‏إظهار الرسائل ذات التسميات قواعد وأصول. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قواعد وأصول. إظهار كافة الرسائل

لا فقه إلا بعلم، وما كلّ عالمٍ مُلمّ

رجوع إلى قسم قواعد وأصول
الفقه في الدين لا يُنال إلا بالعلم، وليس كلّ العلماء فقهاء، ففيهم الحافظ والفقيه والأفقه، والآلة الذكية تحلل الألفاظ بلا وعي.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العليم الحكيم، والصلاة والسلام على الهادي بالوحي إلى صراطٍ مستقيم، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن سلك نهجهم إلى يوم  الدين.
الفقه في اللغة معناه الفهم.
قال رسول الله ﷺ: «مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضاً، فكان منها نقية، قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان، لا تمسك ماءً، ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأساً، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به» [١].
الغيث الكثير هو مثل العلم والهدى، والأرضون الثلاث التي تلقت الغيث هي مثل من تلقى العلم.
فالأرض النقية هي مثل الفقيه، والأرض الجدباء هي مثل العالم غير الفقيه، والأرض القاع هي مثل من لم يقبل الهدى.
فلا فقه في الدين بغير علم واهتداء بالوحيين.
فلا بد في أي علم من معلومات يُبنى عليها التحليل السليم، ولا تكفي القريحة الجبلية وحدها ليكون صاحبها أقوى فهماً وتحليلاً.
فالطبيب لا يشخّص المرض إلا بعلم بالطب، وبأعراض المريض، وبنتائج التحاليل الطبية إذا لزمت.
وكما أنه لا فقه بدون علم، فليس كلّ حافظٍ، ولا كلّ جامعِ معلوماتٍ، فقيهاً، وليس كل فقيه مجتهداً، فالفقه درجات متفاوتة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "وهناك من العلماء من غلب على علمهم الحفظ والإتقان، ولكن ليس من شأنهم التفقه والتبصر واستنباط الأحكام، وهم الحفاظ؛ فهؤلاء مثلهم مثل الأرض التي أمسكت الماء حتى شرب منه الناس فسقوا وزرعوا، والحفاظ أخذ منهم الناس العلم ونقلوا منهم العلم وانتفع بهم الناس" [٢].
وعن جبير بن مطعم عن أبيه قال: «قام رسول الله ﷺ بالخيف من منًى، فقال: نضّر الله امرأً سمع مقالتي، فبلّغها، فربّ حامل فقهٍ غيرُ فقيهٍ، وربّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقهُ منه» [٣].
فهذه ثلاثة أقسام لحملة الفقه؛ غيرُ فقيهٍ، وفقيهٌ، وأفقه. وقسم الفقيه مستنبط من الحديث، والقسمان الآخران منصوص عليهما فيه.
فكثيرٌ من الناس اجتهدوا في تحصيل العلم الشرعي، فنفع الله تعالى بهم، وهم ثلاثة أقسام؛
١. فمنهم من هو متفوّق في الحفظ مع ضعف في الفهم (غير فقيه).
٢. ومنهم من هو قويٌّ في فهم ما يتلقى مع ضعف في ملكة النقد، أي في القدرة على الترجيح والاستنباط وتنزيل الأحكام على الوقائع (فقيه).
٣. ومنهم من تفوق في الفهم والنقد، فتجده متفوقاً في الترجيح والاستنباط وتنزيل الأحكام على الوقائع (أفقه).
والعلم يحتاج إلى رسوخ ودربة، لا سيما علم الغاية، كالفقه والدعوة والإصلاح.
فبعض المسائل الرجوع فيها آكد إلى الكبار في الفهم والمراس والرسوخ والحلم والرزانة والصدق.
والمصيبة ليست فيمن حفظ وضعف فهمه إذا كان يعلم أنه ليس بفقيه أو ليس بناقد، فمثل هذا ينتفع الناس بتبليغه العلم، كما دل على هذا حديث مثل العلم والهدى كمثل الغيث.
ويدل عليه كذلك قول رسول الله ﷺ: «نضّر الله امرءً سمع منّا شيئاً، فبلّغه كما سمعه، فربّ مبلّغٍ أوعى من سامعٍ» [٤].
فمن سمع حديث رسول الله ﷺ ينتفع بقدر فهمه، فإذا بلغه بنصه انتفع بذلك من هو أوعى منه.
المصيبة هي في أدعياء الفقه والفكر ممن ليس لهم حظ في العلم الشرعي.
وقد ابتلينا في زماننا بكتّابٍ غيرِ مؤصّلين، مع سهولة البحث، لا سيما بعد الذكاء الاصطناعي، يعتمدون على ما تجمعه الآلة من معلومات ثم يحلّلونها وفق أهوائهم، ويعتمد بعضُهم تحليل الآلة، فكثر الاحتطاب بالليل، والله المستعان.
وما يبدو في الذكاء الاصطناعي من فهمٍ يرجع إلى أن الألفاظ قوالب المعاني، فهو يحلل الألفاظ بلا وعي، انظر؛  نعمة الذكاء الاصطناعي بمثال واقعي [٥].
ولعل من حكم الله تعالى في سهولة تلقي المعلومات والبحث سرعة الزمان وقلة بركته، فهي نعمة إن أحسن استغلالها.
والناس يميزون بين الناقل المؤصل وحاطب الليل، إذ لا يخلو أحدٌ من قدرٍ من المعرفة يمكّنه من إدراك الفارق بينهما.
وأهل العلم، ولو بمسائل معدودة، يشهدون لمن كان مؤصّلاً من خلال ما يقرؤون له ويسمعون منه من علم وتأصيل وفهم.
وسواء كان ذلك في العلوم الشرعية أو المعارف البشرية.
ومن يهوى تلقي المعلومات بالوسائل الحديثة بلا تأصيل لا يختلف عمن كان في القديم مولعاً بكثرة القراءة بلا تأصيل.
وكلما اتسعت معارف العالم قوي تحليله، والفقيه أحوج الناس إلى توسيع معارفه، والتوسع لا يضاد التخصص، انظر؛  التوسع لا يضاد التخصص [٦].
والله تعالى أعلم.
 عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
السبت ١٨ صفر، ١٤٤٨هـ، ١ أغسطس ٢٠٢٦ش
مصر، القاهرة.
المصادر
١. البخاري (٧٩)، ومسلم (٢٢٨٢).
٢. الموقع الرسمي لسماحة الشيخ ابن باز.
٣. صححه الألباني في صحيح ابن ماجه (٢٤٩٨).
٤. الترمذي (٢٦٥٧) واللفظ له، وابن ماجه (٢٣٢)، وأحمد (٤١٥٧)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٦٧٦٤).
٥. نعمة الذكاء الاصطناعي بمثال واقعي.
٦. التوسع لا يضاد التخصص.
pdf

