‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اقتصاد. إظهار كافة الرسائل

آثار وبدائل المجانية ودعم المنتجات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

المحتويات

  1. التفكير السليم
  2. فهم كيفية عمل الاقتصاد
  3. ارتباط عوامل النمو ببعضها
  4. ضرر تسعير الأثمان والمُثمنات
  5. آثار دعم السلع والخدمات الأساسية
  6. بديل لدعم السلع والخدمات
  7. آثار مجانية الخدمات
  8. بديل لمجانية الخدمات
  9. تمويل مشاريع البنى التحتية والخدمات الأساسية
  10. شروط المانحين
  11. نبذ التقليد الأعمى وتشجيع الابتكار

التفكير السليم

فهم كيفية عمل الاقتصاد، ثم فهم الحال الاقتصادي المعين، ثم التحليل وتحديد أسباب المشكلة، ثم وضع الحلول المناسبة حسب الحال.

فهم كيفية عمل الاقتصاد

ذكرت في المقال الماضي أن عمل الاقتصاد آلي يرتكز بالدرجة الأولى على آلية العرض والطلب.
فلابد لكل محلل اقتصادي ومتابع للتحليلات من وضع هذه الآلية في ذهنه، هذا إضافة إلى فهم مفاهيم اقتصادية محدودة كما سبق.
وبالمثال يتضح المقال، وكنت قد ذكرتُ مثالاً تجارياً بأسعار الطماطم، وأود هنا ذكر مثالين اقتصاديين.
والفرق بين الاقتصاد والتجارة هو أن الاقتصاد على مستوى الدول والمناطق، والتجارة على مستوى الشركات والأعمال التجارية الخاصة والحُكومية.
المثال الاقتصادي الأول؛ اتفاقية البترودولار؛ وأساسها بيع السعودية النفط بالدولار مقابل الحماية العسكرية الأمريكية، فلو أرادت الصين مثلاً شراء النفط من السعودية لزمها أن تشتري الدولار أولاً، والفائدة الاقتصادية لأمريكا هي زيادة الطلب العالمي على الدولار لرفع سعره مقابل العملات الأخرى وزيادة كميته المتداولة عالمياً.
المثال الثاني؛ الأزمة الاقتصادية في حدود سنة 2008م، وقد بدأت بسوق العقار، وكان سببها الأول ما يسمى بالفقاعة الاقتصادية، ومن كلمة فقاعة نعرف أنها سريعة الانفجار، وكان سبب الفقاعة هو ارتفاع سعر العقار مؤقتاً ثم هبوطه المفاجيء، وذلك لأن ارتفاع السعر المؤقت كان بسبب زيادة طلب غير حقيقية على العقار.
ما حدث هو أن المصارف تساهلت في الإدانة من غير ضمانات كافية، فزاد الطلب على العقار بسبب سهولة الحصول على القرض الربوي فارتفعت أسعاره، وعندما عجز الناس عن السداد؛ صادرت المصارف العقارات ممن لم يسدد بأعداد كبيرة، ثم عرضتها في السوق، فزاد العرض على الطلب فهبطت أسعار العقار، ثم انتقلت الأزمة إلى مواد البناء و ... إلى أن ظهرت آثارها في أسواق البورصات.
الدورة التجارية تبدأ بإنتاج سلع أو خدمات وتنتهي ببيعها، ولذا فإن كل ما يتعلق بتكاليف الإنتاج والنقل والاتجار والقدرة الشرائية مؤثر في النمو الاقتصادي للبلد.
والإنتاج إما سلع أو خدمات وهي المُثمنات عند الفقهاء، والأثمان المعاصرة هي العملات والأرصدة، والنمو الاقتصادي متعلق تعلقاً مباشراً بإنتاج السلع والخدمات.
يُعْرف النمو الاقتصادي لبلد ما بمقارنة مجمل الناتج القومي للسنة المالية بالسنة التي سبقتها.
ومجمل الناتج القومي هو قيمة مجموع الناتج من سلع وخدمات لدولة ما خلال السنة المالية.
وفرق مجمل الناتج القومي من مجمل الناتج المحلي هو أن القومي يشمل قيمة المنتجات خارج البلد وداخلها، والمحلي يشمل الداخلية فقط.
فالنمو الاقتصادي متعلق بإنتاج السلع والخدمات، وغرض الإنتاج غالباً البيع مع الفائدة، وفائدة البيع تعتمد على العرض والطلب، وهذا يرتبط بعوامل أخرى كالقدرة الشرائية والتكلفة (كالإنتاجية، والنقل، وفوائد الاتجار، والضرائب والرسوم).

ارتباط عوامل النمو ببعضها

كل عامل في النمو الاقتصادي يؤثر في عامل آخر ويتأثر به، والعوامل مرتبطة ببعضها، وبالتالي فإن الأثر والتأثر قد يكون مباشراً وقد يكون غير مباشر.
فمثلاً قلة إنتاج الخدمات والسلع (زراعية وحيوانية وصناعية) تعني نقصاً في عرضها، ونقص عرضها يرفع أسعارها، وارتفاع الأسعار يؤدي إلى الإحجام عن الشراء، وقلة الشراء تؤدي إلى تقليل المنتجين للإنتاج وتقليل المستثمرين لتكاليف الاستثمار.
وقلة الإنتاج والاستثمار تؤدي إلى نقص الرواتب والعطالة، ونقص الرواتب والعطالة تؤدي إلى قلة شراء المنتجات، وقلة الشراء تؤدي إلى مزيد تقليل المنتجين إنتاج السلع والخدمات.
وضعف البيع يعني ضعف الطلب على العملة المحلية، وضعف الطلب على العملة المحلية يؤدي إلى نقصان قيمتها.
ونقصان قيمة العملة المحلية يؤدي إلى غلاء السلع المستوردة، وغلاء السلع المستوردة يؤدي إلى ضعف شرائها، وهكذا.

ضرر تسعير الأثمان والمُثمنات

سبق في المقال الماضي بيان ضرر التسعير، وأن تعويم الجنيه سياسة صحيحة إذا قُرنت بحلول لغلاء السلع المستوردة لا سيما الضرورية ومدخلات الإنتاج.
وأود في هذا المقال نقل عبارات جديدة أضفتها للمقال السابق فيها تأكيد ضرر التسعير على الاقتصاد، وهي التالية.
فإذا كان ارتفاع سعر الطماطم مثلاً بسبب عدم نزول الأمطار، فكيف يكون في التسعير حل لأساس المُشكلة؟
والتسعير يُضعف حافز الإنتاج، فإذا كان رفع المُنتِج السعر بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج بالري الصناعي ونحوه، فإن التسعير قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج، وسعر المُنتِج يؤثر في سعر التاجر الوسيط، وهكذا إلى السعر النهائي للمُستهلك.
فإن قيل: الارتفاع قد يكون بسبب الندرة مع جشع التجار، فجوابه؛ أن التاجر غير المحتكر لا يستطيع أن يرفع السعر فوق القدرة الشرائية، وذلك ليضمن بيع كميات كبيرة مما عنده من السلعة.
وكمية السلعة أصلاً قليلة، فلم لا يشتريها فقط من يستطيع أن يشتري مؤقتاً؟ وذلك بغرض تحفيز مزيد من المُنتجين، وبالتالي يحدث انخفاض حقيقي في الأسعار تلقائياً مع النمو الاقتصادي بسبب زيادة الإنتاج.
فالتسعير في السوق الحر يحدث تلقائياً بالعرض والطلب الحقيقيين، والتسعير الجُزاف مضر بالاقتصاد مع ما فيه من ظلم الناس بإلزامهم ببيع السلع بسعر غير حقيقي.
وأما إذا كانت زيادة العرض أو نقصه بسبب غير طبيعي - كما لو كان نقص العرض بسبب الاحتكار الخاطيء -، فقد أجاز بعض العلماء التسعير في هذه الحالة، ولكن إذا لم يمكن إلزام المُحتكرين بالتسعير، فلا فائدة منه، ولذا فالأفضل اللجوء إلى حلول أخرى، كالعقوبات الصارمة ومراقبة التجار لمعرفة المحتكرين وإلزامهم ببيع ما عندهم من سلع مُحتكرة.

آثار دعم السلع والخدمات الأساسية

لا شك أن دعم السلع والخدمات الأساسية فيه تخفيف العبء عن المواطن، ولذا تدعم بعض الدول السلع الاستهلاكية الضرورية كالخبز والسكر والأدوية والوقود والخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والصحة.
ولكن دعم السلع والخدمات الأساسية بتخفيض سعرها هو نوع من التسعير يحوي كل أضرار التسعير، لا سيما المتعلقة بالسلع والخدمات المدعومة، ويُضاف إلى ذلك أنه يثقل كاهل الدولة وميزانيتها.
ينتج عن الدعم إضعاف قدرة الدولة على تمويل مشاريع تلك الخدمات لتحسينها وزيادة إنتاجيتها، ويحد من قدرة الدولة على تشييد البنى التحتية المهمة في حركة الاقتصاد.
ولتغطية الدعم والعجز في الميزانية عادة ما تلجأ الدول إلى زيادة الضرائب والرسوم، والجبايات نوعٌ من التسعير لأنها تزيد من سعر السلع والخدمات، وهذا يؤدي بدوره إلى قلة الشراء، وقلة الشراء تؤدي إلى ضعف الإنتاج وبالتالي مجمل الناتج المحلي، وبالتالي انكماش في النمو الاقتصادي.
وأموال الجبايات التي تذهب إلى الدولة كان من الممكن أن تستخدم في زيادة الإنتاجية والاستثمار لتلك القطاعات الخاصة الرابحة، وبالتالي المساعدة في النمو الاقتصادي عموماً.
ودعم هذه السلع والخدمات يخفض من سعرها بأقل من تكلفة الإنتاج للسلع المنتجة محلياً، وبأقل من تكاليف الاستيراد للسلع المستوردة ومدخلات الإنتاج، وبالتالي يحد الدعم من إنتاج واستيراد السلع والخدمات المدعومة، وذلك لعدم قدرة المُنتجين والمُستوردين على منافسة الأسعار المدعومة.
وتلجأ الدول أيضاً لتغطية تكاليف الدعم وعجز الميزانية إلى الاقتراض الذي يؤجل فقط مشاكل ميزانيتها بسبب سداد أقساط القروض الربوية.
فدعم السلع والخدمات يؤدي إلى ضعف حركة الاقتصاد لاسيما السلع والخدمات المدعومة، مما يؤدي إلى الانكماش الاقتصادي الذي قد يتطور إلى ركود ثم كساد ثم انهيار.

بديل لدعم السلع والخدمات

بدل دعم السلع لخفض سعرها؛ أقترح وضع فارق سعر الدعم والسعر الحقيقي كنقاط في حساب اشتراك المواطن في محل بيع السلعة أو الخدمة، ثم تحول النقاط لمبلغ بالجنيهات يودع في حساب المستهلك آخر كل شهر.
من أهم فوائد هذا المقترح؛ الحفاظ على السعر الحقيقي التنافسي لتلك السلع والخدمات، ورفع القدرة الشرائية، وفي هذا تحفيز على الإنتاج.
فالمواطن قد يشتري بفارق السعر سلعاً وخدمات أخرى، وفي ذلك تحريك للسوق بالبيع والشراء مما يشجع الإنتاج والاستثمار، وبالتالي زيادة في النمو الاقتصادي.
والدول التي لديها قدرات مالية كدول الخليج تنتهج سياسة دعم السلع والخدمات بتخفيض سعرها، والأفضل لهذه الدول أن تدعم السلع والخدمات بدعم مشتريها نقداً لما سبق من أسباب.
ولتخفيف العبء عن ميزانية الدولة يمكن قصر دفع فارق السعر على الفئات ذات الحاجة فقط والشركات الناشئة الناجحة تشجيعاً لها، وفي تشجيع الاستثمارات الناشئة الناجحة دفع لعجلة الإنتاج والاستثمار وتحريك للسوق، وبالتالي زيادة في النمو الاقتصادي.

آثار مجانية الخدمات

مجانية الخدمات بالطريقة المتبعة عالمياً في العصر الحديث آثارها السيئة أشد من آثار دعم السلع والخدمات بتخفيض أسعارها.
فإذا كان دعم السلع والخدمات الأساسية بتخفيض سعرها يحول دون توسيع إنتاجها بسبب أسعارها المدعومة التي لا تنافس، فمن باب أولى الخدمات المجانية، وضعف المنافسة يؤدي إلى ضعف الأداء.
مجانية الخدمات تقلل قيمة الخدمة في نفوس الناس، فما رخص ثمنه قلت قيمته، فتؤدي مجانية الخدمات إلى ضعف الهمة في مثل التعليم، وتؤدي إلى إهدار الموارد في مثل الكهرباء والتعليم، وتُخفي اهتمام الدولة بالمواطن.

