‏إظهار الرسائل ذات التسميات إرشادات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات إرشادات. إظهار كافة الرسائل

تحذير القراء من فتنة الرياء

فتنة الرياء في القراء أكثر من غيرهم، بدلالة السنة، وهذا وعيد عظيم وتحذير شديد، ومما يعينهم على الحذر تعاهد نياتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
قال رسول الله ﷺ: ((أكثر منافقي أمّتي قرّاؤها))، الألباني: صحيح لغيره [١].
في هذا الحديث وعيد عظيم وتحذير شديد للقراء من الحفاظ والعلماء والدعاة.
والحديث لم ينص على أن أكثر القراء منافقون (مراءون)، وإنما نص على أن أكثر المنافقين (المرائين) من طائفة القراء.
وقد ورد استعمال كلمة القراء في الحفاظ عن الصحابة رضي الله عنهم منذ عهد الرسالة.
فقد جاء في حادثة بئر معونة قول أنس رضي الله عنه: ((فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار، يقال لهم: القراء، فيهم خالي حرام، يقرؤون القرآن، ويتدارسون بالليل يتعلمون)) [٢].
والحديث معقول المعنى من جهة أن النفع العام المرئي الظاهر يطرأ عليه من الريا ما لا يطرأ على العمل الخفي، وذلك بسبب العجب وكثرة الثناء.
والمقارنة أظهر بين القراء وغيرهم من أهل السبق العاملين.
وأما ضعاف الإيمان والعمل، فقد لا تكون لهم أعمال صالحة مستحبة أو مشابهة للواجب يراءون بها.
وفتنة هؤلاء هي دعوى سلامة قلوبهم وقوة إيمانهم وحسن نياتهم وأخلاقهم.
وما يدفعهم لهذه الدعاوى هو حسد القراء وأهل الاستقامة.
وقول عامة العلماء بأن الحديث في النفاق الأصغر لا ينفي عظم خطورة الأمر.
فقد فسروا النفاق الأصغر هنا برياء القراء في قراءتهم، والرياء شرك أصغر، وهو أكبر من جميع الكبائر.
بل إن بعض معاصي القلوب أعظم من الزنا في الطرقات، قاله ابن تيمية رحمه الله.
أعظم باب ترد منه فتنة الرياء هو عدم تعاهد الإخلاص.
فإن الإنسان لا يسلم من أن تعرض حظوظ نفسه على بعض أعماله.
والفرق بين الموفق والمفتون هو في معالجة النية.
ففساد النية عند الموفق يحدث بصفة عارضة سريعة الزوال، فتنقلب سيئته حسنة لمجاهدة نفسه وحرصه على الإخلاص.
قال ابن تيمية رحمه الله: "الرجل العظيم في العلم والدين، من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة، أهل البيت وغيرهم، قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن، ونوع من الهوى الخفي، فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه" [٣].
وذلك مصداق قول ابن مسعود رضي الله عنه: ((ما علمنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ كان يريد الدنيا وعرَضَها، حتى كان يومئذ)) في قول الله تعالى ذِكْرُه: ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾.
والصحابة رضي الله عنهم عندهم من الحسنات الماحية ما ليس عند غيرهم، حتى إن أهل بدر غفر لهم ما تقدم وتأخر من كبائر ذنوبهم.
وقد سُمي هذا الهوى بالخفي لأن صاحبه لا يشعر به، فقد يكون الإخلاص لله مشوباً بحظ للنفس قليل، فإذا عظُم حظ النفس صار هوىً خفياً لا يشعر به صاحبه.
فإذا كان العمل مما يبتغى به الأجر الأخروي مع جواز ابتغاء حظ دنيوي به، فليزم فيه أن تكون نية الدنيا أقل من نية الآخرة، فإذا زادت نية الدنيا عن حدها بطل العمل.
فسبب خفاء هذا الهوى على صاحبه هو اشتراك النيات، فلا يدري صاحبها أيتها الأعلى من هذه النيات المشتركة.
ومثل هذا الهوى عارضٌ يزول سريعاً عند الموفق، وقد يطول أمده لا سيما عند غير الصحابة رضي الله عنهم لأسباب منها قلة الفقه وضعف الصدق.
فالنية القليلة للدنيا التي لا تساوي نية الآخرة ولا تزيد عليها لا تفسد العمل الصالح الذي يجب ابتغاء الآخرة به.
وقد أذن الشارع في بعض المسائل التي يُبتغى بها الآخرة ابتغاء شيءٍ قليل من الدنيا بها.
قال الله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١۰) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ نوح [٧١: ١۰-١١].
وابتغاء الدنيا القليل ونيل الأجر القليل فيها ينقص الأجر الأخروي فيما لا يجوز ابتغاء الدنيا به.
روى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ((ما من غازيةٍ أو سريّةٍ تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجّلوا ثلثي أجورهم. وما من غازيةٍ أو سريّةٍ تخفق وتصاب إلا تمّ أجورهم)) [٤].
والإخلاص هو بتقديم محاب الله ومرضاته على محاب النفس وحظوظها ورغباتها، وليس بتركها.
ومن تقديم مرضاة الله ومحابّه أن نبتغي الأجر الأخروي فيما شرعه الله لأجل ابتغاء الأجر الأخروي فقط ونهانا أن نبتغي به الدنيا.
فكلها حظوظ نفس سواء كان الأجر في الدنيا أو الآخرة.
فالله عز وجل غني عن عبادتنا.
وأعظم أسباب الفتن التي تقع بين القراء ضعف الإخلاص الذي يسبب الحسد والبغي.
فما أحب أحد الزعامة إلا حسد وبغى.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي المَحَسي
الخميس ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٧هـ، ٢ أكتوبر ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. أخرجه أحمد (٤/ ١٥١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٣٠٥)، والبيهقي في الشعب (٥/ ٣٦٣) باختلاف يسير، السلسلة الصحيحة (٧٥٠).
٢. صحيح مسلم (٦٧٧)، وأخرجه البخاري (٢٨٠١)، وأحمد (١٢٤٠٢).
٣. منهاج السنة النبوية (ج٤/‏ص٥٤٣) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. صحيح مسلم (١٩٠٦).

