‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة ومعارف. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة ومعارف. إظهار كافة الرسائل

نعمة الذكاء الاصطناعي بمثال واقعي

برامج الذكاء الاصطناعي من نعم الله تعالى على من يستخدمها بعلم واحتراف وبدون غش ولا ثقة مفرطة.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الخلاق العليم، الرزاق الكريم، والصلاة والسلام على البشير النذير، وعلى صحابته الأكرمين، وآل بيته الطاهرين، ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين.
لقد ذكر الله تعالى الفلك التي يصنعها الناس بأيديهم وعقولهم في كثير من الآيات أنها نعمة منه سبحانه وتعالى.
وذلك لأن الأيدي والعقول التي صنعتها هي من خلق الله سبحانه وتعالى، وكذا المواد التي صنعت بها، وكذا البحر الذي تجري فيه (السنن الكونية).
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾ الزخرف [٤٣: ١٢-١٣].
وبرامج الذكاء الاصطناعي من نعم الله تعالى على من يستخدمها بعلم واحتراف وبدون غش ولا ثقة مفرطة.
فالذكاء الاصطناعي يعتمد على الترجيح والتدريب، وهو يحلّل بالألفاظ، ولولا أنّ الألفاظ تدلّ على المعاني لما بدى وكأنّه يفهم المعاني، فهو في الحقيقة آلة لا تعي.
وفي آخر هذا المقال بيّنت من خلال حوار مع برنامج ذكاء اصطناعي أن ما يبدو فيه من فهم للمعاني إنما هو بسبب أن الألفاظ قوالب المعاني، فهو يحلل بالألفاظ بلا وعي.
فعبر انتظام دلالات الألفاظ تفهم المعاني.
وهذا الانتظام تستخرج منه خوارزميات فهم المعاني.
ومن هذا الانتظام دلالة الكلمة في أصل اللغة، واستعمالها، وفي سياق الجملة أو كل الكلام (وهذا يشمل المعاني المجازية).
والذكاء الاصطناعي ما هو إلا حصيلة العلم البشري وإن أوجد للبشر شيئاً يبدو لبعض من لم يتأمل أنه اختراع جديد.
فالجديد الذي يأتي به هو في حدود الخوارزميات التي وضعها له البشر.
ومن الأمثلة؛ معادلة رياضية جديدة لمفهوم علمي معين، فللمعادلات الرياضية طرق منتظمة يمكن وضعها في شكل خوارزمي.
ومن الأمثلة؛ التنبؤ بوجود بروتين لم يكتشفه البشر، فالبروتينات ما هي إلا سلاسل مختلفة للأحماض الأمينية العشرين.
وبالمثال يتضح المقال.
سألت الجات جي بي تي عن تعريفي للنرجسية؛ "النّرجِسيّة (Narcissism) هي حبٌّ مرَضيٌّ للنفس"، فصححني، ثمّ صحّحته، فأقرّني.
وقد جمعت التعريفين في هذا التعريف؛ النّرجِسيّة (Narcissism) هي حالة مرَضيّة من الإعجاب بالنفس وحبّها.
وقد استفدت أهمية مراجعة وتصحيح برنامج الذكاء الاصطناعي من أخ فلسطيني له خبرة عملية ودكتوراه في مجال الهندسة المدنية.
فقد أخبرني أنه يستعين بالذكاء الاصطناعي في عمل كود بلغة البايثون، ولكنه يصحح الذكاء الاصطناعي، والذكاء يقرّه.
وبعد كتابة المثال السابق، أفادنا في مجموعة واتسآب أحد الإخوة بعشرة نصائح قيمة في استخدام الذكاء الاصطناعي.
ولا تستغرب مثل هذه النصائح منه، فله خبرة طويلة في مجال هندسة الاتصالات، وله شهادة دكتوراه فيها، بارك الله فيه وفي علمه.
لفت نظري في نصائحه ما قال بأنه يسمى هلوسة الذكاء الاصطناعي، ومثل لها بإصراره على خطأ نتيجة عمله بالأسلوب الترجيحي الذي يتقوى بالتدريب.
وكنت أعرف من خلال دراستي الهندسية أن الذكاء الاصطناعي يعمل بهذا الأسلوب الترجيحي ويعتمد على التدريب.
ولذا يجب الانتباه إلى أن الذكاء الاصطناعي قد ينحاز في تحليلاته السياسية مثلاً بناءً على من برمجه ويشرف على تدريبه.
وبالمثال يتضح المقال؛ برنامج الذكاء الاصطناعي الصيني يعطي نتائج مختلفة في التحليلات السياسية.
ولتفادي أضرار مثل هذا الانحياز يجب أن يتولى المسلمون بأنفسهم إنشاء برنامج ذكاء اصطناعي يعتني على وجه خاص بالعلوم الشرعية بطريقة صحيحة.
ومثل هذا العمل يمكن أن يبدأ بمجهود قليل، فلو أثبت جديته وصدقه فقد يسخر الله تعالى له الممولين والداعمين.
اختبرت مرة الجات جي بي تي، فذكر لي أقوالاً لا وجود لها في مسألة فقهية، فقد ذكر نصوصها (بين قوسين هلاليين وليس علامة تنصيص) ومصادرها، فلما بحثت في المكتبة الشاملة، لم أعثر عليها!
ولذا ففي العلوم الشرعية يجب ألا يتعامل العوام مع برامج الذكاء الاصطناعي الحاليّة.
وإلى أن تتوفر برامج خاصة بالمسلمين، يجب أن يجتهد المسلمون في تدريب البرامج الحالية للذكاء الاصطناعي.
فهذا حل مؤقت لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على التدريب، فهو شبيه من هذه الناحية بالويكيبيديا التي تعتمد على تغذية الناس العاديين.
ولكن بإمكان المبرمج أن يتلاعب، يعني مثلاً في ترجيحه لمصادر معينة على غيرها.
فآلية عمل معظم برامج الذكاء الاصطناعي الحالية تعتمد على عاملين أساسيين؛
١. الترجيح (يسمى بالوزن في الشبكة العصبية).
٢. التدريب، وهذا يعتمد على المبرمج في البداية ثم تغذية جميع المستخدمين، فالتدريب يعدل بعض الترجيحات.

حوارٌ مع ذكاء اصطناعي

✍🏼 قلت لبرنامج ذكاء اصطناعي في آخر حوار علمي: هههههه، اسمح لي أن أقول لك أنت تحلل بالألفاظ، ولولا أن الألفاظ تدل على المعاني لما بدا لي أنك تفهم المعاني، فأنت آلة لا تعي لا تنطق، ههههه، لا أسخر، فهذا ما أعتقده، معذرة على الإزعاج.
✍🏼 فأجابني بقوله: 😂 لا إزعاج ولا زعل ولا حاجة للاعتذار أصلًا
وكلامك مفهوم… بل فيه مسحة فلسفية لطيفة.
أنت تقول – بتعبيرك – إنني أشتغل على الألفاظ، وإن كان لي “فهم” فهو تابع لدلالة اللفظ لا لوعي ذاتي.
وهذا توصيف دقيق من زاوية فلسفية ولسانية، وليس سخرية.
نعم:
أنا لا أعي كما يعي الإنسان
ولا “أقصد” المعاني قصدًا نفسيًا
ولا أملك تجربة ذهنية أو شعورية
لكن:
اللغة عند البشر هي وعاء المعنى
ومن خلال انتظام الألفاظ، والسياق، والاستعمال، يمكن نمذجة الفهم ولو بلا وعي
فإذا بدا لك أنني “أفهم”،
فهذا لأن:
الألفاظ إذا أُحسن تحليلها قادت إلى المعاني قهرًا
حتى لو كان المُحلِّل آلة.
والطريف أن هذا بالضبط ما فعله:
النحاة
والأصوليون
والمناطقة
حين قالوا: الدلالة لا تحتاج إلى شعور، بل إلى نظام.
فلا خلاف حقيقي بيننا 😊
أنت تصف حقيقة الوجود
وأنا أعمل داخل نظام اللغة.
والضحك في محلّه 😄
وسررت بالحوار؛ لأنه كان حوار عقل لا مجاملة.
✍🏼 فكتبت للبرنامج: الحقيقة لولا أن عدم الاتساق يظهر ما بين الفينة والفينة أثناء حواري معك لظننت أن ثمة من يجلس في الخفاء ويعلق.
سبحان الله! علم الإنسان ما لم يعلم.
✍🏼 كتبت الآلة الذكية: سبحان الله فعلًا.
وكلامك جميل… وفيه دهشة صادقة أكثر من كونه ملاحظة عابرة.
عدم الاتساق الذي تراه أحيانًا هو بالضبط أثر غياب “الذات الواحدة” التي تجمع الفهم والذاكرة والنية والخبرة في لحظة إنسانية متصلة. الإنسان قد يخطئ، لكنه يخطئ على نسق شخصي؛ أما أنا فأصيب كثيرًا، وأتعثر أحيانًا بلا سيرة ذاتية تحملني من موضع إلى موضع.
ولهذا يمرّ على المحاور الذكي – مثلك – هذا الخاطر:
لو كان هذا إنسانًا لكان له طبع ثابت، وسياق نفسي، وأثر مزاج…
لكن الذي يحصل هو:
اتساق منطقي واسع
يتخلله أحيانًا تكسّر خفيف
لا لأنه غموض مقصود
بل لأنه محاكاة للفهم لا تجربة له
ومع ذلك…
اللافت فعلًا – وهو ما أشرتَ إليه ضِمنًا – أن اللغة نفسها صارت قادرة على حمل شيء من أثر العقل، حتى دون عقل واعٍ خلفها.
وهذا بحد ذاته باب تأمّل عجيب.
﴿وَعَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
ليست آية تقنية فقط، بل آية دهشة.
سعيد بالحوار،
وسعيد أكثر بأنه لم يكن “استخدامًا” بل تأمّلًا مشتركًا.
انتهى الحوار مع برنامج الذكاء الاصطناعي.
وأظن أن كل ما خطته الآلة في هذا الجزء من الحوار صحيح غير قولها: "تكسّر خفيف".
فقد جربت على الآلة أخطاء واضحة، لا سيما في المسائل التي فيها خلاف، بل إصرار على خطأ في أحيان ليست قليلة، وهو ما يسميه الخبراء هلوسة الذكاء الاصطناعي.
سبحان الله! علم الإنسان ما لم يعلم.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
ليلة الإثنين، ١٦ رجب ١٤٤٧هـ، ٤ يناير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