بديل لمجانية الخدمات

بدل أن تدفع الدولة تكاليف الخدمة مباشرة لمُقدمي الخدمة، يُمكن أن تدفعها للمُستفيدين كرسوم تُدفع لمُقدمي الخدمة، وأشرح المقترح بمثال حول مجانية التعليم، ويُطبق المقترح بالتدرج، وذلك بالبداية بتحويل الدعم المُباشر إلى دعم غير مباشر برسوم ضئيلة، والتالية هي عناصر المُقترح.
1. فرض رسوم تعليم في المدارس والجامعات الحُكومية.
2. تحدد الرسوم بمبلغ معين حسب المستوى التعليمي للمؤسسة التعليمية وتكاليف تخصص الكلية الجامعية وميزانية الدولة.
3. تدفع إدارة حكومية للشؤون الاجتماعية لكل أسرة لديها أولاد (بنين وبنات) في المؤسسات التعليمية الحُكومية عن كل واحد الرسوم المحددة نقداً في حساب الأسرة.
4. تودع الأسر الرسوم في حساب المؤسسة التعليمية الحُكومية، وتدار الحسابات مباشرةً أو مركزياً على مستوى إدارات التعليم في المدينة أو الولاية أو الإدارة الاتحادية (حسبما يرى الخبراء أنه أيسر وأحفظ للمال).
والتالية فوائد لهذا المقترح
1. الأسر القادرة على تحمل الرسوم أو جزءاً منها تستخدم إعانة التعليم في شراء منتجات، وزيادة الإقبال على الشراء تحفز الإنتاج والاستثمار.
2. زيادة دخل الأسر المقتدرة بإعانة التعليم تحفز الأسر الفقيرة على زيادة دخلها، وفي هذا تحفيز على الإنتاج والاستثمار وزيادة ساعات العمل.
3. قد يلجأ المقتدرون إلى مدارس وجامعات خاصة، وهذا يخفف العبء عن الدولة بتحمل تلك الأسر دفع كل الرسوم.
4. حصول الأسر على دعم تعليمي مباشر يشعرهم بقيام الدولة بواجبها تجاههم، وذلك لأن الدعم غير المُباشر غير مرئي، وليس المُخبر كالمعاين، فخدمات الدولة للمواطن غير المرئية كثيراً ما تُجحد وتُنكر؛ كالأمن، والدفاع، ودعم سلع وخدمات أساسية، والخدمات المجانية كالتعليم.

تمويل مشاريع البنى التحتية والخدمات الأساسية

السبب الأول للأزمة وهو نقص الموارد بفقدان عائدات النفط يؤكد أن أساس المُشكلة هو عجز ميزانية الدولة.
عائدات النفط السابقة تدل على أهمية أن تكون موارد الدولة عبر الاستثمار  لا سيما في الطاقة كالنفط، والمعادن الثمينة كالذهب، والاتصالات بما في ذلك إيجار القمر الصناعي السوداني، والمواصلات كالسكك الحديدية والخطوط الجوية والبحرية، والسودان غني بالموارد الزراعية والثروة الحيوانية.
الخدمات الأساسية كالكهرباء لابد لها من تمويل لزيادة الإنتاجية، وكذلك لابد من تمويل مشاريع البنى التحتية كالاتصالات والطرق والكباري والخطوط الجوية والبحرية والسكك الحديدية.
والكهرباء تعد من الخدمات الأساسية وتعد أيضاً من البنى التحتية المهمة في حركة السوق والإنتاج والاستثمار.
والطريقة الأنفع في تمويل مشاريع البنى التحتية هي ببيع الأسهم والصكوك الشرعية وتشجيع المستثمرين المحليين والأجانب للمشاركة في هذه المشاريع أو المُضاربة بإنشاء أفرع لها.
ولن يتم التمويل من غير حصول هذه المشاريع على أرباح مغرية للمستثمرين ومشتري الأسهم والصكوك، فلابد من دفع عجلة الإنتاج والاستثمار.
وحتى القرض الربوي مضمون الفائدة للمقرضين، لا يفيد من غير دفع عجلة الإنتاج والاستثمار.
فإن المقرضين يحجمون عن إقراض من لا يستطيع دفع الأقساط بفوائدها الربوية أو من يتأخر في السداد أو من يناشد المقرضين بتقليل سعر الفائدة أو إسقاط الديون.
والقروض تساعد في تأجيل المشكلة فقط، وعند نفاذها فإنها تفاقم المشكلة بسبب السداد.
والقروض تجعل قرار الدول الفقيرة رهناً للغنية، فالقرار الدولي في المؤسسات الاقتصادية الدولية حسب رأسمال الدول المساهمة، وأمريكا مع الدول الأوربية تملك معظم رأسمال هذه المؤسسات، وبالتالي فهي تقرر ما تشاء.
والهدف من المعونات هو مجرد المساعدة في دفع عجلة الإنتاج لما في ذلك من فوائد متبادلة بين الجهات الداعمة والدولة، فالمعونات حل مؤقت لإنعاش الاقتصاد مرحلياً وليست حلاً مستداماً.
والجبايات كما سبق تضر الاقتصاد وتثقل كاهل المواطنين مستهلكين ومُنتجين ومستثمرين.

شروط المانحين

شروط المانحين والمؤسسات الاقتصادية الدولية بتعويم الجنيه ورفع الدعم عن السلع والخدمات هي في مصلحة اقتصاد البلد إذا نفذت بتدرج فيه تفادٍ لآثارها السيئة المؤقتة.
فمع أن الدول الغربية لها سياسات معادية للدول الفقيرة والشرقية، إلا أن هذه الدول لا سيما ذات العدد الكبير من السكان تعتبر سوقاً مهماً لمنتجات الدول الغربية، وبالتالي فمن مصلحتها دعم الدول الفقيرة لتحسين اقتصادها بقدر ما يحافظ على سوق الدول الغربية ولا يهدر دعمها.
فالغرب الذي يحرص على الاستفادة المادية من دول صغيرة في العالم كالكنغو بالإقراض المرتبط بشركاته، هل يعقل أنه يريد لها انهياراً كاملاً وهو يقرضها ليستفيد؟
فليست كل شروط المؤسسات الغربية مضرة، فأين يبيع الغرب منتجاته إذا انهارت اقتصادات الدول الفقيرة والنامية؟ ومن تلك المنتجات الغربية التي هي بحاجة إلى سوق؛ الآليات الثقيلة والخفيفة العسكرية والمدنية، وقطع الغيار، والقطارات، والإلكترونيات.
وأما الاقتراض من المؤسسات الاقتصادية الدولية فإنه يؤثر سلباً على قرار الدول الفقيرة ويجعلها تبعاً للدول العظمى.
وبالتالي فإن الاشتراكيين مثل الشيوعيين والبعثيين قد أصابوا في جانب القروض من المؤسسات الاقتصادية الدولية والدول الغربية، ولكنهم أخطؤوا في جانب تعويم الجنيه ورفع دعم السلع والخدمات.
والحداثيون من الحزب الشيوعي أصابوا في جانب تحرير السوق ورفع الدعم، فبعض الشيوعيين تبنى بعض الأفكار الغربية التي يسمونها الرأسمالية، بل حتى الحزب الشيوعي الصيني تخلى عن كثير من النظريات الاشتراكية.
ومن أهم أسباب التخلف وتدهور الأوضاع كلام زعماء مثل هذه الأحزاب فيما ليس لهم به علم، إضافةً إلى قلة المُفكرين المُبدعين من أهل الاختصاص.
وللمزيد حول الفرق بين التحصيل العلمي والإنتاج الفكري وبين التحليل الاستشاري والقدرة العملية؛ تنوع الذكاء والقدرات.

نبذ التقليد الأعمى وتشجيع الابتكار

لا شك أن الاستفادة من التجارب البشرية مهم جداً لا سيما الدول الناجحة اقتصادياً، فالرأي والاجتهاد في هذه المجالات واسع جداً.
والأصل في السياسة الشرعية الحل والإرسال إلا لنص، والأصل في الاقتصاد الحل إلا لنص، وما كان كذلك فمجال الاجتهاد فيه واسع.
فعندما نقول الأصل في الأشياء الإباحة، فهذا يعني مثلاً؛ أن كل المشروبات حلال إلا الخمر، والضار من السموم ونحوها متفق عليه بين البشر، ففرقنا من غيرنا في المشروبات هو الخمر فقط.
ولكن الدول صاحبة الاقتصادات القوية ليست نموذجاً مثالياً يُحتذى في كل شيء، فيكفي أن حوالي ثمانين شخصاً في العالم ثروتهم أعلى من ثروة بقية الناس.
قبل أيام كنت أتحدث مع تاجر مواد غذائية هنا في السويد، ومن خلال كلامه تأكدت تماماً أن الجبايات سياسة فاشلة وتضر المبتدئين أكثر من غيرهم، ويظهر ضررها أكثر مع الأزمات مثل أزمة الكورونا.
وما أشرتُ إليه من كلام تاجر المواد الغذائية هو جزء قليل مما أعرفه من خلال معيشتي في الغرب لمدة تقارب ربع القرن من الزمان.
ولذا فلابد من نبذ التقليد الأعمى في السياسة والاقتصاد، وتشجيع التفكير الحر والتحليل العقلي السليم.
وهذا بعد التمسك بالنصوص والإجماع، لا سيما إجماع السلف، والسلف هم أصحاب القرون الثلاثة المفضلة الأولى.
وقد دلت السنة على أن الأصل تحريم التسعير إلا لظرف طاريء، ودلت كذلك على أن الأصل تحريم المكوس (الجبايات) إلا لظرف طاريء، ومنها حديث المرأة المخزومية التي زنت، وفيه: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لوسعته).
ولقناعتي القاطعة بضرورة التفكير الحر والتحليل العقلي السليم والاستفادة من التجارب البشرية الناجحة بما لا يخالف مصادر الشريعة؛ قدمت الأطروحة التشوقية كحل سياسي، وقدمت اقتراحات اقتصادية غير  مسبوقة.
 والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الجمعة 7 رجب 1442هـ، 19 فبراير 2021م.

تعويم الجنيه

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

المحتويات

  1. الثقافة الاقتصادية
  2. ما هو تعويم الجُنيه؟
  3. الحل الحقيقي لأزمة الجنيه
  4. قيمة الأثمان
    • الاتجار بالنقدين
  5. العرض والطلب
  6. تسعير السلع والخدمات
  7. أسباب الأزمة
  8. الفرق بين العملات والمنتجات في العرض والطلب
  9. تعويم الجنيه
  10. أثر التعويم على المواطن
  11. الدولار الجمركي
  12. الاحتياطي والتوازن التجاري
  13. التحليل السليم
  14. التأثير المتبادل للاحتياطي والجنيه المعوَّم
  15. الاتجار بالعملات
  16. الميزان التجاري
    • التوازن والعجز التجاري
    • تأثير قيمة العملة في الوارد والصادر
    • عرض وطلب العملة المحلية المصاحب للصادر والوارد
    • الأثر المتبادل للتعويم والميزان التجاري
    • ترشيد الاستيراد والتصدير
  17. تأييد أمريكا لإعلان المصرف المركزي
  18. المساعدات الخارجية

الثقافة الاقتصادية

ليس كل الناس مبدعون في الفن، ولكن الجميع يميز بين الإنتاجات الفنية ويرى جمالها.
وليس كل الناس أطباء، ولكن كل الناس لهم قدرة على التمييز بين الطبيب الماهر وغير الماهر.
وليس كل الناس مختصون في السياسة، ولكن كلهم يستطيع معرفة أن بعض الأطروحات السياسية أفضل من غيرها كمباديء وكواقع عملي مجرب.
فكذلك كثيرٌ من غير المُختصين يستطيعون التمييز بين الآراء الاقتصادية إذا كان لهم قدرٌ من الثقافة الاقتصادية، فكثيراً ما تختلف آراء المختصين.
والحلول الاقتصادية الصحيحة كثيراً ما تصطدم بمعارضين من مختصين وغير مختصين في موقع القرار، إضافةً إلى معارضين من عامة الشعب.
والأحزاب المعارضة تستغل جهل عامة الشعب للتهييج والإثارة، وقد تستغل جهل بعض صناع القرار لإحباط الحلول الاقتصادية الناجحة.
وكثيرٌ من الخبراء يرون أن الاقتصاد والسوق والاستثمار والتجارة ليست علماً لمختصين بقدر ما هي معرفة قليلة محدودة ثم خبرة تكتسب بالممارسة مع قدرة طبيعية على التحليل السليم.
وتبقى أهمية التخصص لجمع المعلومات المتجددة والقدرة على تحليل الأرقام باستخدام الآليات الرياضية كالتفاضل والتكامل أو البرامج المختصة، وكل هذا يحتاج إلى خبراء ومختصين يتفرغون لجمع الملعومات وتحليلها.
ولذا لابد من التثقيف الاقتصادي لا سيما للمهتمين، وللمزيد حول مفاهيم اقتصادية أساسية؛ من أجل تيسير فهم الأزمة الاقتصادية العالمية.