البساطة لا تقابل الجمال والغنى

من الزهد المستحب البساطة في الملبس والمسكن والمركب، والبساطة لا تقتضي لبس المرقع والصوف ولا طلب الفقر.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
الزهد المستحب هو ترك فضول المباح والبساطة في المسكن والمركب والملبس.
قال رسول الله ﷺ: (لو كان لي مثل أحد ذهباً، لسرّني أَن لا تمر عليّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إِلاّ شيء أرصده لدين)، متفق عليه.
والبساطة في الملبس لا تقتضي لبس الصوف أو المرقع البالي.
فقد قال رسول الله ﷺ: ("لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر" قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. قال: "إن الله جميل يحب الجمال. الكبر بطر الحق وغمط الناس") [١].
ولا تقتضي البساطة طلب الفقر، فقد تعني إنفاق المال.
والقول بتفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر من أسباب انحطاط المسلمين، لأن فقر القطاع الخاص إضعاف للاقتصاد العام.
فليس في الخلفاء الراشدين الأربعة الذين هم أفضل الصحابة رضي الله عنهم فقيراً من أهل الصفة.
بل كان عثمان رضي الله عنه من أغنى أغنياء زمانه.
ولا حجة لهؤلاء فيما احتجوا به ومنه قول النبي ﷺ في حديث صحيح: (يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسائة عام) لأنه قد يكون بسبب الحساب، أو لأن أكثر الأغنياء يطلبون المال للدنيا لا للإنفاق.
وقد بوب الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل الغني الشاكر ذكر فيه آيات وأحاديث فضل الإنفاق وحديث لا حسد إلا في اثنتين وحديث أهل الدثور.
قال رسول الله ﷺ: (لا حسد إلا في اثنتين رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار) [٢].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه (أن فقراء المسلمين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله ، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم.
قال: وما ذاك؟
قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق.
فقال رسول الله ﷺ: أفلا أعلمكم شيئاً تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟
قالوا: بلى، يا رسول الله.
قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة: ثلاثاً وثلاثين مرة.
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله.
فقال رسول الله ﷺ: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) [٣].
كلمة الصوفية نسبة للصوف لتميزهم به باعتبار أنه زهد.
فالنسبة للصفَّة صُفِّي، وللصفاء صفائي، وللصفا صفوي.
وقد نقل عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله ذم ما تميز به المتصوفة الذين ظهروا في عهدهم.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (لو أن رجلاً تصوف أول النهار، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق) [٤].
وهذا عند ظهور العلم والحجة والقرب من عهد الرسالة.
فذم المبتدع يختلف باختلاف الأزمان وحال المبتدع ما بين جاهل وعالم وبين محدث للبدعة وتبع.
فمن افتتح باب ضلالة أشد إثماً لأن له أوزار من تبعه ولظهور العلم في عهد السلف.
ولذا قال ابن مسعود رضي الله عنه لمن ابتدع بدعة مكروهة كراهة تحريم: (هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون)، وقال: (وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر)، وشد عليهم في النكير فقال: (أم مفتتحوا باب ضلالة؟) [٥].
قال عمرو بن سلمة الهمداني: (كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد.
فجاءنا أبو موسى الأشعري فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتى خرج.
فلما خرج قمنا إليه جميعاً، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن، إني رأيت في المسجد آنفا أمراً أنكرته، ولم أر والحمد لله إلا خيراً.
قال: فما هو؟
فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة.
قال: فماذا قلت لهم؟
قال: ما قلت لهم شيئاً، انتظار رأيك، وانتظار أمرك.
قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم.
ثم مضى ومضينا معه حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ما هذا الذي أراكم تصنعون؟
قالوا يا أبا عبد الرحمن، حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح.
قال فعدوا سيئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون وهذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحو باب ضلالة.
قالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير.
قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوماً يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وأيم الله ما أدري لعل أكثرهم منكم.
ثم تولى عنهم.
فقال عمرو بن سلمة رأينا عامة أولئك الخلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج) [٦].
وهذا من فقه الصحابة رضي الله عنهم.
ومعظم النار من مستصغر الشرر.
فهؤلاء كانت بدعتهم مكروهة كراهة تحريم فكبرت حتى صاروا من الخوارج الذين هم كلاب النار وشر الخلق والخليقة.
ومن فوائد هذا الأثر ألا يستعجل طالب العلم إنكار ما يستغربه قبل الرجوع لمن هو أعلم وأفقه، فقد انتظر أبو موسى رأي ابن مسعود رضي الله عنهما.
ومن فوائد الأثر أن إنكار البدع المكروهة كراهة تحريم في زماننا يجب أن يكون برفق لغلبة الجهل.
قال ابن تيمية رحمه الله في المتصوفة: (تنازع الناس في طريقهم؛ فطائفة ذمت الصوفية والتصوف، وقالوا: إنهم مبتدعون خارجون عن السنة، ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف، وتبعهم على ذلك طوائف من أهل الفقه والكلام، وطائفة غلت فيهم وادعوا أنهم أفضل الخلق وأكملهم بعد الأنبياء، وكلا طرفي هذه الأمور ذميم، والصواب أنهم مجتهدون في طاعة الله كما اجتهد غيرهم من أهل طاعة الله) [٧].
وهذا في الجهل الحقيقي.
فلا يعذر المعرض عن الحق ولو كان جاهلاً.
ومن علامات الإعراض التكذيب بالحق بمعنى إشاعة أنه كذب والصد عنه.
قال الله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: ٣۹].
فعندما يصد جاهل عما يجهله من الحق فهو متبع لهواه، لأن على الحق نور.
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الأحقاف: ١١].
وفي نقد شيخ الإسلام الأئمة الذين ذموا المتصوفة نظر، فكلامه صحيح في وقته لا في وقتهم، ولازم مذهبه في المتصوفة ليس مذهباً له.
فقوله: (ونقل عن طائفة من الأئمة في ذلك من الكلام ما هو معروف) فيه نقدٌ للأئمة الذين ذموا المتصوفة أول ظهورهم، ومعلوم ما نقل عن الأئمة مالك والشافعي وأحمد رحمهم الله في ذم التصوف والمتصوفة.
فقد سئل الإمام أحمد رحمه الله: (ما تقول في أهل القصائد؟ قال: (بدعة، لا يُجالسون)) [٨].
وعن الإمام مالك قال القاضي عياض -رحمهما الله-: (فقال المسيبي: كنا عند مالك وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين:
يا أبا عبد الله عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيراً ثم يأخذون في القصائد ثم يقومون فيرقصون.
فقال مالك: أصبيان هم؟ قال: لا.
قال أمجانين؟ قال: لا، قوم مشائخ وغير ذلك عقلاً.
قال مالك: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يفعل هذا) [٩].
وقال مروان بن محمد الدمشقي من أصحاب الإمام مالك -رحمهما الله-: (ثلاثة لا يؤتمنون في دين؛ الصوفي والقصاص ومبتدع يرد على أهل الأهواء) [١٠].
وسبق نقل قول الإمام الشافعي رحمه الله: (لو أن رجلاً تصوف أول النهار، لا يأتي الظهر حتى يصير أحمق) [٤].
فالصحيح هو أن موقف ابن تيمية رحمه الله من المتصوفة صحيح في وقته، وموقف السلف صحيح في وقتهم.
فمع الرفق بالناس يجب الانتباه إلى خطوات الشيطان، وأن الشر ينتشر بالتدرج كما أن الخير يثبت بالتدرج.
والخطأ وإن بدى صغيراً، فقد يكون أثره عظيماً.
فالدعوة للمظهر غير اللائق والفقر تضاد التقدم والتحضر والقوة.
وقد قدم الله تعالى ذكر جهاد المال على جهاد النفس في كتابه العزيز.
وذلك في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥].
ولا توجد قوة عسكرية ولا سياسية ولا علمية بدون قوة في المال والاقتصاد، وقوة اقتصاد البلد تقاس بجملة ناتجها المحلي والقومي، وهو يشمل قطاعاتها الخاصة.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
السبت ١٨ ربيع الأول ١٤٤٦هـ، ٢١ سبتمبر ٢٠٢٤م.

مصادر ومراجع

[١] صحيح مسلم (٩١).
[٢] أخرجه البخاري (٧٥٢٩) باختلاف يسير، ومسلم (٨١٥).
[٣] صحيح مسلم (٥٩٥).
[٤] تلبيس إبليس (ج١/ص٣٢٧).
[٥] التزام عدد في الذكر المطلق.
[٦] رواه الدارمي (٢١٠)، والطبراني في الكبير (٨٦٣٦)، وابن نعيم في الحلية (٤ / ٣٨١)، وصححه الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الصحيحة (ج٥ص/١١)، سنن الدارمي » المقدمة » باب في كراهية أخذ الرأي (٢١٠).
[٧] مجموع الفتاوى(ج١١/ص١٨).
[٨] الجامع لعلوم الإمام أحمد (ج١٣/ص‏٢٢٨).
[٩] ترتيب المدارك وتقريب المسالك (ج٢/ص٥٤) - القاضي عياض (ت ٥٤٤).
[١٠] ترتيب المدارك وتقريب المسالك (ج٣/ص٢٢٦) - القاضي عياض (ت ٥٤٤)
.