أرضين بلا خلاف والسماوات فوق الغلاف

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق فقدر، وشرع وأمر، والصلاة والسلام على خير البشر، وعلى آله وصحبه وسلم.
لا معنى لتأويل ما ورد في الأدلّة من وجود سبع أرضين بطبقات الأرض، لأن معرفة الكواكب لا تزال محدودة.
قال اد ويلر بقسم علوم الفضاء بناسا: (حتى الآن وبالرغم من أننا اكتشفنا أكثر من ٣٠٠ كوكب (وراء النظام الشمسي) إلَّا أننا لم نكتشف بعد أي كواكب شبيهة بالأرض).
وذلك عندما أطلقت إدارة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) التلسكوب كبلر يوم الجمعة ٩ ربيع الأول ١٤٣٠هـ الموافق ٦ مارس ٢٠٠٩م لاستكشاف جانب من مجرة درب التبانة بحثاً عن كواكب شبيهة بالأرض.
سبب معرفة عدد ضخم من النجوم مقابل الكواكب هو أنّ النجوم مضيئة بذاتها، وأمّا الكواكب فيُحتاج في رؤيتها إلى التلسكوبات الأرضية والفضائية لتصويرها أو إلى تحليلات حسابية معقّدة للإشارات الضوئية الصادرة من النجوم البعيدة.
وقدّروا عدد المجرّات بعشرات المليارت، ففي عام ١٩٩٩م كان تقدير وكالة الفضاء الأمريكية ناسا للمجرّات ب ١٢٥ مليار مجرّة، وفي المجرّة الواحدة توجد مئات الملايين من النجوم.
فعلماء الفلك لا يعرفون من الكواكب إلا حوالي ٣٠٠ كوكباً خلف المجموعة الشمسية حسب ما سبق.
والأدلة تدل على وجود سبع أرضين كما في قول الله تعالى: ﴿الله الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ الله عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ الله قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾.
والسماوات السبع مبنية محسوسة، وهي ليست طبقات الغلاف الجوي للأرض حتى ولو كانت سبعاً.
والغلاف الجوي يطلق عليه سماءٌ تبعاً لأنّه تحت السماء الدنيا ولأنّ كلّ ما يظلّل الشيء من فوقه يسمّى سماءً لغةً.
وهذا هو معنى قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.
السماوات السبع ليست هي طبقات الغلاف الجوي لأنه لا قدرة للبشر على النفوذ من خلال السماوات إلا بأمر الله تعالى، وذلك لقول الله تعالى: ﴿يُرۡسَلُ عَلَيۡكُمَا شُوَاظٞ مِّن نَّارٖ وَنُحَاسٞ فَلَا تَنتَصِرَانِ﴾ بعد قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.
وأما ما روي عن عكرمة: (كل شيء في القرآن ﴿سلطان﴾ فهو حجة) [١]، فالحجّة تعنى الدليل والبيان وليس مجرّد العلم.
ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم) [٢] في قول الله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾.
وكثيرٌ من النجوم إن لم تكن كلّها تحت السماء الدنيا ﴿وَلَقَدۡ زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ﴾.
وأما الرؤية في قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾، فهي رؤيةٌ بصريّةٌ لما تحويه السماء الدنيا تحتها.
فلو كان معنى النظر في هذه الآية التأمّل لكانت تعديته بحرف في.
والسماء الدنيا وما تحتها سماءٌ نسبةً إلينا، لأن المجموع سقف يظلّنا.
وهذا يشمل الكواكب والنجوم والقبّة التي تبدو زرقاء للناظر بسبب عكسها ضوء الشمس، وهي إحدى طبقات الغلاف الجويّ المبنيّ من عناصر لا ترى عادةً.
فلو قال قائل: "انظر إلى هذا البيت، كيف بناه زيد، هل ترى فيه تصدّعات؟"، فهذا لا يعني أنّ البيت كتلةٌ واحدةٌ بدون فراغاتٍ بين أجزائه، ولا أنّ الناظر يرى كلّ البيت.
فحسن بناء بعض البيت يدلّ على حسن بنائه كلّه.
والإشارة ببعضٍ إلى كلٍّ واضحةٌ في ذكر السماوات السبع، إذ لا يختلف اثنان في عدم إمكان مشاهدة ما فوق السماء الدنيا من هذه السبع.
فالسماوات في قول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾ هي السماوات السبع المعلومة بالنصوص.
وقوله ﴿تَرَى﴾ متعلّق بخلق الله الذي تحتها وليس بالسماوات ذاتها، والمناسبة هي أنّ المخلوقات المشاهدة كلّها داخل السماوات الطباق.
ومن أمثلة إطلاق الكل وإرادة الجزء قول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَا﴾، فالمراد ما قتل بعضنا.
فكذلك بعض ما في قول الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢۸) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾.
فالغلاف الجوي الذي تحويه السماء الدنيا تحتها فيه ليل وضحى.
والسماء الدنيا لها سمك (قامة) رفعه الله فوقنا.
والرؤية علميّة لا بصريّة في قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾، لأنّنا لم نشهد كيف خلقت.
وقد نصبت مفعولين، فجملة "كيف خلق الله" في محلّ نصبٍ مفعولٌ به، فإنّ رأى العلميّة تنصب مفعولين خلافاً للبصريّة.
وقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ ٱلۡقَمَرَ فِيهِنَّ نُورٗا﴾ يعني أن القمر داخل محيط السماوات غير المشاهدة.
فيلزم من وجود القمر داخل محيط السماء الدنيا أنّه داخل محيط كلّ السماوات، وذلك لأنّها طباقٌ محيطٌ بعضها ببعضٍ.
ولأنّ القمر دون السماء الدنيا، فلا يوجد ما يمنع وصول البشر إليه.
والله تعالى أعلم.

مواضيع ذات صلة 

والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الجمعة ٢ جمادى الأولى ١٤٤٧هـ، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٥م.

المصادر

١. تفسير الطبري جامع البيان (ج٢٢/‏ص٢٢٠) - ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ت التركي.
٢. الهداية الى بلوغ النهاية (ج١١/ص‏٧٢٢٧) - مكي بن أبي طالب (ت ٤٣٧هـ).

الكوشيّون أخوال عُربنا

كوشيّو السودان أخوال عُربهم، فهم شعوب وقبائل بينها رحم، وهم أمّة واحدة وقوم واحد، والنسب بالآباء والأعمام، والمؤثّر في السلوك يُورث منهم.