ما هو تعويم الجُنيه؟

أساس مصطلح التعويم تاريخياً هو رفع التغطية بالمعادن الثمينة عن الأثمان الاسمية، وبالتالي؛ اكتساب قيمة العملات من العرض والطلب فقط، وكانت قيمتها ثابتة نسبياً بالتغطية.
والتعويم بهذا المعنى مضر لما فيه من ظلم وإضرار، ومن ذلك أن بناء قيمة الأثمان على مجرد العرض والطلب يعرض قيمتها للتذبذب في أسعارها المقابلة لبعضها.
والأثمان معايير، والأصل في المعايير التوافق عليها والثبات، كالمتر مقياساً للطول، وفي تغير قيمة الأثمان الحقيقية مقابل السلع والخدمات مصالح راجحة لأنه تغير متعلق بالإنتاج.
وفي مبحث قيمة الأثمان مزيد بيان لضرر التذبذب في قيمة العملة المحلية انخفاضاً أو ارتفاعاً مقابل العُملات الأجنبية.
ولكن وبما أن المتبع حالياً في العالم ومنذ عقود هو تقييم السلع والخدمات بأثمان اسميه غير مغطاة، فلابد من الكلام عن التعويم بالمعنى الجديد المُقابل للتسعير.
وذلك لبيان أن التعويم المرن المُدار - بالمعنى الجديد للتعويم - هو أخف الضررين في ظل هذه الظروف غير الصحية، ومن أوضح الأسباب أن التسعير لا يُبنى على شيء خلافاً للتعويم  المبني على العرض والطلب.
ولم أكن أود تعريف التعويم لولا ما حدث من لبس في سياسة المصرف المركزي الجديدة، وذلك لأن تعريف المعلوم يُطيل العبارة وقد يُبعد الإشارة.
مجرد وضع قائمة أسعار ليس تسعيراً، فأصغر التجار له قائمة أسعار معلومة بالمشافهة أو الكتابة.
تعويم الجنيه هو وضع أسعاره مقابل العملات الأجنبية حسب مؤشرات العرض والطلب.
والتسعير مقابل التعويم، فهو وضع أسعار الجنيه من غير اعتبار مؤشرات العرض والطلب.
والتسعير إما خالص أو مُدار، والتعويم كذلك.
فيُمكن تقسيم سياسات الصرف التي تنتهجها المصارف المركزية في الدول النامية إلى أربع سياسات، وهي؛
1. التسعير الخالص.
2. التسعير المُدار، وهو تغيير سعر العملة المحلية الرسمي بالتدرج بغرض إيصاله إلى سعر السوق المُوازي.
3. التعويم الخالص.
4. التعويم المُدار، وفيه تتدخل الدولة عند الحاجة عبر مصرفها المركزي لتوجيه أسعار الصرف من خلال التأثير في حجم العرض أو الطلب على العملات الأجنبية.

الحل الحقيقي لأزمة الجنيه

في عهود الملك الجبري في بلاد المسلمين كانت الدنانير ذهبية والدراهم فضية لتقييم الأشياء الثمينة، وكان لا بد من الفلوس النحاسية لتقييم الأشياء الرخصية.
فالفلوس التي ذكرها الفقهاء كالإمام الشافعي رحمه الله تعالى كانت تسك من النحاس، وذلك لأن المحقرات لا يمكن أن تُشترى بالدرهم الفضي أو الدينار الذهبي، فلا يمكن مثلاً شراء كوب قهوة بدرهم فضي أو دينار ذهبي.
الصحيح تغطية المعاملات الرقمية والورقية بسك جنيهات ذهبية تحفظ في المصارف، وتطبع جنيهات وقروش وملاليم ورقية للتداول.
وكانت الحُكومات تغطي عملاتها بالذهب، ثم رفعت أمريكا التغطية عام 1971م، وبالتالي أصبحت قيمة الدولار تعتمد على مجرد العرض والطلب المحلي والعالمي عليه فيما عُرف بتعويم الدولار، وبعد أمريكا توالت الدول على رفع التغطية.
وفي الجنيه الورقي مائة قرش، وفي القرش عشرة ملاليم، فإذا كانت قيمة الجنيه أربعة جرامات؛ فإن قيمة القرش أربعين ملجم وقيمة المليم أربعة ملجم.
ويتعهد المصرف المركزي بدفع المبلغ الحقيقي (الجنيهات الذهبية) عند الطلب لحامل السند الورقي، وذلك للتأكد من عدم زيادة الدولة طباعة الأوراق دون تغطية كافية مع ضمانات أخرى مناسبة.
وذلك لأن زيادة طباعة الأوراق النقدية يُنقص قيمتها، فإذا افترضنا أن مصرفاً مركزياً لقرية صغيرة جمَع من أهل القرية 500 جرام من الذهب، لحفظها من السرَّاق وقطاع الطرق، فإذا طبع المصرف 500 ورقة، فإنه يستطيع أن يدفع مقابل كل ورقة 1 جرام من الذهب، وأما إذا طبع 1000 ورقة، فإن قيمة الورقة الواحدة تكون نصف جرام.
فرواج الأوراق النقدية دون تغطية ظلم للناس، وكذا تغطيتها دون شفافية وآليات تضمن عدم تغيير قيمتها بالطباعة، وذلك لأن طباعة المزيد منها ينقص قيمتها، والدولة تتملك العملات الزائدة بالطباعة، وفي هذا سرقة لأموال الناس.
فقد تلجأ الدولة للطباعة لسد نقص في ميزانيتها، أو بسبب غلاء العملة المحلية مقابل الأجنبية المُضر بالصادر، أو بسبب مزيد طلب محلي وعالمي على عملة البلد المحلية، أو لضخ أموال في السوق لتحريكه عند الأزمات.
وإذا تمت تغطية كل العُملات العالمية بالذهب فإن قيمتها تصبح ثابتة نسبة إلى بعضها مهما تذبذبت قيمة الذهب العالمية باحتكار أو غيره من المعاملات غير الشرعية، وهذا هو المطلوب في الحفاظ على صادر ووارد كل بلد.
وأما في حال ما إذا كانت الدول المغطية لعملاتها قليلة فإن التلاعب بقيمة الذهب والفضة بالاحتكار له حدود وفيه صعوبة، فهي معادن فيها ندرة بطبيعتها، ومناجمها الطبيعية موزعة في عدد من الدول، وكثيرٌ من الدول في حاجة ماسة لبيعها عالمياً، بخلاف العملات الاسمية التي يسهل التلاعب بقيمتها.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولهذا ينبغي للسلطان أن يضرب لهم فلوساً تكون بقيمة العدل في معاملاتهم; من غير ظلم لهم. ولا يتجر ذو السلطان في الفلوس أصلاً; بأن يشتري نحاساً فيضربه فيتجر فيه ولا بأن يحرم عليهم الفلوس التي بأيديهم ويضرب لهم غيرها; بل يضرب ما يضرب بقيمته من غير ربح فيه; للمصلحة العامة ويعطي أجرة الصناع من بيت المال. فإن التجارة فيها باب عظيم من أبواب ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل؛ فإنه إذا حرم المعاملة بها حتى صارت عرضاً وضرب لهم فلوسا أخرى: أفسد ما عندهم من الأموال بنقص أسعارها فيظلمهم فيها وظلمهم فيها بصرفها بأغلى سعرها. وأيضا فإذا اختلفت مقادير الفلوس: صارت ذريعة إلى أن الظلمة يأخذون صغاراً فيصرفونها وينقلونها إلى بلد آخر ويخرجون صغارها فتفسد أموال الناس) [1].

قيمة الأثمان

قيمة الدنانير الذهبية والدراهم الفضية حقيقية لأن قيمتها تبقى بعد إلغاء السك، وأما العملات فقيمتها اسمية، لأن قيمتها تصبح صفراً بتغيير العُملة.
تعتمد قيمة العملات غير المغطاة اعتماداً كاملاً على العرض والطلب مثل السلع والخدمات، والفرق هو أن العملات لا قيمة لها في ذاتها، بينما الخدمات والسلع بما فيها المعادن الثمينة لها قيمة حقيقية في ذاتها.
يمكن إغراق السوق بالأثمان الاسمية (العملات) بزيادة طباعتها حقيقة أو تزويراً أو بزيادة عددها رقمياً في المصرف المركزي، وبالتالي يزيد العرض على الطلب زيادة غير حقيقية لعدم ارتباطها بالإنتاج.
ولا يمكن إغراق السوق بالأثمان الحقيقية  لأن سك المزيد منها يعتمد إما على اكتشاف مناجم ذهب وفضة (إنتاج) أو بشراء الذهب والفضة، ولا يمكن الشراء إلا بزيادة الإنتاج (نمو اقتصادي حقيقي).
لهذا السبب لا تتغير قيمة الأثمان الحقيقية إلا بالعرض والطلب المتعلق بالإنتاج، إضافةً إلى أن الشريعة قد حدت من كثرة تعرضها للعرض والطلب.
الثمن معيار، والأصل في المعايير التوافق عليها وثبات قيمتها، كالمتر مقياساً للطول، وفي تغير قيمة الأثمان بزيادة الإنتاج أو نقصه مصالح راجحة، ولكن يجب التوافق عالمياً على قيمة للعملات من غير ظلم ولا تسلط.
فقد ثبت يقيناً بالنظر العقلي والتجارب البشرية أن التغير في قيمة أي عملة محلية مقابل الأجنبية مضر بالاقتصاد.
فزيادة قيمة العُملة المحلية لبلدٍ ما مقابل العملات الأجنبية عن ذلك البلد تحد من صادراته، وذلك لأن مُشتري صادرات ذلك البلد يشتري عملتها المحلية أولاً لشراء صادراتها، وبما أن عملة البلد المُصدِّرة غالية مقابل عملة بلد المُشتري؛ فإن صادرات ذلك البلد تصبح غالية على مشتريها، وهذا يحدث كثيراً في اليابان.
وثبت أيضاً أن الانخفاض في قيمة أي عملة محلية مقابل العملات الأجنبية يضرُّ بحركة وارد تلك البلدة، وذلك لأن غلاء العملات الأجنبية يؤدي إلى غلاء السلع المستوردة على صاحب العملة المحلية، فإذا كانت في الواردات سلع ضرورية ومدخلات إنتاج سلع وخدمات ضرورية؛ تضرر الناس ضرراً بالغاً، وهذا ما يحدث في الدول النامية.
وسبق أنه مهما تذبذبت قيمة الذهب العالمية باحتكار أو غيره من المعاملات غير الشرعية؛ فإن تغطية كل العُملات العالمية به يجعلها ثابتة نسبة إلى بعضها، وهذا هو المطلوب في الحفاظ على صادر ووارد كل بلد.
وسبق في حال عدم التزام كل الدول بالتغطية أن التلاعب بقيمة الذهب والفضة بالاحتكار له حدود وفيه صعوبة، فهي معادن فيها ندرة بطبيعتها، ومناجمها الطبيعية موزعة في عدد من الدول، وكثيرٌ من الدول في حاجة ماسة لبيعها لدول أخرى، وهذا خلافاً للعملات الاسمية التي يسهل التلاعب بقيمتها.
ولا يصح أن يكون المعيار العالمي لتقييم العُملات عملة اسمية القيمة كالدولار لما في ذلك من فتح ثغرات للظلم والتسلط.
فإذا طبعت أمريكا مزيداً من الدولارات وتحولت قيمة المائة دولار إلى ما يعادل سبعين دولاراً؛ فإنها تكون قد سرقت من كل من لديه احتياطي بالدولار حوالي ثلاثين دولاراً، تقل قليلاً لنقص قيمة العُملة، وإذا طبعت لتثبيت قيمة العُملة فهو ظلمٌ أيضاً.
وفي بيع النفط والغاز بالدولار زيادة قيمة الدولار بزيادة الطلب العالمي عليه، لأن كل من يشتري هذه السلع يجب عليه شراء الدولار أولاً لشرائها.
فإذا فرضت أمريكا على دول بيع نفطها وغازها بالدولار دون مقابل فهو تسلط، وهو تبادل منافع إذا كان فيه مقابل واتفاق عادل، كما في اتفاقيات البترودولار لأنه مقابل الحماية العسكرية.
ومع أن التعاملات غير الشرعية في بيع الذهب والفضة تؤدي إلى تذبذب قيمتيهما إلا أن كثيراً مما يرى من تذبذب أسعارهما في الأسواق قد يكون ظاهرياً، فقد يكون التذبذب في الدولار حقيقةً فيبدو وكأنه في غيره لأنه جُعل معياراً.
للتوضيح بمثال؛ إذا انخفض سعر الجنيه فقد يقول الناس ارتفع سعر الدولار مع أن سعره قد يكون ثابتاً مقابل حزمة من العملات العالمية القوية.
وسبق أن التلاعب بقيمة الذهب والفضة له حدود وفيه صعوبة، وسبق كذلك أن تغطية كل الدول بالذهب تجعل قيمة العملات ثابتة نسبة إلى بعضها.
والاقتصاديون يحددون قيمة الدولار بحزمة من العملات القوية، وذلك لأنهم يعلمون أنه لا ينبغي أن يكون معياراً، فهذا أمرٌ يستطيع فهمه كل من له معرفة أو خبرة تجارية بدائية.

الاتجار بالنقدين

تقدم أن الثمن معيار، وأن الأصل في المعايير التوافق عليها وثبات قيمتها، كالمتر مقياساً للطول، وتقدم أن في تغير قيمة الأثمان بزيادة الإنتاج أو نقصه مصالح راجحة.
فكثرة الاتجار في الأثمان بالصرف لغير حاجة وبالقروض الربوية يعرضها للتغير بعرض وطلب مُنفصلين عن الإنتاج.
ولذا جعلت الشريعة الإسلامية لبيع الأثمان الحقيقية وشرائها شروطاً خاصة.
والأرجح في ربا البيوع قياس الأثمان الاسمية على الحقيقية، وأنَّ علة ربا البيوع في الذهب والفضة هي الثمنية للمسكوكة وكونها جنس الأثمان لغير المسكوكة.
فمن حِكم اشتراط التقابض في الصرف تقليل تعريض الأثمان للتجارة لكيلا تتغير قيمتها بعرض أو طلب منفصلين عن الإنتاج، ولكي لا تكون الأثمان عروض تجارة.
وأما الأربعة الباقية من الربويات في ربا البيوع فهي أطعمة تقتات وتدخر فلا تُستغل فيها حاجة الفقير.
وحرمة ربا القروض في الربويات أشد من حرمتها في غير الربويات، ومن الحِكم عدم تعريض الأثمان للتغير المنفصل عن النمو الاقتصادي.
واستقرار الأثمان هو من حِكم تحريم استعمال الذهب والفضة إلا فيما رخص فيه الشرع (حلي النساء، وخاتم الفضة للرجال، والضبة اليسيرة)، ومن حِكم هذا الاستثناء إبقاء قيمة الذهب والفضة في النفوس.

