ذلك، فلا يحتاج إلى المعاينة؛ بل الاستفاضة كافية في ذلك، وما هو دون الاستفاضة، حتى إنَّه يستدلُّ عليه بأقرانه، كما قال ابن مسعود: "اعتبروا الناس بأخدانهم"، فهذا لدفع شرِّه، مثل الاحتراز من العدو. وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "احترسوا من النَّاس بسوء الظن". فهذا أمر عمر، مع أنَّه لا تجوز عقوبة المسلم بسوء الظن"، مجموع الفتاوى (ج28/ص372)، وذلك لأن الصداقة والمجالسة قرينة ظنية وليست يقينية.
ولو لم يخالف الترابي تصريحاً منهج السلف لكان كافياً أنه يخالفه بكثرة فتاويه المخالفة التي تعود على بعض قواعد الشريعة بالنقض والإبطال ومنها قاعدة اتباع منهج السلف وأهمية الدعوة إلى التوحيد، والترابي صرح بعدم كفر اليهود والنصارى خلافاً لما ادعى الصحفي الشنقيطي.
وقد أورد الشنقيطي آراء الترابي وتكلف في إيجاد مخارج شرعية له مع تسليمه بكثرة زلاته وأخطائه متعلِّلاً بأنَّ له سلف في كل قول شاذ، ناسياً أو متناسياً أنَّ أولئك العلماء لم تجتمع في واحد منهم كل تلك الزلات التي اعترف بها الشنقيطي وتلك التي أوجد لها المخارج، مقال الشنقيطي موجود في؛ الجزيرة » د. محمد بن المختار الشنقيطي » آراء الترابي.. من غير تكفير ولا تشهير.
ولعل خلاف التنظيم العالمي التنظيمي السياسي مع الترابي هو الذي جعلهم ينشرون كتب من فيهم عقيدة وسنة من تنظيمهم في الرد عليه من أمثال كتاب الطحان "التجديد بين السنة النبوية وأدعياء التجديد المعاصرين".
وجماعة الإخوان منذ إنشائها تقول عن نفسها على لسان منشئها أنها جماعة سلفية وطريقة صوفية! وفيها منذ نشأتها من فيه عقيدة سلفية وسنة، ولا يزال الحال كذلك داخل السودان وخارجه، كما وجد فيها منذ نشأتها من هو أبعد حالاً عن منهج السلف ولا يزال الأمر كما كان عليه من قبل.
وقد قال صاحب كتاب (الإخوان المسلمون، أحداث صنعت التاريخ): "كنا نجتمع في دور الإخوان، السني والإباضي والشيعي، ولا يجرح أحدنا في شعور الآخر. والكل يعمل من أجل الإسلام المضيع"، فأي إسلام مضيَّع يعملون له؟ أم الإسلام محصور في الحدود والاقتصاد؟ أم أن الأولوية هي الحريات والعدل على الطريقة الجديدة للإخوان؟
من الأدلة على سيطرة التيار الأبعد عن السلفية على التنظيم العالمي للإخوان وجود راشد الغنوشي التلميذ الوفي للترابي في التنظيم، وقد قال لي الغنوشي قبل سنوات بفنلندة في محاضرة عامة: "نحن تتلمذنا على الحركة الإسلامية بالسودان"، وقد تأسف الغنوشي في زيارته الأخيرة للسودان على وجود الترابي بالمعتقل واصفاً إياه بالمفكر الإسلامي.
وقد بلغني أن التنظيم العالمي يسعى إلى إعادة الترابي، وقد أخبرني إخواني لبناني فيه سنة وموقف جيد من الشيعة والتشيع أن بعض العلماء في الإخوان متضايقون من تلميع القرضاوي ومن سيطرة المصريين على التنظيم وتوجيهه كما يريدون.
للمزيد حول الموقف ممن يجالس أهل البدع؛ مدونتي » إصلاح وتكميل » تصنيف الناس بين الغلو والجفاء.
عمر عبداللطيف محمد نور
يوم الأربعاء 2 جمادى الأول 1432هـ، 6 أبريل 2011م
لينكوبنج، السويد
pdf
رجوع إلى قسم سياسة