الاضطرار والاحتياج والبلوى العامة

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
اختلف العلماء في حد الاضطرار، وأفضل دليل على الحق فيما اختُلف فيه القرآن الكريم والسنة المطهرة.
قال الله تعالى ذكرُهُ: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الاضطرار هنا يعني الإلجاء إلى محرم بسبب ضرر.
اضطر على وزن افتعل، فقُلبت التاء طاءاً لأن الفعل المجرد يبدأ بالضاد؛ ضرَّ، فأصل الكلمة هو الإلجاء إلى ما يضر أو عما يضر، مثال الأول قوله تعالى: {ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ}، ومثال الثاني قوله تعالى: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}.
ويبدو أن كلمة ضرورة صفة مشبهة على وزن فعولة بمعنى فاعلة، كشكورة بمعنى شاكرة، والمعنى أنها حالة ضارة إذا لم تُرفع، ثم استعيرت في كل أمر لازم، وذلك لأن ضرَّ (ضرْرَ) على وزن فعل.
فالاضطرار الذي هو إلجاء يُفيد عدم جواز فعل المحرم مع وجود الحلال أو مع وجود ما هو أقل حرمةً وضرراً مما يُرفع به الضرر أو يُدفع.
أقرب الأقوال في معنى الباغي في الآية أنه مُبتغي الحرام لشهوة، لمُناسبة هذا القول للآية، ولأنَّ بعض التفاسير بعيدة عن سياق الآية، وبعضها جعل اضطُر وغير باغٍ وغير عادٍ كلها بمعنىً واحد، وبعضها جعل غير باغٍ وغير عادٍ بمعنىً واحد، وقد ذكر بعض العلماء أن الترادف قليل في اللغة معدوم في القرآن.
ولكن تُقبل كل التفسيرات الصحيحة المناسبة للسياق ما لم تتعارض، وهذه قاعدةٌ عامةٌ في التفسير.
فكلمة باغٍ هنا مِن ابتغاء المحظور لتحقيق مصلحة غير ضرورية، لأن الشهوة هنا هي الشهوة لتحقيق مصلحة إما مُلغاة بالشرع أو متوهمة.
ولما كان الاضطرار يحتمل أن يكون عن ضرر وإلى ضرر، جاء قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ} لتأكيد الأول، ويبقى الاحتمال الثاني صحيحاً لقاعدة التفسير في أن ما احتمل عدة معانٍ صحيحة غير متعارضة فإنه يحمل عليها جميعاً.
العدوان هو الزيادة على القدر الذي يرفع الضرر أو يدفعه، وهذا يوافق قول الفقهاء الضرورة تُقدر بقدرها.
المحرم لذاته لا يُباح إلا للضرورة المُلجئة (الاضطرار) بدليل؛ {غَيْرَ بَاغٍ} و {اضْطُرَّ}، ولأن المحرم لذاته ضرر في ذاته فلا يباح إلا لرفع الأضر أو دفعه.
والمحرم لغيره يباح للحاجة المُلجئة (الاحتياج)، وذلك بدلالة النصوص، ولأنه لا ضرر في ذات ما حرم لغيره.
وبالمثال يتضح المقال؛ فالنظر للأجنبية محرم لغيره لأنه يؤدي إلى الزنا، والزنا محرم لذاته، وكذا أكل الميتة.
وبناءاً على ماسبق فالاضطرار هو تعارض بين ترك محرم أو فعل واجب ورفع ضرر (جلب مصلحة ضرورية) أو دفع ضرر (حفظ مصلحة ضرورية).
والاحتياج هو تعارض بين ترك محرم لغيره وتحقيق مصلحة غير ضرورية لا غنى عنها أو رفع مشقة أو دفعها.
وقال الله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ ۙ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
المخمصة هي الجوع الشديد، وهو الذي يُخشى أن يقع بسببه ضرر على الإنسان، وفي الآية دليل على اشتراط أن يكون للضرر المراد دفعه أمارات واقعة وليست متوقعة.
فمن شروط الاضطرار؛ وجود ضرر في الحال أو وجود أمارات تدل على احتمال وقوعه بيقين أو غالب ظن.
والمتجانف للإثم هو المائل إليه، والميل هنا يشمل الميل إلى المحرم لشهوة، والميل إليه بالعدوان والزيادة عن القدر.
وبما أن الضرر المُراد رفعه أو دفعه مطلقٌ في النصوص، فيُحمل على كل ضررٍ أعظم من ضرر فعل المحظور بشروط الاضطرار، والشروط تقلل من احتمال حدوث الضرر العظيم.
فتقدير الضرورة بقدرها وعدم فعل المحرم إلا عند الضرورة المُلجئة تقلل احتمال الضرر كما هو معلوم فيما يسمى بتحليل الخطورة في الطب وغيره.
والضرر عام يشمل كل ضرر يتعلق بالضرورات الخمس المتفق عليها، وهي؛ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال، بشرط أن يكون أعظم ضرراً من الضرر المتحقق أو المتوقع بظن غالب بفعل المحظور بشروط الاضطرار.
ومما يتعلق بالنفس صحة البدن، فيدخل في الاضطرار كل مرض ضرره أعظم من فعل المحظور بشروط الاضطرار، وذلك للإطلاق في قوله تعالى: {غَيْرَ بَاغٍ}، وقوله: {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ} وقوله: {اضْطُرَّ}.
وقد تجب الرخصة إذا غلب على الظن وقوع الضرر الأعظم، وكل اضطرار لابد فيه من اعتبار ذلك، يدل على ذلك حديث عبدِ اللَّهِ بنِ عبّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: (أصابَ رجلًا جُرحٌ في عَهْدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ثمَّ احتلمَ فأمرَ بالاغتسالِ فاغتسلَ فماتَ فبلغَ ذلِكَ رسولَ اللَّهِ ﷺ فقالَ قتلوهُ قتلَهُمُ اللَّهُ ألم يَكُن شفاءُ العِيِّ السُّؤالَ)، صححه الألباني رحمه الله تعالى في صحيح أبي داود (٣٣٧).
والمصالح تنقسم من حيث الفقر إليها إلى ثلاثة أقسام؛ ضرورية وحاجية وتحسينية (تكميلية).
فالضرورية هي ما يترتب على فواتها ضرر، والحاجية هي ما يترتب على فواتها مشقة أو فوات ما لا غنى عنه من غير ضرر، والتحسينية هي المصالح التي لا يُفتقر إليها.
الشروط الأصلية لفعل محرم لذاته عند الاضطرار هي؛
١. أن يكون لرفع ضرر أو دفعه (جلب مصلحة ضرورية أو حفظها).
٢. أن يكون ضرر فعل المحرم أخف من الضرر المراد رفعه أو دفعه.
٣. وأن تُقدر الضرورة بقدرها؛ وذلك بعدم تجاوز حد ما يرفع الضرر أو يدفعه.
٤. التعيُّن؛ ويعني تعذر تحقيق المُراد بمباح أو محرم أصغر.
٥. وجود أمارات قوية للمتوقع؛ والمعنى أن تكون للضرر المراد دفعه (المترتب على فوات مصلحة ضرورية) أمارات في الحال تجعله متوقعاً بيقين أو بظن غالب.
وشروط فعل محرم لغيره للاحتياج (الحاجة المُلجئة) هي؛
١. أن يأمن الوقوع في المحرم لذاته.
٢. وأن تقدر الحاجة بقدرها.
٣. التعين؛ ويعني تعسُّر تحقيق مصلحة حاجية أو رفع مشقة أو دفعها بمباح أو تعذُّر تحقيق ذلك بمباح.
٤. وألا يكون الغرض متوهماً، وذلك بأن تكون لفوات المصلحة الحاجية أو حدوث المشقة المتوقعة أمارات في الحال تدل عليهما بيقين أو ظن غالب.
سبق أن المصالح الضرورية هي ما يترتب على فواتها ضرر، وأن الحاجية هي ما يترتب على فواتها مشقة أو فوات ما لا غنى عنه من غير ضرر، وأن التحسينية هي المصالح التي لا يُفتقر إليها.
فبين الفساد والصلاح الضروري تلازم، فهما ضدان كالنور والظلام، فيقل الظلام أو يزول بقدر حلول النور وقوته.
وبسبب الغفلة عن هذا التلازم بين المفاسد وبعض المصالح يشتبه الأمر على بعض طلاب العلم، فيظنون أن كل مصلحة داخلة في قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فدفع أو رفع مفسدة يحفظ أو يجلب المصلحة الضرورية المُضادة لها، ومثال ذلك؛ إنقاذ نفس من الهلاك يدفع مفسدة هلاكها ويحفظ حياتها، فالحياة مصلحة ضرورية مُقابلة لمفسدة الهلاك.
وجلب أو حفظ مصلحة ضرورية يرفع أو يدفع المفسدة المضادة لها، فالعلاج مثلاً يجلب مصلحة صحة البدن ويرفع المرض، والوقاية تحفظ الصحة وتدفع المرض.
وذهاب مصالح حاجية خاصة يؤول إلى ضرر عام بخلاف تحصيلها، ومما يدل على ذلك وجوب قطع يد السارق في ربع دينار فأكثر ولو كان المسروق منه غنياً، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد.
وليس كل جلبٍ لمصلحة يستلزم دفعاً لمفسدة، فاكتساب مال على مال لا يُقابله دفع ضرر إلا في مثل حالة الفقر وتعطل مصلحة ضرورية، ولهذا يحرم اكتساب المال بالمحرم لمجرد تحقيق مصلحة حاجية بغرض تقوية الاقتصاد العام، ولا يعد ذلك ضرورة خلافاً للبلوى العامة.
قيل إنَّ أول من وضع قاعدة الحاجة العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة هو الجويني رحمه الله تعالى، والقاعدة عنده فيما تعم به البلوى من الحاجات المُلجئة وكان مآل امتناع الآحاد عنها إلى الإضرار بالناس عامة.
فمراد الجويني رحمه الله تعالى بالحاجة هنا الحاجة المُلجئة لفعل محرم أو ترك واجب (الاحتياج)، فالحاجة تُطلق أيضاً على المُباح من حاجيات الناس من غير تعارض مع ترك محرم أو فعل واجب.
ومراده بالضرورة هنا الضرورة المُلجئة لفعل محرم أو ترك واجب (الاضطرار)، فالضرورة تُطلق على المُباح من ضرورات الحياة وهي المصالح الضرورية من غير تعارض مع ترك محرم أو فعل واجب.
يدل على أنه قصد بالحاجة هنا البلوى العامة أن من الأمثلة التي ذكرها في الأطعمة أن الحرام لو طبق الأرض، فإن إلزام الناس بقدر ما يسد الرمق يعطل المصالح العامة وهو ضرر، وفسر ذلك بأن الأكل بمقدار ما يسد الرمق فقط يضعف البدن، وأن ضعف جميع الأبدان أو أكثرها يعطل المصالح العامة، ومثل لها بصورة أعم بما يورث ضعفاً يصد عن التصرف والتقلب في أمور المعاش ويكون مآله إلى ضرر.
ولابد من ضبط الحاجة هنا بالمُلجئة وبعموم البلوى بها، فلو كانت الحاجة هنا مجرد جلب مصلحة غير ضرورية، فلا يُمكن مع ذلك إخراج الاتجار بالمخدرات مثلاً أو التعامل بالربا لتقوية اقتصاد المسلمين أو فئة مجتمعة منهم، وذلك لأن ضعف اقتصاد المسلمين مقابل قوة اقتصاد غيرهم ضرر، فيؤول الأمر إلى تبرير كل وسيلة بالغاية.
ولضبط المصطلحات تُسمى الحاجة في قاعدة الجويني رحمه الله تعالى بالبلوى العامة، وتضبط البلوى العامة بما يفوت مصلحة حاجية أو يورث مشقة أو ضرراً أخف من ضرر المحظور لو كانت البلوى نادرة، وبشرط أن يكون المآل إلى ضرر أعظم في المجتمع لعموم البلوى.
ويمكن تعريف البلوى العامة بأنها احتياج عام شائع، فينزل منزلة الاضطرار الخاص، لما يترتب على شيوعه من ضرر عام ومشقة شديدة وحرج على الأفراد.
ومن أمثلة البلوى العامة؛ تعارض ترك دفع تأمين السيارات الإجباري مع امتلاك سيارة، وذلك لأن انعدام السيارة مع كبر حجم المدن في زماننا يورث مشقة أو ضرراً أخف لو كان التعارض نادراً، ولكن مآله إلى ضرر أعظم لعموم البلوى به.
فإن قيل بأن الإفتاء بالتحريم يُجبر السلاطين على منع التأمين، فيقال؛ غالباً ما يؤدي هذا المسلك إلى ضعف اقتصاد الفئة الأكثر تمسكاً بالأحكام، وفي ضعف هؤلاء ضرر على الدين.
ومما قال الجويني رحمه الله تعالى في بيان هذه القاعدة: (فالقول المجمل في ذلك إلى أن نفصله؛ أن الحرام إذا طبق الزمان وأهله، ولم يجدوا إلى طلب الحلال سبيلاً، فلهم أن يأخذوا منه قدر الحاجة، ولا تشترط الضرورة التي نرعاها في إحلال الميتة في حقوق آحاد الناس، بل الحاجة في حق الناس كافة تنزل منزلة الضرورة، في حق الواحد المضطر، فإن الواحد المضطر لو صابر ضرورته، ولم يتعاط الميتة، لهلك.
ولو صابر الناس حاجاتهم، وتعدوها إلى الضرورة، لهلك الناس قاطبة، ففي تعدي الكافة الحاجة من خوف الهلاك، ما في تعدي الضرورة في حق الآحاد)[١].
السروط الأصلية للبلوى العامة؛
١. شيوع تعارض بين ترك محرم لذاته وحفظ أو جلب مصلحة حاجية أو مرجوحة.
٢. وأن يؤدي شيوع التعارض حال ترك المحرم إلى ضرر عام في المجتمع.
٣. وأن يكون ضرر فعل المحرم أخف من  الضرر العام المراد رفعه أو دفعه (جلب مصلحة عامة أو دفعها).
٤. وأن تُقدر الضرورة أو الحاجة بقدرها؛ وذلك بالاقتصار على ما يرفع المشقة أو الضرر أو يدفعهما (يجلب الأصلح أو يحفظه).
٥. التعيُّن؛ ويعني تعذر تحقيق المُراد بمباح أو محرم أصغر.
٦. وجود أمارات قوية للمتوقع؛ والمعنى أن تكون للضرر العام المراد دفعه (المترتب على فوات مصلحة عامة) أمارات في الحال تجعله متوقعاً بيقين أو بظن غالب.
لا شك أن تعدد التعريفات للفظ الواحد يوقع في الاضطراب، فلأهمية الاقتصار على تعريف واحد للحاجة سميتُ الحاجة المُلجئة بالاحتياج.
وقد عرَّفتُ الاحتياج بأنه تعارض بين ترك محرم لغيره وتحقيق مصلحة غير ضرورية لا غنى عنها أو رفع مشقة أو دفعها.
وهذا التعريف للاحتياج يميزه عن الاضطرار، فالاضطرار والضرورة من الضرر، وكل محرم لذاته يترتب عليه ضرر بحسبه، فالاضطرار متعلق بالحال الذي فيه ضرر أو مآله إلى ضرر بحسبه، ولما كان جلب مصلحة حاجية غير الضرر وكذا المشقة رأيتُ أن يكون تعريف الاحتياج مقتصراً عليهما.
والمحرمات متفاوتة في الحُرمة، فمنها الموبقات ومنها الكبائر ومنها الصغائر، وما يندرج تحت كل قسم من هذه الثلاثة يتفاوت أيضاً تفاوتاً عظيماً، وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات تشمل جميع المحرمات.
المقصود وضع حدٍ شرعي تُعرف به الحاجة المُلجئة (الاحتياج) مُميزةً عن الضرورة المُلجئة (الاضطرار)، وليس المقصود المعنى العام لكلمة الحاجة وكلمة الضرورة.
ولضبط المصلطحات أيضاً يلزم تعديل قاعدة الجويني رحمه الله تعالى بنحو؛ تنزيل البلوى العامة منزلة الضرورة الخاصة.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمدنور عبدالله
لوند، السويد
الأربعاء ٨ شعبان ١٤٤١هـ، ١ أبريل ٢٠٢٠م
سؤال؛ هل طريقة التحويل الحالية لمعظم المغتربين من تسليم الوكيل العملة (ريال.. دولار...) في بلاد الاقامة واستلام مندوبيهم بعد زمن ساعات الى يوم مما عمت به البلوى لانه متعذر التقابض او ارسال المبلغ نقداً؟
الجواب؛ حديث (إنما الربا في النسيئة) يدل على أن المحرم لذاته وحقيقته في النسيئة، وأن ربا الفضل محرم لغيره، قاله ابن تيمية رحمه الله تعالى، والنسيئة تعني التأخير والتأجيل.
والتحقيق أن الحديث يدل على أن حقيقة الربا لا تكون إلا فيما كان نسيئة، وأنه ينصرف أصالةً إلى ربا القروض، وأن ربا البيوع سواء كان نسيئة أو فضلاً قد يكون محرماً لغيره، فاستبدال ذهب بفضة نسيئة محرم لغيره، وكذا استبدال جنيهات بريالات نسيئة.
شرط التقابض في الصرف مقصود لغيره لا لذاته، وهذا أمر في غاية الوضوح، إذ لا ضرر في ذات عدم التقابض.
فالصحيح أن الربا محرم لغيره في الربويات في حالتين وهما؛ ربا الفضل وربا النسيئة إذا اختلف الجنسان.
ويعد الربا محرماً لذاته بل من الموبقات إذا كان نسيئة واتحد الجنس كإقراض الدولار بالدولار لأجَلٍ مع الزيادة، وفي غير الربويات يترجح قول الإمام مالك رحمه الله تعالى وهو اتحاد الغرض والمنفعة أيضاً مع اتحاد الجنس، ولذا جاز البعير بالبعيرين.
ومبادلة شيء بجنسه نسيئة مع اتحاد الغرض والمنفعة قرض ولو سميت بيعاً، فالعبرة بالحقائق والمسميات لا بالأشكال والأسماء.
ولذا فإن جواز  الصرف من غير تقابض في حق المغتربين هو من باب تحقيق مصلحة حاجية تتعسَّر بالمباح أو تتعذَّر به، أو بتعبير آخر؛ هو من باب إباحة المحرم تحريم وسائل للاحتياج الذي هو تعارض بين ترك محرم لغيره وتحقيق مصلحة غير ضرورية لا غنى عنها أو رفع مشقة أو دفعها.
ولدي تفصيلات مهمة في ربا النقود والصرف في؛ مدونتي » أحكام » جريان الربا في الأوراق النقدية.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
السبت ١٢ شعبان ١٤٤١هـ، ٤ أبريل ٢٠٢٠م

المصادر

[١] غياث الأمم في التياث الظلم (ص ٤٧٨-٤٧٩) » باب في الأمور الكلية والقضايا التكليفية، تحقيق؛ عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، الطبعة الثانية، ١٤٠١هـ.