إجازة الجمعة ووقت النوم

رجوع إلى قسم إرشادات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
إن تنظيم ساعات النوم والأوقات وترتيبها هو مفتاح النجاح في أعمال الدنيا والآخرة.
عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه: (وكانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العِشاءَ، الَّتي تَدْعُونَها العَتَمَةَ، وكانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَها، والحَدِيثَ بَعْدَها) [1].
عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الَّلهمَّ باركْ لأمَّتي في بُكُورِها) [2].
عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قِيلُوا، فإنَّ الشياطينَ لا تُقِيلُ) [3].
عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: (ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة) [4].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر) [5].
ممّا سبق من أحاديث فإن أفضل وقت للنوم بعد صلاة العشاء مباشرة وعدم النوم بعد صلاة الفجر لما في أول النهار من بركة ثم النوم أو الاستلقاء وقت القائلة بعد الظهر لاحتياج الجسم لراحة قليلة وقتها.
والأرجح في القيلولة أنها بعد صلاة الظهر لحديث سهل بن سعد رضي الله عنه أنهم كانوا لا يقيلون ولا يتغدون إلا بعد الجمعة، وأما ما ورد من آثار عن بعض الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا يقيلون قبل الظهر، فلعل ذلك في شدة الحر حيث يشرع الإبراد بالظهر وهو تأخيره إلى أن يبرد الجو.
مما يرجح أن القيلولة بعد الظهر أن كل أوقات الصلاة متقاربة عدا الفجر، فزمنه بعيد عن العشاء وعن الظهر، وما بين العشاء والفجر وقت نوم، وما بين الفجر والظهر وقت كسب، وأقل من ست ساعات في اليوم لا تكفي للتعلم والإنتاج، وتتعسر العودة للعمل بعد القيلولة، ومن حِكم تقارب الصلوات عدم الانقطاع عن العبادة.
ولعل الأفضل اتخاذ يوم الجمعة إجازة للتفرغ للعبادة في أوله، فالساعة الأولى من ساعات التبكير للجمعة تبدأ على الأرجح من أقوال العلماء بعد شروق الشمس بحوالي خمس عشرة دقيقة.
وفائدة إجازة الجمعة إضافة للعبادة فيه؛ كسر الملل وأخذ قسط من الراحة الأسبوعية.
وبهذه الطريقة يمكن من استغلال حوالي ست ساعات كل يوم قبل صلاة الظهر للكسب، فإذا جُعلت أيام العمل الأسبوعية ست أيام كان مجموع عدد ساعات العمل الأسبوعية ست وثلاثون ساعة.
وهذه الست والثلاثون ساعة الأسبوعيّة تفوق من حيث الإنتاج الأربعين ساعة المتبعة اليوم، لأن الإنتاجية تقل بعد منتصف النهار، ولأن أول النهار مبارك، ولأن راحة القيلولة تفيد في استغلال بقية اليوم في أعمال نافعة مثل تربية العيال وصلة الأرحام.
وبركة أول النهار ناتجة من نشاط الجسم بعد راحة الليل وما يعرف طبياً بظاهرة الفجر أو تأثير الفجر، وهي ظاهرة زيادة نسبة الجلوكوز في الدم ما بين الرابعة إلى الثامنة صباحاً.
والجلوكوز في الدم هو المصدر الأساسي لطاقة الجسم، وزيادته هي بسبب إفراز هرمون الجلوكاجون فجراً من البنكرياس، والجلوكاجون يعطي إشارة للكبد لتحويل الجليكوجين المخزّن إلى جلوكوز وطرحه في مجرى الدم.
ولضبط سريان الجلوكوز يفرز في نفس الوقت الإنسولين المضاد لعمل الجلوكاجون.
فائدة القيلولة استعادة طاقة الجسم براحة قليلة، وهذه الراحة القليلة لها أثر عظيم في استعادة نشاط الجسم.
هرمون الميلاتونين يسبب الشعور بالنعاس والنوم، ويزيد إفرازه من الغدة الصنوبرية في المخ مع قلة الضوء، وإشارة الضوء تأتي من العينين، ولذا ينصح المتخصصون بعدم استخدام الهاتف قبل النوم.
ونوم النهار لا يعوض نوم الليل بسبب هرمون الميلاتونين الذي يفرز في الظلام، وقد أجريت دراسات عديدة في النوم، منها دراسة أجريت على عينة من النساء يعملن بالليل وأخريات لا يعملن بالليل، فكانت نتيجة الدراسة أنَّ إصابة من يعملن بالليل بسرطان الثدي تزيد ثلاثين بالمائة على من لا يعملن ليلاً. 
وفي دراسة أخرى تم تلقيح مئة وخمسة وعشرين شخصاً ضد التهاب الكبد الوبائي بي، وقد تبين من هذه الدراسة أن فعالية اللقاح في الذين ناموا أكثر من سبع ساعات بالليل كانت 12 مرة أكثر مقارنة بالذين ناموا أقل من ست ساعات بالليل، وقد أثر فقط عدد ساعات النوم وليس نوعيته في مقدار الأجسام المضادة التي أنتجها الجسم استجابة للقاح.
والمزيد حول الآثار السيئة لقلة نوم الليل في موقع؛ مؤسسة النوم.
فسبحان القائل جل ثناؤه: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (61)}، سورة غافر.
بقي أن أنبه إلى أن تغيير نمط الحياة صعبٌ، فمن تعود على النوم بعد صلاة الفجر مثلاً سيظل يشعر بتعب وحاجة إلى النوم بعد الفجر فترة لا تقل في أغلب الناس عن عشرين يوماً، وذلك لأن الساعة البيولوجية في الجسم تعمل على الإيقاع المعتاد، وتحتاج إلى ما لا يقل عن ثلاثة أسابيع لتعدل نفسها إلى إيقاع جديد.
ساعات التبكير لصلاة الجمعة هي الساعات المعروفة اليوم والتي تقدر بستين دقيقة، وساعات التبكير لصلاة الجمعة الخمس تقديرية باعتبار أقصر يوم، فما بين ارتفاع الشمس قيد رمح بعد الشروق إلى وقت الظهر لأقصر نهار في مكة خمس ساعات مقدار كلٍ 60 دقيقةً، ويزيد عددها إلى أن تصل ست ساعات في أطول نهار، فيكون طول كل ساعة من الخمس؛ 72 دقيقةً في أطول نهار في مكة.
وقد حسبت عدد ساعات التبكير لصلاة الجمعة ابتداءاً من مضي خمس عشرة دقيقة على شروق الشمس، وذلك لأن ما بين صلاة الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح في السماء وقت نهي عن الصلاة، وما بين شروق الشمس إلى أن ترتفع قيد رمح في السماء حوالي خمس عشرة دقيقة.
قال ابن باز رحمه الله تعالى في بداية وقت التبكير لصلاة الجمعة: (فالأقرب والله أعلم والأحرى أنه يكون بعد ارتفاع الشمس، حتى إذا ذهب للمسجد يكون محل الصلاة والتعبد) [6].
معرفة أهل الحضارات القديمة بحساب الخسوف والكسوف تُرجح أن عدد ساعات اليوم معروف منذ القدم.
ومما يدل على أن عدد ساعات اليوم الأربع والعشرين كان معروفاً في عهد الرسالة قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ساعات نهار الجمعة: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)، صححه الألباني في صحيح النسائي ١٣٨٨.
وفي حديث ضعيف؛ (إن يوم الجمعة وليلة الجمعة أربع وعشرون ساعة) [7].
ومما يدل على أن الساعات المعروفة اليوم كانت معروفة منذ قرون قول ابن منظور رحمه الله: (والليل والنهار معاً أربع وعشرون ساعة، وإذا اعتدلا فكل واحد منهما ثنتا عشرة ساعة)[8].
وقال ابن تيمية رحمه الله: (والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشر ساعة باللَّيل أو النهار إذا كان الليل والنهار متساويين) [9].
قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله: (والنهار اثنتا عشرة ساعة كما في الصحيح، فهي ساعة بكاملها، وهي ستون دقيقة) [10].
هذا، والله أعلم، وإن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأربعاء 16 شعبان 1440هـ، 19 يوليو 2019م

المصادر

[1] أخرجه البخاري (٥٤٧) واللفظ له، ومسلم (٦٤٧).
[2] الترمذي (١٢١٢)، وأبو داود (٢٦٠٦)، وابن ماجة (٢٢٣6)، وأحمد (١٥٤٨١)، والنسائي (٨٨٣٣)، وابن حبان (٤٧٥٤)، والطبراني (١٢/٣٧٥) (١٣٣٩٠)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (١٨٣٣).
[3] حسنه الألباني في صحيح الجامع (٤٤٣١) وفي السلسلة الصحيحة (١٦٤٧).
[4] صحيح البخاري ٦٢٤٨، صحيح مسلم ٨٥٩.
[5] أخرجه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).
[6] الموقع الرسمي لسماحة الإمام ابن باز » الفتاوى » نور على الدرب » شرح حديث: (من راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة ..).
[7] مجمع الزوائد (ج٢/ص١٦٨)، قال الألباني رحمه الله تعالى: ضعيف جداً في؛ السلسلة الضعيفة » رقم ٥٠٦٧.
[8] لسان العرب لابن منظور (ج8/ص169)؛ ع » فصل السين المهملة.
[9] مجموع الفتاوى (ج٥/ص٤٦٨)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
[10] شرح زاد المستقنع (ج71/ص13)، دروس صوتية، فرغها؛ موقع الشبكة الإسلامية، ورقم الجزء هو رقم الدرس.
pdf

رجوع إلى قسم إرشادات

خصوصيات الموقع

هذا الموقع مبني بأداة مدونات غوفل، وكل سياسات الخصوصية هي سياسات مدونات غوغل، والمدون لا يجمع أي معلومات شخصية بنفسه.