داعش

رجوع إلى قسم سياسة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين
فكر داعش والقاعدة والجهاديين
لا يوجد فرق فكري يُذكر بين داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام) والقاعدة، ولا يوجد في أي تجمع بشري تماثل في كل شئ، فلكل إنسان بصمته، فأفراد القاعدة وداعش ومنظروهم يختلفون في بعض الجزئيات، وإطلاق بعض منظري القاعدة أو الفكر الجهادي على داعش أنهم خوارج هو خلاف تنظيمي حزبي أو جزئي، وقيل إن بعض الفئات اعتدلت، وليس هذا بمستبعد، فقد تراجعت الجماعة الإسلامية بمصر عن الغلو منذ عام 1997م.
من هم الخوارج
الخوارج هم من يكفرون طوائف من المسلمين بالذنوب وبغير الذنوب التي يعتقدونها ذنوباً، ويستحلون دماءهم وقتالهم، ويقدمون قتالهم على قتال الكفار، ويستحلون دماء أهل الذمة والمعاهدين، ولهم خصال يتميزون بها وردت في السنة.
الخوارج الأوائل لم يكن عندهم إطلاق القول بالتكفير بالكبيرة، وكفروا علياً وعثمان رضي الله عنهما وشيعتهما فقط وليس كل المسلمين، وكانوا يستحلون دماء المسلمين والكفار بغير وجه حق بقتلهم أهل الذمة، إلا أنهم كانوا يقدمون قتال المسلمين على قتال الكفار، وهذا هو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان). يرجى الرجوع إلى؛ مدونتي » إصلاح » الموجزُ اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير » ثلاث شبه في الخوارج الجدد..
الموقف من الخوارج
قال عبد الله بن شداد لعائشة رضي الله عنها حكاية عن على بن أبي طالب رضي الله عنه: "والله ما بعث إليهم حتى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء وقتلوا ابن خباب، واستحلوا أهل الذمة" أخرجه الحاكم وقال صحيح على شرط البخاري ومسلم، وأخرجه البيهقي وأحمد، وقال الألباني في إرواء الغليل صحيح على شرط مسلم، وقال ابن كثير في البداية إسناده صحيح، واختاره الضياء.
إذا كان قتال الخوارج والروافض قتال دفع؛ فإن السبب في وجوب قتالهم ليس مجرَّد تبديل الشرائع أو العقائد بتأويل غير سائغ وإنما يُضاف إلى ذلك المحاربة، كما أن السبب في وجوب قتال الكفار قتال دفع أو طلب ليس مجرَّد الكفر وإنما يُضاف إليه المحاربة في جهاد الدفع وخوف التآمر على الإسلام بظهور أمارات الخيانة في جهاد الطلب.
وأما قتال الممتنعين عن الشرائع الظاهرة المتواترة أو الخوارج والروافض قتال طلب؛ فالغاية منه الحفاظ على العقيدة والشريعة من التبديل والتحريف وإقامة حُكم الإسلام على الوجه الصحيح في المسلمين، كما قاتل أبوبكر الصدِّيق رضي الله عنه مانعي الزكاة بمن فيهم من جحد وجوبها ومن أقر بوجوبها، وهذا مثل قتال الكفار قتال طلب؛ مدونتي » إصلاح » الموجزُ اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير » سبب مشروعية الجهاد والإرقاق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: " الذي يعتقد حل دماء المسلمين وأموالهم ويستحل قتالهم أولى بأن يكون محاربا لله ورسوله ساعيا في الأرض فسادا من هؤلاء. كما أن الكافر الحربي الذي يستحل دماء المسلمين وأموالهم ويرى جواز قتالهم أولى بالمحاربة من الفاسق الذي يعتقد تحريم ذلك. وكذلك المبتدع الذي خرج عن بعض شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته واستحل دماء المسلمين المتمسكين بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وشريعته وأموالهم هو أولى بالمحاربة من الفاسق، وإن اتخذ ذلك دينا يتقرب به إلى الله، كما أن اليهود والنصارى تتخذ محاربة المسلمين دينا تتقرب به إلى الله " [1].
والذي يُقاتل الخوارج والروافض والممتنعين عن الشرائع قتال طلب هو الحاكم المسلم وبشرط تحقق شرط القدرة والمصلحة الراجحة، وأما جهاد الدفع فلا يجوز لمن تحت حُكم الخوارج الخروج على المتغلب منهم لما فيه من الضرر الأعظم، كما أنه لا يجوز الخروج على السلطان المسلم بمجرد الامتناع عن الشرائع التي دون إقامة الصلاة، ولكن يجب على السلطان المسلم المتميز عن حُكمهم قتالهم كما يجب قتال الروافض وغيرهم إذا تحققت القدرة لكف شرهم عن الإسلام والمسلمين.
الموقف من داعش في العراق