العرض والطلب

فهم وتحليل الاقتصاد والسوق يرتكز بالدرجة الأولى على آلية العرض والطلب، فإذا أضيف إليها فهم مصطلحات ومفاهيم محددة تمكن غير المختص من فهم التحليلات الاقتصادية بسهولة.
في السوق الحر الذي لا تتدخل الدولة في تسعير سلعه؛ إذا زاد العرض مقابل الطلب؛ انخفضت الأسعار، وإذا زاد الطلب مقابل العرض؛ ارتفعت الأسعار.
ولتيسير الفهم بمثال بسيط؛ سعر الطماطم ينخفض في الموسم بسبب زيادة عرضه على طلبه، فزيادة عرضه مقابل طلبه تدفع البائعين لتخفيض سعره لكيلا تكسد تجارتهم، وكلما خفض بائع اضطر الآخر إلى التخفيض لجذب الزبائن إلى أن يستقر السعر على قيمة معينة.

تسعير السلع والخدمات

تحرير أسعار السلع والخدمات سياسة اقتصادية صحيحة لا سيما إذا كان سبب ارتفاع الأسعار أو انخفاضها طبيعياً، وتدخل الدولة بالتسعير يضر حركة السوق وبالتالي الإنتاج والاستثمار، مما يؤثر سلباً على مجمل الأداء الاقتصادي، ولا يعالج مشكلة غلاء الأسعار.
فإذا كان ارتفاع سعر الطماطم مثلاً بسبب عدم نزول الأمطار، فكيف يكون في التسعير حل لأساس المُشكلة؟
والتسعير يثبط الإنتاج، فإذا كان رفع المُنتِج السعر بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج بالري الصناعي ونحوه، فإن التسعير قد يؤدي إلى تعطيل الإنتاج، وسعر المُنتج يؤثر في سعر التاجر الوسيط، وهكذا إلى السعر النهائي للمُستهلك.
فإن قيل: الارتفاع قد يكون بسبب الندرة مع جشع التجار، فجوابه؛ أن التاجر غير المحتكر لا يستطيع أن يرفع السعر فوق القدرة الشرائية، وذلك ليضمن بيع كميات كبيرة مما عنده من السلعة.
وكمية السلعة أصلاً قليلة، فلم لا يشتريها فقط من يستطيع أن يشتري مؤقتاً؟ وذلك بغرض تحفيز مزيد من المُنتجين، وبالتالي يحدث انخفاض حقيقي في الأسعار تلقائياً مع النمو الاقتصادي بسبب زيادة الإنتاج.
فالتسعير في السوق الحر يحدث تلقائياً بالعرض والطلب الحقيقيين، والتسعير الجُزاف مضر بالاقتصاد مع ما فيه من ظلم الناس بإلزامهم ببيع السلع بسعر غير حقيقي.
وأما إذا كانت زيادة العرض أو نقصه بسبب غير طبيعي - كالاحتكار الخاطيء -، فقد أجاز بعض العلماء التسعير في هذه الحالة، ولكن إذا لم يمكن إلزام المُحتكرين بالتسعير، فلا فائدة منه، ولذا فالأفضل اللجوء إلى حلول أخرى، كالعقوبات الصارمة ومراقبة التجار لمعرفة المحتكرين وإلزامهم ببيع ما عندهم من سلع مُحتكرة.
وقد دلت السنة على عدم جواز تسعير السلع والخدمات، وأجازه العلماء اضطراراً إذا كان الغلاء بسبب غير طبيعي، للمزيد؛ حُكم التسعير والتقابض الحُكمي في الصرف.

أسباب الأزمة

يبدو أنه لم تكن ثمة شفافية ولا أرقام حقيقية في الميزانيات أيام الإنقاذ بسبب الضغوط الاقتصادية التي أدت إلى لجوء الحكومة إلى التعامل بطرق غير مباشرة كالتهريب.
فمثلاً قبل انفصال الجنوب عام 2011م كان دخل البترول في الميزانية حوالي أربعة مليار، وكان دخل الذهب في العام الذي يليه حوالي ثلاثة ونصف مليار، مما جعل البعض يتشكك في عزو المشكلة إلى فقدان عائدات النفط.
ثم اختفى دخل الذهب من الميزانية في العام الذي يلي ذلك مما قد يشير إلى أن الأرقام لم تكن حقيقية.
واضحٌ أن عائدات النفط كانت أكثر من المعلنة لاضطرار الدولة للتهريب، فسبب الأزمة هو فقدان عائدات نفط الجنوب، يؤكد ذلك ظهور آثار الأزمة بعد الانفصال.
أدى الكساد الاقتصادي إلى هبوط سعر الجنيه مقابل السلع والخدمات، ومن ثم هبط سعره مقابل العملات الأجنبية بسبب زيادة المضاربة في العملات إضافةً إلى الخلل في ميزان المدفوعات والميزان التجاري.
فنقص موارد الدولة المالية بسبب فقدان عائدات النفط أدى إلى لجوء الدولة لحلول مضرة بالاقتصاد لتغطية العجز في الميزانية كزيادة الجبايات.
والجبايات نوعٌ من التسعير لأنها تزيد من سعر السلع والخدمات، وهذا يؤدي بدوره إلى قلة الشراء، وقلة الشراء تؤدي إلى ضعف الإنتاج وبالتالي مجمل الناتج المحلي، وبالتالي انكماش في النمو الاقتصادي.
ويُعرف الانكماش إذا كان محدوداً ولمدة فصلين بالركود، فإذا زادت حدته ومدته سمي بالكساد، والذي قد يصل إلى مرحلة الانهيار الاقتصادي.
ومن آثار الانكماش والكساد؛ العطالة وضعف الرواتب وفوائد التجارة والاستثمار، وكل هذا يؤثر في طلب العملة المحلية بالبيع والشراء.
وقيمة العملة المحلية تتأثر بالانكماش، لأن ضعف بيع السلع والخدمات يعني ضعف طلب العملة المحلية مقابل عرضها مما يؤدي إلى هبوط قيمتها، وكلما زادت حدة الانكماش ومدته كلما استمرت العملة في الهبوط.
ولجوء الدولة لتحديد سعر الصرف فاقم المُشكلة، فمن آثار تسعير الجنيه تشجيع السوق الموازي ونقص احتياطي العملات الأجنبية في القنوات الرسمية، إضافة إلى الأسعار غير الحقيقية للصادرات والواردات.
وفي مقال؛ آثار وبدائل المجانية ودعم السلع والخدمات بيان أن دعم السلع والخدمات بتخفيض سعرها هو نوع من التسعير، وأن من آثاره السيئة عدم قدرة المنتجين الآخرين على المنافسة إضافةً إلى الأضرار الأخرى.
والأفضل لاقتصاد الدول التي لها فائض في الميزانية أن تدعم السلع والخدمات بدعم مشتريها نقداً، لما في ذلك من رفع القوة الشرائية، وبالتالي تشجيع الإنتاج والاتجار والاستثمار.
ومن أسباب الأزمة؛ الفساد المالي، وتهريب الذهب، والاحتكار الخاطيء، والصرف الحُكومي غير المرشد، وربما لجأت الدولة لطباعة الجنيه لسد العجز في ميزانياتها.
والاقتصاد لا ينفك عن طريقة إدارة البلاد، والقائمين عليها، والعلاقات الخارجية، فكثرة تغيير الوزراء لاسيما وزراء المالية والتخطيط بسبب المُحاصصات أضر بالاقتصاد، فقد جربت الإنقاذ مثلاً تحرير سعر الصرف فأفاد ثم ارتدت على أعقابها بعد الأزمة فحددت أسعار الصرف.

الفرق بين العملات والمنتجات في العرض والطلب

إذا زاد عرض أي شيء على طلبه نقصت قيمته، وإذا زاد طلب أي شيء على عرضه زادت قيمته، ولكن من أي اتجاه يكون عرض العملة المحلية والأجنبية والمنتجات (السلع والخدمات)، من جهة المُستهلك أم من جهة المُنتج والوسطاء؟ 
زيادة العملة المحلية تكون بطباعة المزيد منها طباعة حقيقية أو مزورة، ولكن مجرد الطباعة لا تؤثر في زيادة العرض.
فزيادة عرض العملة المحلية تكون بزيادة شراء السلع والخدمات والعُملات الأجنبية بها.
وزيادة طلب العملة المحلية تكون بزيادة بيع السلع والخدمات والعُملات الأجنبية بها.
عرض المنتجات (السلع والخدمات) هو من جهة المُنتِج ثم التجار الوسطاء الأقرب للمُنتِج ثم الأبعد في اتجاه المُستهلك.
وعرض العملة المحلية هو عكس عرض المُنتجات؛ فهو من جهة المُستهلك ثم الوسطاء الأقرب له ثم الأبعد في اتجاه المُنتِج.
وذلك لأن المستهلِك غرضه السلع والخدمات فهو طالب لها، والمُنتِج والوسيط غرضهم الربح فهم طالبون للعملة المحلية.
والوسيط يطلب المنتجات من جهة المُنتج ويعرضها في جهة المُستهلك، ويطلب العملة المحلية من جهة المُستهلك ويعرضها في جهة المُنتِج.
وهذا فيما سوى إصدار مزيد من العُملة والقروض الربوية، فالعرض في إصدار العُملة هو من جهة المُصدِر لها (المُنتِج)، وفي القروض الربوية هو من جهة التاجر أو الوسيط مثل المصارف باتجاه المُستهلك.
والعُملة الأجنبية مثل المُنتجات في عرضها لكونه في اتجاه المُستهلِك، ولكنه من جهة من أدخلها ثم الوسطاء الأقرب ثم الأبعد.
وبالتالي فإن عرض العملة المحلية في الصرف مثل عرضها في شراء المُنتجات لكونه من جهة المُستهلك، ولكنه في اتجاه المصارف ومحلات الصرافة وتجار العُملة نهاية بمن أدخل العملة الأجنبية.
والطلب في جميع الأحوال السابقة هو عكس العرض، فطلب المنتجات هو من جهة المُستهلك ...  وهكذا.
ولأن عرض المنتجات هو من جهة المُنتِج وعرض العملة المحلية هو من جهة المستهلك؛ فإن زيادة الإنتاج تخفض الأسعار، وزيادة تداول العملة المحلية مع المحافظة على قيمتها ترفع القدرة الشرائية.
ولما سبق اقترحتُ أن يكون دعم السلع والخدمات الأساسية نقدي للمُستهلك مباشرةً، وأن تكون مجانية الخدمات كالتعليم بدفع التكاليف كاملة نقداً للمُستفيد ليدفعها كرسوم دراسية.
وتوازن العرض والطلب وثباته يؤثر في قيمة العملة وثبات قيمتها.
استبدال العملة بالمنتجات عرضاً وطلباً يؤثر في قيمة العملة مقابل المنتجات، وهذه القيمة تؤثر في قيمة العُملة مقابل العملات الأجنبية بطريقة غير مباشرة.
وتتأثر قيمة العملة المحلية مقابل العُملات الأجنبية تأثراً مباشراً بالصرف، ومنه الصرف المرتبط بالاستيراد والتصدير.