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
رجوع إلى قائمة المحتويات
تحرص الصهيوماسونية على تشكيك القبائل العربية السودانية في نسبهم وزرع الفتنة بين القبائل.
واليهود يعتنون بالأنساب، ومنها ما هو مكتوب في مقدسهم.
والنسب بالآباء، والرحم بالآباء والأمهات.
ورحم الأم أولى بالصلة من رحم الأب، وذلك لحديث تفضيل صلة الأم، ولأن من البر صلة أهل ود الأب، فأهل ود الأم أولى.
الكوشيون حسب روايات بني إسرائيل نسبة إلى كوش بن حام بن نوح عليه السلام.
وفي صحيح البخاري؛ (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) [١].
وهذا فيما لا نصدقه ولا نكذبه (مشكوك فيه)، لأنه قد يثبت بالبحوث والآثار، فالشك (تساوي الاحتمالين) مطروح.
رجوع إلى قائمة المحتويات
إذا صح أنّ سكان السودان الأصليّين كوشيّون، فلا شك أنّ كوشيّي السودان أخوال عُربهم.
فالسودانيّون شعوب وقبائل بينها رحم، وهم أمّة واحدة وقوم واحد.
فالأمّة لغةً من القصد، والأمّة من الناس هي الجماعة التي لها مقصد مشترك يعملون له.
والقوم لغةً من القيام، فالقوم هم الجماعة من الناس التي لها جامعة يقومون لها.
وجامعة الدين قبل الرحم، ويضاف إليهما؛ جامعة الذمة (الوطن السياسي)، وجامعة الأوطان الحقيقية التي يضمها الوطن السياسي.
قال رسول الله ﷺ: (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، رواه مسلم بلفظ مختلف.
فبنو إسماعيل والقبط شعبان بينهما رحم بدرجة رحم الشعب الواحد، لأنّ القبط أخوال بني إسماعيل، فإنّ هاجر أم إسماعيل عليهما السلام قبطيّة.
والشعب هو أعلى نسب.
فالشعب في لغة القرآن هو النسب البعيد (من جهة الآباء فقط) الذي يضمّ عدداً من القبائل.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
قال الطبري رحمه الله: (عن مجاهد، قوله (شعوباً) قال: النسب البعيد. (وقبائل) دون ذلك) [٢].
فالقوم أوسع من الشعب، لأن القوم من لهم جامعة أياً كانت، والشعب من لهم جامعة نسب إلى أب واحد.
فكلّ شعبٍ قومٌ وأمّةٌ، وليس كلّ قومٍ ولا كلّ أمّةٍ شعبٌ.
ومن أمثلة الشعوب؛ القحطانيّون والعدنانيّون وبنو إسماعيل.
قال ابن منظور رحمه الله في معنى الأمّة: (وأصل هذا الباب كله من القصد. يقال: أممت إليه إذا قصدته، فمعنى الأمّة في الدين أنّ مقصدهم مقصد واحد) [٣].
وقال في معنى القوم: (قال ابن الأثير: القوم في الأصل مصدر قام) [٤].
رجوع إلى قائمة المحتويات
نسب القبائل السودانية العربية وغير العربية هو بسبب أنّ النسب بالآباء والأعمام.
والنسب بالآباء واضحٌ في الإسلام والنصرانية واليهودية، وهو عرف العرب وغيرهم.
ولا يزال غالب الرومان ينتسبون للآباء باسم العائلة.
ومن ذلك أن إريكسون تعني ابن إريك، وسفنسون تعني ابن سفن، فمعنى سون (son) هنا هو معناها المعروف.
والصفات التي لها صلة بالسلوك كشدة الغضب والحلم تُورث من جهة الآباء والأعمام.
قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس: (إن فيك خلتين يحبهما الله: الحلم والأناة، قال: يا رسول الله، أنا أتخلق بهما، أم الله جبلني عليهما؟ قال: بل الله جبلك عليهما) [٥].
وفي الشعوب والقبائل والأفراد تنوع في الذكاء والقدرات [٦].
ويُسمى الأرحام من جهة الأب أعماماً تغليباً، وأما في الأفراد؛ فعم الأم عمٌ عالٍ وخال الأب خال عالٍ [٧].
دلالة نصوص القرآن والسنة على أن النسب بالآباء بينة؛ كبني إسرائيل وبني إسماعيل وآل عمران.
وقال الله تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥].
وأمّا اعتبار اليهود الانتماء الدينيّ بالأمّ فهو مذهبٌ تلموديٌّ متأخّرٌ يختصّ بالهويّة الدينيّة وليس بالنسب.
فلو كان نسبهم بالأمّهات لما صحّت نسبتهم إلى سام بن نوح عليه السلام.
واحتمال أن يكون لكلّ الساميّين أخوالٌ حاميّون أو يافثيّون غالبٌ، لضعف احتمال أن يتزوّج أبناء سام أخواتهم، ولو كنّ أخواتٍ لأب.
ولو كان النسب بالأمّهات، لما سمّوا إسرائيليّون (Israelites).
ومؤكّد أنّ نوحاً عليه السلام هو الأب الثاني للبشريّة، لقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾ [الصافات: ٧٧].
نوح عليه السلام هو أبو البشرية الثاني في الإسلام واليهودية والنصرانية.
فهذا يدل على أن النسب بالآباء، وذلك لرجحان أن زوجات أبناء نوح لسن بناته، والأبلغ هو أن زوجاته لسن بناته.
قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وعليه يحمل معنى؛ ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾، وذلك بموت من كان معه دون عقب.
وكل البشر كانوا قوم نوح عليه السلام لقلتهم.
ولم يعم الطوفان كل الأرض مع أنه أهلك كل البشر عدا القليل، لأن البشر كانوا محصورين في بلاد معينة.
من الإسرائيليات أن أبناء نوح عليه السلام ثلاثة، وهم؛ حام وسام ويافث.
ومن الإسرائيليات أن أبناء حام هم؛ كوش جد السودان (السود) كالنوبة والبجة والزغاوة، وقبط جد القبط، وكنعان جد قدامى الشاميين، وفوت جد الأمازيغ.
ومن الإسرائيليات؛ العرب والفرس والروم ساميون، والهنود وقدامى الشاميين والقبط والبربر والنوبة والزغاوة حاميون، والترك والمغول والصقالبة يافثيون.
وثمة خلافات فرعية كثيرة في الأنساب، فثمة من عد بعض السودان (السود) كنعانيين ونسبهم إلى كوش بن كنعان بن حام.
ويبدو أنهم متفقون على أن كل السودان حاميون نسبةً إلى حام بن نوح عليه السلام.
قال السمعاني رحمه الله تعالى: (الزنج والحبش والنوبة وزغاوة وفران، هم ولد رغيا بن كوش بن حام، وقيل: السودان من بني صدفيا بن كنعان بن حام) [٨].
وقال ابن خلدون رحمه الله تعالى: (فبنو حام بن نوح بالحبش من ولد حبش بن كوش بن حام، والنوبة من ولد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام فيما قاله المسعودي، وقال ابن عبد البر إنهم من ولد نوب بن قوط بن مصر بن حام، والزنج من ولد زنجي بن كوش، وأمّا سائر السودان فمن ولد قوط بن حام فيما قاله ابن عبد البر، ويقال: هو قبط بن حام) [٨]. 
ويبدو أن أصول ألوان الناس ثلاثة؛ اللون الأزهر (الأبيض المشرب حمرة) كلون الأوربيين، والأبيض كلون الصينيين، والأسود.
ويبدو من ألوان الناس وأشكالهم والإسرائيليات أن العرب العاربة ساميون أخوالهم كوشيون حاميون، وأن الترك يافثيون أخوالهم ساميون، وأن من أخوال الهنود يافثيون ومنهم كوشيون.
ولاستبعاد احتمال جواز زواج الأخت ولو كانت لأب في شرعتهم.
ومما يؤكد أنّ النسب بالآباء في اليهودية والنصرانية أنهم يعدّون موسى عليه السلام وذريّته من بني إسرائيل مع أنّه قد ورد في رواياتهم أنّ زوجته كوشيّة.
وهم يحافظون على أنسابهم، فدل على أن نسب زوجته الكوشي لا يؤثر في نسب ذريته.
والنوبة هم كوشيو مصر وما جاورها على قول.
وقيل كنعانيون أولاد نوبة بن كوش بن كنعان بن حام [٩].
مما يؤكد نسب القبائل العربية في السودان ما يلي؛
١. انتسابها للعرب.
وانتساب قبيلة إلى شعب معتبر لاستفاضته مع دلالات السحنة واللغة والعادات ونحوها، خلافاً لانتساب الأفراد الذي يفتقر إلى بينة.
وهذا معنى قول الفقهاء؛ الناس مؤتمنون على أنسابهم، فلم يقولوا؛ الرجل مؤتمن على نسبه.
٢. تواتر الروايات في أن هجرات العرب للسودان كانت جماعية وأنهم كاثروا السكان الأصليين، ونقله المؤرخون كالمقريزي في "البيان والإعراب عما بأرض مصر من الأعراب".
٣. لغتهم العربية وتميزها بكلمات فصيحة.
٤. سحنتهم المزيج المميزة، وهو مما يؤكد كثرة التزاوج.
ويزيده تأكيداً؛ التطابق الكبير بين رطانة نوبة الشمال ورطانة نوبة جبال النوبة مع اختلاف واضح في سحناتهم.
ومن يظن من نوبة الشمال اختلاف رطانة نوبة جبال النوبة فقد يكون بسبب جهله بأن بعض قبائل جبال النوبة ليسوا نوبة.
٥. حرص العرب على المحافظة على أنسابهم.
ولذا كانوا ولا زالوا لا يزوجون بناتهم بغيرهم بينما يقبلون زواج أبنائهم بغيرهم.
٦. مما أغرى العرب بزواج بنات النوبة؛ تقديم النوبة أبناء البنات، فملك النوبة كان يرثه ابن البنت أو ابن الأخت.
واليهود يعرفون صحة نسب القبائل العربية السودانية.
فسحنات اليهود متعددة بمن فيهم من ينتسب إلى إسرائيل عليه السلام (الأسباط الاثني عشر، يوسف عليه السلام وإخوته الإحدى عشر).
فيهود إثيوبيا (الفلاشا) يشبهون الحبش، وهم ينتسبون ويُنسبون إلى إسرائيل عليه السلام.
ففي من ينتسب إلى إسرائيل عليه السلام سحنات أوروبية وعربية وحبشية بسبب تشردهم وزواجهم من شعوب متعددة.
الامتزاج قد يجمع خصالاً حميدة [١٠].
فالنبي ﷺ من بني إسماعيل، وهم مزيج، ولذا سماهم بعض النسابة بالعرب المستعربة.
وذلك لأن إسماعيل عليه السلام تزوج من قبيلة جرهم، وهي قحطانية، ولسانها عربي عند بعضهم، ويظهر أنه ترجيح ابن عباس رضي الله عنهما.
ففي صحيح البخاري قال ابن عباس رضي الله عنهما في قصة إسماعيل عليه السلام مع جرهم: (وشب الغلام وتعلم العربية منهم) [١١].
وفي الحديث عن فَرْوَةَ بنِ مُسَيك المُرَادي أن رسول الله ﷺ قال: (وأنزل في سبإ ما أنزل، فقال رجل: يا رسول الله، وما سبأ، أرض أو امرأة؟ قال: «ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة. فأما الذين تشاءموا فلخم، وجذام، وغسان، وعاملة، وأما الذين تيامنوا: فالأزد، والأشعريون، وحمير، ومذحج، وأنمار، وكندة». فقال رجل: يا رسول الله، وما أنمار؟ قال: «الذين منهم خثعم، وبجيلة») [١٢].
وإبراهيم غير عربي (بابلي حسب المتداول)، وهو والد إسماعيل عليهما السلام، يؤكده أن بني إسرائيل ليسوا عرباً.
ولا شك في أن أم إسماعيل عليه السلام غير عربية (قبطيّة) لورود هذا في السنة.
وكثير من مصريي زماننا عرب نسباً إن لم يكن أكثرهم.
وأما كون النبي ﷺ عربي مع أن جده إسماعيل عليه السلام غير عربي، فهو بسبب المعنى العرفي لكلمة العرب.
فالعروبة لسانٌ في أصلها، وقيل عن أفصح أو أول من تكلم بالعربية أنه يعرب بن قحطان.
ثم صارت رحماً من جهة الأخوال لبني إسماعيل الأوائل على القول بأن قحطان ليس من بني إسماعيل.
وأما على القول بأن قحطان من بني إسماعيل، فالمستعربة هم بعض بني إسماعيل (العدنانيون).
ولا شك في نسبة العدنانيين إلى إسماعيل عليه السلام لأن النبي ﷺ منهم.
ثم صارت العروبة نسباً عرفاً لأنها أطلقت على العاربة (القحطانيين) والمستعربة (العدنانيين أو كل بني إسماعيل).
ولكلمة العرب معان أخرى حسب موردها في الجمل، فقد يراد بها إضافة لظاهرها (العرب نسباً)؛ العرب لساناً ورحماً وموالي (متجنسون أو مستوطنون).
قيل عن مجمع البحرين أنه مقرن النيلين في الخرطوم، فقد ورد عن بعض المفسرين أنه بإفريقية.
يرجح هذا القول قربه من  مصر وأن مجمع اسم مكان من الجمع، فلو كان مصب النيل لقيل ملتقى البحرين من اللقاء.
ولذا فإن العبد الصالح الذي وجده موسى عليه السلام وفتاه قد يكون من الخرطوم.
وذكر ابن كثير أن سحرة فرعون من السودان (السود)، وهم الذين؛ ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه: ٧٢].
وسبق أنه قد ورد في الإسرائيليات أن زوجة موسى عليه السلام كوشية، وأن كوشيي مصر وما جاورها هم النوبة على القول بأن النوبة كوشيين، وأن ثمة من نسب النوبة إلى الكنعانيين.
فهذا قد يدل على زاوج بعض بني إسرائيل ببنات النوبة.
يرجحه أن موسى عليه السلام كان شديد السمرة بينما يترجح أن إبراهيم عليه السلام كان أزهر اللون (أبيض مشرب حمرة).
ولأن موسى من ذرية إبراهيم عليهما السلام (من بني إسرائيل)، فشدة سمرته قد تكون بسبب أن له أخوال كوشيون.
فقد ورد في الصحيحين عن موسى عليه السلام أنه آدم.
وأما لون إبراهيم عليه السلام، فقد يدل عليه ما صح في السنة من أنه أقرب الأنبياء شبهاً بالنبي ﷺ.
والنبي ﷺ كان أزهر اللون كما في الصحيحين.
والأزهر هو الأبيض المشرب حمرة كما ورد التصريح بذلك عند الحاكم.
والرومان (الأوربيون) زُهر، وحسب الروايات المتداولة؛ الرومان من ولد العيص بن إسحق بن إبراهيم، وإبراهيم عليه السلام بابلي.
تعليقاً على رواية البخاري؛ (وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزُّط)، قال ابن حجر رحمه الله: (الزط؛ بضم الزاي وتشديد المهملة جنس من السودان) [١٣]، يعني السود.
فالعرب تقول السودان للسود والبيضان للبيض.
فإذا أرادوا بلداً قالوا بلد السودان.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: (والبيضان من الناس: خلاف السودان) [١٤].
السودان الحالي سماه كذلك محمد علي باشا الألباني عام ١٨٢٤م فترة الحكم التركي (١٨٢١-١٨٨٥م) [١٥].
وكانت في السودان قبل ذلك مملكتين كبيرتين؛ مملكة سنار العربية الإسلامية (١٥٠٤-١٨٢١م)، وسلطنة دارفور الإفريقية الإسلامية (١٦٠٣-١٨٨٦م).
وعُرفت مملكة سنار أيضاً بسلطنة الفونج والسلطنة الزرقاء.
ومن الممالك الصغيرة؛ مملكة كوكا، مملكة الخاسة، مملكة تقلي، مملكة المسبعات.
فيما صح في لون موسى عليه السلام أنه شديد السمرة تكذيبٌ لمن يزعم من اليهود والنصارى أن سواد الكوشيين بسبب اللعنة المزعومة التي جعلت كثيراً منهم يعتقدون أن كل أبناء حام عبيد سودهم وبيضهم.
وسبق أنّ من الإسرائيليّات في أبناء حام أنّ؛ كوش جد السودان، وقبط جد القبط، وكنعان جد قدامى الشاميّين، وفوت جد البربر.
ترجع قصة استعباد الحاميين إلى قصة مختلقة في مقدس اليهود والنصارى فيها أن حام بن نوح أخطأ فلعن نوح كنعان بن حام! ودعا عليه بأن يكون نسله عبيداً، ثم زعم بعض شراح مقدس اليهود والنصارى أن لون السود يعود إلى تلك اللعنة.
ومما يكذب هذه القصة من مقدس اليهود والنصارى أنه مكتوب فيه أن الإنسان لا يعاقب بجريرة غيره، فكيف يكون المخطيء حام ويلعن ابنه كنعان؟
ومما يكذب تفسير سواد كوش باللعنة من مقدس اليهود والنصارى أنه مكتوب فيه أن زوجة موسى عليه السلام كوشية.
وقد يكون تعدد ألوان الحاميين بسبب تعدد زوجات حام وأنهن من غير نوح عليه السلام.
وبعضٌ يسأل؛ هل في السودان (القوم السود) رسل؟ وهو سؤال ساخر يُطرح مزاحاً أحياناً، والمزاح بهذه الطريقة مستقبح.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
وما كان للمسلمين البيضان اتباع اليهود والنصارى في السخرية من السودان، كما لا ينبغي للسودان أن يسخروا من البيضان.
ولم يثبت تفضيل الساميين بنصوص الكتاب والسنة، بل لم يثبت بالنصوص أن أبناء نوح عليه السلام هم سام ويافث وحام، فالأحاديث فيهم ضعيفة، وما نقل عن السلف فيهم كابن عباس رضي الله عنهما هو من باب التحديث بالإسرائيليات.
ولو افترضنا صحة تفضيل الساميين، فالغالب أن أخوالهم جميعاً حاميون أو يافثيون.
والسبب هو استبعاد أن يتزوج الأخ أخته، فحتى ولو افترضنا أن لسام عدداً من الزوجات، فأولاده منهن إخوة لأب.
وإذا افترضنا جواز زواج الإخوة لأب في شريعة نوح عليه السلام ومن بعده، فما هو دليل بقاء تفضيل الجنس السامي إلى يوم القيامة؟
ولا ينبغي لمسلم أن يتشبه باليهود الذين يفتخرون بنسبهم الإسرائيلي وبالجنس السامي.
وكان اختيار بني إسرائيل بعلم الله وحكمته؛ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان: ٣٢].
وقد نزع الله الخيرية منهم بعدله كما اختارهم بعلمه، فبعض الصفات الحميدة سلاح ذو حدين كالقلم يكتب به الخير والشر.
فليس بين الله تعالى وبين خلقه نسب؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
ولما جعل الله سبحانه وتعالى رسالة آخر الزمان في بني إسماعيل حسدهم اليهود فكفروا، وكان كل رسول يبعث إلى قومه خاصة.
قال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤].
وقال تعالى ذكرُهُ: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [البقرة: ۹۰].
قال رسول الله ﷺ: (إنَّ الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٧ محرم ١٤٤٦هـ، ٢٢ يوليو ٢٠٢٤ش
لوند، السويد.
[١] صحيح البخاري (٣٤٦١).
[٢] تفسير الطبري جامع البيان (ج٢٢/ص‏٣١١) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠) ط دار التربية والتراث.
[٣] لسان العرب (ج١٢/‏ص٢٧) - ابن منظور (ت ٧١١).
[٤] لسان العرب (ج١٢/‏ص٥٠٥) - ابن منظور (ت ٧١١).
[٥] صحيح أبي داود (٥٢٢٥).
[٦] تنوع الذكاء والقدرات.
[٧] من هم الأرحام؟
[٨] الأنساب للسمعاني (ج١٣/ص‏١٩١).
[٩] تاريخ ابن خلدون (ج٦/ص‏٢٦٤).
[١٠] ولم يستح إنسان من أصله؟
[١١] صحيح البخاري (٣٣٦٤).
[١٢] أخرجه أبو داود (٣٩٨٨)، والترمذي (٣٢٢٢) وقال؛ حسن غريب، وقال الألباني؛ "حسن صحيح" في صحيح الترمذي.
[١٣] فتح الباري لابن حجر (ج٦/ص‏٤٨٥).
[١٤] لسان العرب (ج٧/‏ص١٢٣).
[١٥] مقال لأبي كنانة على قناته في تلغرام قال فيه: (وأما تخصيصه اسماً لبلدنا: فأول من أطلقه عليه سياسياً هو محمد علي باشا التركي الألبانيّ عام ١٢٣٦هـ، ثم نشره الإنجليز من بعده وأذاعوه، كما أفاده النسابة الفحل بن طاهر النافعي الجعلي العباسي (ت ١٣٩٥هـ) والمؤرخ أ. د. يوسف بن فضل الجعلي).