حب التميز والكسب الدنيوي (خطبة جمعة)

رجوع إلى قسم إرشادات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق فقدر، ثم شرع فنهى وأمر، أحمده وأشكره على ما أجزل علينا من النعم الظاهرة والباطنة فأكثر، والصلاة والسلام على خير البشر، وعلى الآل والأصحاب والتابع من أهل الخير والأثر.
وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له لا يزول ملكه ولا يتحول، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أفضل نبي وأكرم مرسل، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أيها المسلمون، لقد أودع عز وجل في الإنسان من الصفات الحسنة ما يمكنه من عبادة خالقه وعمارة الأرض وصلاح العباد والبلاد، منها حب التنافس والتميُّز والغبطة.
وصفة حب التميّز متفاوتة عند الناس، وهي حسنة جميلة، تحفّز العمل والاجتهاد والكسب والإنتاج والجد وعلو الهمة، ونقصانها يورث الكسل وضعف الهمة.
أيها المسلمون، إنَّ أهم ما يتميَّز به الإنسان أمر دينه وآخرته، فنبيكم ﷺ الذي ميّزه الله عز وجل فجعله أفضل الخلق كانت همته جلّها لآخرته.
ومن حبه للتميز أنه أمر ﷺ أمته أن يسألوا الله عز وجل له المقام المحمود الذي لا ينبغي لغيره، قال الله تعالى ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾.
ومن حبِّ إبراهيم عليه السلام للتميز أنّه لم يكتف لنفسه بجعل الله تعالى له إماماً يُقتدى به في الحنيفيّة والخير، بل دعا لذريته بهذا الخير.
قال الله عز وجل: ﴿وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ  قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ  قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ  قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ومع أنّ سليمان عليه السلام كان متميِّزاً، إذ كان رسولاً ابن رسول وملكاً ابن ملك، فإنّه لم يكتف بذلك، بل سأل ربه ملكاً خالصاً له يتميّز به على سائر الناس، قال الله عز وجل: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِيۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾.
أيها المسلمون، حذار من من الهوى والشيطان، فإنه يدخل على الإنسان من أبواب الصلاح ليأمره بالكسل، فيقول إنّ هذه الدنيا فانية لا تستحق التعب والنصب.
فهذا سليمان عليه السلام سأل الله عز وجل تميّزاً دنيوياً وهو الملك والجاه، لعلمه بأنّ الدنيا تخدم الدين، غير أنّ هذه الأمة قد نهيت عن طلب الإمارة والحرص عليها خلافاً للمال لحكم بالغة.
فإنّ قلّة الإمارات العامّة وأهميّتها البالغة تجعل التنافس عليها ممّا يورث شدّة الصراع والشقاق، خلافاً للمال فإنّه أوفر وبه تتقوى الأمّة.
وقد حثّ النبي ﷺ على الغبطة والتنافس في كسب المال لأجل الصدقة فقال في الحديث المتفق عليه (لا حسد إلا على اثنتين رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل ورجل أعطاه الله مالا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار).
أيها المسلمون إنَّ المذموم هو طلب الدنيا للدنيا، وأما طلب الدنيا والمال للآخرة والصدقة وفعل الخير فهو محمود، ولذا قال: (فهو يتصدق به) ولم يقل؛ فبنى به أفخر القصور وركب به أرفه المركبات وتفاخر به وتباها.
فالزهد المستحب هو ترك فضول المباح والتوسط في المسكن والمركب والملبس وإنفاق المال، وليس هو طلب الفقر والفرار من الغنى.
عن أَبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله ﷺ قَالَ: (لو كان لي مثل أحدٍ ذهباً، لسرّني أن لا تمرّ عليّ ثلاث ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إلا شيئٌ أرصده لدينٍ)، متفقٌ عَلَيْهِ.
أيها المسلمون، إنّ القول بتفضيل الفقير الصابر على الغني الشاكر مبتدع محدث، فالأربعة الذين هم أفضل الصحابة رضي الله عنهم ليس فيهم فقيراً، وهم أبوبكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، رضي الله عنهم، بل كان عثمان رضي الله عنه من أغنى أغنياء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
ولا حجة فيما احتج به من فضل الفقير، ومنها قول النبي ﷺ: (يدخل فقراء المؤمنين الجنة قبل أغنيائهم بخمسئة عام)، لأنّ هذا قد يكون بسبب الحساب، أو لأنّ أكثر الأغنياء يطلبون المال للدنيا لا لأجل الدين. 
وقد بوب الإمام النووي رحمه الله في كتابه رياض الصالحين باب فضل الغني الشاكر، ذكر فيه آيات وأحاديث فضل الإنفاق وحديث لا حسد إلا في اثنتين وحديث أهل الدثور.
عن أبي هريرة رضي الله عنه (أنّ فقراء المسلمين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، قد ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم.
قال وما ذاك؟
قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق.
فقال رسول الله ﷺ: أفلا أعلمكم شيئا تدركون به من سبقكم، وتسبقون من بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم، إلا من صنع مثل ما صنعتم؟
قالوا: بلى، يا رسول الله.
قال: تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة: ثلاثا وثلاثين مرة.
قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين، فقالوا: سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا، ففعلوا مثله.
فقال رسول الله ﷺ: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).
أيها المسلمون، اسمحوا لي باستغلال فرصة العطلة لأوجه رسالة للجميع أخص بها الصغار والشباب؛
فلتكن أيها الشاب والصبي متميزاً بين الآخرين في عبادتك لربك، ومعاملتك للخلق، لتكن متميزاً في البيت والشارع والمدرسة والعمل.
لتكن متميزاً في البيت بين إخوانك وأخواتك في كسب رضا والديك ومحبة إخوانك وأخواتك.
ولتكن متميزاً في الشوارع والطرقات والحافلات والمركبات في حسن التصرف والخلق.
ولتكن متميزاً في مدرستك ومكان عملك في دراستك ودرجاتك وعملك وكسبك وإنتاجك ومالك.
وليكن ذلك كله لأجل الدين، ولا تنس نصيبك من الدنيا.
أيها المسلمون، من غير الكسب الدنيوي من شهادات علمية عالية ومال ووظائف هامة، لن يستطع المسلمون في هذه البلاد بناء مساجدهم وتوظيف نشطائهم ودعاتهم، ولا حفظ حقوقهم الدينية والدنيوية.
فبالوظائف الخدمية الهامة يخدم المسلم المجتمع ويرفع عن المسلمين ما قد يقع عليهم من تضييق وتمييز.
وبالجملة فإن الدينا تخدم الدين، ولذا قدم الله عز وجل جهاد المال على جهاد النفس في كثير من آيات الكتاب العزيز.
أخي المسلم، لتكن صاحب همة عالية، فإذا كنت ممن يطلب المال للآخرة وليس للتفاخر والدنيا، فلا تكتف بالقليل، فأعمال البر والخير والدعوة بحاجة إلى مالك.
فهذه البلاد بلاد منتجة، تشجع على العمل والوظيفة والاستثمار، والاستثمار والأعمال الخاصة والمشتركة أفضل في اكتساب المال لمن كان قادراً عليها، من غير تلبس بالحرام والربا.
فالطبيب صاحب العيادة الخاصة أوفر كسباً ممن يعمل عند غيره، وكذا النظاف صاحب شركة النظافة، وقس عليهما المهندس والطباخ وسائر الحرف والوظائف.
أيها المسلمون، ليس الفقير أفضل من الغني، ولا الغني أفضل من الفقير، وإنما الفضل بالنية والعمل، ولكن الغنى أفضل من الفقر.
وطلب الغنى والكسب مرغب فيه إذا كان لأجل الصدقة والدين لا لأجل التفاخر والدنيا والتوسع في متعها الزائلة.
فبالأعمال الصالحة والنوايا فقط يتفاضل الناس.
فمن نوى الصدقة أعطاه الله عز وجل أجرها وإن لم يتصدق.
ومن تصدق رياءً وسمعة لم يجد من أجر صدقته شيئاً.
وقد يتصدق الإنسان بالقليل فيجد الأجر الكثير وقد يتصدق بالكثير فلا يجد من الأجر إلا القليل.
ولو أمكن النظر في القلوب لرأينا أنّ ما في قلوب بعض الفقراء من حب الدنيا أضعاف ما عند بعض الأغنياء.
قال رسول الله ﷺ: (إنّ اللَّه لا ينظر إلى صوركم وأموالكم،  وإنّما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم. 
أيها المسلمون، إن الحرص على الدنيا لأجل الدنيا والتفاخر بها خطره على الدين عظيم، فتجد طالب الدنيا يطلب الجاه والشرف من السلطان والوظائف العالية والشهادات الرفيعة والمال و سائر أنواع التميز من الحرام.
قال رسول الله ﷺ: (ما ذئبان جائعان إرسلا في غنمٍ بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه).
وليحذر محب التنافس والتميز من الحسد الذي يأكل الحسنات كما تأكل النار الحط.
أخي المسلم، إذا سألت الله عز وجل الدنيا من الجاه والسلطان وسعة الرزق والمال، فلا تنذر، ولا تعد الله عز وجل بتسخير الدنيا للدين ولا بالإنفاق، بل اسأل الله عز وجل أن يعينك على الإنفاق في سبل الخير.
قال الله عز وجل: ﴿وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾.
أيها المسلمون، إنّ من يطلب الدنيا للآخرة لا يسخط إذا حرمه الله عز ما يرغب فيه من أمور الدنيا الفانية، لعلمه بأن الله عز وجل إنما يعطى ويمنع لحكم بالغة.
فإنّ من عباد الله عز وجل من لا يصلحه إلا الغنى فإذا أفقره الله كفر، ومن عباد الله عز وجل من لا يصلحه إلا الفقر فإن أغناه الله عز وجل طغى وتجبر.
قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَـٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾.
فلو تساوى الناس في الثراء والكسب والأعمال والوظائف لفسدت الحياة ولما تسخّر بعضهم لبعض لإعمار الأرض، هذا حلاق، وهذا مزارع، وذاك تاجر، وآخر عالم.
قال الله عز وجل: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَاۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّاۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد 
يوم الجمعة ١٣ رجب ١٤٣٦هـ، ١ مايو ٢٠١٥م.