الواجبات العينية ومُشابِهاتها

رجوع إلى قسم قواعد وأصول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين.
واجبات الإسلام العينية في باب العبادات لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة، وما سوى ذلك من الواجبات العينية إما أنها تتعلق بأحكام المعاملات الدنيوية مثل النفقة على الأرحام، أو أنها تبع لغيرها.
للمزيد حول من تجب عليهم النفقة ومناقشتها بالأدلة؛ مدونتي » أحكام » من تجب على الرجل نفقتهم.
الواجبات العينية التي تعد تبعاً لغيرها من الواجبات العينية والكفائية هي التي لا تستقل بذاتها كطلب العلم العيني، وكوجوب حضور الجمعة والجماعة، وكوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
بعض ما يطلق عليها واجبات هي في حقيقتها محرمات وليست واجبات كوجوب إعفاء اللحية فهو في حقيقته نهي عن حلقها، لأن الإعفاء ليس فعلاً حقيقةً، فالفعل الحقيقي هو الحلق، فالمسألة تتعلق بترك لا بفعل حقيقي.
والأصل في النهي سواء كان نهي تحريم أو كراهة أنه يتعلق بترك، والأصل في الأمر سواء كان للوجوب أو الندب أنه يتعلق بفعل.
وكوجوب تغطية المرأة سائر بدنها عدا ما ظهر من زينتها، فهو في حقيقته نهي عن التبرج لأنه ليس فيه تكليف زائد على وصف اللبس، فهو نهي في صيغة الأمر.
الأدلة على أن الواجبات الشعائرية التعبدية العينية لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة كثيرة، منها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه (أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ، فقالَ: يا رَسولِ اللهِ، دُلَّنِي على عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا أزِيدُ على هذا شيئًا أبَدًا، ولا أنْقُصُ منه، فَلَمّا ولّى قالَ النبيُّ ﷺ: مَن سَرَّهُ أنَّ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذا)، متفق عليه واللفظ لمسلم؛ صحيح البخاري (١٣٩٧) و صحيح مسلم (١٤).
ولكن ما أكثر الواجبات الكفائية؟ ووجود مُشابهات الواجبات أكثره بسبب عدم حصول الكفاية، وما أكثر النقص في أداء فروض الكفايات!
ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يُستخرج منه أن فعل المشابهات التي تُشبه الواجب آكد من ترك الشبهات التي تشبه الحرام، وذلك لأنه حقق أن جنس فعل الواجبات أهم من جنس ترك المحرمات.
ولأن الورع المستحب والواجب هو ترك ما يُخشى أن يكون سبباً للذم والعقاب في الآخرة، والعقاب يترتب على ترك الواجب كما يترتب على فعل المحرم.
من أمثلة مشابهات الواجبات طلب العلم الشرعي الكفائي، فالكفاية لم تكتمل في العلم الشرعي، فالمُسلمون بحاجة إلى طالب علم كبير في كل مسجد وليس فقط في كل مدينة للتعليم والدعوة والإفتاء، فالمُفتي بحاجة إلى معرفة حال المُستفتي وليس فقط حال البلد.
و هذا لا يعني أن طلب العلم الشرعي الكفائي واجب على كل مسلم، فثمة واجبات كفائية أخرى كثيرة لم تحصل الكفاية بفعل بعض المسلمين لها، ومن الناس من يحسن غير ذلك من الكفائيات أكثر.
فالواجب حث الناس خاصة الشباب على أداء الكفائيات كلٌ حسب قدراته وما يتوفر له، ومن ذلك طلب العلم الشرعي، فمن باب أولى عدم صرف الناس عن هذا الواجب الكفائي بالزعم بأننا بحاجة إلى أطباء ومهندسين، علماً بأن كثيراً من الكفاءات العلمية الشرعية والدنيوية هاجرت من بلاد المسلمين بسبب الوضع الاقتصادي والسياسي.
فيجب أن يسد كل مسلم ما يليه من ثغرات متعلقة بفروض الكفايات.
ومن تلك الواجبات التي فيها تقصيرٌ عظيم الإصلاح السياسي لأوضاع بلاد المسلمين، فيحرم صد الناس عن الإصلاح السياسي، بل هو إثم كبير وذنب عظيم، فهو من الفروض التي تحتاج إلى تفرغ ومتابعة ودراسة دقيقة.
فنحن في سفينة، إن تركنا بعضنا يخرق فيها خرقاً ولو كان من نصيبه هلكنا جميعاً، وإن أخذنا على يدهم نجونا جميعاً.
والشبهات هي ما كان أقرب إلى الحرام أو تساوى فيه الاحتمالان كما قال بذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، ويدل عليه ما جاء في الحديث؛ (كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه).
ولهذا جاء في الحديث؛ (وبينهما أمور مشتبهات)، ثم قال: (فمن اتقى الشبهات)، لأن المشتبهات أوسع من الشبهات، فليس كل مشتبه شبهة واجبة الترك.
فالمشتبهات بحسبها، فإن كانت من الشبهات فإن تركها من الورع الواجب، وإن كانت مما هو أقرب إلى الحلال ففيها تفصيل؛ فإن كانت أقرب إلى الوسط مع كونها أقرب إلى الحلال فتركها من الورع المستحب، وإن كانت قريبة جداً من الحلال فإن تركها من التشدد المنهي عنه، وإن كانت بينهما فهي من المباحات.
وتجد الناس اليوم يسألون عن المشتبه الذي ليس من الشبهات (في الحديث ذِكر المشتبهات ثم الأمر بترك الشبهات) ولا يسألون عن مقاربات الواجبات.
وتجد الناس يسألون عن نسبة واحد من الألف من الكحول في الأدوية ونحوها ولا يسألون عما يشبه الواجبات من فروض الكفايات ولا يلقون لها بالاً، علماً بأن هذه النسبة من الكحول موجودة في عصير الفواكه الطبيعي، وللمزيد حول هذه النسب القليلة؛ مدونتي » أحكام » حُكم الجلاتين ومضافات الأطعمة.
والعلماء مجمعون على أن مسائل الشرع منها ما هو يقيني ومنها ما هو ظني، ومجمعون على جواز  العمل بغالب الظن.
واطمئنان النفس في عدم وجوب ترك المشتبهات التي ليست بشبهات لا يستلزم اليقين، فمثل هذه المسائل الخفية أكثرها ظنية (بغالب الظن)، ولو كان اليقين شرطاً لما جاز الاجتهاد، إذ لا يقين إلا في النصوص والإجماع الثابت، وأما آراء العلماء فهي تحتمل الخطأ.
ويُرجى حول درجات المشتبهات الرجوع إلى جواب على سؤال في؛ مدونتي » أجوبة » استفت قلبك.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الثلاثاء ١٢ جمادى الأول ١٤٤١هـ، ٧ يناير ٢٠٢٠م
pdf
رجوع إلى قسم قواعد وأصول