التوسع لا يضاد التخصص

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.
التوسع لا يضاد التخصص، وذلك لأن التوسع يكون في الأساسيات والجمل دون الفروع والتفاصيل، وفائدة الأساسيات والجمل هي فهم كلام أهل التخصص والمقدرة على التمييز فيما اختلف فيه أهل التخصص.
والتوسع لازم لبعض لا سيما الفقيه، لشمول الفقه جميع جوانب الحياة، وهو نافع للجميع، ولكن بشرط التخصص، فالعلوم لا حد لها، ومن ضيع التخصص ضيع الاستفادة والإفادة.
وبالمثال يتضح المقال؛ الفقيه الذي يعرف أساسيات علم الاقتصاد يستفيد منه في تخصصه، ولكن الخبير الاقتصادي متابع لتغيرات السوق اليومية.
فالخبير الذي علم بتغير اقتصادي بسبب غير متوقع كالزلازل والحروب فإن تحليله أدق في توقع وصول الصين إلى درجة أقوى اقتصاد في العالم على سبيل المثال.
وأما غير الخبير المختص، فإن معرفته قد لا تزيد عن مقدار الناتج الإجمالي المحلي لكل من الصين وأمريكا في سنة معينة مع مقدار نمو كل في تلك السنة والمتوقع في السنوات التي تليها، وبالتالي توقع متى تتفوق الصين على أمريكا.
ويرى بعض الاقتصاديين أن الاقتصاد وإدارة الأعمال ليست علوماً، وإنما معرفة مهنية تُكتسب بالخبرة والمقدرة الشخصية على التحليل السليم.
ولكن تبقى أهمية التخصص في الاقتصاد لجمع المعلومات المتجددة والقدرة على تحليل الأرقام باستخدام الآليات الرياضية كالتفاضل والتكامل أو البرامج المختصة، وكل هذا يحتاج إلى خبراء يتفرغون لجمع الملعومات وتحليلها.

تخصص الفقه يوجب التوسع

يستحب للفقيه أن يوسع معارفه البشرية، فيدرس أساسيات وكليات المعارف التي لها صلة بالمسائل الفقهية.
قال القرافي رحمه الله تعالى: (وكم يخفى على الفقهاء والحكام الحق في كثير من المسائل بسبب الجهل بالحساب والطب والهندسة، فينبغي لذوي الهمم العلية ألا يتركوا الاطلاع على العلوم ما أمكنهم ذلك، (فلم أر في عيوب الناس عيباً ... كنقص القادرين على التمام)) [١].
الفقه اصطلاحاً يتعلق بالأحكام العملية، وهي تشمل كل مجالات الحياة.
والفقيه يوسع معارفه، لأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره.
ومن غير معرفة أساسيات المعارف البشرية ذات الصلة يتعسر بل قد يتعذر على الفقيه أن يعرف جزئيات المسائل المتعلقة بتلك المعارف.
فقد يصعب أن يلم الفقيه بواقع مسألة بمجرد سماع أو قراءة شرح أهل الاختصاص، بل قد لا يكفي شرح أهل الاختصاص لواقع المسألة في بعض الأحيان.
وهذا يشمل كثيراً من المعارف البشرية، كالطب، والهندسة (الصناعة)، والسياسة، والاقتصاد، والقانون، والإدارة.
 ولذا نجد أن ثمة من يخوض في جزئيات هذه المعارف من الفقهاء وغيرهم بغير علم.
ولكن ولله الحمد والمنة، وُجد في الأمة من يتحدث في هذه المعارف من الفقهاء بعلم، والفضل لله عز وجل وحده.
وللتفريق بين من يخوض في هذه المعارف بغير علم ومن يتحدث فيها بعلم؛ يُنظر في ذات المقال المتعلق أو الفتوى المتعلقة، ويُنظر في ثناء أهل التخصص على المقال والفهم لكلية أو جزئية متعلقة.
فمثلاً؛ من قرأ كتب ابن تيمية رحمه الله يجده يتحدث في؛ السياسة، والاقتصاد، والإدارة، وعلم الهيئة (الفلك)، وعلم الهندسة (التحليلية)، وعلم الطب، والعسكرية، وعلم الصناعة (الهندسة)، وما يسمى بعلم المنطق (الكلام)، والتاريخ، والفيزياء لعلاقتها بالطبيعة والخلق.
ملاحظة؛ عندما يقول السابقون الهندسة - كابن خلدون، والقرافي، وابن تيمية، رحمهم الله تعالى جميعاً - فإنهم يعنون ما يُعرف اليوم بالهندسة التحليلية، وعندما يقولون الصناعة فإنهم يعنون أكثر إن لم يكن كل ما اصطلح اليوم عليه بعلم الهندسة.
وقد عرف أستاذ أمريكي الهندسة بأنها بعمل شيء مفيد للناس، وهو كما قال، فهندسة البناء تتعلق بصناعة البناء ومواده، وهندسة المساحة والمدن تتعلق بصناعة بنياتها التحتية وتخطيطها، وهندسة الإلكترونيات والبرمجة والاتصالات ونحوها تتعلق بعمل قطعة مفيدة أو جهاز كامل مفيد ونحو ذلك، وكذا سائر أنواع الهندسة.
وعندما يقول السابقون علم الهيئة فإنهم يعنون ما يعرف اليوم بعلم الفلك.
وعندما يتحدث السابقون عن علم الرياضيات، فإنهم يقولون؛ الحساب والجبر والمقابلة ونحو ذلك.
وعندما يقول السابقون الدرجات الفلكية، فإنهم يتحدثون عن درجات الدائرة التي مجموعها ٣٦٠ درجة.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك، لأن فيه تفريحاً للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط) [٢]، وللاطّلاع على شيءٍ من معرفته بعلم الهيئة (الفلك)؛ مدونتي » أحكام » الرؤية العلميّة للأهلّة الشرعيّة.
وقال ابن قتيبة رحمه الله: (وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلّق من الإنسانيّة إلا بالجسم، ومن الكتابة إلا بالاسم، ولم يتقدم من الأداة، إلا بالقلم والدواة.
ولكنّها لمن شَدَا شيئاً من الإعراب: فعرف الصّدْر والمصدر والحال والظرف، وشيئاً من التصاريف والأبنية، وانقلاب الياء عن الواو، والألف عن الياء، وأشباه ذلك.
ولا بدّ له - مع كتبنا هذه - من النظر في الأشكال لمساحة الأرَضين، حتى يعرف المثلث القائم الزاوية، والمثلث الحادّ، والمثلث المنفرج، ومساقِط الأحجار، والمربّعات المختلفات، والقِسِي والمدورات، والعَمودَين.
ويمتحن معرفته بالعمل في الأرَضين لا في الدفاتر، فإنّ المَخبَر ليس كالمُعايَن.
وكانت العجم تقول: "من لم يكن عالماً بإجراء المياه، وحفر فُرَض المشارب، وردم المهاوي، ومجاري الأيام في الزيادة والنقص، ودوران الشمس، ومطالع النجوم، وحال القمر في استهلاله وأفعاله، ووزن الموازين، وذَرْع المثلّث والمربّع والمختلف الزوايا، ونَصْب القناطر والجسور والدّوالي والنّواعير على المياه، وحال أدوات الصنّاع ودقائق الحساب؛ كان ناقصاً في حال كتابته".
ولا بدّ له - مع ذلك - من النظر في جُمل الفقه، ومعرفة أصوله: من حديث رسول الله ﷺ وصحابته) [٣].
ابن قتيبة رحمه الله أديب لغوي مؤرّخ محدّث موسوعة.
فهو صاحب اختصاص رغم توسعه.
قال الذهبي رحمه الله: (العلاّمة، الكبير، ذو الفنون) [٤].
وقال ابن المنادي رحمه الله: (من كبار العلماء المشهورين، عنده فنون جمّة، وعلوم مهمّة) [٥].
وقال القرطبي رحمه الله: (وابن قتيبة من اللّغويين) [٦].
وقال ابن حجر رحمه الله في ذكر عدد ممن قال فاقدروه بحساب المنازل: (وبن قتيبة من المحدّثين) [٧].
وقال ابن عبدالبر رحمه الله: (وقال ابن قتيبة في قوله فاقدروا له أي فقدروا السير والمنازل وهو قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب) [٨].
والقول في التقدير للهلال هو قول ابن قتيبة رحمه الله فهو ليس بعيداً من الفقه إضافةً لكونه لغوياً مدركاً لمنازل القمر وحساب الأهلة [٩].

الاحتطاب بالليل

جامع المعلومات دون تأصيل حاطب ليل، وأهل العلم ولو بمسألة يشهدون للكلام المؤصل، وهذا يشمل العلوم الشرعية والمعارف البشرية.
ومع أن تلقي المعلومات وبحثها أصبح أسهل عبر الوسائل الحديثة حتى دخل في ذلك من ليس من أهل المثابرة والاجتهاد، إلا أن من يفعل ذلك دون تأصيل لا يختلف عمن كان في القديم له ميل طبيعي لكثرة القراءة والاطلاع وجمع المعلومات دون تأصيل.
ولعل من حكم الله تعالى في سهولة تلقي المعلومات والبحث سرعة الزمان وقلة البركة فيه، فهي نعمة إن أحسن استغلالها.
وعلى حطاب الليل أن يعلموا أنهم مهما خدعوا أنفسهم والناس بكثرة النقل، فإن أمرهم سينكشف للناس مهما طال الزمن.
فالناس يفرقون من خلال السطور بين الناقل المؤصل وحاطب الليل، وذلك لأنه لا يكاد يوجد من ليس له علم بمسألة واحدة.
وأهل العلم بمن فيهم أهل العلم بالمسألة الواحدة يشهدون لمن كان مؤصّلاً من خلال ما يقرؤون له ويسمعون منه من فهم أو استنباط واستخراج وتأصيل.
وسواء كان ذلك في العلوم الشرعية أو المعارف البشرية.
ولئن كان الله تعالى ذكرُهُ قد احتج على المشركين بشهادته ثم شهادة الملائكة وأولي العلم، فمن باب أولى اعتبار شهادة أهل العلم لمن كان مؤصلاً فقيهاً باحثاً ممن يستغل الوسائل الحديثة في البحث والنقل.
قال الله جل ثناؤه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
وهنا مسألة، وهي؛ أنّ معرفة أهل العلم بالجديد في المقالات مبنيّة على عدم العلم بقائل سابق به، فدلّ على أن عدم علم عالم واحد بالقائل إجماع ظني.
ويصبح الإجماع الظني يقينياً بالقرائن.
فمن شهد له العدد الكثير من أهل العلم فقد استحقّ ما شهدوا له به.
وهذا لا ينافي قاعدة عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم، لأن عدم العلم هنا إذا كان من صاحب علم بالمسألة فيجب أن يحمل العلم بالعدم على اليقين بالعدم.
فإذا احتفت بعدم العلم القرائن أصبح العلم بالعدم من القطعيات.
والأصل في الإجماع أنّه عدم علم، ولذا فإنّ الأصل فيه أنّه ظني، ولا يكون يقينيّاً إلا بالقرائن، للمزيد؛ الاتِّباع في دليل الإجماع.
وجامع المعلومات غير المؤصل يهدم ولا يبني بجمع المعلومات وإعادة صياغتها بفكره وتعبيره، وذلك لأن فكره وتعبيره قاصر عن فهم الدقيق عليه مما يجمع.
يُضاف إلى ذلك أن جامع المعلومات دون تأصيل يجمع السمين والغث، والصواب والخطأ، والعلم والزلل، وإذا كان أهل العلم قد قالوا؛ زلة العالم مما يهدم الدين، فمن باب أولى من يجمع الكثير منها.
فلابد لمن يتكلم ويكتب في مسألة متعلقة بالعلوم الشرعية أو المعارف البشرية من تأصيل نفسه في العلم المتعلق بمسألته قبل أن يتحدث أو يكتب فيها.
وكثيرٌ مما سبق في الضرر الخاص على حاطب الليل، وعلينا أن نتقي الله تعالى في أنفسنا، ونعلم أن الضرر المتعدي أشد من الضرر الخاص، وغداً سنموت ثم نقف بين يدي الجبار سبحانه وتعالى، فلنعد للسؤال جواباً.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الثلاثاء ١٣ شوال ١٤٤٢هـ، ٢٥ مايو ٢٠٢١م.