تعويم الجنيه

مع أن سياسة تعويم الجنيه سياسة قاسية مرحلياً، إلا أنه يمكن تفادي بعض الآثار السلبية على المواطن.
فالحل الجزئي اضطراراً عند عدم القدرة على تغطية الجنيه الورقي بسك جنيهات ذهبية هو في التعويم المُدار للجنيه، وقد جربت سياسة تحديد سعر الصرف مراراً فلم تنجح.
فتحديد سعر الجنيه فيه ظلم في تقييم السلع والخدمات التي تباع بالعملة المحلية، لأن قيمة الجنيه المُسعر الرسمية من غير تغطية لا تمثل قيمته الحقيقية.
وتحديد سعر الصرف لا يؤدي إلا إلى تشجيع السوق الموازي (الأسود) وتهرب الناس من التحويل الرسمي عبر المصارف الرسمية.
وأما تحديد سعر الصرف مع صرامة القوانين الرادعة ومنع السوق الموازي فإنه يؤدي إلى إحجام المدخرين عن بيع ما عندهم من عملات أجنبية، وبالتالي قلة الطلب على الجنيه وانخفاض سعره.
وانخفاض قيمة الجنيه تؤثر في التعاملات الداخلية والخارجية، ومن ذلك داخلياً؛ توقف الناس عن بيع العقار والممتلكات الثمينة بالجنيه خوفاً من هبوط سعره.
ومن ذلك خارجياً؛ الإحجام عن استيراد السلع، لأنها تُشترى بالعملة الأجنبية وتباع بالجنيه، وهبوط سعر الجنيه فيه مخاطرة بتقليل الفائدة أو انعدامها أو الخسارة.
ويُحجم المستثمر الأجنبي عن الاستثمار في البلد بسبب استمرار هبوط العملة المحلية الذي يؤدي إلى خسارة عند تحويل الجنيه لعملة بلد المستثمر.
تعويم الجنيه يؤدي إلى ثبات سعره تلقائياً في السوق عبر المصارف العامة والخاصة ومحلات الصرف وثبات الوارد مقابل الصادر.
وثبات سعر الصرف عامل أساسي في النمو الاقتصادي الإيجابي، والنمو الاقتصادي الإيجابي يكون بزيادة إنتاج السلع والخدمات، وزيادة الإنتاج لن تحدث من غير حركة السوق بالبيع والشراء والنقل والاستثمار والاتجار.
فارتفاع قيمة الجنيه تكون بزيادة الطلب عليه، وذلك بزيادة حركة السوق بالبيع والشراء، وزيادة الصادر مقابل الوارد، وزيادة شراء الجنيه في الصرف.
بعد انخفاض مرحلي في السعر الرسمي للعملة المحلية بسبب التعويم يحدث استقرار في سعرها يؤدي إلى نمو اقتصادي ثم ارتفاع تدريجي في سعر العملة بسبب حركة السوق.
والانخفاض المرحلي للجنيه المعوَّم يُفيد حركة الصادر، فالتعويم يؤدي إلى انخفاض سعر الجنيه الرسمي مقابل العملات الأجنبية، ويمكن أن نقول (مجازاً)؛ ارتفاع أسعار العملات الأجنبية مقابل سعر الجنيه.
وبالتالي فإن المصدر يستفيد من التعويم عندما يحول العملة الأجنبية إلى المحلية، ومن ثم يستفيد منتجو السلع المصدرة بطريقة غير مباشرة.
ولكن المستورد يتضرر، ولذا لابد أن يصحب قرار التعويم إجراءات للتخفيف عن المواطن.
والزيادة الشديدة في سعر العملة المحلية مقابل العملات العالمية مضرة بحركة الصادر، ويمكن حل هذه المشكلة بزيادة عرض العملة بالطباعة.

أثر التعويم على المواطن

تعويم الجنيه يثقل كاهل المواطن مرحلياً بزيادة أسعار السلع ومدخلات الإنتاج المستوردة، وذلك لأنه يؤدي إلى زيادة السعر الرسمي للعملات الأجنبية، وذلك مجازاً، فما يحدث حقيقة هو انخفاض سعر الجنيه الرسمي مقابل العملات الأجنبية.
وزيادة السلع المستوردة قد تؤثر على الفقراء إما مباشرةً كالسلع المستوردة الضرورية، أو بطريقة غير مباشرة بسبب مدخلات الإنتاج المُستوردة، كالخضروات المنتجة محلياً بسبب ارتفاع سعر النفط المستورد مثلاً.
لتفادي الآثار السلبية لتعويم الجنيه على الوارد؛ أقترح استثناء دولار السلع المستوردة الضرورية ومدخلات الإنتاج المستوردة؛ كالنفط المُستورد الذي يستخدم في الآليات الزراعية، كحل مؤقت إلى حين ازدهار السوق وزيادة دخل المواطن.
فإن أثر تحديد سعر الصرف بالمقابل كارثي على الاقتصاد، لأنه يؤدي إلى الانكماش الاقتصادي ثم الكساد ثم الانهيار  التام.

الدولار الجمركي

مشكلة التعويم التي تخص المواطن العادي هي غلاء الوارد.
واستثناء الدولار الجمركي مفيد للمواطن، ولكنه مضر لموارد الدولة المالية.
ولكن الجمارك والضرائب ليست إلا عوائق للنمو الاقتصادي في الأصل، ولا ينبغي أن تلجأ إليها الدولة إلا عند الضرورة والحاجة.
وذلك لأنها تضيف إلى السعر الأخير للسلع والخدمات المحلية والمستوردة فتثقل كاهل المواطن، وتؤثر في القدرة الشرائية، مما يعود سلباً على الإنتاج والاستيراد والاتجار، وكل هذا يعود سلباً على النمو الاقتصادي.
الدولة تستفيد فائدة حقيقية في الاستثمار في مجالات كثيرة، منها؛ الطاقة كالنفط، كما كان قبل الانفصال، والمعادن الثمينة كالذهب، والاتصالات بما في ذلك القمر الصناعي السوداني وإيجار البث من خلاله للفضائيات والإذاعات، والمواصلات بما في ذلك السكك الحديدية والخطوط الجوية والبحرية.
وإذا جازت الجبايات فإنها تجوز عند الضرورة والحاجة، وممن أجازها عند الضرورة والحاجة ابن تيمية والشاطبي رحمهما الله تعالى.
فإذا لم يُغطي الاستثمار احتياجات الدولة جاز لها اللجوء إلى الجبايات بقدر لا يضر المواطن ولا يثقل كاهله، وبقدر لا يعقد الإنتاج والاستثمار والتجارة.
 فلستُ بهذا أطالب بإلغاء الجبايات في الوقت الحالي، وإنما أتحدث عن خطأ تأصيلها بمعنى جعلها أساساً في الاقتصاد الصحيح المُعافى.

الاحتياطي والتوازن التجاري

سمعنا وقرأنا أن توفر الاحتياطي وتوازن الصادر والوارد شرطان للتعويم.
فما علاقة الجنيه المعوَّم والمُسعَّر بهما كسبب ومسبب؟ وماذا عن التأثير والتأثر؟ وماذا عن الواقع الإحصائي في السودان؟

التحليل السليم

مما يلزم للتحليل السليم؛ ربط الأسباب بالمسببات، والتسبُّب المتبادل، والتمييز بين الأسباب المُباشرة وغير المُباشرة، وبالتالي مدى تأثير كل سبب.
ومن ذلك؛ الدراسة الإحصائية المتكاملة، وذلك على نحو ما يلي في توزيع كتلة النقد الأجنبي في السوق الموازي.
والإحصاءات ليست دقيقةً مع وجود سوق موازٍ وتهريب للسلع، فلابد من إحصاءات تقديرية، ووضع كل الاحتمالات، واعتبار الاحتمال الراجح، ووضع خطط بديلة.
ولعل الخطط البديلة هي سبب اعتماد الحكومة التعويم المُدار بدلاً من الخالص.

التأثير المتبادل للاحتياطي والجنيه المعوَّم

احتياطي النقد الأجنبي له تأثيرات مهمة في الاقتصاد كالتأثير في الواردات وسداد الديون وقيمة العملة المحلية.
وتأثير الاحتياطي والجنيه المعوَّم متبادل، وهو إما مباشر أو غير مباشر.
فعوامل النمو الاقتصادي مرتبطة ببعضها، وكل عامل يتأثر بآخر ويؤثر فيه، وبالتالي توجد تأثيرات مباشرة وغير مباشرة مع تأثيرات مُتبادلة.
تأثير الاحتياطي المُباشر في الجنيه المعوَّم هو بسبب تأثيره في قدرة القنوات الرسمية على منافسة السوق الموازي.
لمعرفة مدى هذا التأثير المباشر؛ لا يكفي تقدير الكتلة النقدية الأجنبية في السوق الموازي مقارنة بالقنوات الرسمية.
فلابد مع ما سبق من تقدير نسبة توزيع هذه الكتلة بين تجار السوق الموازي، ومدى إمكان توافق بعض التجار على احتكار النقد الأجنبي لرفع أسعاره، ونسبة الكتلة لدى هؤلاء مقارنة بالاحتياطي.
وما فائدة تسعير لا يمكن إلزام السوق الموازي به؟ فلابد من مقارنة أضرار التعويم بأضرار التسعير، ولا يكفي الكلام عن أضرار التعويم.
فمن أسباب نقص الاحتياطي في القنوات الرسمية بعد فقدان عائدات النفط؛ تسعير الجنيه، وبالتالي إحجام الناس عن التحويل عبر القنوات الرسمية.
فالاحتياطي الذي يؤثر في الجنيه المعوَّم سلباً يتأثر به أيضاً تأثراً إيجابياً.
ومن الحلول؛ الترخيص لتجار العملة الكبار بمحلات صرافة، وإلزامهم بفتح حسابات لهم في المصارف، ليتمكن المستوردون والحكومة من الشراء منهم بأسعار تتوافق مع مؤشرات العرض والطلب دون احتكار.
هذا إضافةً إلى القوانين الرادعة والمراقبة الصارمة.

الاتجار بالعملات

قيمة العملة المحلية مقابل السلع والخدمات لها أثر في سعرها مقابل العملات الأجنبية، وذلك لأثرها في خياري الاتجار في المُنتجات والاتجار في الصرف.
فكلما ارتفع سعر العملة المحلية مقابل السلع والخدمات مقارنة بسعرها مقابل العملات الأجنبية كلما اتجه الناس للاتجار في الخدمات والسلع، والعكس بالعكس.
ولذا فلنتذكر أن طلب وعرض العملة المحلية يكون أيضاً بشراء وبيع السلع والخدمات بها، وأن هذا يحدد قيمتها مقابل السلع والخدمات.
وارتفاع قيمة العملة المحلية مقابل السلع والخدمات يكون بمزيد إنتاجها لما في ذلك من مزيد طلب للعملة.
ونخلص من هذا إلى أن زيادة الإنتاج تسهم في الحد من المضاربة في العملات.
والحد من الاتجار في العملة المحلية مطلوب لتثبيت سعرها.

الميزان التجاري

الميزان التجاري هو الفرق بين قيمة الواردات والصادرات في بلد معين، وأما ميزان المدفوعات فيشمل جميع العمليات المالية الخارجية لبلد ما.
فتوازن الصادر والوارد له علاقة بالعجز التجاري، وله أيضاً تأثير في قيمة العملة المحلية وتأثر بقيمتها.

التوازن والعجز التجاري

أما العجز التجاري، فبسبب بيع الصادر وشراء الوارد في السودان بالعملات الأجنبية، فإن في الاستيراد إخراج للعملة الأجنبية من البلد، وفي التصدير إدخالها للبلد، ولهذا فإن هذا الخلل إضافة للعجز عن سداد الديون يؤديان إلى عجز في ميزان المدفوعات.
في السنة المالية الأخيرة بلغ العجز التجاري حوالي ٣,٩٢ مليار دولار، فقد بلغت قيمة الواردات ٦,٥٩ مليار دولار، مقابل ٢,٦٧ مليار دولار للصادرات.
وسبب العجز هو فقدان عائدات نفط الجنوب.
لو كان الجنيه متداولاً عالمياً لكان حل العجز التجاري بشراء الوارد بالجنيه السوداني إذا استقرت قيمته، والدول المتقدمة كأمريكا تشتري وارداتها وتبيع صادراتها بعملتها المحلية.

تأثير قيمة العملة في الوارد والصادر

قيمة العملة المحلية تؤثر في الصادر والوارد وتتأثر بهما.
ومن هنا يأتي تأثير الجنيه المعوَّم في الميزان التجاري وتأثره به، لأن قيمته تكون حسب آلية العرض والطلب.
فمن ناحية التأثير، فسبق أن الغلاء الشديد للعملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يضر بحركة الصادر، وهذا يحدث في الدول الصناعية الكبرى كاليابان.
وسبق أن الانخفاض الشديد لقيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية يضر بحركة الوارد، وهذا يحدث في الدول النامية كالسودان.

عرض وطلب العملة المحلية المصاحب للصادر والوارد

ذكرتُ سابقاً أن عرض العملة المحلية هو من جهة المُستهلك ثم الوسطاء الأقرب له ثم الأبعد في اتجاه المُنتِج.
وذكرت أن عرض العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية هو في اتجاه المصارف ومحلات الصرافة وتجار العُملة نهاية بمن أدخل العملة الأجنبية.
وطلب العملة المحلية هو في الاتجاه المعاكس لعرضها في الحالتين.
فالواردات عرض للعملة المحلية في السودان، لأنها تشترى بالعملة الأجنبية في الدول النامية، وذلك بصرف المواطن العملة المحلية أولاً بشراء العملات الأجنبية بها لشراء السلع الأجنبية.
والصادرات طلب للعملة المحلية في السودان، لأنها تباع بالعملة الأجنبية في الدول النامية، وذلك بصرف المواطن العملة الأجنبية ببيعها بالعملة المحلية، وذلك بعد بيعه السلع الوطنية بالعملات الأجنبية.
والصرف المصاحب للتصدير والاستيراد تأثيره في قيمة العملة المحلية مقابل العملات الأجنبية أقوى من تأثير طلب العملة وعرضها مقابل السلع والخدمات محلياً.
فبالطريقة المعمول بها في السودان؛ فإن الواردات عرض للعملة المحلية بالصرف أولاً، والصادرات طلب للعملة المحلية بالصرف ثانياً، وفي كلا الحالتين يتم الصرف بعملات أجنبية.
ولهذا فلو استمرت الزيادة في عرض العملة المحلية بمجمل قيمة الواردات مقابل طلبها بمجمل قيمة الصادرات؛ فيُتوقع من ذلك استمرار في انخفاض قيمة العملة المحلية.
والعكس يُتوقع منه زيادة في قيمة العملة المحلية.
فتوازن الصادر والوارد يؤثر في قيمة العملة وفي ثبات قيمتها ويتأثر بذلك.