ولم يستح إنسان من أصله

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
في؛ صحيفة الرياض العدد 15308 » منصور النقيدان » لاتستحوا من أصولكم، بتاريخ الأحد 9 جمادى الآخرة 1431هـ - 23 مايو 2010م، كتب منصور النقيدان مقالاً بعنوان "لا تستحوا من أصولكم" بدأه بقصَّة عالم الاقتصاد الأسكتلندي الأصل الذي كان يخفي لكنته أثناء الفترة التي قضاها بجامعة أكسفورد، وأشار إلى أمثلة أخرى مشابهة في بلدان أخرى. 
ولِمَ يستحِ بشر من أصله، وأصله مكرَّم ومشرَّف، فقد خلق الله عزَّ وجل آدم عليه السلام بيديه وأسجد له ملائكته وأسكنه جنته، ثم أهبطه إلى الأرض وجعله خليفة فيها، وكرَّم ذريته من بعده، وجعلهم خلائف الأرض؛ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا}.
وإذا اختار الله عز وجل من سلاسلة آدم من يشاء، فإنه يختارهم بعلمه وحكمته وعدله؛ {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
وقد اختار الله تعالى من بني إبراهيم بني إسرائيل بعلمه {وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَىٰ عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ}، ثم نزع منهم الخيرية بعدله، فليس بين الله عز وجل وبين خلقه نسب.
وإذا كان تفاضل الناس في الأخلاق يرجع بعضه إلى الوراثة، فإنَّ أكثر ما يؤثر في الناس في أخلاقهم وسلوكهم هو دينهم.
وكثير من الأخلاق والصفات السيئة في الناس ناتجة عن البيئة والتعليم.
فإنَّ كثرة بعض الخصال الذميمة في بعض القبائل "الوضيعة" - وليس بين البشر وضيع إلا من وضع نفسه، فرده الله أسفل سافلين بعد أن خلقه في أحسن تقويم -، قد تنتج عن الإحساس بالدونية والإهمال دون سبب ولا جناية، كما قال القائل: ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرحٍ بميِّت إيلام، خاصة إذا لم يجد أفرادها من التعليم الديني والتربوي ما يدفع عنهم الاتصاف بما هو قبيح ووضيع.
وإذا احتج المفتخرون بأنسابهم بالصفات الجبلية الموروثة، فلماذا ينسون أنَّ البشر جميعاً ورثوا صفاتهم من آدم عليه السلام؟
وقد تجد في الأسرة الواحدة البخيل والمسرف والكريم، وقد تلاحظ هذه الصفات الحميدة والذميمة في الإنسان منذ صغره، ولكن البخيل الذي بدَّل حاله من كرم إلى بخل، أسوأ حالاً عند الله وعند الناس ممن كان بخيلاً بطبعه، ومن كانت فيه صفة البخل فجاهد نفسه وتخلَّى عنها، فأصبح من أهل الكرم، كان أرفع مقاماً عند الله عز وجل وعند الناس.
ومما يدلُّ على أنَّ الصفات منها جبلي ومكتسب، وأنَّ كل صفة خير يمكن اكتسابها، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشج بني عبد قيس: (إنَّ فيك لخصلتين يحبهما الله عز وجل ورسوله). قال: وما هما؟ قال: (الحلم، والأناة). قال: أشيء استفدته، أم شيء جبلت عليه؟ قال: (بل شيء جبلت عليه). فقال: الحمد لله الذي جبلني على ما أحب).
وأما اشتراط الكفاءة في النسب في النكاح، فالأصح أنه أمر مستحسن وليس بمستحب ولا واجب فضلاً عن أن يكون شرطاً، وقد رجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى والمستحسن ما كان بالرأي والاجتهاد، والمستحب ما كان بالنص.
وسبب استحسان الكفاءة في النسب ليس المحافظة على النسب، فقد دلَّت التجارب على أنَّ تمازج الأنساب كثيراً ما يؤدِّي إلى النبوغ والتميُّز، والتهجين في النباتات والحيوانات يُستخدم لجمع الصفات المرغوبة.
فالاستحسان إنَّما هو للمحافظة على تماسك الأسرة وتحقيق المودَّة والرحمة والاحترام المتبادل بين الزوجين، وقد دلَّت التجربة على أنَّ الرجل إذا تزوَّج امراة أكثر ثراءاً منه فإنَّه غالباً ما يفقد القوامة في بيته، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى رواية لا أعرف صحَّتها أنَّ زيداً رضي الله عنه كان يشتكي تعالي زينب رضي الله عنها عليه.
وإذا تميَّزت قبيلة أو شعب أو جنس بصفات فإِنَّهم يفتقدون أخرى، فلِمَ لا يتكامل الناس بما عندهم من خصال لعمارة الأرض أولاً بالإيمان ثم بالاستقرار والنمو والازدهار؟
ومن ذلك تميز العرب فطرياً بالعلوم الأدبية: كالإدراية، والسياسية، والقانونية، والحربية، وتميز الشعوب الآسيوية والأوروبية بالصناعة الهندسية تطبيقاً واختراعاً، وتميز الآسيويون بجمال الرسم والخط والتصميم كالبناء والملابس، للمزيد؛ مدونتي » معارف » تنوع الذكاء والقدرات.
وإذا لم يتخلَّ الناس عن الافتخار بنسبهم القريب، ناسين أو متناسين نسبهم البعيد وهو آدم عليه السلام، فإنه لن يستقيم لهم حال، وستظل هذه الفوارق الاجتماعية مصدراً للصفات الذميمة والأمراض النفسية عند ضعاف الشخصية في أقل أحوالها، فتحقد الطبقات "الدنيا" على "العليا"، وتترفع "العليا" على "الدنيا"، وما إخفاء بعض الناس أصلهم إلَّا عرض من أعراض تلك المشاكل والأمراض النفسيَّة، هذا إذا لم تكن الفوارق سبباً للحروب والصراعات.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الأثنين 10 جمادى الآخرة 1431هـ، 24 مايو 2010م

pdf

رجوع إلى قسم إرشادات

داعية يمتطي سيارة آخر موديل!