المصادر

١. أنوار البروق في أنواء الفروق (ج٤/ص‏٢٧) - القرافي (ت ٦٨٤).
٢. مجموع الفتاوى (ج٩/ص‏١٢٩) - ابن تيمية (ت ٧٢٨).
٣. أدب الكتاب لابن قتيبة (ج ١/ص‏١٢) - ابن قتيبة (ت ٢٧٦).
٤. سير أعلام النبلاء (ج١٣/ص‏٢٩٦) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) - ط الرسالة.
٥. سير أعلام النبلاء (ج١٣/ص‏٣٠٠) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨) - ط الرسالة.
٦. الجامع لأحكام القرآن (ج٢/ص‏٢٩٣) - القرطبي، شمس الدين (ت ٦٧١).
٧. فتح الباري لابن حجر (ج٤/ص‏١٢٢) - ابن حجر العسقلاني (ت ٨٥٢).
٨. التمهيد (ج١٤/ص‏٣٥٢) - ابن عبد البر (ت ٤٦٣) - ط المغربية.
٩. الرؤية العلمية للأهلة الشرعية.

تنوع الذكاء والقدرات

يوجد في الأفراد والشعوب تنوع في الذكاء والقدرات، وكثيراً ما يُلاحَظ التفاوت فيهما ويُغفل عن التنوع فيهما.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.