الأثر المتبادل للتعويم والميزان التجاري

أثر استمرار ازدياد الفجوة بين قيمة العملة المحلية والعملة الأجنبية أسوأ من مجرد وجود فجوة كبيرة، وذلك لأن ثبات قيمة العملة المحلية أهم من مجرد قيمتها.
ثأثير الميزان التجاري الحالي في التعويم هو القيمة المُنخفضة للجنيه المعوَّم.
فبما أن الواردات عرض للعملة وهي أكثر من الصادرات التي هي طلب للعملة، فإن هذا الخلل في الميزان التجاري يُتوقع أن يؤثر بقيمة منخفضة للجنيه المعوَّم لزيادة العرض على الطلب.
وهذا باعتبار أنه لا توجد تحويلات للمغتربين ونحو ذلك بيعاً وشراءاً للجنيه، ولهذا فالأصح في تأثير التوازن في قيمة العملة المحلية المُعوَّمة أن يُقال التوازن بين العرض والطلب لأنه أشمل من الصادرات والواردات.
وأما تأثر الميزان التجاري الحالي بالتعويم، فالتعويم يؤدي إلى تقليل الفجوة بين الوارد والصادر.
وذلك لأن التعويم يؤدي إلى انخفاض سعر الجنيه الرسمي مقابل الدولار مرحلياً مع قرار التعويم، وهذا يؤدي إلى غلاء الوارد، وبالتالي الإحجام النسبي عن الاستيراد.
والإبقاء على السعر السابق للصادر بالعملة الأجنبية بعد التعويم لا يضر المُشتري الأجنبي ويُفيد المُصدِّر الوطني، وذلك لارتفاع قيم العملات الأجنبية مقابل الجنيه، مما يشجع على التصدير.
فالنتيجة المتوقعة نقص الواردات وزيادة الصادرات، وهذا تقليص للفجوة بين الصادر والوارد، لأن واردات السودان أكثر من صادراته.
والتعويم يستقطب تحويلات المغتربين عبر المصارف ومحلات الصرافة المرخصة.
ففي تحويلات المُغتربين سد العجز التجاري بسبب زيادة الداخل للبلاد من العُملات الأجنبية.
وفي تحويلات المغتربين زيادة طلب للعملة المحلية، وبالتالي فيها تقليل للفجوة بين العرض والطلب الناتج عن عدم توازن الصادر والوارد ونقص تحويلات المُغتربين، وبالتالي ارتفاع قيمة الجُنيه.

ترشيد الاستيراد والتصدير

للاستيراد والتصدير تأثيرات مباشرة وغير مباشرة في قيمة العملة المحلية مقابل السلع والخدمات.
وفي ترشيد الاستيراد والتصدير نوعاً وكماً تأثير إيجابي في الإنتاج والنمو الاقتصادي وبالتالي قيمة العملة.
التصدير غير المرشد يؤثر في طلب العملة المحلية بسبب نُدرة السلع المُصدَّرة داخلياً وبالتالي نقص عرضها.
ولذا يسبب التصدير غير المرشد للسلع الضرورية كالماشية واللحوم والخضروات غلاء هذه السلع داخلياً ومعاناة المواطن.
 الاستيراد يزيد من طلب العملة المحلية ببيع السلع المستوردة بها بطريقة مباشرة، وبطريقة غير مباشرة بالتأثير في الإنتاج باستيراد مدخلات الإنتاج.
وفي المقابل فإن الاستيراد غير المرشد يقلل من الإنتاج بالاكتفاء باستيراد السلع.
ولذا فإن تصنيع المنتجات المحلية يدفع عجلة الإنتاج ويزيد الصادر ويزيد الطلب على العملة المحلية بزيادة عرض المنتجات المحلية المصنعة داخلياً.

تأييد أمريكا لإعلان المصرف المركزي

أعلنت السفارة الأمريكية تأييدها لإعلان المصرف الدولي تعويم الجنيه.
وبهذه المناسبة أود أن أقول ليست كل سياسات أمريكا والمصرف المركزي ضد الشعوب الفقيرة.
استقرار دول العالم اقتصادياً مفيد للغرب، ولكن طبعاً بحدود غير منافسة للغرب اقتصادياً.
فكل دول العالم بما فيها الفقيرة سوق للمنتجات الصناعية الغربية؛ كالقطارات، السيارات، الطائرات، السفن، آليات المصانع، قطع الغيار، الحواسيب، والهواتف.
ولذا فإن بعض السياسات المالية التي تفرضها المؤسسات المالية الدولية على الدول الفقيرة فيها مصالح مزدوجة.
وليست كلها للإضرار بالشعوب الفقيرة والهيمنة كما يقول الاشتراكيون الشيوعيون والبعثيون، وكما يردد ذلك بعض الإسلاميين دون تمييز بين السياسات الضارة والنافعة من سياسات المؤسسات المالية الدولية.
وليس من أولويات الغرب دائماً الفئة الحاكمة إسلامية كانت أو علمانية، وذلك بشرط ألا تهدد مصالح الغرب، فحتى صدام والقذافي والأسد العلمانيون عاداهم الغرب.
فثمة تلاقيات وتضاربات في المصالح، ولاشك أن لهذه المصالح علاقة بالأيدلوجيات والأديان.
ولكن مرحلياً وتكتيكياً تغلب المصالح الاقتصادية على غيرها، لأن الاقتصاد هو الذي يقوي الأيدلوجيات والأديان.
فلا قوة عسكرية إلا بالاقتصاد، ولعل هذا من حكم تقديم الله سبحانه وتعالى ذكر جهاد المال على جهاد النفس في آيات الذكر الحكيم.

المساعدات الخارجية

المساعدات الدولية ليست كل شيء كما يزعم البعض.
بل المساعدات تكون بقدر ما يساعد على تسويق منتجات الدول المساعِدة فقط.
وفي المُساعدات تشجيع على القروض الربوية التي تجعل قرار الدول الفقيرة مرهوناً بحيث لا يتطور اقتصادها بطريقة منافسة للغرب، وليظل قرارها مرهوناً بالغرب.
فالمساعدات وسياسات المصرف الدولي الصحيحة ليست إلا دفعة قليلة جداً لإنعاش الاقتصاد وليست حباً في الدول الفقيرة.
الدول الأوروبية تخلت حتى عن اليونان وإيطاليا زمن أزمتهم، ولم تساعدهم إلا بشروط قاسية، رغم أنهم أعضاء في الاتحاد الأوروبي.
المساعدات الممنوحة للسودان محدودة جداً ولا تسوى شيئاً أمام المشاكل الاقتصادية في البلد.
فلابد من سياسات اقتصادية صحيحة، وتعويم الجنيه ما هو إلا واحدة من تلك السياسات، وأهمها استثمار الدولة في المجالات التي توفر عليها عوائد تسهم في تطوير العلم والبحوث والتقنية في مجالات الإنتاج الخدمي والسلعي، مثل التقنيات الزراعية والصناعية والثروة حيوانية.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
كتابة الأصل؛ الاثنين 27 جمادى الآخرة 1442هـ، 9 فبراير 2021م.
التعديل؛  الخميس 27 رجب 1442هـ  الموافق 11 مارس 2021م.

المصادر

[1] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج29/ص469)، المحقق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، الناشر؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر؛ 1416هـ/1995م.