الاتِّباع في دليل الإجماع

رجوع إلى قسم قواعد وأصول

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الكريم الوهاب، والصلاة والسلام على معلم الخير والآداب، وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلهم إلى يوم المآب.
من أهم المهمات تجلية مسائل الإجماع لأنه المصدر الثالث من مصادر الأحكام في الإسلام.
الإجماع في اللغة هو العزم والاتفاق، وفي الاصطلاح هو؛ اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على أمر شرعي.
الدليل على أن المراد بأهل الإجماع أهل العصر؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ لا يجمعُ أمَّتي - أو قالَ: أمَّةَ محمَّدٍ صلّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ - على ضلالةٍ، ويدُ اللَّهِ معَ الجماعةِ)، صححه الألباني رحمه الله تعالى  [١]. 
وجه الدلالة هو أن قوله يد الله مع الجماعة فيه معنى أهل الإجماع، لأن التأييد والنصر يكون للأحياء المجتمعين.
والدليل على أن المراد بالإجماع في الأحكام الشرعية هو إجماع المجتهدين هو أن الله تعالى جعل الطاعة خاصة في أولي الأمر وهم العلماء في الأحكام والفتاوى الشرعية والأمراء فيما يتعلق بما استرعاهم الله فيه من أحكام تنفيذية عملية، وذلك في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
وقد دل العقل على أن الإجماع في كل فن هو إجماع أهل التخصص فيه.
خرجت بالأمر الشرعي الأحكام غير الشرعية، فالأحكام العقلية البدهية مثلاً كقاعدة أن الكل أكبر من الجزء وحجية الخبر المتواتر هي محل اتفاق جميع العقلاء.
ترد على تعريف الإجماع السابق أسئلة، أهمها؛ إذا كان من المجتهدين من يكون مجتهد مسألة، فكيف يمكن حصر المجتهدين في العصر؟ وما معنى العصر؟
المراد بالعصر زمن حدوث الاتفاق طال أو قصر ولو للحظة، لأن المراد اتفاق مجتهدي العصر، ولكنه يثبت بيقين أو ظن غالب بعد مرور زمن من اتفاقهم.
تحديد الزمن الذي بمروره يثبت الإجماع يختلف باختلاف الحال، فسنة الخلفاء الراشدين مثلاً أيسر في الثبوت لاشتهارها، وذلك لأن السنة هنا هي الطريقة المتبعة كنظام في الدولة بخلاف الفتاوى فإنها قد لا تشتهر.
ثبوت الإجماع في ذات العصر ظني غالباً إن لم يكن وهم مع تفرق المجتهدين في الأمصار وتعدد الدول المسلمة.
لاستحالة حصر المجتهدين بعد تفرق المسلمين في الأمصار، فإن كثيراً من الإجماعات بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم لا تثبت على وجه اليقين إلَّا بمرور زمن مع النص عليه واشتهاره بين المجتهدين دون نكير معتبر، ولهذا كانت كثير من إجماعات غير الصحابة ظنية الثبوت.
ويكون النكير غير معتبرٍ إذا كان بعد ثبوت إجماع أهل عصرٍ على حكم شرعي، ويوصف الرأي المخالف بالشذوذ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإجماع: (لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً) [٢].
ولم ينفِ ابن تيمية رحمه الله تعالى العلم بإجماع غير الصحابة مطلقاً كما قد يتوهم بعضٌ، وإنما نفى العلم به في الغالب، والمقصود بالعلم هنا اليقين والقطع.
إجماع غير الصحابة رضي الله عنهم حجة بدلالة النصوص، ومنها قول الله تعالى ذكره: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}، وقوله: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، وحديث؛ (إنَّ اللهَ قد أجارَ أمّتي من أن تجتمعَ على ضلالةٍ)، حسنه الألباني [٣].
اختلف العلماء في وقوع إجماع على غير نص، والأرجح صحة وقوع إجماع على غير نص في عين المسألة، ولكن الإجماع لا يقع إلا على نص ولو كان ظنياً أو على أمر مبني على قاعدة عامة مستنبطة من نص أو على قياس على نص.
وقضاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مسألة طلاق الثلاث في طلقة مما وقع فيه إجماع على أمر تعزيري اجتهادي، لأن سنة الخلفاء الراشدين تعد إجماعاً كما نص على ذلك ابن تيمية وعلل ذلك باشتهارها بين الصحابة رضي الله عنهم دون نكير.
ومما حدث فيه إجماع من أحكام اجتهادية في عصرنا تحريم السجائر.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (ما اجتمعوا عليه، فذكروا أنه حكاية عن رسول الله، فكما قالوا، إن شاء الله.
وأما ما لم يحكوه، فاحتمل أن يكون قالوا حكايةً عن رسول الله، واحتمل غيره، ولا يجوز أن نَعُدَّه له حكايةً، لأنه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعًا، ولا يجوز أن يحكي شيئًا يُتَوَهَّم، يمكن فيه غير ما قال.
فكنا نقول بما قالوا به اتباعًا لهم، ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول الله لا تَعزُبُ عن عامتهم، وقد تعزُبُ عن بعضهم. ونعلم أن عامّتهم لا تجتمع على خلافٍ لسنة رسول الله، ولا على خطأ، إن شاء الله) [٤].
ويقع الإجماع على نص خفي، إذ لو كان وقوعه فقط على قطعي الثبوت والدلالة لما كان لحجيته معنىً يُذكر، لأن النصوص حجة في ذاتها.
وقطعي الثبوت من الأحاديث هو ما لا خلاف في ثبوته عند علماء الحديث ولو كان خبر آحاد، لأن إجماع علماء الحديث من القرائن التي تجعل خبر الآحاد يقينياً.
المراد بالظني المبني على غالب الظن، فالظن المرجوح يسمى الوهم عند الأصوليين، والظن الغالب يعمل به بدلالة النصوص واتفاق العقلاء وإجماع الأمة.
الإجماع على حُكم مسألة سواءٌ كان محكياً أو سكوتياً مبني في الأصل على عدم العلم بقائل بالمسألة أو عدم العلم بمخالف للمسألة، ولذا فهو ظني في الأصل، ويكون قطعياً بالقرائن.
وذلك لأن عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم، والمقصود بالعلم في جملة "ليس علماً بالعدم" اليقين.
ولذا أنكر الأئمة الإجماع المُدعى المخالف لظواهر النصوص، وقدموا النصوص عليه، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (من ادعى الإجماع فهو كذب، لعل الناس اختلفوا، هذا دعوى بشر المريسي والأصم، ولكن لا يعلم الناس يختلفون أو لم يبلغه ذلك ولم ينته إليه فيقول لا يعلم الناس اختلفوا) [٥].
فقوله: (لعل الناس اختلفوا) هو بمعنى (عدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم).
وفي قوله: (فيقول لا يعلم الناس اختلفوا) جواز حكاية الاجماع على وجه غلبة ظن من حكاه.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علماً بعدمه) [٦].
الإجماع منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني ومنه ما هو متوهم، وكل مرتبة من الثلاث على مراتب.
سبق أن أقوال الأئمة تدل على أن الإجماع ظني في الأصل وأنه يتقوى بالقرائن، وذلك لأنه مبني على عدم العلم بقائل أو مخالف، وعدم العلم بالشيء ليس علماً بالعدم.
القرائن التي تجعل الإجماع يقينياً قد تكون في غيره كتقوِّيه بنص ولو كان خفياً أو ظنياً، وقد تكون في ذات الإجماع؛ كإجماع الصحابة رضي الله عنهم لعدم تفرقهم في الأمصار، وكسنة الخلفاء الراشدين لاشتهارها، وكتواتر حكاية الإجماع.
ولا يُشترط في الإجماع القطعي حكايته في كل مسألة فضلاً عن تواتره، إذ يُعلم مثلاً إجماع أهل الرياضيات على صحة نظرية فيثاغورس من غير حاجة للاطلاع على حكاية إجماع على صحتها، وذلك لقوة مأخذها.
فمن الإجماع السكوتي ما هو قطعي، ومن ذلك ما لم ينقل له مخالف من دلالات النصوص الصريحة من القرآن والمشتهِر المتفق على ثبوته من السنة.
فيُجزم مثلاً بإجماع السلف على أنّ دعاء المخلوق شرك أكبر دون اطِّلاع على حكايته، لصراحة دلالة النصوص مع عدم نقل ما يخالف دلالاتها؛ أغلظ شرك في العبادة.
والإجماع المتوهم هو الذي لم يتقوَ بالقرائن مع مخالفته نصاً محكماً غير منسوخ لا معارض له من جنسه.
الأصل في النصوص اليقين والأصل في الإجماع الظن، وسبق بيان أنّ الإجماع ظني في الأصل ما لم يتقوّ بقرائن.
الكتاب والسنة والإجماع والقياس بنفس الدرجة في المتفق على صحته من السنة والإجماع الذي تقوى بقرائن تجعله في مرتبة النص والقياس الذي في حُكم المنصوص عليه، وذلك لأن الكتاب أمر باتباع السنة وأمر بالعمل بالإجماع وأمرت السنة بالقياس على النصوص.
فالقياس الجلي البدهي في حكم المنصوص عليه، كقياس الأولى بعدم ضرب الوالدين في قول الله تعالى: {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا}.
ولكن يقدم النص على الإجماع الذي لم يتقوَ بقرائن تجعله في مرتبة النص، ويقدم الإجماع على القياس الذي لا يُعد في حكم المنصوص عليه.
الدليل على أن الإجماع الذي لم يتقوَ بقرائن في المرتبة الثالثة قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}.
وجه الدلالة هو أن الله تعالى جعل طاعة أولي الأمر وهم العلماء تبعاً لا أصلاً بجعلها مقيدة بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولأنه أمر بالرد إلى الكتاب والسنة عند التنازع، ويقع التنازع في الأمور التي فيها خفاء وظن كالإجماع الظني.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة، قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة) [٧].
والإجماع الذي تقوى بالقرائن لم يكن ليرقى إلى مرتبة النصوص إلا لدلالتها على وجوب لزومه، ولا يكون القياس في مرتبة النصوص إلا إذا كان في حكم المنصوص عليه.
ولم يكن للإجماع الذي تقوى بقرائن أن يرقى إلى مرتبة نص أو أعلى إلا لأن الإجماع لا يقع إلا على نص ولو كان ظنياً أو على أمر مبني على قاعدة مستنبطة من نص أو على قياس على نص.
والسنة في مرتبة القرآن فيما لا خلاف في ثبوته منها وما روي بنصه وما لم تُنقِص روايته بالمعنى شيئاً من معناه، لأن السنة وحي منزل أو بإقرار الوحي، ولأن القرآن أمر باتباع السنة.
والسنة تلي القرآن في كثيرٍ من المسائل الخفية لأن من السنة ما هو مختلف في صحته ولجواز رواية السنة بالمعنى.
وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على أن ترتيب الأدلة هو؛ الكتاب والسنة المجتمع عليها ثم السنة المختلف في ثبوتها ثم الإجماع ثم القياس.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: (يحكم بالكتاب والسنة المجتمع عليها، الذي لا اختلاف فيها، فنقول لهذا: حكمنا بالحق في الظاهر والباطن.
وُيحكم بالسنة قد رويت من طريق الانفراد، لا يجتمع الناس عليها، فنقول حكمنا بالحق في الظاهر، لأنه قد يمكن الغلط فيمن روى الحديث.
ونحكم بالإجماع ثم القياسِ، وهو أضعف من هذا، ولكنها منزلةُ ضرورة، لأنه لا يحل القياسُ والخبرُ موجودٌ) [٨].
والنص مقدم على الإجماع الظني المحتمل حتى ولو كان النص ظني الثبوت والدلالة، وظني الثبوت هو ما اختلف فيه علماء الحديث وليس خبر الآحاد المجتمع عليه.
ولكن يجب معرفة أن الظن درجات متفاوتة، فلا يجوز تقديم النص الظني القريب من الشك على الإجماع الظني القريب من اليقين، ومن باب أولى إذا كانت دلالة النص غير واضحة.
ويجب العمل بالإجماع الظني ما لم يعلم نص مخالف في المسألة، فإذا وجد نص موافق فإن الإجماع الظني يقوي دلالة النص الظني.
النص غير المنسوخ الذي لا معارض له من جنسه المخالف للإجماع الظني يُبطله، فيعد مثل هذا الإجماع متوهماً وإن كان النص ظنياً ولم يتقوَ الإجماع بقرائن تجعله في مرتبة أعلى من مرتبة النص الظني.
ولابد من وجود قائلين بمقتضى النص وإن لم يعرفوا، أقلهم رواة الحديث.
وبعض الكتب لا زالت مخطوطة يتعسر الوصول إليها، وبعضها أُغرق أو تلف، وبعض المسائل موجودة في غير مظانها فيتعسر الوصول إليها.
متعصبة المذاهب يقدمون الإجماع المتوهم على النصوص، وسبق تعريف الإجماع المتوهم بأنه الظني الذي يخالف نصاً محكماً غير منسوخ لا معارض له من جنسه، وسبق أن الإجماع ظني في الأصل ولا يكون يقينياً إلا بالقرائن.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في عدم العلم بقائل بمقتضى النص: (فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله؟) ... إلى قوله: (وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول) [٩].
ومعنى أصل العلم كله النصوص، ويوضحه ما سبق من أنه لم يكن للإجماع الذي تقوى بقرائن أن يرقى إلى مرتبة نص أو أعلى إلا لأن الإجماع لا يقع إلا على نص ولو كان ظنياً أو على أمر مبني على قاعدة مستنبطة من نص أو على قياس على نص.
وقال أيضاً: (فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم "ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كذا وكذا" يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعاً في صدر الحديث، أو يجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل هذا الجهل) [١٠].
وقال في مخالفة النص لعدم العلم بالمخالف لقول أو أقوال علماء في المسألة: (ونصوص رسول الله صلى الله عليه وسلم أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف.
ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص.
فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده) [١١].
والفرق بين عدم العلم بالمخالف (الإجماع السكوتي) وعدم العلم بالقائل هو أن الإجماع السكوتي يعلم فيه بقائل أو قائلين بحكم مسألة ولكن لا يعلم مخالف فيها، وعدم العلم بالقائل هو عدم علم بقائل بالقول الحادث في المسألة.
وبالمثال يتضح المقال؛ فمن أمثلة الإجماع المتوهم الإفتاء بأن القول بكفاية قطع ودج واحد في حد الذبح مخالف للإجماع، وذلك لعدم علم المُفتين بقائل بكفاية قطع ودج واحد.
وهو إجماع متوهم لأن كفاية قطع ودج واحدٍ واضحة في نص صحيح محكم غير منسوخ لا معارض له من جنسه؛ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا) [١٢]، وللمزيد؛ مدونتي » أحكام » اللحم في أوروبا وأمريكا » قطع أحد الودجين.
والإجماع المتوهم هو الذي أنكره الأئمة كالشافعي وأحمد رحمهما الله تعالى، فهو الذي قال فيه الإمام أحمد رحمه الله تعالى: (من ادعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه، ولم ينته إليه؟).
سبق أن الإجماع الظني مقدم على القياس الظني، فمن الجفاء تقديم القياس الظني على الإجماع ولو كان ظنياً.
والقياس الذي هو مصدر من مصادر الأحكام الشرعية هو القياس على النصوص، فأسوأ من تقديم القياس الظني على الإجماع الظني؛ تقديم الآراء والأقيسة العقلية المحضة على الإجماع ولو كان ظنياً.
فالآراء والأقيسة العقلية المحضة ليست مصدراً من مصادر الأحكام الشرعية، ولا محل لها فيما ورد فيه نص صريح من أمور الدنيا وعلومها، وإنما هي مصدر للمصالح المرسلة التي هي من جنس المباحات، وكذا أمور الدنيا التي لا تخالف نصاً.
فالإجماع الظني يعمل به ويُستدل به إذا لم يخالف نصاً، ويتقوى بالنصوص الظنية حتى يصبح يقينياً، ويقوي القياس الظني، ويقاس على الإجماع كما يُقاس على النص.
ومن الجفاء في الإجماع تقديم نص ظني على إجماع قطعي وتقديم نص ظني على إجماع ظني أعلى درجة، فالظن ليس بدرجة واحدة.
واختلاف درجات التقسيم الواحد أمرٌ يغفل عنه كثيرٌ من الناس، فالحد لا يوجد إلا في الأذهان، فحتى السواد درجات متفاوتة والبياض كذلك، قاله شيخ الإسلام رحمه الله تعالى.
فالظن الغالب درجات متفاوتة بعضه أعظم من بعض، فلا يجوز تقديم النص الظني القريب من الشك على الإجماع الظني القريب من اليقين.
وبالمثال يتضح المقال؛ تحية المسجد مستحبة بالإجماع الذي قد لا تجوز مخالفته، لأن نصوص عدم وجوب غير الصلوات الخمس تصرف النص الذي ظاهره وجوب تحية المسجد عن ظاهره، والنصوص تقوي الإجماع الظني حتى تجعله يقينياً.
هذا إضافة إلى أن مخالفة أهل الظاهر مشكوك في صحتها، وذلك لأن ابن حزم رحمه الله يرى الاستحباب وهو أعلم بأقوال أهل الظاهر من غيره ممن نقل عنهم القول بالاستحباب.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (واتفق أئمة الفتوى على أن الأمر في ذلك للندب، ونقل بن بطال عن أهل الظاهر الوجوب، والذي صرح به ابن حزم عدمه) [١٣].
وسبق أنه لم يكن للإجماع الذي تقوى بقرائن أن يرقى إلى مرتبة نص أو مرتبة أعلى من نص إلا لأن الإجماع لا يقع إلا على نص ولو كان ظنياً أو على أمر مبني على قاعدة مستنبطة من نص أو على قياس على نص.
سبق أن الإجماع منه ما هو قطعي ومنه ما هو ظني ومنه ما هو متوهم، وأن كل قسم من هذه الأقسام الثلاث على درجات متفاوتة.
أعلى الإجماعات مرتبة سنة الخلفاء الراشدين، ثم غيرها من إجماعات الصحابة رضي الله عنهم لفضلهم وعدم تفرق المسلمين في الأمصار، ثم إجماع القرنين بعد الأول، ثم إجماع من بعد القرون الثلاثة المفضلة.
للمزيد حول زمن القرون المفضلة وطبقاتهم العامة؛ مدونتي » قواعد وأصول » تحديد القرون المُفضلة.
سنة الخلفاء الراشدين إجماع سكوتي ولكنه يقيني باشتهاره، لأن السنة هي الطريقة المتبعة، بخلاف فتاويهم كقول عثمان رضي الله عنه بحد السفر الشرعي بما حُمل فيه الزاد والمزاد، ولدلالة النص على وجوب اتباع سنة الخلفاء الراشدين.
الإجماع اليقيني الذي يلي إجماع الصحابة رضي الله عنهم مرتبةً هو ما اشتهر وتقوى بنص ولو كان خفياً أو ظنياً.
ومن أمثلة إجماعات غير الصحابة رضي الله عنهم اليقينية التي فيها نصوص صريحة؛ وجوب الغسل من التقاء الختانين، وتحريم ربا الفضل، وتحريم الخروج على الأئمة الحارسين لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة، وذلك بالدعوة إليهما ومنع ما يضادهما من الكفر الصريح البواح وترك الصلاة.
ومع أن كثيراً من إجماعات غير الصحابة رضي الله عنهم ظنية؛ إلا أن الظن الغالب معمول به في الشريعة، فالإجماع الظني يُعمل به ما لم يخالف نصاً في المسألة، فإذا خالف نصاً فهو إجماع متوهم.
سبق أن الأصل في الإجماع أنه مبني على عدم العلم بقائل أو مخالف، ولكن الإجماع المحكي أقوى، فمجرد عدم العلم بقائلٍ دلالاته على الإجماع الظني أضعف، وكذا دلالة الإجماع السكوتي، وتصبح الدلالة في كل الأحوال يقينية بالقرائن.
ودلالة عدم العلم بقائل على مخالفة الإجماع أضعف من دلالة الإجماع السكوتي، لأن الإجماع السكوتي يُعلم قائل بمسألته غير أنه لا يعلم مُخالف له.
ودلالة كلٍ من الإجماع السكوتي وما لا يعلم قائل به تصبح يقينية بالقرائن، ومن القرائن كما سبق وجود نص ظني موافق لمقتضى الإجماع الظني، ومن القرائن السنة المشتهرة للحكومة الموحدة، ومن القرائن قوة مأخذ الحكم بالقياس.
فليس كل إجماع سكوتي مقدم على كل إجماع محكي، بل الإجماع السكوتي مع وجود نصوص صريحة أقوى من كل إجماع محكي مع نصوص ظنية.
ولا يُشترط انقراض العصر لصحة الإجماع على الأرجح، ولكن الغالب في ثبوت الإجماع في ذات العصر أنه ظني، والمراد بانقراض العصر موت جميع المجتهدين الذين حدث بهم الاتفاق على أمرٍ شرعي.
ويتفرع على اشتراط انقراض العصر لصحة الإجماع؛ عدم صحة رجوع المجتهد عن قوله إلا بدليل أقوى من الإجماع الظني، والدليل الأقوى من الإجماع الظني هو النص ولو كان ظني الثبوت بسبب خلاف في صحته أو كان ظني الدلالة.
خلاف المبتدع فيما يوافق أصول بدعته لا يخرق الإجماع، لأنّ مقصود الإجماع هو اتفاق كل من هو أهل للوصول إلى الحق على حُكم مسألة.
ولا حجّة في أنّ المبتدع من الأمة، فالعامي كذلك من الأمة ومع ذلك لا يُعتد بخلافه في المسائل الاجتهادية، ولفظ الأمة لم يرد في كل النصوص التي تدل على حجية الإجماع.
فأقوى ما يدل على حجيّة الإجماع الآيات، وكلها لم ترد بلفظ الأمّة، وهي تدل على خروج المبتدع من أهل الإجماع فيما يوافق أصول بدعته، لأنّه مخالف في أصوله المبتدعة لسبيل المؤمنين، غير متّبع للسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار، وليس هو من أولي الأمر في هذه المسائل.
وأما خلاف المبتدع فيما لا يوافق أصول بدعته ولا يتّهم فيه بهوىً؛ فإنّه يعتدّ به إذا كان أهلاً للاجتهاد، لأنّه مسلم حريص على ما ليس له هوىً في مخالفته من أمور دينه.
وإجماع الأمّة بمن فيهم العوام وأهل البدع أقوى، ولا يتعارض هذا مع اعتبار أنّ في غيره قطع ويقين، لأنّ اليقين درجات.
والمبتدع هو من خالف في كلي كالمخالفة في إجماع الصحابة، أو خالف في جزئيات متعدِّدة تعود على كلي بالنقض، أو خالف في أمرٍ يعود على ركن من أركان الإيمان أو أركان الإسلام بالنقض كالمخالفة في أصول القدر أو أن دعاء المخلوق شرك أكبر، أو خالف في أمرٍ ظاهر متواتر لا يجهله مثله في عصره ومصره.
ويعد من أهل البدعة والفرقة لا أهل السنة والجماعة من جعل بدعته الجزئية أصلاً عظيماً يوالي عليها ويعادي ويفرق بها جماعة المسلمين ويكفرهم بمخالفتها ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم كما تفعل الخوارج.
فلا يعد مبتدعاً من خالف في جزئيات معدودة ولو تعلقت بأحد الأركان ما لم تعد عليه بالنقض، إلا إذا دلت القرائن على أن سبب المخالفة الهوى فقد يبدع صاحبها ولكن بشرط اعتبار المصالح والمفاسد المترتبة على تبديعه.
القول الصواب في مسألة الإجماع بعد خلاف، أنه يُمكن وقوع إجماع بعد خلاف غير معتبر أو غير مستقر، ولا يمكن أن يقع إجماع بعد خلاف مستقر أو خلاف معتبر.
وقد استقر الإجماع بعد خلاف في زواج المتعة وربا الفضل والزواج بالكتابية والغسل من التقاء الختانين والخروج على السلطان الحارس لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة.
يجوز إحداث قولٍ لا يرفع ما اتفقت عليه أقوال السابقين في المسألة.
ولافرق بين خلافٍ على قولين أو أكثر، لأنَّ المقصود عدم مخالفة ما أجمعوا عليه.
ومن أمثلة إحداث قول لا يخالف أقوال السابقين؛ القول بأن السفر الشرعي هو ما دل العرف على أنه سفر مع مظنة المشقة في الواجبات أو إيجاب التخفيف في النوافل أو الفتنة والخطر في المحرم لغيره، وذلك لأنه يجمع الأقوال التي حددت السفر الشرعي بالمسافة والزمن والوصف والعرف، وللمزيد؛ مدونتي » أحكام » حد السفر الشرعي.
ولا بأس بإحداث قول في مسألة لم يستقر فيها الخلاف، والخلاف في مسألة لا يستقر بعدم اشتهارها بين المجتهدين، لأن الإجماع لابد فيه من إجماع كل مجتهدي العصر، فلا يعد قول بعضهم فيها إجماعاً.
وقد لا يستقر الخلاف في المسألة لقرون طويلة، ومن أمثلة ذلك مسألة تختص بأماكن كان المسلمون فيها قلة أو لم يكن فيها علماء مجتهدون، وقد ذكرت من أقوال الفقهاء ما يدل على عدم استقرار الخلاف فيها في؛ مدونتي » أحكام » مواقيت الصلاة والصوم في شمال وجنوب الأرض.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى: (القول الثالث؛ أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز.
وروي هذا التفصيل عن الشافعي، واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاج.
واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه.
ومثل الاختلاف على قولين الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك، فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول الثالث من الخلاف.
ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر.
أما إذا لم يستقر، فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر) [١٥].
مما سبق يعلم أن العبرة بعدم مخالفة الإجماع، يؤكده جواز الإحداث في المصالح المرسلة بشروطها، وذلك لأنها لا ترفع القول بجواز ما عمل السلف به، كإحداث العمل بحساب أوقات الصلاة، لأنه لا يرفع القول بجواز العمل برؤية العين لعلامات أوقات الصلاة.
وقد أجمع العلماء على جواز العمل بالحساب الفلكي لأوقات الصلوات، ومن اعترض من العلماء إنما اعترض لظنه عدم صحة الحساب لا لأجل الإحداث في المسألة.
قال القرافي المالكي رحمه الله تعالى: (وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات فإنه لا غاية بعد حصول القطع) [١٤]، للمزيد؛ مدونتي » أحكام » حساب وقتي العشاء والفجر.
ولدي مبحث حول حكم العمل بالحساب الفلكي للأهلة في؛ مدونتي » أحكام » الرؤية العلمية للأهلة الشرعية.
ولا يعد إجماع أهل بلدة إجماعاً شرعياً ملزماً إلا إجماع أهل المدينة في القرون المفضلة.
 قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أنَّ إجماع أهل مدينة من المدائن حجَّة يجب اتباعها غير المدينة، لا في تلك الأعصار ولا فيما بعدها، لا إجماع أهل مكة، ولا الشام، ولا العراق، ولا غير ذلك من أمصار المسلمين) [١٦].
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الاثنين ٢٤ شعبان ١٤٤٠هـ، ٢٩ أبريل ٢٠١٩م
[١] صحيح الترمذي (٢١٦٧).
[٢] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج١١/ص٣٤١)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، ١٤١٦هـ / ١٩٩٥م.
[٣] السلسلة الصحيحة (١٣٣١).
[٤] الرسالة للشافعي (ج١/‏ص٤٧١)، تحقيق؛ أحمد شاكر، مكتبه الحلبي، مصر، الطبعة الأولى، ١٣٥٨هـ/١٩٤٠م.
[٥] مسائل الإمام أحمد رواية ابنه عبد الله (ج١/ص‏٤٣٩)، دار الفلاح للبحث العلمي وتحقيق التراث، الفيوم - جمهورية مصر العربية، الطبعة الأولى، ١٤٣٠ هـ - ٢٠٠٩ م.
[٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص١٧٤)، تحقيق؛ محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
[٧] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص١٧٥)، تحقيق؛ محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
[٨] الرسالة للشافعي (ج١/‏ص٥٩٨)، الطبعة السابقة.
[٩] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص١٧٤-١٧٥)، الطبعة السابقة.
[١٠] إعلام الموقعين عن رب العالمين(ج٤/ص١٨٨)، الطبعة السابقة.
[١١] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج١/ص٢٤)، الطبعة السابقة.
[١٢] صحيح البخاري (٥٥٤٣).
[١٣] فتح الباري لابن حجر (ج١/‏ص٥٣٧-٥٣٨)، دار المعرفة - بيروت، ١٣٧٩.
[١٤] أنوار البروق في أنواع الفروق (ج٢/ص١٧٩)، عالم الكتب.
[١٥] إرشاد الفحول (ج١/ص٢٢٩)، ت؛ عناية، الكتاب العربي، الطبعة الأولى.
[١٦] مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٢٩٩-٣٠٠)، الطبعة السابقة.
pdf