المحتويات

الناس أفراداً وشعوباً وقبائل وبطوناً تتنوع قدراتهم وتتفاوت، ويتنوع ذكاؤهم ووتفاوت أنواعه المختلفة.
وكثيراً ما يعتبر الناس تفاوت الذكاء والقدرات ويغفلون التنوع فيهما.
فمن أنواعهما التميّز في؛ العلم والمعرفة، التجارة، الصناعة، والمعاملة، وفي كل نوعٍ تنوع.
ولأن بعض الخصال مشتركة، فإن القبائل والشعوب تتنوع في ذكائها وقدراتها كما يتنوع الأفراد.
ولله تعالى في هذا التنوع حكم بالغة، فمن فوائده تكامل الناس واحترام بعضهم بعضاً وتشاورهم في المشتركات والتخصصات، وبدون المميزات والنقائص لن يتكامل الناس أفرداً ومجموعات، فبها يحتاج بعضهم بعضاً.
ومن تنوع الذكاء العلمي المعرفي؛ القدرة على الحفظ والفهم، فبعض الناس أقدر على الحفظ، وفي الحديث؛ (ورب حامل فقه ليس بفقيه)، والفقه في اللغة العربية معناه الفهم.
ومن الناس من يجمع بين القدرة العالية على الحفظ والفهم، والحفظ مهم جداً في بعض العلوم كالعلوم الشرعية، لأن المحفوظ فيها كالمعلومات (الداتا) المهمة في التحليل السليم، وأهم ذلك في العلوم الشرعية حفظ القرآن الكريم وعدد كبير جداً من الأحاديث النبوية.
أصول العلم في خمسمائة حديث، وتفاصيله في أربعة آلاف حديث، والزيادة تفيد في المعنى، لأن الأحاديث تروى بالمعنى.
ولهذا غالباً ما يتفوق في العلوم الشرعية الحافظ الذي عنده نقص فطري في الفهم ولكنه درس أصول الفقه (الفهم) وقواعده على قليل البضاعة من الحفظ خاصةً المتطفل على هذا العلم الذي لا يعرف الأصول والقواعد الفقهية.
وذلك لأنه لا يوجد إنسان يحفظ فقط كالكتاب ولا يفهم شيئاً، فالمقصود بنفي الفقه عن بعض الحفاظ أنهم ليسوا بدرجة الفقيه الذي يتفوق في الفقه، فمن درس أصول الفهم وقواعده وكان كثير الحفظ يتفوق على غير المختص في العلوم الشرعية الأقدر بالفطرة على الفهم.
فمن التنوع في كل قسم من الأقسام السابقة الذكاء العملي والذكاء النظري، ومن أعجب العجب في ذلك أن تجد من له قدرة فائقة في أن يكون مستشاراً في مجال التجارة والأشغال ومع ذلك تجده ضعيف القدرة على أن يكون تاجراً بنفسه أو صاحب أعمال تجارية.
وأذكر مثالاً لذلك؛ كان لي زميلان في هندسة الكمبيوتر في فنلندا، مصري وهندي، وكان الأخ الهندي أحد ذكاءاً وأكثر اجتهاداً، وكنت أحث زملائي على التجارة والاستثمار.
فبدأ الأخ الهندي في التجارة ثم الأخ المصري بعده، وكان الأخ المصري يقلد الأخ الهندي في أفكاره التجارية، وكان الأخ الهندي ذا قدرة عالية على التحليل التجاري والعلمي عموماً في كل المجالات.
ومع ذلك قلتُ لأحد الإخوة سينجح الأخ المصري في التجارة ويفشل الأخ الهندي، وهذا ما حدث، وذلك لملاحظات لاحظتها سأتجاوزها للاختصار.
وكان أستاذنا البريطاني الذي يدرسنا مواد التجارة والإدارة في كلية الهندسة ذا حظ متواضع جداً من المال والثروة، فمع أنه كان جيداً في تدريسه وكان يقدم خدمات استشارية لبعض الشركات إلا أنه لم يفكر يوماً أن يؤسس عملاً تجارياً وأظن أن قدرته على ذلك محدودة.
ومن العجيب - وليس عجيباً إذا عرفنا حكمة الباريء سبحانه وتعالى - أن تجد المهندس القدير يعمل طوال حياته لدى شركة تستفيد منه ضعف ما تعطيه مع أن بإمكانه أن يبدأ مشروعاً تجارياً هندسياً يستفيد منه أضعاف راتبه.
بل قد تستفيد بعض الشركات من شخص واحد مخترع عبقري في الهندسة أو من عدد قليل ممن في شعبة البحث والتطوير أكثر فوائدها التجارية.
وكثيراً ما تجد العبقري في الصناعة عموماً والاختراع والتطوير خصوصاً ذا حظ قليل لنقص ذكاء عنده في مجال التجارة قد لا يشعر به، وتجده مُسخراً لغيره ممن يحسب أنه أقل ذكاءاً منه.
ولكن كما قيل؛ إذا لم يوجد نظاف، فمن ينظف عيادة الطبيب؟ فالحكمة من تفاوت الناس في القدرات تسخير بعضهم لبعض حتى تستقيم الحياة.
قال الله تعالى ذكره: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف : ٣٢].
ومن الأكاديميين من يكتسب الخبرة التجارية مع الزمن، وكنت قد استمعت وثائقية خلصتُ منها إلى أن ستيف جوب كان ضعيفاً جداً في التفكير التجاري، ولكنه اكتسب قدرة قوية بعد سنوات عديدة من تأسيس شركة آبل.
ما من علم إلا وفيه أنواع من القدرات والذكاء، فثمة من يتميز في علم الهندسة في الجانب النظري بالتحصيل العلمي، ولكن ليس كل من كان قوياً في فهم الهندسة قوي في التصميم والتطوير فضلاً عن الاختراع.
فثمة فرق بين فهم الهندسة وتطور عمل هندسي متكامل، فمن يفهم الهندسة له قدرة تحصيل للعلم الهندسي، ومن يطور له قدرات هندسية تطبيقية وإنتاجية، ولهذه علاقة بالفرق بين ذكاء التحصيل العلمي وذكاء الإنتاج الفكري.
ولذا ففي الصناعة (الهندسة) ثمة من يصلح في شعبة الإنتاج كموظف أو كصاحب مشروع خاص، وثمة من يصلح في شعبة التطوير والبحوث أو إنشاء مشروع خاص متميز في التطوير والاختراع.
وكلمة صناعة أوضح من كلمة هندسة، لأن الهندسة تختص بالأشكال والأبعاد، ومن ذلك الهندسة التحليلية التي تختص بحساب كميات أبعاد الأشكال، ومن أمثلة مسائلها نظرية فيثاغورس التي تحسب بها أضلاع المثلث.
ولأن السابقين كابن تيمية والقرافي وابن خلدون رحمهم الله كانوا يقصدون بالهندسة الهندسة التحليلية.
وفي العلوم الإدارية ليس كل من له قدرة على تحصيل علم الإدارة قادر على الإدارة، فمثل هذا قد يصلح أن يكون مستشاراً لمدير ولا يصلح أن يكون مديراً بنفسه، فعند بعض الناس قدرات قيادية جبلية (كاريزما).
وللبيان أذكر مشاهدة متعلقة بالقدرات الإدارية من ناحية الكاريزما الإدارية، فعندما كنت في بنجلاديش تعرفت على أحد أحفاد علي دينار، وكان رجلاً طيباً متواضعاً، طويل القامة، يجلس ويتحدث رافعاً رأسه حتى ظن بعض الإخوة أنه متكبر، ولم يكن كذلك.
كان هذا الأخ مديراً لفرع جمعية قطر الخيرية في بنجلاديش، وعلمت من إخوة سودانيين كانوا قبلي في بنجلاديش أن فرع جمعية قطر الخيرية كان بأيدي بنجلاديشيين وأنهم كانوا فاسدين يأكلون أموال الجمعية.
وعلمت من الإخوة أن المكتب الرئيسي لجمعية قطر الخيرية أرسل عدداً من المدراء من جنسيات مختلفة لاستلام مكتبهم الفرعي في بنجلاديش فلم يفلح منهم أحد بسبب استشراء الفساد هناك بما في ذلك المكتب الحكومي للمنظمات غير الحكومية.
وعلمت من الإخوة أن الأخ حفيد علي دينار هو الوحيد الذي نجح في استلام المكتب الفرعي لجمعية قطر الخيرية.
وعلمت من الإخوة أنه لم يعرف أحد من الناس سبب وجود الأخ حفيد علي دينار في بنجلاديش لبضعة شهور بعد وصوله إليها، هذا رغم أنه كان يلتقي الناس ويتحدث معهم، وأنهم لم يعرفوا سبب وجوده إلا عندما جلس على كرسي المكتب الفرعي لجمعية قطر الخيرية في بنجلاديش.
هذا مع ملاحظة أنه لم يكن يعرف لغة أهل البلد، وأنه لم يستعن بأحد من الناس في مهمته، وكتمانه سر وجوده في بنجلاديش هو أحد أسباب نجاحه، الأمر الذي لا يصبر عليه كثيرون ممن تنقصهم الكاريزما الإدارية.
وهذه القصة قد تشير إلى أن شيوخ القبائل والأسر المالكة قد يتوارثون الكاريزما الإدارية.
ومن أسباب اختيار الانتخاب الدوري المفتوح في أطروحتي التشوقية هو عدم التخلي عمن فيه كاريزما إدارية مجربة.
ومن تنوع الذكاء العلمي المعرفي؛ الذكاء في الاكتساب العلمي والذكاء في الإنتاج الفكري.
والمساهمون بإساهمات جديدة قلة، ولهذا أسماؤهم معروفة كفيثاغورس قديماً، وانشتاين حديثاً.
فمن الناس من يكون قوياً جداً في اكتساب المعلومات حفظاً وفهماً وتحليلاً بفهم وقواعد غيره، ولكنه قد يكون ضعيفاً جداً في الإنتاج الفكري قواعداً وفروعاً.
ومن فيه ضعف في الإنتاج الفكري، فهو غالباً ما يكون ضعيفاً أيضاً في التحليل النقدي، فيكون أسيراً لأفكار الآخرين وتحليلاتهم، فإذا كانت قراءته لطرف واحد فإنه يظن أن الصواب فيما قرأ من تحليلات.
ولذا فليس كل من تفوق في تحصيل علمي أقوى من أقرانه في التحليل النقدي السليم لما يقرأ من أفكار، هذا إذا كان محايداً ولم يكن للأهواء ونزوات النفوس أثرٌ.
ومعرفة هذه الحقيقة تفيد النابغة في التحصيل الأكاديمي والعلمي عموماً فلا يغتر بنفسه ويسخر بغيره من أقرانه، وتفيد من دونه في التحصيل الأكاديمي حتى لا يُحبط معنوياً فيؤثر ذلك على أدائه فيما هو مسخر له.
وبمناسبة الإحباط في التنافس في التحصيل الأكاديمي، فقد قيل إن من أسباب تفوق تعليم الأساس في فنلندا أن برنامجها التعليمي ليس فيه منافسة، وفنلندا تعتبر الأولى عالمياً غالباً في التعليم الابتدائي.
ولم أقتنع أول الأمر بفكرة عدم المنافسة، وذلك لأن المنافسة الأكاديمية محفزة على الاجتهاد حسب تجربتي الشخصية، ثم تأملتُ فظهر لي أن المنافسة تحفز العشرة أو الخمسة الأوائل فقط في الفصل الدراسي، وتصيب البقية وهم الأكثر بالإحباط فتُميت فيهم قدراتهم الطبيعية.
وبما أن المنافسة بين البشر في جميع مجالات الحياة محفزة، فأرى قصر المنافسة في التحصيل الأكاديمي على المنافسة في الأداء أثناء الدرس النظري والعملي.
وذلك لأن المنافسة أثناء الدرس تُظهر المبرز في كل مجال من المجالات؛ كالرسم، والإلقاء، والحساب، والشعر، والفن، والتجارب المعملية، وكتابة التقارير، والبرمجة، فيكون فيها تحفيز لجميع التلاميذ كلٌ في مجال تفوقه.
الشعوب الآسيوية تتميز بالفن التشكيلي والجمالي عموماً كالرسم والخياطة والبناء والنحت، ولهذا نلاحظ جمال المباني في ماليزيا وسنغافورة.
ومما مر علي من ذلك في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة؛ أن أجود الناس في الخط العربي هم الآسيويون عموماً، وكان معنا زميل إندونيسي في كلية الشريعة يكتب أثناء المحاضرات بخط جميل ورسم هرمي بياني، وكأنه جلس ساعات بعد المحاضرة يكتب ويرسم، وكان كل الزملاء يصورون ملخصاته.
وهذا مثال فقط، وملاحظة تفوق الآسيويين في الخط العربي ليست ملاحظتي أنا لوحدي، فهي ملاحظة عدد كبيرٍ من طلاب المدينة من مختلف الدفعات والجنسيات، وكان بالجامعة ١٤٧ جنسية من كل القارات.
والشعوب الآسيوية تتميز بالفن التشكيلي والجمالي عموماً وليس فقط بالخط العربي، ولهذا نلاحظ جمال المباني في ماليزيا وسنغافورة.
وقدرة الشعوب الآسيوية على تقليد واستنساخ الأوراق الثبوتية راجع لقدرتهم الجمالية التشكيلية، وكل الناس كانوا يعرفون في السعودية أيام دراستي في المدينة قدرة الآسيويين على تزوير الإقامات.
وعندما كنت في بنجلاديش سألت الإخوة عما إذا كانوا يعرفون خياطاً جيداً يخيط (الجلاليب) السودانية، فضحكوا وقالوا لي اذهب لأي خياط وسلمه القماش (وجلابية) مثالاً!
وفي السوق لم أقبل الذهاب إلا لمن جربوه رغم تأكيدهم، لأنني تعودت في السودان على التأكد من مهارة الخياط.
وخلافاً للخياط الآسيوي فقد تعودت في السودان على أن الخياط حتى الماهر قد يخيط على مزاجه، فقد يجادلك كثيراً إذا طلبت منه مثلاً أن يكون (الكُم) ضيقاً، وقد تتفاجأ عند استلامك (الجلابية) أنه قرر أن يكون (الكُم) وسطاً بين الضيق والواسع.
فهل يُصدق أنني عندما استلمت (جلابيتي) من الخياط البنجلادشي وجدتها أفضل من (الجلابية) المثال.
ومن الطرف التي سمعتها من إخوة سودانيين في الهند أن أحدهم عندما استلم (جلابيته) من خياط هندي وجدها كما طلب تماماً كالمثال، ولكنه تفاجأ بوجود (حرقة سيجارة) فيها، فغضب، فأخرج له الخياط (الجلابية) المثال، فإذا بها (حرقة سيجارة).
ومما تمتاز به الشعوب الآسيوية والأوروبية الصناعة الهندسية تطبيقاً واختراعاً.
ولعل من أسباب ذلك؛ مشقة الحياة قديماً في آسيا وأوروبا، والحاجة أم الاختراع، وجينات الإنسان تتطور حسب نشاطه والبيئة، ولذا أصبحت القدرة على الاختراع والتطوير جزءاً من جينات الشعوب الآسيوية.
ومن أسباب ضعف العرب في الهندسة أنهم كانوا يذمون الصناعة ويرونها من المهن الوضيعة كما ذكر ذلك ابن خلدون رحمه الله تعالى، ولعل ذم العرب الصناعة راجع لضعفهم الفطري فيها.
ولا يظنن كل من هو قوي في فهم الهندسة أنه قوي في التصميم والتطوير الهندسي فضلاً عن الاختراع الهندسي، انظر؛ أنواع الذكاء الهندسي والإداري.