تيسير فهم الأزمة الاقتصادية

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة و السلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
يرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد وإدارة الأعمال ليست علوماً، وإنما معرفة مهنية تُكتسب بالخبرة والمقدرة الشخصية على التحليل السليم، ولكن تبقى أهمية التخصص لجمع المعلومات المتجددة والقدرة على تحليل الأرقام باستخدام الآليات الرياضية كالتفاضل والتكامل أو البرامج المختصة، وكل هذا يحتاج إلى خبراء ومختصين يتفرغون لجمع الملعومات وتحليلها.
مما يعقد فهم المختصرات الأخبارية للقضايا الاقتصادية عدم معرفة المصطلحات الاقتصادية وعدم معرفة الصورة الكلية.
فلا يمكن مثلاً معرفة معنى ضخ الحكومة الأمريكية لمبلغ 700 مليار دولار إبَّان الأزمة الاقتصادية عام 2008م لتغذية البنوك مع عدم معرفة الأرقام الكليَّة، كما لا يمكن أن تعرف مقدار ما يمكن أن تصرفه لشراء سيارة من غير معرفة كم عندك من سيولة، وقد بدأت هذه الأزمة عام 2007 وظهرت بجلاء عام 2008.
لأجل تسهيل فهم الأخبار والتحليلات الاقتصادية للقارئ الكريم كتبت هذا المختصر، وفيه تعريف بعض المصطلحات الاقتصادية المهمة، وهي محاولة لفك بعض الطلاسم التي جعلت من الاقتصاد والاستثمار أمراً معقداً يصعب فهمه على النخب فضلاً عن غيرهم، وفي المقال أيضاً ذكر الأرقام التي توضح الصورة الكلية لاقتصاد الامبراطورية الأمريكية.
السوق الحر
السوق الحر هو الذي لا تتدخل الدول فيه بقيود مضرة كالتسعير لغير سبب مُلجيء.
تُحدَّد الأسعار في السوق الحر بالعرض والطلب، فعلى سبيل المثال فإنَّ سعر الطماطم في الموسم يكون منخفضاً، والسبب هو زيادة العرض على الطلب، مما يحفز بعض البائعين لتخفيض السعر لجذب الزبائن وزيادة التسويق، مما يؤدي إلى انخفاض سعرها بسبب التنافس بين البائعين، إلى أن يستقر السعر قريباً من تكلفة الإنتاج والنقل، وقد يضطر البائع أحياناً لبيع ما عنده بأقل من التكلفة ليقلل نسبة الخسارة.
التضخم
إذا نظرنا إلى التضخم من زاوية الثمن، فيمكن تعريف التضخم بنقص سعر العملة مع كثرتها، كما يمكن النظر إليه من زاوية المثمن (السلع، الخدمات، الأصول المالية)، وفي هذه الحالة يعرف التضخم بزيادة الأسعار. 
يحدث التضخم في العملات سواءٌ كانت مغطاةً بالمعادن الثمينة أو لم تكن، ولمعرفة كيفية  حدوثه في الحالة الأولى لابد أولاً من معرفة الفرق بين القوة الشرائية للعملات الورقية والقوة الشرائية للنقدين والمعادن الثمينة.
فالقوة الشرائية للعملات الورقية اسمية، بينما القوة الشرائية للذهب والفضة والمعادن الثمينة حقيقية، وذلك لأن للذهب والفضة والمعادن الثمينة قيمة ذاتية، وأما العملات فقيمتها من التغطية بالمعادن الثمينة إذا كانت مغطاة بها، أو من مجرد الطلب عليها إذا لم تكن مغطاة بالمعادن الثمينة.
ولذلك إذا قرَّرت الدولة إلغاء سك الذهب (الدينار) فإن قميته تبقى، وكذا إذا ألغت سك الفضة (الدرهم)، لأن قيمة الذهب والفضة ذاتية.
وأما إذا ألغت الدولة العملة الورقية فإن قيمتها تنتهي وتصبح بلا قيمة، وتصبح العملة القديمة بلا قيمة عادةً بعد مهلة تحددها الدول لتحويل العملة القديمة بالجديدة.
لشرح معنى التضخم عندما تكون العملة مغطاة بالمعادن الثمينة؛ نأخذ مثالاً لقرية صغيرة، ولديهم مصرف محلي يتولى طباعة العملات الورقية ليتداولها الناس.
هذا المصرف جمَع من أهل القرية 500 كيلو جرام من الذهب، لحفظها لهم من السرَّاق وقطاع الطرق، وأعطى مقابل الذهب عدداً من الأوراق النقدية كسندات مالية لمالكي الذهب، وقد تعهَّد هذا المصرف الذي يثق به النَّاس أن يعطي عند الطلب لحامل السند من العملات الورقية المبلغ الحقيقي وهو الذهب.
فإذا طبع المصرف 500 ورقة مقابل ما عنده من ذهب (500 كيلو جرام)، فإنه يستطيع أن يدفع مقابل كل ورقة 1 كيلو جرام من الذهب، وأما إذا طبع 1000 ورقة، فإن قيمة الورقة الواحدة تكون نصف كيلو جرام، وهذا هو التضخم في العملة، وهو نقصان القوة الشرائية للعملة مع زيادة السيولة وهي كمية النقد المتداول.
وأما إذا لم تكن العملة مغطاة بالمعادن الثمينة فإن قيمتها الشرائية تتحدد فقط بالعرض والطلب المحلي والعالمي عليها كالسلع، فإذا زاد العرض مقابل الطلب نقصت قيمة العملة، وكذا إذا نقص الطلب مقابل العرض.
خلاصة أسباب التضخم في الأثمان عموماً هي؛ زيادة طباعة النقود من غير زيادة في الإنتاج والاستثمار الحقيقي، وزيادة الأرصدة من غير زيادة في الإنتاج والاستثمار الحقيقي.
قيمة الدولار
القيمة الحقيقية لأي عملة تتحدد بالتناسب بين قوَّتها الشرائية وكمية النقد المتداول، وبهذا يُمكن معرفة قوة اقتصاد البلد.
فلابد من ارتفاع القوة الشرائية مع زيادة كمية النقد المتداول لتصبح للعملة قيمة حقيقية، فزيادة القوة الشرائيَّة قد لا تعني شيئاً إذا صاحبها انخفاض في النقد المتداول.
ولهذا فإن قيمة الدلار تأتي من جهة قوته الشرائية وكميَّة الدولار المتداولة عالمياً،  وكمية الدولار المتداولة عالمياً سببها؛ الثقة به، والسلع المصدرة، واتفاقية البترودولار.
اتفاقية البترودولار تجبر أي دولة في العالم تريد أن تشتري النفط على شراء الدولار أولاً لأجل شراء النفط، مما يزيد من الطلب العالمي للدولار.
إذا كان بيع النفط بالدولار نتاج عقد واتفاق، ففي العقود منافع متبادلة، وهي في اتفاقية البترودولار الحماية مقابل بيع النفط بالدولار.
وأما إذا كان بيع النفط بالدلار مفروضاً عن طريق الهيمنة الاقتصادية والعسكرية، فإنه يُعتبر في هذه الحالة نوعاً من الضرائب المفروضة على تلك الدول، وقد قيل بأن من أسباب التعجيل بسقوط نظام صدام حسين في العراق هو عزمه على استبدال الدولار بحزمة عملات لبيع النفط، وقيل بأنه ذات السبب في التعجيل بسقوط نظام القذافي في ليبيا. 
عام 1971م رفعت الحكومة الأمريكية التغطية للدولار بالذهب، ولا يخفى على العاقل ما في هذا القرار من القرصنة والسرقة، ولكن مع ذلك يصاب الدولار بالتضخم عند وجود ركود اقتصادي بنقص الاستثمار الحقيقي والطلب المحلي عليه، وقد يصاب الدولار بالتضخم بسبب انخفاض الطلب العالمي عليه.
الركود الاقتصادي
يعني الركود الاقتصادي انخفاضاً ملحوظاً وواسع النطاق في النشاط الاقتصادي وفي الناتج المحلي الإجمالي لدولة ما، أو نمواً سلبياً في النمو الاقتصادي الحقيقي لمدة فصلين متعاقبين أو أكثر.
وعادةً ما تزداد في فترة الركود البطالة وتنخفض فيها قيمة الاستثمارات وأرباح الشركات.
والفصل هو الربع، ويعني ربع السنة، فهو ثلاثة أشهر.
الكساد الاقتصادي
يُطلق على الركود إذا كان لفترة طويلة الكساد الاقتصادي، والذي يوصف إذا كان خطيراً بالانهيار الاقتصادي.
الانتاج الحقيقي
لو قطع النجار الأشجار وصنع من الأخشاب مقعداً فهذا انتاج حقيقي، فالانتاج الحقيقي هو في الزراعة، والرعي، ومزارع الأنعام، والصناعة سواء كانت نجارة أو تصنيع إلكترونيات أو سيارات أو سفن أو طائرات، ونحو ذلك من الأشغال كالنقل بالسفن وغيرها.
فالانتاج الحقيقي ما بُذل فيه جهد بشري، وليس بالضرورة أن يكون جهداً مضنياً، فإذا كان الإنسان نائماً والعمال يعملون له فهو جهد بشري، وكذا لو كان نائماً والحاسب الآلي يعمل له فهو جهد كذلك، لأنَّ الجهاز يحتاج إلى جهد بشري من ناحية الصناعة الإلكترونية والبرمجة والصيانة حتى يؤدي وظيفته.
أسواق المال
يُطلق على المؤسسات التي ليس فيها إنتاج حقيقي اسم المؤسسات المالية، ويطلق على تلك الأسواق اسم أسواق المال، فأسواق المال تشمل البنوك وشركات التأمين وأسواق البورصات.
البورصات ومؤشِّراتها
البورصات هي أسواق الأصول المالية أو الأوراق المالية، وتوجد أكثر من بورصة في بعض الدول، ولفهمها يمكن تشبيهها بالمحلات التجارية العادية غير أنه لا تباع فيها سلع عادية، وإنما تُباع فيها الأصول المالية أو الأوراق المالية، وهي الأسهم والسندات، ولأن السندات ربوية؛ أُحدثت صيغة في الدول المُسلمة بديلة للسندات تُسمى بالصكوك، والصحيح منها صكوك المشاركة والمضاربة بشروطها.
شركة المساهمة هي نوع من الشراكة غير أن المشاركين بأعداد كبيرة، لكل واحد من هؤلاء سهم أو عدة أسهم بالشركة، فتصبح شراكته في المؤسسة الاقتصادية بقدر عدد الأسهم التي يمتلكها.
تحدد قيمة الشركة وأسهمها بكل ما تملك الشركة من نقد مالي سواء كان في شكل سيولة أو سندات مُستحَقَّة للشركة، وما تملكه من أُصول وممتلكات غير نقديَّة سواء كانت ثوابت أو منقولات، وبكل الاعتبارات بما في ذلك نقصان قيمة الممتلكات بسبب الاستعمال ونحوه، وباعتبار التوقُّعات المستقبليَّة للربح.
السندات هي أوراق مالية بمبلغ معين، تبيعها الشركات، بغرض تمويل مشروع جديد أو قديم، وهي دين ربوي على الشركة للمُشترين، لأن الشركة تعطي عليه فوائد محددة ثم تُعيد المبلغ متى ما أراد المُشتري، ولهذا أُحدثت صكوك المشاركة والمُضاربة بديلاً للسندات في الدول المسلمة. 
المؤشرات تعطي صورة مجملة عن النشاط الاقتصادي، وهي أنواع، ويعطي كل منها دلالة معينة، من ذلك مؤشر البورصة نفسها ويشمل كافة الأسهم المدرجة في السوق، ومنها مؤشرات شركات كبرى مدرجة في السوق.
وتحسب المُؤشرات بطرق مختلفة، منها المتوسط الحسابي، وذلك بقسمة مجموع أسعار أسهم الشركات الداخلة في المؤشر على عددها.
وكلَّما كان السوق يحوي عدداً أكبر من الشركات العملاقة كلما أخذ مؤشر السوق أهمية أكبر، وتُقدر قيمة مجمل الشركات في بعض البورصات بتريليونات الدولارات، وتقدر عدد الشركات فيها بآلاف الشركات.
الكساد العظيم
ما عُرف بالكساد العظيم الذي عمَّ العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي بدأ في وول ستريت بأمريكا عندما حدث انهيار في أسواق الأصول المالية يوم 29 أكتوبر عام 1929م فيما عرف بالثلاثاء الأسود، واستمر هذا الكساد إلى فترة الحرب العالمية الثانية.
لم يكن أحد يتوقَّع حجم الأزمة، ولا حتى الخبراء الاقتصاديون وزعماء الدول، فالكثيرون كانوا يتوقعون أنها مجرد ضربة خفيفة أو تصحيح للسوق، وفي كل الأحوال ليس أكثر من الركود الذي ضرب أمريكا إبَّان الحرب العالمية الأولى، غير أن الواقع تجاوز كل تلك التقديرات، مما يعني أن الانهيار الاقتصادي قد يكون مفاجئاً للجميع.
القرار الاقتصادي الدولي
بناءاً على مقررات مؤتمر النقد الدولي المعروف باسم اتفاقية بريتون وودز والذي انعقد في الفترة من 1 إلى 22 يوليو عام 1944م، فقد ربح الدولار مركزاً بعلاوة كعملة مرجعية، فأصبح الدولار المرجع للعملات الأُخر.
وقد كان ذهب أمريكا لوحدها في تلك السنة يساوي نصف ذهب العالم، وذلك عقب الحرب العالمية الثانية، وعقب الخروج من الكساد العظيم مباشرة.
وقد كانت الحرب هي السبب في خروج أمريكا من المأزق الاقتصادي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وكان ذلك عبر بيع السلاح.
وقد حدَّد مؤتمر بريتون وودز الخطوط العريضة للاقتصاد العالمي عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، حيث إنَّ القرار في هذه المؤسسات الماليَّة الدولية حسب رأس المال.
تدريجياً صعدت دول أخرى، ونقص رأس مال أمريكا في المؤسسات المالية الدولية مقابل دول أُخرى، وأصبحت الدول الغنية تُسمَّى بالدول الثمانية.
اجتماع العشرين
يُعد اجتماع العشرين الذي كان في شهر نوفمبر من عام 2008م أهم لقاء اقتصادي عالمي بعد اجتماع 1944م، والذي حدد الخطوط العريضة للسياسات المالية والاقتصادية الدولية عبر صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
بعد تفجر الأزمة العالمية، وبعد الحاجة إلى الدول التي تملك فائضاً مالياً لدعم المؤسسات المالية الدولية، لاستخدامها في إقراض الدول المتضرِّرة من الأزمة، سُمح للدول التي عندها فائض مالي بزيادة رأسمالها في المؤسسات الدولية مما يعني إعطاءها دور أكبر في القرار الاقتصادي العالمي.
الصورة الكلية لاقتصاد الإمبراطورية الأمريكية
لمعرفة حجم المشكلة ولو على مستوى الحكومة الأمريكية دون القطاع الخاص فلابد من معرفة الصورة الكلية، ولمعرفة ذلك لابد من اعتبار الدولة كجهة تشبه الفرد أو الشركة في ممتلكاتها ومدخولاتها ومصروفاتها.
الميزانية الأمريكية العامة
الناتج الإجمالي القومي هو مقياس لاقتصاد الدول، وهو مجموع المنتج من السلع والخدمات لدولة ما بما في ذلك القطاع الخاص والعام في السنة، ويشمل ذلك المنتج خارج أراضي الدولة، بينما يُعتبر الناتج الإجمالي المحلي بمجموع المنتج من سلع وخدمات داخل أراضي الدولة.
الناتج الإجمالي القومي للولايات المتحدة الأمريكية في هذه السنة (2008) حوالي 14.265 تريليون دولار.
والدين القومي في هذه السنة يقدر بحوالي 10 تريليون دولار.
وتعتبر الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة أكبر مديونية في العالم.
الدين القومي الأمريكي هو دين الحكومة الاتحادية فقط، ولا يشمل الدين على الولايات والمحليات والقطاعات الخاصة.
فمن أين لأمريكا سداد ديونها على المدى البعيد؟ وهي تتراكم وتتزايد كل سنة مالية، ومعدل النمو لا يبشر بالتغلب على مشكلة العجز والدين القومي.
ميزانية عام 2008م
مصروفات: 2.98 تريليون دولار. دخل: 2.5 تريليون دولار. عجز: 455 مليار دولار.
لا يخفى على أبسط التجار معرفة، بل على كل من يتصرَّف مالياً حجم الأزمة التي تعيشُها الإمبراطورية الأمريكية بعد قراءة سريعة للأرقام السابقة.
القطاع الخاص
إنَّ اقتصاد دولة ما لا يُعتبر فقط بالقطاع العام أو الدولة، ولكنه أهم القطاعات لأنَّ أكثر الخدمات من صحة وتعليم وأمن بما في ذلك الشرطة والأمن الخاص والجيش هو من مصروفات خزينة الدولة، وإذا حدث خلل كبير في ميزانية الدولة فإنه يؤدي إلى ضعفها عسكرياً وسياسياً وأمنياً وصحياً.
غير أن القطاع الخاص ذو أهميَّة كبيرة جداً في الاقتصاد، ولهذا سارعت الدول بمحاولة إقالة البنوك من عثراتها رغم أن بعضها من القطاع الخاص.
وذلك لأن قوة اقتصاد القطاع الخاص تؤدي إلى توسع الاستثمار العام زيادة عائده، وهذا إلى جانب تأثير القطاع الخاص في الدخل القومي عبر الضرائب والتي هي نسبة من الدخل الخاص، فبالتالي يزيد الدخل القومي بزيادة الانتاج وانتعاش الاقتصاد ونموه وزيادة الدخل الخاص.
والشركات الخاصة توفر فرص عمل للموظفين والعمال والحرفيين، وبالتالي ترفع العبء عن الدولة في دعم العاطلين، إضافة إلى المساهمة في الخدمات الصحية والتعليمية ونحوها من الخدمات العامة.
ولهذا إذا حدث خلل في القطاعات الخاصة فإنه مما يسارع في انهيار الاقتصاد عموماً، وهذا ما حدث في أزمة الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث بدأت بانخفاض كبير في مؤشر البورصات ثم تبع ذلك الكساد الاقتصادي فيما عُرف فيما بعد بالكساد العظيم.
أزمة القطاعات الخاصة
لمعرفة حجم الأزمة التي يتعرض لها القطاع الخاص بالولايات المتحدة الأمريكية إليك هذه الأرقام في عام 2008؛ مجمل ديون الأفراد في الولايات المتحدة الأمريكية بلغت أكثر من 6 تريليون دولار، مجمل مديونية الشركات بلغت أكثر من 18 تريليون دولار.
الأزمة الاقتصادية العالمية
لقد كانت بداية المشكلة بسبب الديون الربوية، حيث بدأت قبل عام 2007م بسبب التساهل في الرهن العقاري، وهذا التساهل في الإقراض كان بسبب جشع البنوك، إضافةً إلى نقصان النشاط الاقتصادي، ونقصان النشاط الاقتصادي قد يعود إلى دورات اقتصادية ناتجة عن الربا، وذلك عندما يُحجم المدينين عن الشراء فترة ثقل الكاهل بسبب سداد الدين الربوي.
فبسبب أن الأسعار في السوق الحر تتحدد بالعرض والطلب حدث انهيار في سوق العقارات، فاستحواذ البنوك على العقارات ممن لم يسدد الأقساط ثم عرضها في السوق أدى إلى انخفاض أسعارها بنسب كبيرة حيث زاد العرض على الطلب.
مما زاد المشكلة تعقيداً أن الاقتصاد كله مبني على الديون، فالأموال التي تُقرضها البنوك لعملائها ليست كلها ملكاً للبنك فبعضها ديون ربوية من بنوك أخرى، وبعضها من الودائع البنكية للأفراد والمؤسسات والشركات، ولهذا انتقلت المشكلة إلى أسواق الأوراق المالية الأُخرى وإلى الاقتصادات الحقيقية، ثمَّ انخفضت أسعار البترول بسبب نقص الطلب، وذلك بسبب نقص النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الحقيقيَّة مما أدَّى إلى نقص استهلاك البترول.
والأزمات المالية الأمريكية تطال كل من يتعامل بالدولار من حكومات وشعوب العالم سواءاً بالإقراض أو الاستثمار أو الإيداع أو احتياطي العملات الأجنبية بقدر حجم ذلك التعامل، ولذا انتقلت الأزمة إلى بقية دول العالم.
حلول الأزمة
إن نقص الميزانية سنوياً في الولايات المتحدة مع ضعف النشاط الاقتصادي لا يمكن حله إلا بأحد خمسة طرق إذا استبعدنا طريق الحروب وزيادة الإنتاج والنشاط الاقتصادي، وزيادة حجم الإنتاج والنشاط الاقتصادي هو الحل الأنجع والأمثل.
  1. طبع المزيد من الدولارات مما يعني التضخم ونقصان القوة الشرائية للدولار، وزيادة الطباعة سرقة، فإذا كان لديك مبلغ 100 دولار ونقصت قوتها الشرائية إلى ما يعادل 70 دولاراً، فإنَّ الإمبراطورية العظيمة قد سرقت منك حوالي 30 دولاراً.
  2. الاستدانة من القطاعات الخاصة أو المؤسسات المالية الدوليَّة أو الدول الدائنة، مما يعني زيادة مديونية الدولة والتي بلغت 10 تريليون دولار، مما يزيد المشكلة تعقيداً خاصة مع وجود الفوائد الربوية.
  3. إنَّ لجوء الإمبراطورية الأمريكية لحل المشكلة بالدين الربوي هو الدواء بالداء، لأن أصل المشكلة هو الدين والربا، والمال لا يبيض مالاً ولا يفرخ ذهباً، ولا يوجد نمو اقتصادي حقيقي من غير زيادة في النشاط الاقتصادي.
  4. تخفيض النفقات الحكومية، وهذا يؤدي إلى الانكماش بسبب أن صرف جهة يعني كسب أخرى، فإذا قللت الحكومة النفقات، قل التبادل التجاري، وهذا قد يؤدي بدوره إلى الانكماش، كما أنَّ تقليل النفقات الحكومية قد يؤدي إلى حالة ما يسمى بالاضطرابات المدنية بسبب صعوبة الحياة على المواطن.
  5. مفاوضة الجهات الدائنة لأجل خفض سعر الفائدة على الديون لحل مشكلة التراكم، وذلك لأجل تخفيض الديون بالإعفاء من جزء من الدين أو السداد طويل الأجل، وهذا الحل يضر بالدائنين، وقد يؤدي إلى توقفهم عن إدانة أمريكا، فأكبر المقرضين في العالم مثل الصين واليابان وبريطانيا وأبوظبي قد يتوقفون عن المخاطرة بالاستثمار قليل الفائدة بإدانة الإمبراطورية الأمريكية.
  6. إعادة توزيع الثروات عبر زيادة جمع الضرائب من الفئة الأكثر ثراءاً، وهذا قد يحمل الأثرياء على غش الضرائب وبالتالي الإضرار بالحكومة المركزية.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الخميس 13 ذو الحجة 1429هـ، 11/12/2008م
pdf
رجوع إلى قسم اقتصاد