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثرهم إلى يوم الدِّين.
في لقاءٍ مع أحد الدعاة حول المكاسب المادية التي فُتحت على الدعاة إلى الله عز وجل في السنين المتأخِّرة قال أحد الدعاة؛ "أعرف أحد الدعاة يركب سيارة ليكسوز موديل 2007 من ريع العمل في القنوات الإعلامية، وهذا من فضل الله عز وجل علينا".
فمع ظهور القنوات الإعلامية الفضائية وانتشار الصحوة الإسلاميَّة أضحى الإعلام الإسلامي أحد أهم وسائل استقطاب المشاهدين، والإشهار التجاري من أهم وسائل زيادة المبيعات، وتبذل الشركات الكبرى أموالاً كثيرة في التسويق والإشهار التجاري.
هذا الواقع الجديد جعل للداعية المفوَّه والخطيب البارع وضعية جديدة لم يكن يحسبها الكثيرون من قبل، وأصبح بعض الدعاة يكسب الملايين عبر الشاشات الفضائية والمواقع الإلكترونيَّة وغيرهما من الوسائل الإعلاميَّة.
وهذه وسيلة من وسائل الكسب المباح، وهذا الكسب من فضل الله عز وجل على الدعاة، ولكن من المستحب ألا يسرف المسلم في المباحات، ويصبح الأمر أكثر تأكيداً إذا كان الكسب من أعمال الآخرة والعبادات.
وليس من المصلحة أن يترك الداعية فائدة عمله للقنوات الإعلامية، ولكن بإمكانه أن ينفق المال في سبل الخير والدعوة بدل الإغراق في المباحات.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما من غازية تغزو في سبيل الله تبارك وتعالى، فيصيبوا غنيمةً إلَّا تعجَّلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث، فإن لم يصيبوا غنيمة تمَّ لهُم أجرُهُم)، أخرجه مسلم.
الزهد المستحب هو ترك فضول المباح، وليس هو ترك الكسب قل أو كثر، ولا يوجد ما يدل على أن الفقير الصابر أفضل من الغني الشاكر ولا أن الغني الشاكر أفضل من الغني الصابر، وفي الحديث؛ (إنَّ الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
ولكن دلت الأدلة على أن الغنى أفضل من الفقر إذا كان صاحبه ينفقه في سبيل الله، كما دلت الأدلة على استحباب طلب المال إذا كان للإنفاق في سبيل الله عز وجل وليس للإغراق في المباحات، فالغنى أفضل من الفقر وليس الغني أفضل من الفقير ولا العكس.
وإذا كان الزهد المستحب حسناً من عوام الناس فهو في شأن الدعاة آكد، لأن الدعاة هم القدوة لغيرهم، فإذا زهد الدعاة والعلماء في الدنيا كانوا قدوة للناس في عمل الخير، وأما إذا أغرقوا في المباحات فإن هذا مما يغري بعملهم عوام الناس.
وإنَّ زهد الداعية والعالم وطالب العلم في الدنيا أدعى لسماع الناس منه وقبولهم لنصحه ورأيه وتوجيهه، ولا يخفى على الداعية إلى الله عز وجل أنَّ الزهد خير للرجل ولأهله في الدنيا والآخرة {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ}.
فإذا لم يقنع الداعية بالبساطة فالوسط العرفي في المباحات لحديث؛ (إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)، ولأن كثيراً من الأحكام معلقة بوسط حال أهل القرية أو المدينة {مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ}، والمرأة إذا لم يسمَّ صداقها فلها مهل المثل.
إنَّ الإغراق في المباحات والترف والرفاهية تؤدِّي إلى الركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة، وقد تحمل طالب العلم والعالم والداعية على ما لا يرضي الله عز وجل في عمله، وفي الحديث: {مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ}.
والفتن التي كثرت في السنوات الأخيرة هي من آثار الترف والركون إلى الدنيا، وقد كان من فقه الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه لما جئ بكنوز كسرى بكى، فقيل له: (هذا يوم فرح وسرور وشكر لله عز وجل، فقال: ما أعطى الله هذا قوماً قط إلا ألقى بينهم العداوة والبغضاء).
وما من أمر أمر الله عز وجل به أو أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم؛ سواء كان على وجه الاستحباب والندب أو على وجه الوجوب والفرض، إلا كان سبباً للسعادة في الدارين، وذلك لأن القلب إذا انشغل عن الدنيا أمكن شغله بعمل الآخرة وذكر الله عز وجل، وبذكر الله عز وجل تسعد النفوس وتطمئن القلوب، لأن ذكر الله عز وجل هو غذاء الروح وطمأنينته كما أن الطعام هو غذاء البدن، قال الله عز وجل: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}.
وأما تنعيم البدن أو امتاع النفس بالتفاخر فإنه لن يجلب إلا سعادة زائفة، وذلك لأن التكاثر والتفاخر ليس له حدود، والبدن لا يشبع من المتاع، والنفس لا تشبع من الإعجاب، ولهذا قيل "إنما الغنى غنى النفس".
وقد جاء في الحديث الذي خرجه مسلم في صحيحه: (لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب).
ومن تعلق قلبه بالدنيا ونعيمها الزائل فلن يهدأ له بال ولن تستقر له نفس، فتجده إن حصل مراده منها قلقاً متوتراً خشية زوال ما جمع وحصل من نعيم زائل، وإن فاته شئ مما أراد تحصيله جزع وفزع، وإن أصيب بجائحة ومصيبة أذهبت ماله فتلك قاصمة ظهره، مفوتاً بذلك سعادة الدنيا والأجر في الآخرة على الصبر والاحتساب.
وإنما السعادة في امتثال ما أمر الله عز وجل به {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: (إنَّ الناس كلما ازدادوا في الرفاهية وكلما انفتحوا على الدنيا؛ انفتحت عليهم الشرور.
إنَّ الرفاهية هي التي تدمِّر الإنسان؛ لأن الإنسان إذا نظر إلى الرفاهية وتنعيم جسده؛ غَفل عن تنعيم قلبه، وصار أكبر همه أن ينعِّم هذا الجسد الذي مآله إلى الديدان والنتن.
وهذا هو البلاء، وهذا هو الذي ضر الناس اليوم، فلا تكاد تجد أحداً إلَّا ويقول: ما هو قصرنا؟ وما هي سيارتنا؟ وما هو فرشنا؟
حتى الذين يدرسون العلم بعضهم إنَّما يدرس من أجل أن ينال رتبة أو مرتبة يتوصل بها إلى نعيم الدنيا، ما كأن الإنسان خلق لأمر عظيم.
والدنيا ونعيمها إنَّما هو وسيلة فقط، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم نستعمله كوسيلة)، شرح رياض الصالحين: (باب المبادرة إلى الخير) المجلد الثاني.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم).
عمر عبداللطيف محمد نور
لينشوبنج، السويد
يوم الأثنين 16 ربيع الثاني 1432هـ، 21 مارس 2011م
pdf