تحديد القرون المُفضلة

استنباطاً من ألفاظ النصوص وجمعاً بينها وبناءً على أقوال العلماء فيها ينتهي عهد السلف بحوالي سنة ٢٤٧ هجرية.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنتهم إلى يوم الدين.
بتحديد القرون المفضلة يفرق بين السلف والخلف.
وقد اختلف العلماء في تحديدها، وهذا المبحث جمع بين الأقوال.
ولا يمكن تحديدها بأفضل من دلالة السنة وألفاظها بطرقها المختلفة، وفي هذا المبحث جمع بين النصوص واستنباط من ألفاظها.
فبناءً على ذلك وبتفسير ما في طريقٍ للحديث من شكٍ، وعملاً بما في بعض الطرق من معنىً زائد يعد حجّة لمن حفظ على من لم يحفظ؛ خلصت إلى أنّ القرون المفضّلة ثلاثة قرون، وأنّ القرن مئة سنةٍ مع طرح ما قبل البعثة منها، وأنّ في هذه القرون الثلاثة الأجيال المتعاصرة الأربعة الأولى.
فقد يرجع شك عمران بن حصين رضي الله عنهما إلى أنه سمع مرة الأجيال المتعاصرة الأربعة ومرة القرون الثلاثة.
يبدأ القرن الأوّل بالبعثة، ولكنّ عدّه يبدأ بميلاد النبيّ ﷺ سنة ٥٣ قبل الهجرة، ولأنّ القرن مئة عام، فإنّ القرن الأوّل ينتهي سنة ٤٧هـ، وينتهي القرن الثاني سنة ١٤٧هـ، وينتهي القرن الثالث سنة ٢٤٧هـ.
وفي هذه الخلاصة اتفاق مع القول بأن مقدار القرن ثمانين سنة، وذلك لأن مجموع الثلاثة يكون بذلك ٢٤٠ سنة.
وفيها مع ذلك عمل بما دلت عليه السنة من أن مقدار زمن القرن مئة سنة.
فعن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن عبد الله بن بسر أنّ النبي ﷺ قال له: (يَعِيشُ هذا الغُلامُ قَرْنًا)، قال: (فَعاشَ مِائةَ سَنَةٍ)، الألباني، السلسلة الصحيحة ٢٦٦٠، إسناده صحيح رجاله رجال التهذيب.
ومع أن عدَّ زمان القرن الأول يبدأ بميلاد النبي ﷺ إلا أن خير الناس في ذلك القرن هم الصحابة رضي الله عنهم بالإجماع، فتبدأ خيرية العصر الأول بعد البعثة في قرن النبي ﷺ، يدل على ذلك رواية البخاري؛ (خير أمتي قرني).
استنباطاً من لفظ (قرني)؛ فإنّ نسبة النبيّ ﷺ القرن الأوّل إلى نفسه وليس إلى بعثته ولا هجرته فيه دلالة على أنّ عدّه يبدأ بميلاده، لأنّ قرن الرجل يُعرف بأقرانه في العمر.
وقوله: (يلونهم) هو باعتبار من يلونهم من الأقران في العُمُر.
وبالاستخراج على كلام ابن تيمية رحمه الله الذي في الأخير؛ فإن القرن الأول هو قرن جمهور الصحابة رضي الله عنهم وخيارهم، والقرن الثاني هو قرن بعض الصحابة وجمهور التابعين وتابعي التابعين، والقرن الثالث هو قرن بعض التابعين وجمهور تابعي التابعين وكثير من أتباع تابعي التابعين.
فقد يرجع شك عمران بن حصين رضي الله عنهما إلى أنه سمع مرة الأجيال المتعاصرة الأربعة ومرة القرون الثلاثة.
وقد ورد شك عمران في عدد القرون المُفضلة هل هي ثلاثة قرون أم أربعة قرون في حديث متفق عليه، فعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال: قال النبي ﷺ (خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثاً).
وقد ورد ذكر فضل الثلاثة أجيال المتعاصرة الأولى في حديث متفق عليه.
وورد ذكر فضل الأجيال المتعاصرة الأربعة الأولى في إحدى الروايات لمسلم.
ففيه أنّ رسول الله ﷺ قال: (يأتي على الناس زمان يبعث منهم البعث، فيقولون: انظروا هل تجدون فيكم أحداً من أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثاني فيقولون: هل فيهم من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيفتح لهم به، ثم يبعث البعث الثالث فيقال: انظروا هل ترون فيهم من رأى من رأى أصحاب النبي ﷺ؟ ثم يكون البعث الرابع فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحداً رأى من رأى أحداً رأى أصحاب النبي ﷺ؟ فيوجد الرجل فيفتح لهم به)، رواه مسلم في صحيحه.
وقرن الصحابة رضي الله عنهم يعرف بجماهيرهم وليس بوفاة آخرهم، لا سيما خيارهم من السابقين الأولين ومن أسلم قبل الفتح ومن شهد بدراً، وقيل في السابقين الأولين أنهم من أسلم قبل إسلام عمر وحمزة رضي الله عنهما.
وعام ٤٧هـ مقارب لنهاية الخلافة الراشدة، فقد قتل علي رضي الله عنه في رمضان عام ٤٠هـ، وبحساب مائة سنة منذ الميلاد ينتهي القرن الأول عام ٤٧هـ، ويرى ابن تيمية رحمه الله تعالى أن القرن الأول ينتهي بانتهاء الخلافة الراشدة.
وقد توفي إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى عام ٢٤١هـ، وهو من عصر أتباع تابعي التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (فإن الاعتبار في القرون الثلاثة بجمهور أهل القرن وهم وسطه، وجمهور الصحابة انقرضوا بانقراض خلافة الخلفاء الأربعة حتى أنه لم يكن بقي من أهل بدر إلا نفر قليل، وجمهور التابعين بإحسان انقرضوا في أواخر عصر أصاغر الصحابة في إمارة ابن الزبير وعبد الملك، وجمهور تابعي التابعين انقرضوا في أواخر الدولة الأموية) [١].
ورد ذكر القرون المفضلة بأنها ثلاثة جزماً في حديث متفق عليه؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي  ﷺ قال: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته).
ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
والله تعالى أعلم، والحمد لله ربِّ العالمين.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الثلاثاء ١٩ رجب ١٤٤٠هـ، ٢٦ مارس ٢٠١٩م.