أثر الربا على الاقتصاد

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين على آله وصحبه أجمعين
مقطع فيديو جميل في شرح مبادئ اقتصادية:

Youtube » How The Economic Machine Works by Ray Dalio

خلاصة ما ورد في مقطع الفيديو السابق:
  1. ثمة نوعان من عمليات التبادل التجاري؛ صفقة مكتملة. وائتمان لا يعد صفقة مكتملة إلا بعد سداد الدين المستحق.
  2. الثمن في الحالة الأولى هو النقود، وفي الحالة الثانية هو رصيد الدائن المقيد لحسابه، والذي يعتبر نقوداً في المستقبل بعد السداد، وليس في الحال. والمثمن إما السلع أو الخدمات أو الأصول المالية مثل الأسهم والبورصات.
  3.  كلاً من النقود والأرصدة مهمان لتحفيز الاقتصاد والاستثمار بتشجيع التبادل التجاري.
  4. مجموع الأرصدة في الولايات المتحدة بلغت 50 تريليون دولاراً بينما بلغت النقود 3 تريليون دولاراً فقط.
  5. عندما يستدين شخص من البنك، يعيش في رغد لأنه يستطيع أن يصرف، ولكن عندما يبدأ في سداد الدين ربما يعيش في شظف، لأنه لا يستطيع الصرف بسبب سداد الديون.
  6. صرف المستدين قبل بداية فترة السداد فيه تحفيز للاقتصاد، لأن صرف شخص أو جهة ما يعني كسب أخرى. وهذا الكسب فيه تحفيز للاقتصاد. وعندما يتوقف المدين عن الصرف أو يقلله يحدث انكماش في الاقتصاد لضعف الطلب والشراء.
  7. دورة الدين (الصعود والهبوط في إمكانية الصرف) هي دورة اقتصادية أيضاً بسبب ما تقدم من أن صرف جهة هو كسب لأخرى، وبالتالي تحفيز الاقتصاد أو انكماشه. وثمة دورتان اقتصاديتان مرتبتطان بالديون: قصيرة (ما بين 5 إلى 8 سنوات)، وطويلة (ما بين 75 إلى 100 سنة).
  8. كل الجهات (الأفراد، الشركات، الحكومة المركزية، البنك المركزي) تستخدم النوعين السابقين من التبادل التجاري وهما الصفقة والائتمان.
  9. الجهات السابقة متماثلة في التبادل التجاري، عدا البنك المركزي. البنك المركزي يتحكم في النقود المتداولة والأرصدة المتداولة. التحكم في النقود المتداولة يكون عن طريق التحكم في طباعة النقود، والتحكم في الأرصدة المتداولة عن طريق التحكم في سعر الفائدة على الديون.
  10. في فترة النمو الاقتصادي الناتجة عن دورة الربا يحدث التضخم (إرتفاع الأسعار). والسبب هو زيادة الصرف عن الإنتاج (السلع، الخدمات، الأصول المالية). لأنَّ السعر هو مجموع الصرف (الثمن) سواء كان نقداً أو رصيداً مقسوماً على مجموع المثمن (السلع، الخدمات، الأصول المالية)، وهي مجموع المتوافر من المثمن، والذي لا يزيد إلا عن طريق الإنتاج. فزيادة الصرف مع ثبات الإنتاج يؤدي إلى التضخم وهو زيادة الأسعار. زيادة من عندي للشرح فقط؛ "إذا نظرنا إلى التضخم من زاوية الثمن (النقد، والرصيد) فيمكن تعريف التضخم بنقص سعر العملة مع كثرتها، كما يمكن النظر إليه من زاوية المثمن (السلع، الخدمات، الأصول المالية)، وفي هذه الحالة يمكن تعريف التضخم بزيادة الأسعار. خلاصة أسباب التضخم؛ زيادة طباعة النقود من غير زيادة في الإنتاج (زيادة المثمنات)، وزيادة الأرصدة من غير زيادة في الإنتاج (زيادة المثمنات)".
  11. يضطر البنك المركزي في نهاية منتصف كل دورة لرفع سعر الفائدة للتحكم في الأرصدة المتداولة لحل مشكلة التضخم السابقة الذكر. وعند رفع سعر الفائدة يقل المقبلون على الدين الربوي بسبب غلاء أسعارها. وعندما يرفع البنك المركزي سعر الفائدة تمر البلد بحالة من الركود الاقتصادي بسبب نقص الإقبال على التبادل التجاري عن طريق الأرصدة، وهي حالة ضرورية لحل مشكلة التضخم. ثم بعد أن تستقر الأحوال يخفض البنك المركزي سعر الفائدة لتشجيع الاستدانة ولتحفيز الاقتصاد.
  12. عندما يخفض البنك المركزي الأسعار، فإنه لن يحل مشكلة تراكم الديون التي تمر بها الجهات المختلفة (الأفراد، الشركات، الحكومة)، وإنما فقط يحل مشكلة غلاء الأسعار. وهذا ما يؤدي بدوره إلى دورة الدين طويلة المدى، ففي كل مرة يزداد تراكم الديون. فعندما يقبل الناس على الاستدانة مرة أخرى يزداد تراكم الديون عليهم. والناس دائنين ومدينين (أفراد، حكومة، بنوك، شركات) لا ينظرون عادة إلى المدى البعيد، ويظنون ما يسميه الاقتصاديون فقاعة أنه نمو اقتصادي حقيقي، وغالباً ما تصل الديون إلى مرحلة يستعصي معها العلاج أو يستحيل.
  13. عندما لا تجدي عملية تخفيض سعر الفائدة لتراكم الديون مصافاً إليه الفائدة بما يساوي الدخل أو يقاربه أو يزيد عليه، تلجأ الحكومة المركزية بالتعاون مع البنك المركزي إلى أربعة طرق لتفادي الكساد الاقتصادي والذي قد يؤدي إلى الانهيار إذا لم يتم حله. هذه الطرق الأربعة لها أضرار جانبية قد تكون قاتلة. ثلاثة منها تؤدي إلى الإنكماش وواحدة تؤدي إلى التضخم. الأولى: الطباعة، وهي تؤدي إلى التضخم إذا كانت غير متوازنة مع الطرق الثلاثة التي تؤدي إلى الإنكماش. والثلاثة الأخرى تؤدي إلى الإنكماش إذا لم تكن متوازنة مع الطباعة، وهي: الأولى: تخفيض النفقات الحكومية والفردية، وهذه الطريقة تؤدي إلى الإنكماش بسبب ما تقدم من أن صرف جهة يعني كسب أخرى. الثانية: تخفيض الديون بالإعفاء من جزء من الدين أو السداد طويل الأجل والذي يضر الدائنين ويؤدي إلى خفض الديون وبالتالي خفض الصرف والطلب والذي يؤدي إلى الإنكماش أيضاً. الثالثة: إعادة توزيع الثروات عبر زيادة جمع الضرائب من الفئة الأكثر ثراءاً، وهذا قد يحمل الأثرياء على غش الضرائب وتهديد الاقتصاد بما لديهم من قدرات مالية، وقد يؤدي الكساد إلى حالة ما يسمى بالاضطرابات المدنية وقد يؤدي الأمر إلى الانقلابات العسكرية.
  14. عملية التحكم في الاقتصاد بالطرق السابقة لابد أن تصل إلى نهاية بسبب كثرة الديون وتراكمها مع الزمن، ويزداد الأمر سوءاً مع جهل الكثيرين بحقيقة ما يسمى بالفقاعة وظنهم أن الاقتصاد ينمو نمواً حقيقياً.
بعد سرد ملخص كلامه، يمكن ملاحظة ما يلي:
أن الرجل أقر أن الاقتصاد الخالي من نظام الأرصدة ليس فيه صعود وهبوط، وأن الطريق الوحيد فيه لزيادة الدخل هو الإنتاج، وهذا ما نص عليه في المقطع السابق، وهذا الكلام يجعلنا نخلص إلى أن النظام الربوي نظام لا يشجع على الاستثمار الحقيقي المرتبط بالإنتاج، وإنما هو نظام قائم على استثمار غير حقيقي ناتج عن ضخ أموال لا يملكها أفراد المنظومة الاقتصادية وهو ما يؤدي إلى الفقاعة. وضخ الأموال من غير زيادة في الإنتاج يؤدي إلى التضخم تماماً كما أن طباعة النقود من غير زيادة الإنتاج تؤدي إلى التضخم، ويؤدي ضخ الأموال أيضاً إلى تراكم الديون على المدى البعيد واستعصاء أو استحالة حلها.
يجوز في الإسلام بيع أكثر السلع عدا النقود وبعض الأطعمة بفائدة إلى أجل، مما يعني أن ديننا فيه مراعاة لمبدأ تحفيز الاقتصاد بالائتمان والأرصدة، ولكنه تحفيز مرتبط بإنتاج من تصنيع وزراعة وخدمات ونقل ونحوه من غير استغلال. فإذا باع الإنسان سلعة بفائدة إلى أجل فإنه يكون قد ساهم في الإنتاج بنقل أو تصنيع أو خدمة أو نحوه. وأما بيع الأثرياء النقود فلا إنتاج فيه وضرره حتمي، ففي فترات الهبوط التي لا مفر منها يحدث نوع من الركود الاقتصادي، وحتى في فترة الصعود يؤدي النظام الربوي إلى التضخم وزيادة الأسعار لعدم توازن حجم التبادل التجاري مع الإنتاج.
والربا يجعل الثروة مختصة بفئة معينة فقط (الدائنين والبنوك) لفترات قد يكون مداها الدورة الكبيرة (75 إلى 100 سنة) أو أكثر أو أقل، ثم يمر الدائنون بمشكلة شبيهة لعدم قدرتهم على تحصيل أموالهم من المدينين. وما سبق يجعل توزيع الثروة غير عادل. يقال ما يملكه 83 شخص فقط يساوي كل ما يملكه الناس في العالم! و{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَـٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ}.

عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
يوم الثلاثاء 19 شعبان1435هـ ، 17 يونيو 2014م
pdf
رجوع إلى قسم اقتصاد