رجوع إلى قسم إرشادات 

اختر التخصص المناسب لقدراتك

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلق البشر وجعلهم خلائف الأرض، ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليبلوهم فيما آتاهم، والصَّلاة والسَّلام على المبعوث رحمة للعالمين، من الإنس والجن والحيوانات وسائر المخلوقات، ومن تبع سبيله إلى يوم المعاد.
في مكالمة هاتفية يوم أمس مع أحد زملاء الدراسة في مرحلة الأساس، أخبرني أنه ينصح طلاب الشهادة السودانية من المتفوِّقين أكاديمياً بضرورة توجه بعضهم لدراسة العلوم الإداريَّة والاقتصاديّة والقانونيّة، خلافاً لما هو متعارف عليه عند أكثر المتفوِّقين أكاديمياً من التوجه إلى العلوم التطبيقية مثل العلوم الهندسية بسائر أنواعها وعلوم الطب والزراعة والصيدلة ونحوها.
وقد علَّل الأخ ذلك بأنَّ المواقع القياديَّة في الشركات والمؤسَّسَات والدولة أكثر من يتولَّاها أهل العلوم النظريَّة، ومن الأفضل أن تكون القيادة بيد الأكثر قدرة على الفهم والتحليل المنطقي السليم وبالتالي القدرة على اتخاذ قرارات تساهم في النهضة والتطور، هذا من ناحية، وأما من الناحية المادية فإنَّ المدراء والقياديين هم الأكثر حظاً في الغالب.
القرارات الإدارية والتجارية تحتاج إلى قدرة على التحليل وقراءة المعلومات المتوافرة للخروج بقرار صحيح، وهذا يحتاج إلى قوة في النظر، وأقرب الناس إلى النظر والتحليل القوي هم الرياضيّون والفيزيائيّون والناجحون في علوم الطبيعة.
والقدرات الجبليّة الموروثة ذات أهمية كبيرة في النجاح.
وأنجح الناس من اجتمعت فيه القدرات الجبليّة والمكتسبة.
والأقدر على الفهم والاستيعاب يستطيع أن يُحصِّل أكبر قدر ممكن من المعلومات فترة دراسته، وبعد تخرجه يكون أسرع من غيره في تطوير نفسه واكتساب الخبرة العمليَّة، إضافة إلى قدرته على التحليل السليم، واتخاذ القرارات الصائبة.
وهذا التطور السريع يعود بالنفع والتطوُّر والتقدُّم على المؤسسة التي يعمل بها، وهذا بدوره يقود إلى تطور البلد ونموها.
هذا بالإضافة إلى أنَّ أصحاب المواقع الإدارية ومواقع القرار هم الأوفر حظاً ونصيباً في المال والثروة، بسبب ارتفاع رواتبهم عمَّن دونهم في الخدمة في ذات المؤسَّسة، والتطبيقيون مكانهم غالباً ما يكون بعيداً عن مواقع اتخاذ القرارات، حيث إن موقعهم في الإنتاج العملي التطبيقي غالباً.
والقدرات الجبلية متنوعة، والأكاديميّة منها كذلك متنوعة، فثمة مثلاً الأقدر على الفهم وثمة الأقدر على الرأي والفكر.
ومن الأفضل والأولى بطالب الثانوية العليا أن يختار لنفسه من التخصُّصات ما يناسب قدراته الجبليَّة، وما يكون أنفع لأمته وبلده، وإذا نوى بدراسته وتخصصه خدمة دين الله عز وجل وشرعه فإنه في عبادة كما قرر ذلك العلماء، كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: {إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي} أخرجه البخاري، وروي هذا عن غيره من الصحابة.
وكُلَّما نجح الطالب في اختيار التخصُّص الذي يتناسب مع قدراته الجبليَّة، كلما كان ذلك أدعى لاستفادة البلاد والأمة منه.
والعلوم التي تسمى بالأدبيَّة تحتاج إلى ذكاء في المنطق والتحليل، وليس في الحفظ فقط، ومن المؤسف أن العلوم المسماة بالأدبية، ومنها العلوم الإدارية والإقتصاديَّة والقانونية وعلوم الشريعة الإسلامية أصبحت تترك لذوي الدرجات الأدنى في شهادات الثانوية العليا، مع أنَّ هذه العلوم تحتاج إلى قوة في الحفظ، مع قوة في التحليل والفهم والنظر السليم.
وكلما كان الموظف في موقع إداري أعلى كلما كان أكثر حظاً في الراتب الشهري.
وكلما كانت العلوم أكثر ميلاً إلى الجانب النظري منها إلى العملي كلما كانت الوظيفة أعلى، فكما أنَّ مدراء الشركات والقطاعات المختلفة داخل الشركات يتقاضون رواتب أكثر ممن يديرونهم، فحملة الشهادات النظرية في العلوم التطبيقية يتقاضون رواتب أفضل من حملة الشهادات الأقل في الجانب النظري.
هذا إضافة إلى أنَّ العلوم كلما كانت أكثر ميلاً إلى الجانب النظري كلما كانت أنفع وأكثر فائدة في التطور والبناء والتقدُّم.
وفي الغرب الآن يوجد نوعان من الجامعات في العلوم التطبيقية الهندسية، الجامعات التي تولي الجانب النظري أهمية أكثر من التدريب العملي تسمى بالجامعات مطلقاً أو تسمى جامعات تقنية، وأما الجامعات التي تركز على التدريب العملي فتسمى بالجامعات للعلوم التطبيقية.
وشهادات جامعات العلوم التطبيقية تسمى بكالوريوس هندسة وماجستير هندسة، بينما شهادات الجامعات الأكثر اهتماماً بالجانب النظري في العلوم الهندسية التطبيقيَّة تسمى بكالوريوس علوم وماجستير علوم، وأما شهادات الدكتوراة فلا توجد إلا في الجامعات الأكثر اهتماماً بالجوانب النظرية.
والمهندسون وحملة ماجستير هندسة عملهم في جانب الإنتاج في الشركات، لأنهم أقل معرفة بالجانب النظري، وأما أصحاب الدكتوراة والماجستير العلمي فقد يعملون في شعب البحث والتطوير في الشركات.
ومن يعملون في مجال البحث والتطوير يتقاضون رواتب أفضل، لأن عملهم أهم ويتطلب علماً أوسع، وبدونه يتعطَّل الإنتاج خاصة في مجالات التقنية، لأن الهواتف الجديدة مثلاً تكون مطوَّرة وبخصائص أفضل.
ولكن عدد العاملين في شعبة البحث والتطوير أقل عادة في الشركات من الذين يعملون في قطاع الإنتاج.
وكلّما كان الطالب أكثر نجاحاً في النظر والتحليل مثل العلوم الرياضية الحسابية والفيزيائية والبرمجية كلّما كانت فرصته أعلى وأكثر في الجامعات الأكثر نظرية في المجالات الهندسية، وعادة ما يدخلها أصحاب الشهادات الأعلى في الدرجات.
عمل حامل بكالوريوس الهندسة أشبه بعمل التقني والفني، والفني حامل ما يسمى في بعض البلدان بالدبلوم والذي قد يكون خريج خريج المدارس الصناعية التي تعادل الثانوية العليا.
فالمهندس أكثر معرفة من التقني والفني بالجوانب النظرية والعمليَّة.
وفي الغرب توجد مدارس صناعية في مجالات البرمجيات وأجهزة الحاسوب ونحوها من الصناعات الحديثة.
حدثني أحد الزملاء أنه سمع مدير شعبة تقنية المعلومات بجامعة متروبوليا للعلوم التطبيقية بفنلندا يقول: اشتكيت إلى مسؤول توظيف بنوكيا قائلاً لماذا تعينون في مجال الإنتاج خريجي جامعة هلسنكي للتقنية أكثر من خريجينا مع أنّ طلابنا أكثر قدرة في الأداء العملي بسبب التمارين والتدريبات المكثفة في المعامل، فكانت إجابة مسؤول التوظيف بأن خريجي جامعتكم أكثر قدرة في الأداء العملي في السنة الأولى، ولكن بعدها يتفوَّق خريجو جامعة هلسنكي للتقنية على طلابكم في الجانب العملي.
وتعليل موظف التوظيف بنوكيا سليم نظرياً يعرفه كل من عنده إلمام بالعلوم الهندسية وعلاقتها بالجوانب النظرية.
فالأكثر اهتماماً بالجوانب النظرية هو الأكثر حظاً في الوظائف العليا، وهو الأكثر نفعاً في مؤسسته، وإن كان العمل لا يمكن أن يتم بغير المهتمين بالعلوم التطبيقية والتدريب العملي.
حدثني أخ مسلم هندي، وهو مهندس بناء يحمل شهادة ماجستير من جامعة أمريكية مرموقة، وكان يعمل بإحدى الشركات بأمريكا، أخبرني أنّه كان لا يجيد برنامج الآوتوكاد، فكان يرسم بيده ثم يسلِّم الرسم لفني بالشركة ليرسمه بالحاسوب.
فالفني بسبب خبرته العمليَّة ينجز مثل هذا الرسم بسرعة تفوق المهندس، ولهذا لا يصح احتقار دور التقني وغيره في العمل، فكل ميسر لما خلق له، وحتى لو أتقن المهندس مثل هذه الأعمال التقنيَّة فإنَّ وقته لا يسمح لأدائها.
لقد خلق الله عز وجل الناس، وكرَّمهم على سائر المخلوقات وجعلهم خلائف الأرض، ومنحهم قدرات مختلفة، وقسم أرزاقهم، ورفع بعضهم فوق بعض درجات، ليتكاملوا ويتسخر بعضهم لبعض.