المصادر

[١] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج١٠/ص٣٥٧)، مجمع الملك فهد، ١٤١٦هـ/١٩٩٥م.
pdf
رجوع إلى قسم قواعد وأصول

حُرية الاختيار وأحكام العقوبات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين.
حرية الاختيار هي أصل الخلق ومبدأ التكليف، هي أصل الخلق لأنَّ الله جل ثناؤُهُ جعل للإنسان القدرة على الاختيار، قال الله عز وجل: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ}.
وحُرية الاختيار هي مبدأ التكليف لأنَّ الله عز وجل خلق الإنسان للابتلاء والامتحان، ولو كان الإنسان مكرهاً لانتفى معنى الابتلاء والتكليف، قال الله عز وجل: {إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}،أي لنبتليه.
والحُرية هي الأصل في العقيدة والتعبد والعقود مثل البيع والزواج وسائر التصرفات؛ {إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}، {فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا}.
وللحرية ضوابط دل عليها الشرع والعقل والفطرة، فإن الناس جميعاً بمن فيهم الملاحدة يقرون بمسائل فطر الله الناس عليها، مثل الإقرار بأن القتل قبيح، وكذا الظلم والسرقة.
فلا أحد يجحد أن للحرية ضابط عام تتفرع عنه ضوابط، والضابط العام هو؛ ألا يكون فيها إضرار بالغير وتعدٍ على حقوقهم وحرياتهم، ومن التعدي على حقوق الآخرين والإضرار بهم نقض عهد وميثاق غدراً، ويتفرع على عدم الإضرار بالغير وحقوق الآخرين وحرياتهم تقديم المصالح العامة على الخاصة، ومما يدخل في تقديم مصلحة المجتمع والحفاظ عليه ألا يكون الضرر الخاص متعدياً للإضرار بالمجتمع ومصالحه كتعاطي المخدرات أو التعطل بغير عذر بلا دراسة ولا عمل.
أحكام العقوبات في الإسلام ليس فيها تعدٍ على الحريات الشخصية، فكل أحكام العقوبات في الإسلام داخلة في الضابط العام السابق وما يتفرع عنه من ضوابط الحرية المذكورة آنفاً، ولكن الناس يختلفون في كثير من تطبيقاتها وتفريعاتها، ولذا نجد اختلافاً في القوانين حتى في الدول العلمانية.
والعقوبات النصية محصورة، فالأصل في العقوبات التعزير والاجتهاد، والحدود المتفق عليها سبعة، وهي؛ القتل والقصاص في النفس والأطراف، والزنا، والحرابة، والردة، والسرقة، والقذف بالزنا، وشرب الخمر، وهذا يعني أن باقي العقوبات بعضها مختلف فيها وأكثرها تعزيرية اجتهادية.
بل الأصل في كل السياسة الشرعية الإرسال والإباحة، لأن السياسة الشرعية لحراسة الدين وسياسة الدنيا، والأصل في وسائل حراسة الدين الإرسال إلا لنص (مصالح مرسلة)، والأصل في سياسة الدنيا الإباحة إلا لنص.
وهذه القواعد كلها تندرج تحت قاعدتين، وهما؛ قاعدة الأصل في الأشياء الإباحة إلا لنص، وقاعدة الأصل في وسائل العبادة الإرسال إلا لنص (مصالح مرسلة).
فالأشياء تشمل؛ الأعيان، والمعاملات، والعادات، والقضاء بما في ذلك أحكام العقوبات يدخل في باب المعاملات، ويدخل في المعاملات كل ما يختص بسياسة الدنيا.
وحرية الاختيار لا تناقض معنى عدم الخِيرة في قول الله تعالى ذكرُهُ: {وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنࣲ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَمۡرًا أَن یَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَـٰلࣰا مُّبِینࣰا}.
فعدم الخيار في هذه الآية ينصرف أصالة إلى الخيار المتعلق بأمر الله الكوني القدري بتعذيب المُخالفين أمره بالعذاب الأخروي، وقد يعجل الله بعض أنواع العذاب في الدنيا.
فالمؤمن ملزم باتباع أمر الله تعالى شرعاً لا كوناً وقدراً، فإذا لم يلتزم بذلك فإنه متوعد بالعذاب الأخروي والدنيوي الكوني القدري.
وقد يكون العذاب بأيدي المؤمنين وحُكمهم القضائي ولكن بتفصيل يجعل الحكم القضائي والتعذيب منزهاً من الإكراه في الدين.
ويدخل في هذا الأمر السلطان المسلم والقاضي المسلم، فليس لهما خيار عند القدرة في تحكيم شرع الله تعالى بتفصيل ينزه حكمهم العقابي من الإكراه في الدين.
وليس في قتل الذمي الذي يسب الإسلام أو النبي صلى الله عليه وسلم إكراه، لأنه غدر بالعهد مع النظام الإسلامي وتترتب عليه أضرار نقض مثله من العهود على المجتمع المسلم.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (لا يخفى عليهم أنا لم نرض بأن يكونوا تحت أيدينا مع إظهار شتم ديننا وسب نبينا، وهم يدرون أنا لا نعاهد ذمياً على مثل هذه الحال، فدعواهم أنهم اعتقدوا أنا عاهدناهم على مثل هذا مع اشتراطنا عليهم أن يكونوا صاغرين تجري عليهم أحكام الملة دعوى كاذبة)[١].
ولهذا قلتُ: وسب الذمي وشتمه النبي صلى الله عليه وسلم نقض للذمة في دولة إسلامية، ولا يعد ذلك غدراً في دولة تُغلِّب عقد المواطنة على الإسلام إلا إذا نصت قوانينها على قتل ساب النبي صلى الله عليه وسلم، يدل على ذلك أنَّ أهل مكة سبوا النبي صلى الله ووصفوه بالمجنون وآذوه ولم يؤمر بقتلهم. انتهى، للمزيد؛ مدونتي » إصلاح وتكميل » المُوجز اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير » الاغتيالات وقتل كعب بن الأشرف.
وأهل الذمة يعاملون حسب حالهم بالرفق أو الصغار، فإن كانوا يؤذون المسلمين فإن الجزية جزاءٌ على كفرهم وعدائهم، وإن كانوا ممن لا يظهر عداوةً فإن الجزية جزاء على رعاية المسلمين لهم وتؤخذ منهم رفقاً كما تؤخذ الزكاة من المسلمين، وتصرف في شؤون الدولة ومصالح الناس بمن فيهم أهل الذمة.
قال ابن تيمية رحمه الله: (فإن الجزية عند بعضهم عقوبة للمقام على الكفر، وعند بعضهم عوض عن حقن الدماء، وقد يقال أجرة سكنى الدار ممن لا يملك السكنى فليست عقوبة وجبت لقدر زائد على الكفر)[٢].
وليس ثمة خرق للإجماع في قولي بأن للجزية علتين؛ جزاء محاربة المسلمين وأذاهم، وجزاء رعاية المسلمين لمن لم يؤذي المسلمين، فالأرجح جواز الإحداث بشرط عدم رفع ما اتفقت عليه أقوال السابقين، وهذا القول لم يرفع ما اتفقت عليه أقوال السابقين، بل اعتبر جميعها، للمزيد؛ مدونتي » إصلاح وتكميل » المُوجز اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير » الصغار وجريان الأحكام على أهل الذمة.
وكذا سائر أحكام العقوبات في الإسلام ليست للإكراه، فأكثر الحُكومات تمنع الاتجار بالمخدرات وتعاطيها، ولا يعد ذلك تعد على الحرية الشخصية، وذلك لأنَّ ضرر تعاطيها يتعدى الفرد للمجتمع بتعطله عن العمل والإنتاج أو حمله على التعدي المباشر كالقتل والسرقة.
ولا يجوز التجسس على الناس في بيوتهم، وبالتالي فتعاطي المخدرات أو ظهور آثار تعاطيها يتعدى ضرره الخاص لإضرار المجتمع بنشر هذا السلوك المضر.
وإلزام أهل الذمة بأحكام الإسلام ليس إكراهاً، وذلك لأن إلزامهم مُختص بأحكام المُعاملات الدنيوية وليس بالشعائر التعبدية.
والشريعة جاءت لتحقيق مصالح البشر جميعاً، فالربا ضرر على المجتمعات مسلمة كانت أو غير مسلمة، وهكذا الخمر والزنا والفواحش وسائر المحرمات كلها ضرر على الناس في معاشهم قبل معادهم.
وإذا حكم المسلمون بلداً غالب أهلها غير مسلمين لزمهم عند القدرة تحكيم ما يتعلق بالمعاملات والأحكام الدنيوية من الشريعة فيهم. انتهى، نقلاً من مقال؛ الشريعة أجل من أن تعرض على البرلمان.
فسبب إجراء أحكام الإسلام على غير المسلمين في المعاملات هو دفع المضار عنهم وتحقيق مصالحهم، وذلك لأنه لا يجوز إلزام غير المسلمين بأحكام العبادات بما في ذلك الشهادتين والصلاة مع كونها أولى أولويات الحُكم بالإسلام، وتعلق ذلك بالقدرة هو لتغليب المصالح العامة.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى؛ (فإذا قويت شوكة قوم من أهل الذمة وتعذر إلزامهم بأحكام الإسلام أقررناهم وما هم عليه، فإذا ذلوا وضعف أمرهم ألزمناهم بذلك)[٣].
وكلام ابن القيم رحمه الله إنما هو في أهل ذمةٍ كانت تسري عليهم أحكام الإسلام ثم تمردوا عليها، فهؤلاء ليس في إلزامهم عند القدرة عليهم انتهازية.
وأما من عاهدهم المسلمون ابتداءاً على عدم إجراء أحكام الإسلام عليهم، فلا يُلزمون بها إلا إذا ظهرت منهم علامات الغدر، فيُنبذ حينئذ إليهم عهدهم ويخيروا بين البقاء في دار الإسلام والهجرة منها قبل إلزامهم بأحكام الإسلام.
وأما حكم الردة؛ فالراجح في قتل المرتد أنه يقتصر على المحارب والمُحرف للدين بزندقة أو تبديل لأحكام معلومة متواترة يكفر جاحدها، للمزيد؛ مدونتي » أحكام » حُكم المُرتد.
فقتل المرتد لا يخرج عن قاعدة أن من ضوابط الحرية عدم التعدي على حقوق الآخرين وعدم الإضرار بهم، فمن التعدي على حقوق الآخرين والإضرار بهم منافقتهم وغشهم وتحريف معاني نصوص كتبهم ونقض عهودهم غدراً.
والإسلام عهد مع الله سبحانه وتعالى أولاً ثم الجماعة المُسلمة ثانياً، ولذا كان الداخل في الإسلام يُبايِع عليه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ومن مقتضيات الإسلام الولاء فيه والبراء من مخالفيه، والولاء شرعاً هو كل اقتراب معنوي أو حسي له أثر في التدين أو نصرة الدين.
وإضرار الأمة لا يكون فقط بحمل السلاح، بل مجرد حمل السلاح أخف ضرراً من التجسس وتفريق الكلمة بتبديل المفاهيم الأساسية ومن ثم إثارة الفتن وإضعاف الولاء للأمة.
والقوة الداخلية أهم من موازين القوى الخارجية، ولا توجد قوة داخلية من غير ولاء ووحدة واستقرار سياسي وقوة اقتصادية، ولذا قدم الله تعالى ذكر جهاد المال على جهاد النفس، وذكر أن النزاع سبب الفشل، وأمر بالولاء للمؤمنين والبراءة من الكافرين.
وقد كان أثر الزنادقة والمبدلين للشرائع عبر التاريخ أسوأ من أثر الجيوش الغازية، بدءاً بالخروج على عثمان رضي الله عنه ثم تظاهر بعض الزنادقة بالتشيع لآل البيت مما انطلى على بعض محبي الإسلام وآل البيت.
وقول بعض السابقين بإكراه المرتد هو اجتهاد منهم ليس لهم فيه نص، ومن نقل الإجماع على إكراه المرتد من العلماء فلأنه ظن أن الإجماع منعقد على وجوب قتل كل مرتد، ومنهم من ظن بأن الإجماع منعقد على أن المُرتد يُكره إما بالقتل أو الحبس، والقول بأنَّ المرتد يُكره لأنه عرف الحق يُعارض بمن جحد الحق من الكفار الأصليين.
وليس كل ما نقل عن العُلماء والأئمة من خلاف معتبر، فمن الأئمة من يرى إكراه بعض الكفار الأصليين، ومنهم من يرى إكراههم جميعاً وأن الجزية تقبل فقط من أهل الكتاب لمصلحة إبقاء ما عندهم من كتب فيها بشارات، وهؤلاء يرون أن عدم الإكراه منسوخ، وكلها أقوال غير معتبرة، وللمزيد حول هذه المسائل؛ حُكم العهد المطلق، وسبب مشروعية الجهاد، وآيات السيف والبراءة.
وجهاد الطلب ليس فيه إكراه ولا تعد على حرية الآخرين، فالصحيح في جهاد الطلب أن علته مركبة من وصفين؛ الكفر وخوف الخيانة.
وخوف الخيانة يكون بظهور أماراتها لاحقاً أو بمُحاربة سابقة قبل قوة المُسلمين، وفي جهاد الطلب تخيير بين الإسلام والجزية والقتال.
من أدلة جزء العلة الثاني لجهاد الطلب قول الله تعالى ذكرُهُ: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.
والراجح في معنى الآية أنها تشمل كل من له عهد مؤقتاً كان أو مطلقاً، وتشمل أيضاً من لا عهد له باعتبار العهد العرفي لعموم كلمة قوم، ونبذ العهد هو الإعلام بإلغائه، والنبذ يُعرف اليوم بقطع العلاقات الدبلوماسية.
وأما سبب تشريع الجهاد بمعنى مقصده وحِكمته، فهو مَنْعُ عدوان الكفار وصدهم عن الدين والدعوة إليه.
يدل على ذلك النصوص التي تحرض المؤمنين على الجهاد معاملةً بالمثل؛ {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ الله عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ}، {وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ}، {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}، {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ}، {وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ}.
للمزيد؛ مبحث سبب مشروعية الجهاد في رسالة الموجز اليسير حول شبهات في الجهاد والتكفير.
والله تعالى أعلم،  والحمد لله ربِّ العالمين.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند السويد
الخميس ٢٥ جمادى الأول ١٤٤٠هـ، ٣١ يناير ٢٠١٩م.