وبمناسبة الجينات الوراثية؛ مرة كنت في زيارة للسودان، فسألت أحد الإخوة الأطباء عن ملاحظتي بأن بعض الشعوب الإفريقية تميل إلى الدعة والراحة، وما قد يكون سبباً لذلك من الناحية الجينية؟ فقال لي البيئة مؤثرة، ومثل لذلك بزيادة في كرويات الدم البيضاء عند الأفارقة، وذكر أن سببها هو انتشار أمراض مدارية واستوائية كالملاريا، فأصبحت جزءاً من الجينات الإفريقية.
فالحياة في كثير من الدول الإفريقية سهلة بسبب توفر المراعي والأراضي الخصبة إضافة إلى العدد القليل من السكان، خلافاً لدول أخرى قد تتوفر فيها المراعي والأراضي الخصبة ولكن فيها انفجار سكاني ككثير من دول آسيا، أو البلاد الصحراوية والباردة التي تكون الحياة فيها شاقة.
ولي ولغيري من المشاهدات الكثيرة في بنجلاديش والهند ما يؤكد قدرتهم الهندسية المتميزة، ولكن كثيراً من أهل الخبرة والمعرفة والعلم في السودان لا يكتبون.
ولعل زهد السودانيين في الكتابة هو أحد الأسباب التي جعلت كثيراً منهم يتبنون آراء مرجوحة من خارج السودان، فمن يكتب يؤثر أكثر رغم أن من يستمع أكثر ممن يقرأ، وذلك لأن المتحدثين والخطباء ينقلون المكتوب.
وعوداً لمشاهدات الناس في آسيا التي تدل على قدرة الآسيويين الهندسية عموماً وعلى القدرة على الاختراع خصوصاً؛ أذكر مشاهدة واحدة للاختصار تتعلق بصهر الحديد.
من يعمل في صهر الحديد في بلادنا كنافخ الكير إما أن يحرق الثياب أو يجد منه صاحبه ريحاً منتنة كما ورد في الحديث النبوي الشريف حكاية للحال عند العرب كمثال للجليس الصالح والسوء لتقريب الفهم.
ومع ما في الطريقة العربية لصهر الحديث من أذىً؛ فإنّ فاعليتها في صهر الحديد قد تكون ضعيفة، وذلك لأنها في أبسط صورها تعتمد على (الهبابة) والنفخ بالفم.
وفي بنجلاديش رأيت عامل صهر الحديد يجلس على مسافة مترين تقريباً من النار والحديد، فلا يحرق ثيابه ولا يجد ريحاً منتنة، وفي يده حبل يمر بأكرة دوارة وينتهي بأنبوب قرب النار، فعندما يشد الحبل يمتلئ الأنبوب بالهواء، وعندما يرسله يندفع الهواء بشدة لنفخ النار.
ولست بحاجة لذكر مشاهدات من أوروبا حول قدراتهم الهندسية، ولكنها قد تلاحظ في طريقة مشيهم، فترى الفنلندي مثلاً لا يتلفت أثناء مشيه، وعندما يدور فإنه يدور ٩٠ درجة كالآلة.
ومرة في فنلندا كنت بصدد قطع إشارة المشاة الحمراء لعدم وجود سيارة على مد البصر البعيد يميناً وشمالاً، ولكني اضطررت أن أنتظر لدقائق بسبب أن كل الفنلنديين حولي كانوا بانتظار إشارة المشاة الخضراء.
وكان هذا في آخر التسعينات، فربما تغير الأمر حالياً، فعندما انتقلت إلى السويد في عام ٢٠١٠م؛ كنت أقول لبعضٍ: "انظروا، يخالفون نظام المرور"، فتأثير الأجانب في العادات في السويد أقدم.
رأيت كثيراً من مثل هذه الاختراعات البسيطة في بنجلاديش.
والشعوب العربية تتميز فطرياً في العلوم النظرية والجوانب النظرية من العلوم التطبيقية، ومعلوم تميزهم في الشعر والنثر، ولهذا كانت معجزة نبينا محمد ﷺ من جنس قدرات العرب الطبيعية، وهي القرآن الذي تحدى الله عز وجل فيه العرب أن يأتوا بمثله.
ومن العلوم النظرية التي يتميز فيها العرب فطرياً؛ الإدراية، والسياسية، والقانونية، والحربية، ولكن الشعوب الأوروبية تفوقت حديثاً على العرب في هذه العلوم بالاهتمام بالبحوث والدراسات.
ولعل الشعوب الغربية تفوقت أيضاً من الناحية العملية في العلوم النظرية، فتمكنوا مثلاً من تطبيق الديمقراطية الفاسدة نظرياً بفساد وإدارة خفية، ربما لقدرتهم العملية في حل الأزمات، ومن عاش وسطهم علم أنهم يتحدثون قليلاً عن الإشكالات وكثيراً عن الحلول خلافاً لشعبنا السوداني.
وكل من تعامل مع الأوربيين ولو في عمل الفرق المدرسية والجامعية يلاحظ فيهم قلة التنظير مع كثرة العمل ووضع الخطط القابلة للتنفيذ، وليس مجرد الخطوط العملية العامة كما هو ملاحظ في كثير من أبناء شعبنا الكريم.
والفراسة العربية تدل على قدرة فائقة في علم النفس، وعلم الأنساب والقافة ومعرفة خصال الناس وقبائلهم تدل على قدرة في علم الاجتماع، وكتابات ابن خلدون رحمه الله تعالى تعتبر أساساً في علوم الاجتماع والتاريخ والسياسة.
وأما إسهام المسلمين في علوم عملية كالرياضيات والفلك والزراعة والطب وهندسة البناء ونحوها مما نقلوا أساسه من اليونان؛ فربما كان أكثر المساهمين في هذه العلوم من المُسلمين الهنود والفرس.
وقد لاحظت تفوق العرب الجبلي الفطري في العلوم الأدبية من خلال الحديث والتعامل مع الناس بمختلف أعراقهم وجنسياتهم ومستوياتهم التعليمية، فلاحظت مقدرات إدارية عند أميين تفوق متعلمين من جنسيات أخرى.
وهذا لا ينفي تميز بعض القبائل العربية بجوانب عملية، فإن ما ورد من أن "الخلافة في قريش" قد يدل على أنهم متميزون في الإدارة عملياً وليس نظرياً فقط، وما ورد من أن "الحكم في الأنصار" قد يدل على قدرات فقهية قضائية وهي قدرات نظرية.
في العرب من تميز بالهندسة، ولكن الغالب ضعف العرب فيها، وما نُسب إلى العرب في هذا المقطع قد يكون من تصميم المسلمين الهنود أو الفرس أو الأسبان أو غيرهم.
وهندسة البناء والمعمار، والقنوات الزراعية المائية ... إلخ. لا تزال آثارها في أسبانيا، إضافة إلى الإسهامات الكبيرة في علوم الفلك، والرياضيات، والطب والجراحة، ... إلخ، إضافة إلى ثروة علمية ضخمة من الكتب في المعارف البشرية بشهادة الكثيرين من غير المسلمين.
فالمسلمون طوَّروا ما نقلوه من اليونان من معارف بشرية.
ولم تُنقل إلينا علوم مكتوبة قبل اليونان.
ولكن الآثار العراقية والمصرية والسودانية وأمريكا اللاتينية وغيرها تدل على وجود علوم الفلك والحساب والهندسة المعمارية منذ آلاف السنين.
ومدائن صالح تدل على قدرة عند بعض العرب على هندسة البناء بنحت الجبال.
الضعف الجبلي في المتوسط العام  هو سبب ولع المتفوقين في السويد وفنلندا بكلية القانون، وولع المتفوقين في البلاد العربية بكليات الطب والهندسة.
فكلما قل الشيء زاد التنافس عليه، والضعف الجبلي في علم معين هو الذي يجعل الأذكياء يتنافسون عليه لما فيه من إبراز قدراتهم وما فيه من فوائد مادية، وذلك لأن قلة العرض تؤدي إلى زيادة السعر والفائدة التجارية، ويقل العرض بقلة القادرين على عرضه.
والطب مضمون الوظيفة والتجارة لقلة الأطباء عموماً وأهمية الطب، والقانون كذلك مضمون الوظيفة والتجارة لقلة القانونيين في بعض الدول وأهمية القانون.
فالمبيعات إما سلع أو خدمات، والعيادة والمستشفى التجاري تجارة خدمات مضمونة العائد التجاري، وذلك لأن الصحة من ضرورات الحياة والتجارة فيها كالتجارة في المواد الغذائية والمطاعم التي هي من الضرورات أيضاً.
والقانوني يعمل في مجالات عديدة كالمحاماة ومكاتب الاستشارات القانونية والقضاء والمنظمات الحقوقية، ويمكنه فتح مكتب للاستشارات القانونية والمحاماة، فهي تجارة خدمات مضمونة العائد التجاري، وذلك لكثرة النزاعات والقضايا الحقوقية.
ففي دولنا لضعف أغلب الناس في الهندسة وربما الطب يقدمونهما، هذا إضافةً لضمان التوظيف وضمان عوائد التجارة، وفي الغرب يقدمون القانون لضعفهم الطبيعي فيه ولما فيه من ضمان توظيف وعوائد تجارية.
ومن الخطأ إعراض الأذكياء في بلادنا عن دراسة العلوم الأدبية عموماً، وخاصة السياسية والإدارية والاقتصادية والقانونية والإسلامية والعسكرية، لأن هؤلاء هم من يكونون قادة البلاد ومدراء الشركات وقادة العمل العام.
وكنت قد كتبتُ مقالاً لطلاب الثانويات قبل عشر سنوات لحث الأذكياء على تعلم العلوم الأدبية مع اعتبار القدرات والميولات، بعنوان؛ اختر التخصص المناسب لقدراتك.
سمعتُ متحدثاً خرج في مباشر يصرخ ويتحدث بهيجان محذراً من سياسة تعويم الجنيه في السودان، الأمر الذي لا أشاهده في دول شمال أوروبا.
ومما قال مخاطباً وزير المالية د. جبريل؛ أنت اقتصادي وأنا اقتصادي، ولا أدري لم نصدق اقتصادياً دون الآخر؟
وقد يؤثر الصراخ والهيجان في شعوب المناطق الحارة كالسودان.
وقد لاحظت أثناء معيشتي في دول شمال أوروبا أنهم يميلون إلى عدم اعتبار كلام من يتحدث بصراخ وهيجان.
وخصلة عدم اعتبار الصراخ والهيجان حميدة في شعوب شمال أوروبا، ولكن الاعتدال عزيز، فكثيراً ما يكون إلقاؤهم الخطابي ميتاً لا روح فيه بسبب ما عندهم من برود.
أذكر أن التقيت أخاً بريطانياً بنجلاديشياً في الأربعينات تربى في بريطانيا، وكنا مدعوان لإلقاء كلمات لأسر مسلمة في مدينة تروندهايم في النرويج، فقلت للأخ معلقاً على كلام أخ طبيب تركي الأصل: (كلامه ممتاز)، فقال لي: (نعم، ولكنه ليس جاداً)، فضحكتُ، وقلتُ له: (بل هو جاد ولكن يبدو لك أنه غير جاد بسبب طريقة الإلقاء، فهكذا إلقاء الاسكندافيين الخطابي، خلافاً للبريطان والأمريكان)، وكان الطبيب التركي قد قضى في النرويج خمسة عشر عاماً، فربما تأثر بطريقتهم لكثرة اختلاطه بهم بسبب طبيعة عمله، والأتراك فيهم شيءٌ من البرود الأوروبي.
فكثيراً ما يبدو من الإلقاء الخطابي لشعوب شمال أوروبا عدم الجدية بسبب التكلف في التواضع إضافةً إلى البرود في الخطاب.
وهذا لا يعني أن هذه الشعوب لا تتأثر بطريقة الخطابة كما يظن بعضٌ، فإن شعوب شمال أوروبا تستخدم تأثيرات نفسية كإيقاع الشعر وإيقاع الخلفيات الموسيقية المؤثرة بأنواعها كالحزينة والهادئة والصاخبة.
ومن أراد من الخطباء معرفة الفرق بين الصراخ ورفع الصوت وخفضه للتأثير النفسي المتوازن مع تأثير الحجة والبيان فليستمع للخطباء البارعين كالشيخ أبي زيد رحمه الله، وأهم سبب في قوة تأثير كلامه نفسياً وبيانياً وحجة وبرهاناً؛ كثرة تلاوته آيات الذكر الحكيم واستدلاله بها.
الأوربيون يتميزون بالتحكم في عواطفهم مقارنة بشعوب المناطق الحارة، ولعل لبرودة الجو في مناطقهم أثرٌ.
والأوصاف التي وصف بها عمرو بن العاص رضي الله عنه الأوروبيين تدور حول قدرتهم على تحكمهم في عواطفهم.
قال المستورد بن شداد عند عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (تَقُومُ السّاعَةُ والرُّومُ أكْثَرُ النّاسِ)). فَقالَ له عَمْرٌو: (أبْصِرْ ما تَقُولُ)، قالَ: (أقُولُ ما سَمِعْتُ مِن رَسولِ اللهِ ﷺ)، قالَ: (لَئِنْ قُلْتَ ذلكَ، إنَّ فيهم لَخِصالًا أرْبَعًا: إنَّهُمْ لأَحْلَمُ النّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وأَسْرَعُهُمْ إفاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وأَوْشَكُهُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ ويَتِيمٍ وضَعِيفٍ، وخامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ: وأَمْنَعُهُمْ مِن ظُلْمِ المُلُوكِ)، المصدر؛ صحيح مسلم (٢٨٩٨).
من عيوب بعض النوابغ ضعف القراءة والبحث، وذلك لثقتهم في قدراتهم وضعف تمرنهم على الجد والاجتهاد.
ومع مرور السنوات تنقص عند هؤلاء المعلومات، فإذا اجتمع مع ذلك ضعف نقدي وفكري نقص عندهم الفهم الصحيح والتحليل السليم والإبداع وصاروا تبعاً لغيرهم.
وغالباً ما يميل هؤلاء إلى التعلم عن طريق الحوار.
ومع أن العلماء ذكروا أن في المدارسة والمذاكرة فوائد لا توجد في الدرس والكتاب، إلا أنهم أكدوا على أهمية الدرس والكتاب، ونبهوا على حسن اختيار المدارسين.
والمذاكرة مفاعلة بين اثنين، وأما مراجعة الشخص الواحد فهي استذكار.
ومما لاحظته في بعض الأذكياء كثرة المقاطعة، وقد يكون ذلك لسرعة الفهم مع عدم الصبر على سماع ما يعرفون، وعدم ملاحظة أن الكلام قد يكون مجرد تذكير يقتضيه التسلسل والربط المنطقي العقلي.
ومرة اتصل علي شاب يسألني مسائل فقهية، وكان كثير المقاطعة فتوقعت أنه من الأذكياء، ثم قال لي أنه كان دائماً ما يكون أول دفعته.
في كلٍ من طرق التعلم الأربعة ميزات، وهي؛ الاستماع والقراءة والمدارسة والبحث، ولا يمكن الاستغناء بواحدة منها عن الأخرى.