والتكامل لا يحدث بدون تميز في جوانب ونقص في أخرى، فإذا لم يوجد من يعمل بالنظافة فكيف سيكون حال دور التعليم والصناعة والعلاج والعبادة وغيرها؟
قال الله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ (32)﴾.
وسُخرياً بضم السين من التسخير، أي ليُسَخِّر بعضهم لبعض في الأعمال والحرف والصنائع.
بعض الأكاديمين يَسْخَر من كل من لم يُحصِّل تعليمه بالوسائل المتعارف عليها حديثاً، علماً بأنه قد يكون أكثر معرفة ودراية بكثير من العلوم والمعارف البشرية.
وهذا من الجهل، إذ الاستهزاء لا يصدر إلا عن جهل؛ ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ۖ قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) )﴾.
فليس كل من لم يحمل شهادة غير قادر على التعلُّم، فقد يكون السبب عدم توفُّر فرصة التعليم بالوسائل الحديثة له، وقد يكون أكثر نجاحاً في بعض أنواع المعارف والعلوم، فمن العلوم والمعارف ما يُكتسب بالممارسة مع شيءٍ من التعليم والتوجيه.
وقد كان أستاذنا البريطاني في جامعة متروبوليا للعلوم التطبيقية بفنلندة يدرِّس كثيراً من المواد التجارية على طريقة دراسة حالات، وذلك بتناول أشغالٍ ناجحة بالدراسة.
كنت يوماً أتحدَّث إلى أحد الأكاديميين الأدبيين، كان يدرس في قسم الدكتوراة بجامعة هلسنكي، فذكر أحد أثرياء السودان، وهو رجل معروف صاحب أعمال، كان لا يعرف كتابة اسمه، وكان يستخدم البصمة في تعاملاته الرسمية، كما حُكي عنه. فقال الأخ الأكاديمي السبب في ثراء مثل هؤلاء الأميين الجهلة وضع السودان المتخلِّف. فقلت للأخ مهلاً، هل تعلم أنَّ الشيخ الذي تتحدث عنه رحمه الله كان يدير عمله بنفسه؟ وأنه بعد أن توفاه الله عز وجل وتولى أبناؤه إدارة أعماله تقهقرت الأعمال؟
فتقهقُر أشغاله بعد وفاته وبعد تولي أبنائه إدارتها يدلّ على أنّه كان يحسن إدارتها، سواء كان السبب في التقهقر هو اختلاف ذريته من بعده أو كان بسبب عدم قدرتهم على إدارة الإشغال.
وقلت للأخ كنت يوماً بجامعة هلسنكي أطالع جريدة الإندبندنت البريطانية، وقرأت قصة رجل بريطاني مليونير ترك الدراسة الرسميّة وهو في سن السادسة عشر من عمره واتجه إلى الأشغال والأعمال، وهذا مثال من بلد متقدم متطور.
فمن الواضح أن القدرات الطبيعيَّة التي جبل الله عليها الإنسان والمكتسبة معاً تحدِّدان مدى نجاح الشخص في مهامه.
ومهما اكتسب الإنسان من خصال بالتعليم والتجربة والتمرين فإنَّ النجاح يكون أفضل وأسرع مع توفّر الخصال الجبليَّة الفطريَّة إلى جانب المكتسبة فيما يختار لنفسه من تخصُّصات ومهام. 
وقد حدثني أخ كردي يعمل في شركة بفنلندة تعمل في مجال البرمجيَّات أنَّ مسؤول المجموعة ليست لديه شهادة علمية، علماً بأن الأخ الكردي درس لسنتين ونصف فقط في مجال علوم الحاسوب، بمعنى أنه بدرجة فني وتقني، ولكنه كان مع عمله بالشركة يدرس معنا بجامعة للعلوم التطبيقية ليرفع درجة شهادته إلى درجة مهندس.
وعندما أخبرني الأخ عن الفنلندي مسؤول المجموعة الذي وصفه بالجيد في مجال البرمجة وخاصة لغة الفيشوال بيسك قال لي لم يتعلم، فقلت للأخ لا يصح أن تقول لم يتعلم، ثم قلت له: لعل والده كان مبرمجاً، فقال لي نعم، قلت إذن فقد تعلم من والده مبادئ البرمجة ثم اجتهد، فقال لي نعم، فقلت له: إذن هو متعلم ولكن ليست له شهادة.
ولكن في الواقع أمثال هؤلاء تعليمهم محدود، ولهذا كان رئيس مجموعة فنيين، وفي الغالب لا يترقون أكثر، ولكن بعضاً منهم يترقى أكثر ويصل مراحل متقدِّمة.
ومالك موقع الفيس بوك الشهير لا يحمل شهادة جامعيَّة، وهو يهودي في السادسة والعشرين من عمره، والفيس بوك هو أشهر المواقع الاجتماعية في الإنترنت.
فالتعليم قد يأخذ وسائل شتى، وليس بالضرورة أن يكون عبر الوسائل المتعارف عليها حديثاً، ومن أمثلة ذلك وجود بعض الأشخاص الفنلنديين الذين يعملون مثل عمل مهندسي البناء والمعمار من غير شهادات، ولكن بصورة أقل من أصحاب الشهادات، وغالباً ما يتعلَّمون مثل هذه المهن من آبائهم.
وإذا أراد طالب الثانوية العليا سعة الرزق فإنَّ أكثر الرزق في التجارة وليس في المهن والوظائف، فالطبيب الذي يعمل في مستشفى عام أو خاص أقل حظاً ممن ينشئ عيادة خاصة أو يملك مستشفىً خاصَّاً أو تكون له نسبة في الفائدة من مستشفى خاص.
والعيادة والمستشفى الخاص هما من أنواع التجارات، وهما من قبيل بيع الخدمات، لأن فائدة التجارة للمستهلك العادي إما في بيع الخدمات أو السلع.
والمهندس الذي ينشئ شركة وعملاً خاصاً أو بالشراكة مع رجل أعمال أكثر حظاً في الثروة ممن يتوظَّف في شركة.
وجَّه لنا محاضرنا بجامعة فاسا للعلوم التطبيقية وهو مدير شعبة تقنية المعلومات سؤالاً قائلاً: هل تدرون لماذا نأتي بهذا العدد الكبير من الصينيين ليدرسوا في مثل هذه الجامعة تقنية المعلومات مع أن الجامعة تصرف في السنة الواحدة على المهندس الواحد مبلغ ستة آلاف يورو؟ ثم قال: إذا عمل المهندس بشركة نوكيا فإن العائد من وراء المهندس الواحد في السنة ما يعادل ستين ألف يورو.
فإذا علمنا أنَّ المهندس الجديد يتقاضى راتباً يعادل حوالي ثلاثين ألف يورو بالسنة، فإن هذا يعني أنَّ فائدة الشركة وراء كل مهندس هو ضعف المبلغ الذي تدفعه للمهندس الواحد.
ونوكيا وغيرها من الشركات تعمل في مجال التصنيع ثم التجارة، وهي بيع الجوالات، مما يعني أنَّ أصحاب الشركات يستفيدون أكثر بكثير جداً من العاملين بالشركة.
وأكثر الشركات الناجحة يمتلكها أو يمتلك جزءاً منها متخصُّصون في ذات مجال الشركة، سواء كان التخصص عن طريق التعليم والشهادات الحديثة، أو غيرها من الوسائل التي يكتسب بها الإنسان المعرفة مثل التجربة والتمرين مع شئ من التوجيه من والده أو مدير عمله.
فشركة مايكروسوفت أسسها بلغيت، والذي درس مبادئ البرمجة بمدرسة خاصة، وبذل في البرمجة أكثر وقته وجهده، وبعد أن أسس مايكروسفت بشراكة مع بولس آلن ترك الدراسة بجامعة هارفرد، وكان يدرس القانون والرياضيات.
وكذلك شركة أبل، فإنَّ أحد مؤسسيها يحمل شهادة في هندسة الكمبيوتر، واسمه استيفن غاري.
ومطاعم البيك بالسعودية أسسها طباخ اسمه شاخور أبو غزالة عام 1974م بمدينة جدة بوصفة خاصة للدجاج المقلي، وللمطعم عدة فروع الآن بالمملكة.
وشركة جوجل أسسها لاري بيج وسيرغي برن كبحث ومشروع دكتوراة بجامعة ستانفورد.
وتشجِّع دول الغرب الشركات البادئة ببعض التسهيلات والمنح لإنجاح مشاريعهم التجارية، لأنَّ نجاح المشاريع التجارية يوفِّر فرص العمالة والتوظيف، واكتساب الخبرات التجارية والفنية، كما يساهم في دخل الدولة عبر الضرائب عند نجاح المشروع، هذا إضافة إلى أنَّ بعض المشاريع الناجحة تساهم بصورة فعالة في تطوير وتقدم البلد في شتى المجالات.
وينبغي للمسلم ألَّا يحرص على الدنيا والشرف والمال حرصاً يلهيه عن ذكر الله عز وجل، أو يدفعه إلى جمع المال بكل وسيلة حلالاً كانت أم حراماً.
والزهد المستحب هو ترك فضول المباح وليس هو طلب الفقر والفرار من الغنى، فإذا كان الزاهد من الأغنياء أنفق ماله في وجوه الخير.
وما عند الله عز وجل خير وأبقى لعباده المؤمنين، وما أسعد إنسان اتخذ العلم الدنيوي والتجارة عبادة يقصد بها مساعدة المحتاجين، ونفع أمَّة الإِسْلام، فإذا فاته حصول مطلوبه الدنيوي لم يجزع، بل يرضى بما قسم اللّه عز وجل له، ويتذكَّر الأجر الأخروي على نيته الحسنة، وإن لم يتحقَّق له ما أراد في الدنيا، وإذا حصل له ما أراد لم يقلق على ما عنده خشية ضياعه، وإذا أصيب بضياع ما جمع صبر واحتسب، ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الثلاثاء 27 جمادى الأوَّل 1431هـ الموافق 11 مايو 2010م