ما لم يكن ثمة سبب مرحلي تكتيكي، فإن الأصل تقديم قتال الروافض على قتال الخوارج، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الشيعة الروافض: (فبهذا يتبيَن أنهم شر من عامة أهل الأهواء وأحق بالقتال من الخوارج) [2].
من ناحية العقيدة؛ فإنَّ الخوارج القدامى والمعاصرين ليس فيهم شرك واستغاثة بغير الله عز وجل وليست عندهم عقائد الروافض الباطلة في أبواب الأسماء والصفات ونحو ذلك، بينما الروافض فيهم شرك واستغاثة بعلي وفاطمة والحسين رضي الله عنهم، إلى غير ذلك من الفروق العظيمة في العقيدة، والخوارج أصدق أهل البدع حديثاً، وأما الروافض فهم أهل التقية.
وأما تكفير المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم؛ فالروافض أوسع تكفيراً لأهل السنة، فالروافض يكفرون كل أهل السنة، بينما الخوارج يكفرون طوائف من أهل السنة، والخوارج المعاصرون لا يكفرون الصحابة رضي الله عنهم، والخوارج الأوائل لم يكفروا كل الصحابة، وإنما كفروا علياً وعثمان رضي الله عنهما وشيعتهما فقط، وأما الرافضة فكفروا عامَّة الصحابة بمن فيهم السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار.
الخوارج يرون جواز المعاملة بالمثل في قتل النساء والصبيان، وهو قول باطل، فاستهداف النساء والصبيان من قبل الكفار والمعتدين ليس نازلة أو أمراً مسكوتاً عنه، فالكتاب المقدس عند النصارى واليهود فيه من الأمر باستهدافهم الشئ الكثير، والتتار كانوا يبقرون بطن المرأة ليخرجوا الجنين ليقتلوه، ولا يوجد في الكتاب والسنة ولا في فعل الصحابة رضي الله عنهم وأقوالهم ولا في أقوال العلماء السابقين جواز استهداف المرأة والصبي من باب المعاملة بالمثل.
فالخوارج يرون المعاملة بالمثل، وأما الروافض والكفار والنصيرية فهم من بدأ، والبادئ أظلم، إلا أن الفرق هو أن داعش تحرق وتعلن المسؤولية وتصور وتنشر، بينما الآخرون يحرقون ويدفنون الأحياء ويغتصبون ويجرمون ثم ينفون وينكرون، خاصة أهل التقية والنفاق، فالخوارج سفهاء الأحلام يظنون أنهم بفعلهم هذا يرهبون الأعداء، وما علموا أنهم يخدمون الأعداء، والفرق أيضاً هو أن داعش تعلن عداوة الجميع خلافاً لأهل التقية والنفاق، والقتل بغير وجه حق وبطرق محرمة حتى بالقانون الدولي البشري أكثر عند الروافض والنصيرية والكفار من الخوارج، فلا ينبغي الانشغال عن قتال الروافض بقتال الخورج.
ولكن الفصائل العراقية السنية أخطأت بعقد تحالف مع داعش، وذلك لأن من شروط التحالف مع الأخف ضرراً المنفعة، وداعش أضرَّت، ولم ولن ينتفعوا من التحالف معهم، ولأن الأصل في الجهاد أن يكون المجاهدون صفاً واحداً لا رايات متعددة فإن من شروط التحالف مع الأخف ضرراً الاضطرار إليه وتعيُّنُه.
عزة الدوري نائب الرئيس العراقي السابق صدام حسين، والذي عادة ما يسمي نفسه أمين عام حزب البعث والقائد الأعلى للقوات المسلحة، يقول عن داعش عاقداً مقارنة بينهم وبين المليشيات الشيعية: " داعش، رغم تقاطعنا معها تقاطع أساسي من حيث العقيدة أو من العقيدة، هي الخطوة التي نخطوها في الميدان. والذي يمنع لقاءنا معهم؛ أقول: حتى وإن نحن أردنا اللقاء معهم، فهم لا يقبلون، لأنهم يكفرون البعث، ويحتجزون إلى اليوم منذ أكثر من عشرة أشهر ثلث أعضاء القيادة وعدد من ضباط الجيش السابق. لكن أقول للحقيقة: الَّذي قتلته الدولة الإسلامية لكل الأسباب وفي كل الظروف وفي كل العراق لا يساوي واحد بالمائة  من الذي قتلته المليشيات وفي نفس الزمن ". المصدر؛ موقع الجزيرة نت » تسجيل صوتي لعزة الدوري نائب الرئيس العراقي الراحل.

عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
يوم الأحد 28 رجب 1436هـ، 5 مايو 2015م

المصادر

[1] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج28/ص470)، تحقيق؛ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد، المدينة النبوية، 1416هـ/1995م.
[2] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج28/ص482)، الطبعة السابقة.
[3] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج7/ص217-218)، الطبعة السابقة.
pdf
رجوع إلى قسم سياسة