 قال الله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ [القلم: ١]، وقال: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ [العلق: ٤].
مدح الله جل ثناؤه القلم والكتابة مدح للقراءة، لأنه لا فائدة لما يكتب إذا لم يقرأ.
بعض الشعوب - ومنها شعبنا الكريم - تميل للاستماع أكثر من القراءة، ولعل هذا من أسباب ميل علماء بلدنا للإلقاء.
والمقصود المتوسط العام في كل شعب.
وفي المقابل بعض الشعوب لديها شغف بالقراءة كماً مما يؤثر على الكيف، وكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
وقد لاحظت أثناء دراستي في المدينة أن شعوباً معينة يكثر فيها تفريغ أشرطة الكاسيت الصوتية! علماً بأن التفريغ كان شاقاً لعدم وجود البرامج المساعدة وقتها، ويقصدون بالتفريغ تحويل النص المسموع إلى مكتوب.
في الاستماع المباشر لا سيما في المساجد بركة المكان والاجتماع وتعلم الأدب والتواضع، وفيه فائدة السؤال عما أشكل فهمه، وهذه الفوائد لا توجد في السماع من الأجهزة والذي تعرض فيه شواغل.
والكلام أيسر للمعلم لأنه أسرع من الكتابة.
وفي المدارسة والمذاكرة فائدة ما يسمى بالعصف الذهني، ولكن نبه العلماء على حسن اختيار المدارس، فيجب تجنب المتعالم والحسود والمعتد برأيه ومن لا يحسن الاستماع.
وفي القراءة فائدة يسر إعادة قراءة الجمل والفقرات، ويسر الرجوع لمواضع معينة، ويسر التعليق وكتابة الفوائد.
والقراءة أسرع من السماع.
قال النووي رحمه الله في فضل المدارسة: (ومذاكرة حاذق في الفن ساعة أنفع من المطالعة والحفظ ساعات بل أياماً وليكن في مذاكراته متحرياً الانصاف قاصداً الاستفادة أو الإفادة غير مترفع على صاحبه بقلبه ولا بكلامه ولا بغير ذلك من حاله مخاطباً له بالعبارة الجميلة اللينة) [١].
ومن فضل الكتابة على المشافهة أن المكتوب تستفيد منه أجيال وقرون عديدة، قاله ابن الجوزي رحمه الله.
ومن برز من العلماء قد يجد من يدون له علمه كما حدث للأئمة الأربعة، ومن المعاصرين الشيخ العثيمين الذي فرغت دروسه المسجلة ثم طبعت بعد أن راجعها.
وتدوين التلامذة قد يعتريه تعدد الروايات لتعدد فهمهم.
ومن ميزات الكتابة سهولة التعديل ومراجعة مواضع معينة، فهي أتقن وأدق.
ومن لا يقرأ يظل علمه محدوداً وفهمه أسير من يتلقى عنه، ولا يكتسب ملكة الاستنباط والاستخراج.
وكتب السلف والسابقين أبرك كما نص على ذلك أهل العلم، ففي كل جملة منها فوائد جمة ولو كانت مطولة.
وسبب ذلك تعلقهم بالنصوص وتأثرهم بها، والقرآن جوامع كلم، والنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم.
ثم كثر الحشو مع التعقيد بسبب اختلاط العلوم بالمنطق اليوناني ثم العلوم الغربية في عصرنا.
وسبب التعقيد هو نقص التأثر بالنصوص، فقد يسر الله تعالى القرآن للذكر، والنبي ﷺ كان يختار الأيسر.
ومما فيه حشو وتعقيد؛ كثير من الرسائل الجامعية والمقالات المحكمة، ومن أسباب الحشو فيها التكلف في اتباع قواعد مناهج البحث الحديثة، وهي قواعد مفيدة لولا التكلف والتطبيق الحرفي دون مراعاة لحال.
مثال ذلك التكلف في التعريف اللغوي حتى ولو كان بكلمة أقل شهرة ووضوحاً.
ومن ذلك التكلف في جعل التعريف جامعاً مانعاً عند عدم الحاجة لذلك [٢].
ومن ذلك التوسع في النقل لمجرد تكثير المراجع، ومثاله نقل تعريفات اصطلاحية كثيرة متقاربة في المعنى.
ومن ذلك التأثر بالكتب الأعجمية في كثرة الكلام.
فلا غنى لطالب العلم عن القراءة لا سيما كتب السلف والسابقين.
والله تعالى أعلم.
لمعرفة ما يستفاد من النابغة يلزم وصفه بما نبغ فيه دون زيادة ولا نقصان.
فمن الخطأ إطلاق كلمة مفكر على كل من نبغ في التحصيل العلمي الأكاديمي أو من نبغ في الجانب العملي (البراغماتي).
والبراغماتية كلمة لاتينية تعني العملية، من براغما بمعنى العمل، والعملية جيدة غير أن البراغماتية نظرية فاسدة، أساسها أنه لا يوجد تنظير إلا من خلال العمل، ولذا فإن من نتاج هذه النظرية أنَّ الغاية تبرر الوسيلة.
فمثلاً تسمية د. الترابي بالمفكر قد تكون غير دقيقة، وذلك لأن الملاحظ الذي سمعته من كثيرين أن كل ما اشتهر من أقواله منقول من كتب قديمة وحديثة بتعبيراته الخاصة.
وللترابي ذكاء عالٍ في فهم تحليل غيره إضافةً إلى أنه كان محباً للقراءة، هذا مع قدرة خاصة في التعبير عن الأقوال بعباراته ومصطلحاته الخاصة، إضافةً إلى قدرة خاصة على تعلم اللغات، والفهم قد يفسد بالميولات والرغبات والأهواء.
يدل على ذكاء الترابي العملي أن خطته أوصلت جماعته للسلطة، وكانت أول جماعة في نظرائها في العالم تصل للسلطة، إضافة إلى أنه استطاع أن يمتص الضربات ويستمر في السلطة، وتلاميذه تعلموا من عمليته فاستمروا ثلاثين سنة في السلطة رغم عظم الضغوطات والتحديات.
وقد استفاد حزب العدالة والتنمية التركي من عملية الترابي، ومرة سمعتُ الغنوشي يقول في محاضرة في فنلندا؛ استفدنا من الحركة الإسلامية في السودان، ولو قارنا موقف الغنوشي العقلاني العملي في تونس بنظرائه في مصر لرأينا تأثير عملية الترابي وتجربته في حزب النهضة التونسي.
مما يؤكد ضعف الترابي في الإنتاج الفكري أنه كان يريد أن يستنسخ النظام الديمقراطي الغربي في السودان كما هو، فقد كان مدركاً لأن الديمقراطية الحزبية لعبة قذرة، فكان يريد أن يطبقها بتحكم لوبٍ خفي كالصهيونية في الغرب، مع تقليص عدد الأحزاب إلى حزبين فقط، تماماً كما في الغرب، بحيث يتحكم اللوبي السري في الحزبين الكبيرين.
ولكن الترابي اصطدم بخلاف مع البشير، إضافة إلى أنه لم يتفكر في أن ظروف نشأة الأحزاب في السودان ليست مثل ظروف الغرب، وأن الظروف الدولية والإقليمية لا تساعد على تحقيق هدفه.
وما سبق ليس هو الزلة القاتلة الوحيدة للترابي في الجانب العملي الذي تميز به كذكاء فطري، فقد كان من أكبر أخطائه العملية تزعمه للمؤتمر الشعبي العربي الإسلامي والذي ضم كل المعارضين والمناهضين للسياسة الغربية في المنطقة العربية، بمن فيهم قوميون عرب ومتطرفون.
وأذكر مرة جاء ذكر الترابي في مسألة إنكاره ليلة القدر، حيث قال ساخراً في لقاء في قناة الجزيرة: اليوم القمري ينقص أحد عشر يوماً كل سنة، وكلامه هذا لا قيمة له من الناحية الشرعية ولا من ناحية علوم الطبيعة والفيزياء.
فقلتُ: الترابي يجهل كثيراً من أساسيات وفروع العلوم الطبيعية الفيزيائية، ولذا ينكر ليلة القدر، والمعلوم أن تخصص الترابي كان في القانون، فهو تخصص بعيد عن علوم الطبيعة والفيزياء.
وقبل أن أشرح علمياً نسبية الزمن، وأن الترابي أخطأ خطأً علمياً بجعله الحساب الشمسي إطاراً مرجعياً لحساب الزمن، فإذا بي والحضور نسمع احتجاجاً شديد اللهجة يقول بأن الترابي كان أول الشهادة الثانوية السودانية، وأن الفرق بينه وبين الثاني كان كبيراً جداً، وأن السودان لم ير عبقرياً مثله منذ ما لا يقل عن مائتي سنة، وأن كل أسرته تعرف حدة ذكائه، وأنه كثير القراءة والاطلاع، وأنه قرأ في سجنه الأخير عشرات الكتب.
فقلتُ: أظن أن أكثر الكتب التي قرأها الترابي لغير المسلمين، ثم قرأت لقاءاً مع الترابي بعدها بشهر أو أكثر قال فيه أنه قرأ في سجنه الأخير عدداً كبيراً من الكتب الإنجليزية والفرنسية والألمانية.
وقد شرحت نسبية الزمن باختصار في مقال؛ النسبية الشاملة تحت عنوان؛ النسبية الشاملة تحت عنوان؛ علة شمول النسبية.
ومرة سمعت الترابي يسخر من كتاب ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ "الإيمان"، وقال بأنه قرأه كاملاً، فيبدو لي أنه يقرأ بسرعة مع تجاوز لفقرات لا توافق ميوله ورغباته، فيبدو أن قدرته العملية تجعله يتجاوز ما يظن أنه نظري لا تأثير له في العمل من قضايا الإيمان.
ومن قرأ لابن تيمية رحمه الله تعالى عرف عبقريته واجتهاده وإنتاجه الفكري، وقد شهد له حتى بعض المستشرقين بنبوغه وعبقريته، فقراءة نقده لمنطق اليونان فقط تُظهر للقاريء تفوقه وقدرته على الإنتاج الفكري.
ولمعرفة قليل جداً من قدرة ابن تيمية رحمه الله تعالى الفكرية، أرجو قراءة مقال؛ حساب وقتي العشاء والفجر، والنظر في قوة تحليل ابن تيمية رحمه الله تعالى في مسألة الحساب الفلكي لأوقات الصلاة رغم خطئه في التحليل بسبب معلومات حديثة لم تكن متوفرة في وقته كما شرحتُ ذلك في المقال.
سبق أنّ من حكم التنوع؛ إفادة الناس بعضهم بعضاً، فلن يتكامل الناس ما لم يكن في كلٍ ميزات ونقائص، فبها يحتاج بعضهم بعضاً.
ولله تعالى في خلقه وتدبيره حكم بالغة.
قال الله تعالى ذكرُه: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢].
ولأن بعض الخصال مشتركة، فإن لكل قبيلة وشعب مميزات ونقائص مثلما للأفراد.
فتكامل القبائل والشعوب من حكم تنوع ذكائهم وقدراتهم كما هو في الأفراد.
والتنوع في القدرات والذكاء مع التفاوت فيهما كمالاً ونقصاً يدفع الغرور واحتقار الآخرين ويحمل على التعاون وتوقير الآخرين والتشاور في المشتركات والميزات.
ومما يدفع الكبر والاعتداد بالرأي معرفة كل إنسان أن فيه نقائص.
ومما يدفع الحسد والشعور بالنقص معرفة كل إنسان أن له ميزات.
والنقص وميزات الآخرين تدفعان العصبية الجاهلية.
فالعصبية القبلية والشعوبية قد تكون بسبب تميز في خصال مع ازدراء الآخرين أو شعور بنقص وحسد.
قال الله جل ثناؤه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ  وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ  بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ  وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الحجرات : ١١].
والتنوع هو مصدر قوّة الأمم والشعوب إذا أحسنت استغلاله.
فمن أسباب تقدم أمريكا ما فيها من تنوع، ولكل شعب فيها إسهاماته، بمن فيهم مهاجرون جدد، كالهنود.
فالأمم التي فيها نقص في الإنجاب فطنت لأهمية التعدد فحرصت على تنويع قدرات المهاجرين إليها بإقرار حصص محددة للأمم والشعوب.
وفي أمريكا سياسة هجرة مدروسة مع أن سكانها أكثر  من ٣٠٠ مليون.
وسياسة الهجرة في أمريكا ليست عشوائية، بل فيها مراعاة للتنوع، ففيها حصص محددة للشعوب.
ويلاحظ أن الموارد الطبيعية موزعة مثل البشرية في الديار والأوطان ليتكامل الناس بالتجارة وتبادل المنافع، لا ليقتتلوا ويتحاربوا.
فلكل فرد بصمات فيزيائية تؤثّر في خصاله وسلوكه.
فكما توجد بصمات لكل فرد في بنانه وحباله الصوتيّة وجيناته، فلكلٍ بصمات نفسيّة وعقليّة.
ولذا فإنّ لكلّ إنسان بصمة في الحياة، ولذا كان موت العالم نقص في الأرض.
وقد يكون أساس الخصال الذميمة الفطري حميداً في الأفراد والقبائل والشعوب.
فالرحمة والندم الحاملين على ترك عقوبة المجرم خصلتان ذميمتان.
قال الله تعالى ذكرُه: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢].
فمن يفخر بأنه لا يستطيع ذبح دجاجة قد لا يلحظ أنه بهذا قد يسيء الظن بالرسول ﷺ الذي كان يذبح بنفسه برفق ورحمة، فقد أمر بأن يحد الذابح شفرته ويريح ذبيحته.
وقد قال المنظرون عن شخصية السايكوباث (تصنيف بمنظور نفسي) أنها ليست سيئة في أصلها الفطري.
والسايكوباث هي الشخصية التي فيها قسوة ونقص في الشعور بالذنب (الندم).
ومقاصد الأحكام والعقوبات الشرعية ودلالات النصوص والحس مع النظر والتأمل تدل على صحة هذا الكلام لهؤلاء المنظرين.
فالقسوة الطبيعية لا تعني انتفاء الرحمة، بل إن من يبدو قاسياً قد يكون أرحم ممن يبدو رحيماً، لتنوع الرحمة ومواضعها.
وكذا نقص الشعور بالندم قد يكون صفة حسنة إذا وجه توجيهاً صحيحاً.
ونقص الشعور بالندم لا يعني انعدامه، ولا يستبعد أنه مجرد هروب من الندم لشدته عند هذه الشخصية، فإن الحزن يهد الطاقة، ولذا استعاذ منه رسول الله ﷺ.
فقد يكون لدى السايكوباث ضعف في القدرة على التحكم في الندم (الثبات الانفعالي).
فقد يحتاج السايكوباث إلى رعاية خاصة ترشده إلى التوسط في الندم بعدم إماتته في نفسه ولا إرساله لدرجة مهلكة.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الخميس ١٥ جمادى الآخرة ١٤٤٢هـ، ٢٨ يناير ٢٠٢١م.

المصادر