المصادر

[١] الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ١٢، الطبعة السابقة.
[٢]  الصارم المسلول (ص٤٥٢)،  الطبعة السابقة.
[٣] أحكام أهل الذمة (ج٧/ص٧٦٨)، تحقيق؛ البكري والعاروري، رمادى للنشر، الدمام، الطبعة الأولى.
pdf

الواجبات أعظم من المحرمات بالجنس لا بالآحاد

رجوع إلى قسم قواعد وأصول
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين.
ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى قاعدة استفاض في بيانها وذكر أدلتها فيما يزيد على مائة صفحة، وهي: (قاعدةٌ في أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأنَّ جنس ترك المأمور أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات) [1].
والقاعدة مختلف فيها، وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى واحداً وعشرين وجهاً لبيان هذه القاعدة والاستدلال لها، ومما ذكر؛ أن فعل الحسنات موجب لترك السيئات وموجب للحسنات ولزيادة الحسنات، ومنها؛ أن الحسنات تمحو السيئات، ومنها؛ أنَّ تارك المأمور به عليه قضاؤه وإن تركه لعذر بخلاف فاعل المنهي عنه فإنه تكفي فيه التوبة إلا في مواضع، ومنها؛ أن مباني الإسلام الخمس واجبات، ومنها؛ أن الردة أشد من الكفر الأصلي لأنّ الردة ترك مأمور به والكفر الأصلي فعل منهي عنه، ومنها؛ أن أصل الكفر عدم التصديق بالحق، ومنها؛ أن أصل البدع ترك السنة.
من فوائد هذه القاعدة؛ أن الورع بفعل ما يشبه الواجب أعظم من الورع بترك ما يشبه الحرام، سواءً كانت درجة التشابه تجعل الورع واجباً أو مستحباً، والأمثلة كثيرة، منها كثير مما يتعلق بتعارض الحسنات والسيئات، ومنها اجتهاد من هو أهل للاجتهاد فيما قد يكون متعيناً، ومسائل التعارض والتزاحم تكثر كلما نقصت آثار النبوة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فهو اتقاء ما يُخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام) [2].
ومما ذكره ابن تيمية رحمه الله في بيان هذه القاعدة: (والشرك قد تقدَّم أن أصله ترك المأمور به من عبادة الله، واتباع رسله. وتحريم الحلال فيه ترك ما أمروا به من الاستعانة به على عبادته. ولما كان أصل المنهي عنه الذي فعلوه الشرك والتحريم روي في الحديث (بعثت بالحنيفية السمحة)، فالحنيفية ضد الشرك، والسماحة ضد الحجر والتضييق) [3].
التحريم إذا كان محدوداً فليس فيه مشقة لأنه ترك وليس بفعل، فإعفاء اللحية مثلاً ترك، فالتكليف في حلقها لا في إعفائها، ومن يحلقها يحتاج إلى حلقها كل يوم، وإنما يكون في التحريم ضيق وحرج عند التوسع فيه وتحريم ما يُحتاج إليه ولا يتضمن تفويت أنفع ولا حصول أضر، ودائرة التحريم أضيق في الشريعة لأن الأصل في الأشياء الإباحة إلا لنص.
وهذه القاعدة في جنس الواجبات والمحرمات لا في آحادها، فرد السلام واجب، ومع ذلك فترك رد السلام ليس أعظم من الموبقات والكبائر كالقتل والزنى، فقد يكون فعل محرم أعظم من ترك واجب من حيث الآحاد.
التفريق بين الواجب والحرام هو أن الواجب أمرٌ بفعل ونهي عن ترك، والحرام أمرٌ بترك ونهي عن فعل، فرد السلام أمرٌ بفعل ونهي عن ترك فهو واجب، وإعفاء اللحية أمرٌ بترك ونهي عن فعل، فحلقها حرام، فالحلق هو الفعل المنهي عنه.
ونظير ذلك؛ قول العلماء؛ البدعة شر من المعصية، فالمقصود جنس البدعة شر من جنس المعصية، فالبدع المكروهة كراهة تحريم ليست شراً من المعاصي العظيمة كترك الصلاة وعقوق الوالدين والسحر والقتل، فالبدع متفاوتة كما فصل ذلك الشاطبي رحمه الله في؛ الاعتصام [4].
وقد قال ابن تيمية رحمه الله في اقتضاء الصراط المُستقيم إن الاحتفال بالمولد بدعة مكروهة، ولعله قصد كراهة التحريم لعموم الحديث؛ (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، فالصحيح كما ذكر أهل العلم أن البدعة ليس فيها مكروه كراهة تنزيه، ولكن فيما يُشبه البدع ما يكون خلاف الأولى كما قال الشيخ العثيمين رحمه الله في السبحة، وقد فصل ذلك الشاطبي رحمه الله تعالى في؛ الاعتصام [5].
ولأن البدع متفاوتة قال ابن تيمية رحمه الله: (وكثير من المنكرين لبدع العبادات والعادات تجدهم مقصرين في فعل السنن من ذلك، أو الأمر به. ولعل حال كثير منهم يكون أسوأ من حال من يأتي بتلك العبادات المشتملة على نوع من الكراهة) [6].
وقد أشكل على البعض قول ابن تيمية رحمه الله في تلك الصفحة: (فتعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده)، فقال المحقق العلامة الفقي رحمه الله في تحقيقه للكتاب بأن هذا مخالف لحديث: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
وليس في كلام ابن تيمية رحمه الله مخالفة للحديث، لأنه في الأجر على العمل القلبي الصحيح وليس على العمل المبتدع، وهو فيمن لم تبلغه الحجة، وأما من بلغته الحجة فهو ممن زين له عمله، فيُعاقب على بدعته ولا يؤجر على قصده الحسن.
ومما يدل على صحة كلام ابن تيمية رحمه الله حديث الرجل الذي أمر بتحريق جسمه، فإنه أتى ببدعتين؛ إحداهما مكفرة وهي الشك في قدرة الله، والثانية إحراق الجنازة، فسنة الأنبياء الدفن، وأدخله الله الجنة لعمله القلبي وهو خوف الله تعالى.
ويدل عليه كذلك حديث الأجر والأجرين في اجتهاد الحاكم، فالأجر الواحد لم يشمل أجر الإصابة للمجتهد وأجر العمل لمقلده، فبقي فقط أجر الاجتهاد للمجتهد وأجر النية الحسنة وتحري الحق للمقلد.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
يوم الأربعاء، 12 شعبان 1439هـ، 7 مايو 2018م
لوند، السويد

المصادر

[1] مجموع الفتاوى (ج20/ص85)؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر؛ 1416هـ/1995م.
[2] مجموع الفتاوى (ج20/ص137-138)، الطبعة السابقة.
[3] مجموع الفتاوى (ج20/ص114)، الطبعة السابقة.
[4] الاعتصام (ج2/ص539)؛ [4]. الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة » فصل هل في البدع صغائر وكبائر، دار ابن عفان، السعودية الطبعة: الأولى، 1412هـ - 1992م.
[5] الاعتصام (ج2/ص530)؛ الباب السادس في أحكام البدع وأنها ليست على رتبة واحدة » فصل كل بدعة ضلالة.
[6] اقتضاء الصراط المستقيم (ج2/ص126)، تحقيق؛ ناصر العقل، دار عالم الكتب، بيروت، الطبعة السابعة.
pdf
رجوع إلى قسم قواعد وأصول

باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

المحتويات

الاجتهاد اصطلاحاً هو استفراغ الوُسع لاستنباط حُكم شرعي واستخراج أصول فهمه وقواعده وعلله من الأدلة التفصيلية.
فالاجتهاد فيه استقلال برأي، وقد يكون الحُكم الاجتهادي حادثاً لم يُسبق إليهِ المجتهد، فلا يدخل في الاجتهاد مجرد الترجيح من غير استنباط أو استخراج.
وقد تقدَّم أنَّ اتباع العالم هو قبول قوله بعد معرفة مأخذه.
وتقدم أن التقليد هو قبول قول من ليس قوله حجة من غير معرفة مأخذه.
ومن ليس قوله حجة يُقصَد به غير النبي ﷺ.
ومما يدل على جواز الاستنباط من النص حديث بني قريظة، وفيه أنَّ ابن عمر رضي الله عنهما قال: (قالَ النبيُّ ﷺ يَومَ الأحْزابِ: لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ فأدْرَكَ بَعْضُهُمُ العَصْرَ في الطَّرِيقِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا نُصَلِّي حتّى نَأْتِيَها، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ نُصَلِّي، لَمْ يُرِدْ مِنّا ذلكَ، فَذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فَلَمْ يُعَنِّفْ واحِدًا منهمْ) [١].
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في تعليقه على هذا الحديث: (قال السهيلي وغيره: في هذا الحديث من الفقه أنه لا يعاب على من أخذ بظاهر حديث أو آية، ولا على من استنبط من النص معنى يخصصه) [٢].
وقد أقرَّ النبي ﷺ الصحابة رضي الله عنهم اجتهادهم في حديث بني قريظة وفي غير ذلك من الأحكام التي اجتهدوا فيها، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (قد اجتهد الصحابة في زمن النبي ﷺ في كثير من الأحكام ولم يعنفهم، كما أمرهم يوم الأحزاب أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق، وقال: لم يرد منا التأخير، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى، واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلاً) [٣].
يظنُّ بعضٌ أنَّ الاجتهاد كل لا يتجزأ أو أنه بجميع مسائله درجة واحدة، مما أدَّى إلى الحد من الاجتهاد، بل إنّ بعضاً يظنُّ أن باب الاجتهاد مغلق تماماً إلا في الحوادث والنوازل، فلهذا عزمتُ على كتابة هذا المقال، لأبيِّن فيه أهميّة الاجتهاد إذا توفّرت شروطه.
فأسرد أولاً الأسباب مجملة، ثم أفصِّل قليلاً في شرحها وذِكْر بعض أقوال العلماء فيها، ثم أذكر أمثلة لها، وقد قيل بالمثال يتضح المقال، ثم أذكر بعض الشبهات حول حدود الاجتهاد.
ويدخل في معنى الاجتهاد تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وقد أحيا هذا الاجتهاد الألباني رحمه الله.
فباب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة وقصره على النوازل والحوادث لا دليل عليه.
ويُشترط أن يكون من يجتهد أهلاً للاجتهاد وأن يُفرِغ وسعه للوصول إلى الحق في المسألة.
وغَلْقُ باب الاجتهاد يؤدي إلى التقليد المذموم الذي يؤدي إلى التعصب وتقديس أقوال الرجال، ومن آثار غلق باب الاجتهاد عزوف الناس عن أهل العلم والباحثين المستمسكين بمنهج السلف وتعلقهم بالمفكرين.
والمُفكِّر رغم كثرة خطئه إلا أنَّ اجتهاده يوصِله إلى بعض الحق الذي لن يصل إليه من أغلق باب الاجتهاد، وهذا مما يُغرُّ بعض العوام بالمفكِّرين.
وقد تقدم في مقال "التقليد" في قسم "قواعد وأصول" أنَّ العامي المقلِّد إذا اجتهد فإنه قد يصل إلى الفتوى الصحيحة مع أنه لا يجوز له الاجتهاد.
واستقلال غير المختصين بفكرة أو اختراع موجود في كل المجالات.
فقد يصل غير المتخصِّص إلى اكتشاف دواء أو تشخيص مرض، ولكن لا يعتمد الدواء من غير إجازة من الصيادلة ولا يعتمد تشخيص المرض من غير إجازة من الأطباء أو البُصراء المعروفون بمعرفتهم وخبرتهم.
ومن اكتشف دواءاً أو شخَّص مرضاً بأحسن من الأطباء لا يمكنه أن يعمل طبيباً أو بصيراً أو صيدليّاً من غير إجازة، وهذا أمر معلوم.
ولكن في أحكام الشريعة وللأسف تصدَّر للإفتاء والفِكْر والاجتهاد من ليس أهلاً لذلك وتبعهم بعض الناس في ضلالاتهم وانحرافاتهم.
أهم الأسباب التي أدت إلى إغلاق كثير من الناس باب الاجتهاد تعود إلى ما يلي:
١. اعتبار الاجتهاد كل لا يتجزأ وأنَّ كل مسائل الاجتهاد بدرجة واحدة.
٢. الغُلو في النهي عن إحداث قول من غير إمام سابق.
٣. تقديم الإجماع المتوهَّم على نصوص الكتاب والسنَّة.
٤. الورع الناقص والورع الكاذب.
الاجتهاد درجات كما أن الاتباع درجات والتقليد درجات، وكثيراً ما يجهل الناس أو يغفلون عن أن القسم الواحد تندرج تحته مسائل بدرجات متفاوتة، ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى كلام عن الحد وأنه لا يوجد غالباً إلا في الأذهان قرَّر فيه أنَّ السواد والبياض درجات.
فالاجتهاد درجات متفاوتة، فمنه ما لا يجوز إلا من خاصة الخاصة، ومنه ما هو للخاصة، ومنه ما هو لطالب العلم المتأني، فلا يقتصر الاجتهاد على المجتهد المطلق، ونص بعض العلماء على أنه لا يوجد مجتهدٌ مطلق في زماننا.
ومسألة تجزئة الاجتهاد معلومة في أصول الفقه، أذكر فيها قول ابن تيمية رحمه الله: (والاجتهاد ليس هو أمراً واحداً لا يقبل التجزي والانقسام، بل قد يكون الرجل مجتهداً في فن أو باب أو مسألة دون فن وباب ومسألة، وكل أحد فاجتهاده بحسب وسعه) [٤].
وسوء الفهم عموماً بما ذلك فهم أهل البدع سببه عدم التفريق بين درجات القسم الواحد، والظن بأن كل معنى أو قسم درجة واحدة، فهذا أصل ضلال الخوارج والقدرية والمرجئة والجبرية وغيرهم.
ولأن التقليد والترجيح والاجتهاد درجات متفاوتة فكذلك المقلد والمرجح والمجتهد، ففرض الجميع في هو اتباع النصوص، وواجب المرجَّح والمقلد اتباع العلماء، وفرق بين اتباع العلماء وتقليدهم، فاتباع العالم هو بعد معرفة دليله بخلاف تقليده فهو من غير معرفة دليله، فالعلماء هم الدليل إلى الدليل.
واتباع المرجح العلماء بدرجة أعلى من المقلد، والمرجِّح سمي مرجحاً لأن دائرة الترجيح واتباع العلماء عنده أكثر من المقلد، وكذا يقال في المقلد والمجتهد، فدائرة الاجتهاد أوسع عند المجتهد من المرجح، ودائرة التقليد أوسع عند المقلد من المرجح في  المسائل الدقيقة الخفية.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله: (وما وجد من اجتهاد لبعض العلماء وطلبة العلم فيما يسوغ فيه الاجتهاد فإن صاحبه لا يؤاخذ به ولا يثرب عليه إذا كان أهلاً للاجتهاد) [٥].
وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (فلذلك ينبغي لطالب العلم، كما أنه يمرن نفسه على كثرة المطالعة وقراءة الكتب، ينبغي أيضاً أن يمرن نفسه على الاستنباط من الأدلة، وكم من دليل واحد دل على مئات المسائل بحسب فهم الإنسان، فالذي يرزقه الله فهمًا يستغني بذلك عن نصوص كثيرة لا يحتاج إلى أن يجهد نفسه لتحصيلها ومطالعتها) [٦].
وأما السبب الثاني؛ فإنّ النهي عن إحدث الأقوال إنّما هو في المسائل التي لا يصح فيها الاجتهاد كالمسائل النصية، أو لعدم أهلية المتكلم، أو المسائل التي ثبت فيها الإجماع إمَّا لاستقرار الخلاف فيها أو إذا كان القول المحدث رافعاً لما اتَّفقت الأقوال السابقة عليه.
وأَمَّا الإحداث بهذه الشروط أو القول بمقتضى نص لا يُعلم قائل به فلا يخالف الإجماع، فالنص حجة بذاته.
ومجرد رواية النص تدلُّ على وجود قائل به وإن لم يُعلم، أقل عددهم رواة الحديث، ما لم يُعلم للنص ناسخ أو مخصص أو مقيِّد من النصوص أو من دلالة الإجماع على ترك العمل بالنص.
فإنّ عدم العلم بقائل بمقتضى النص ليس دليلاً على عدم وجود قائلٍ به، فعدم العلم ليس علماً (يقيناً) بالعدم.
وللمزيد حول معارضة النص بالإجماع المتوهم؛ مدونتي » قواعد وأصول » الاتِّباع في دليل الإجماع.
قال ابن القيِّم رحمه الله: (وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها.
وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها.
وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، والله أعلم) [٧].
وإذا استقرَّ الخلاف في مسألة فإنَّ القول الحادث إن لم يرفع ما اتفقت عليه أقوال السابقين لم يكن مخالفاً للإجماع، وما فيه من جديد لا يخالف ما أجمعوا عليه، فأشبه اجتهاد الأوائل في أصل بعض المسائل.
وأمَّا إذا لم يستقر الخلاف في مسألة فليس في إحداث قول فيها مخالفة للإجماع، وذلك أن الخلاف يُعد غير مستقر إذا لم تشتهر المسألة بين المجتهدين، فلا يُعدُّ قول بعضهم فيها إجماعاً لأنه لم يتفق عليه جميع المجتهدين.
قال الشوكاني رحمه الله في مسألة إحداث قول ثالث على قولي السلف: (القول الثالث: أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز.
وروي هذا التفصيل عن الشافعي، واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاج.
واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه. ومثل الاختلاف على قولين: الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك; فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول الثالث من الخلاف.
ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أما إذا لم يستقر، فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر) [٨].
والعبرة بعدم مخالفة إجماعهم، فيدخل في ذلك المصالح المرسلة بشروطها، وذلك لأن العمل بها لا يرفع القول بجواز ما عمل السلف به، ومثال ذلك جواز حساب أوقات الصلوات، فإنه لا يرفع جواز الاعتماد على رؤية علامات أوقات الصلاة بالعين.
وأما القول بمقتضى آية أو حديث لا يُعلم قائل بمقتضاه، فقد قال ابن القيم رحمه الله أن رده من أعظم الباطل، وأنه رد للنصوص وتقديم إجماع متوهم على الكتاب والسنة.
وفتوى ابن تيمية رحمه الله بأنَّ الطلاق بلفظ الثلاث يُعد واحدة هو من قبيل العمل بالنص وترك الإجماع المتوهم.
وذلك لأن هذا هو الحُكم الذي كان عليه العمل في عهد النبي ﷺ وعهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولسنتين من خلافة عمر كما قال ابن عباس رضي الله عنه، وهي المسألة التي سُجِن بسببها بوشاية من المقلِّدة المتعصِّبة.
وأما السبب الثالث؛ وهو تقديم الإجماع المتوهَّم على النصوص، فقد ترتَّب هذا الخطأ على مطلق المنع من إحداث قول، وما زاد عن حدِّهِ انقلب إلى ضدِّه.
والإجماع منه قطعي وظني ومتوهم، وكل مرتبة من الثلاث على مراتب.
قال ابن تيمية رحمه الله: (ولكن كثيراً من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعاً ولا يكون الأمر كذلك، بل يكون القول الآخر أرجح في الكتاب والسنة)[٩].
والنصوص أعلى مرتبةً من الإجماع، وحجية الإجماع لم تُعرف إلا من النصوص، فهي الأصل، والإجماع فرعٌ عنها، ولا يكون في مرتبة النصوص إلا ما تقوى بقرائن لدلالة النصوص على وجوب لزوم الإجماع.
ويدل كلام الأئمة كأحمد والشافعي وابن القيم على أن الإجماع ظني في الأصل وأنه لا يكون يقينياً إلا بالقرائن، وذلك لأنَّه مبني على عدم العلم بقائل بالمسألة أو عدم العلم بمخالف للمسألة، وعدم العلم ليس علماً بالعدم.
القرائن التي تجعل الإجماع يقينياً قد تكون في غيره كتقوِّيه بنص ولو كان خفياً أو ظنياً، وقد تكون القرائن في ذات الإجماع؛ كإجماع الصحابة رضي الله عنهم لتفرق من بعدهم في الأمصار، وكسنة الخلفاء الراشدين لاشتهارها، وكتواتر حكاية الإجماع.
ولا يُشترط في الإجماع القطعي حكايته في كل مسألة فضلاً عن تواتره، إذ يُعلم مثلاً إجماع أهل الرياضيات على صحة نظرية فيثاغورس من غير حاجة للاطلاع على حكاية إجماع على صحتها، وذلك لقوة مأخذها.
ومع أن الإجماع السكوتي أضعف في الجملة إلا أن منه ما هو قطعي، ومن ذلك أنه يُقطع بثبوت الإجماع في المسائل الصريحة في القرآن والمشتهِر المتفق على ثبوته من السنة مع عدم نقل ما يخالف دلالاتها عن السلف.
ويجب العمل بالإجماع الظني ما لم يعلم نص مخالف في المسألة، فإذا وجد نص مخالف فإن رد النص بالجهل بالمخالف أو الجهل بالقائل هو من أعظم الباطل كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى.
وقد عقَّد المقلِّدون الاجتهاد حتى على أهله بعكسهم ترتيب الأدلة ومصادر التشريع، فأوجبوا على المجتهد أن ينظر أول ما يُنظر في الإجماع المتعسر قبل النظر في النصوص، فجعلوا بهذا الترتيب الاجتهاد أصعب ما يكون خاصة بعد تفرق المسلمين في الأمصار.
والمقصود هنا الإجماعات الظنية التي لم تتقوَ بقرائن تجعلها في مرتبة النصوص، علماً بأن كثيراً من الكتب لا زالت مخطوطة يتعسر الحصول عليها وبعضها أغرق وبعضها تلف.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فإنَّ عِلْمَ المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من عِلْمِه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم.
وهذا إن لم يكن متعذراً فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام.
فكيف يحيلنا الله ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله اللذين هدانا بهما، ويسرهما لنا، وجعل لنا إلى معرفتهما طريقاً سهلة التناول من قرب؟
ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علما بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله؟ ...
إلى قوله: ... وحين نشأت هذه الطريقة تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلِّدين إذا احتج عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلاف الإجماع) [١٠].
ويُحمل عدم العلم بالعدم في قول ابن القيم: (وليس عدم العلم بالنزاع علماً بعدمه) على اليقين إذا كان من لا يعلم النزاع إمام مجتهد، فعدم علم المجتهد بالنزاع إجماع ظني يُقدم على القياس الظني ولا يقدم على النصوص. 
وترتيب الأدلة في المسائل الدقيقة الخفية متفق عليه بين الأئمة كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، والأصل أن الكتاب والسنة والإجماع بمعنىً واحد، ولكن في المسائل الدقيقة الخفية يُقدَّم الكتاب لأن السنة تُروى بالمعنى وفيها ما هو مختلف في ثبوته، وتُقدَّم السنة على الإجماع عدا ما تقوى بقرائن تجعله في مرتبة نص.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة، والسنة على الإجماع، وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة.
قال الشافعي: الحجة كتاب الله وسنة رسوله واتفاق الأئمة) [١١].
وقال أيضاً: (ونصوص رسول الله ﷺ أجل عند الإمام أحمد وسائر أئمة الحديث من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف.
ولو ساغ لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم مخالفاً في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص.
فهذا هو الذي أنكره الإمام أحمد والشافعي من دعوى الإجماع، لا ما يظنه بعض الناس أنه استبعاد لوجوده) [١٢].
وقال أيضاً: (فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم "ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا" يقول: من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعاً في صدر الحديث، أو يجعل جهله بالقائل به حجة له في مخالفته وترك العمل به.
ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل، وأنه لا يحل له دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل.
وأقبح من ذلك عذره في جهله; إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، وهذا سوء ظن بجماعة المسلمين، إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع، وهو جهله وعدم علمه بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة، والله المستعان.
ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام ألبتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله ﷺ حتى نعرف من عمل به)، [١٣].
وقد نص الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على أن ترتيب الأدلة هو؛ الكتاب والسنة المجتمع عليها ثم السنة المختلف في ثبوتها ثم الإجماع ثم القياس، وللمزيد؛ مدونتي » قواعد وأصول » الاتباع في دليل الإجماع.
وأما السبب الرابع؛ وهو الورع الناقص والكاذب، فأما الورع الناقص؛ فالورع الواجب يدخل فيه فعل ما يُشبه الواجب كما يدخل فيه ترك ما يُشبه الحرام، لأن العقوبة تترتب على ترك الواجب كما تترتب على فعل المحرم، بل إنَّ جنس فعل المأمور به أفضل من جنس ترك المنهي عنه كما حقق ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فقد يكون الاجتهاد من باب الورع الواجب، وهو ما تساوى فيه الاحتمالان أو كان أقرب إلى الوجوب، وقد يكون الاجتهاد من باب الورع المستحب، وهو ما كان أقرب إلى عدم الوجوب إلا أن احتمال وجوبه كبير، وقد ورد في حديث الحلال بين والحرام بين ذكر المشتبهات وهي كل ما فيه احتمال، ثم ورد ذكر الشبهات وهي ما كان أقرب إلى الحرام أو تساوى فيه الاحتمالان.
فترك الاجتهاد قد يؤدي إلى التشكيك في حكمة الشريعة، فقد نُسبت مسائل تخالف الحكمة إلى الشريعة بتأويل، فلزم تصفية الشريعة مما أدخل فيها مما ليس منها.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً ﷺ فهو اتقاء ما يُخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح.
ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام) [١٤].
وأما الورع الكاذب؛ فهو من تلبيس الشيطان على العلماء وطلبة العلم وهم لا يشعرون، فكما أن طلب العلم لغير الله شرك خفي، فكذلك ترك الطلب والتعليم والاجتهاد ممن هو أهل له من الشرك الخفي.
فقد نص العلماء على أن ترك العمل لغير الله شرك كفعله لغير الله، وذلك لأن الشيطان قد يوحي إلى الإنسان أن تورَّع عن الاجتهاد حتى يُقال تقي ورِع.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (وها هنا نُكتةٌ دقيقة، وهي أن الإنسانَ قد يذُمُّ نفسهُ يين الناسِ يُريدُ بذلك أن يُرِي أَنه مُتواضعٌ عندَ نفسهِ، فيرتفعُ بذلكَ عندَهُم ويمدحُونَهُ بهِ، وهذا من دَقائقِ أبوابِ الرِّياءِ وقد نَبَّه عليهِ السلفُ الصالحُ.
قال مُطَرَّفُ بنُ عبدِ الله بن الشِّخِّير: كَفى بالنفس إِطراءً أَن تَذُمَّهَا عَلَى الملأ، كأنك تُريدُ بذمِّها زينتَهَا، وذلك عند الله سَفَهٌ) [١٥].
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: (ترك العمل من أجل الناس رياء. والعمل من أجل الناس شرك. والإخلاص أن يعافيك الله منهما) [١٦].
لمنع إحداث الأقوال بإطلاق خلاف منهج السلف  السابقين من الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم بإحسان من الأئمة اللاحقين قبل استقرار الخلاف في بعض المسائل.
وقد قال الإمام مالك في مسألة الشفعة في الثمار: (ما علمت أنّ أحداً قاله قبلي) [١٧].
وهو خلاف ما جرى عليه من بعدهم في إحداث ما لا يرفع ما اتفق عليه السابقون، وما جرى عليه السابقون في مسائل حادثة لم يستقر فيها الخلاف، وما معنى جواز القياس وسائر مصادر التلقي التي تلي الكتاب والسنة والإجماع؟
قال ابن تيمية رحمه الله مبيناً أن ترك قول إمام لقول آخر لحديث لا عيب فيه حتى وإن تبين فيما بعد أن للحديث معارض راجح من حديث آخر لم يكن يعلمهُ المرجِّح: (ثم إن تبين لك فيما بعد أن للنص معارضاً راجحاً كان حكمك في ذلك حكم المجتهد المستقل إذا تغير اجتهاده) [١٨].
استنباط معنىً لا يوجد في كتب التفسير يشترط فيه عدم مخالفة الإجماع، وهو ليس تفسيراً لآية، لأنّ التفسير لا يخفى على السلف، فهو معنىً إضافي لا يخالف تفسيرهم.
ولعل استدلال ابن تيمية رحمه الله بآية سورة الملك على كرويّة السماوات استنباط حادث، لأنّه لم ينسبه لسابق، وقد نقل القول بكرويّتها عن السلف ونقل حكاية الإجماع عليه.
فقد استدل على كروية السماوات بقول الله عز وجل: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا ۖ مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَـٰنِ مِن تَفَاوُتٍ ۖ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ﴾.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذا إِنَّما يكون فيما يستدير من أشكال الأجسام دون المضلعات من المثلث أو المربع أو غيرهما، فإنَّه يتفاوت لأنَّ زواياه مخالفة لقوائمه، والجسم المستدير متشابه الجوانب والنواحي، ليس بعضه مخالفاً لبعض) [١٩].
وهذا يؤكِّد أنّه لا يصحّ النقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بمنع إحداث قولٍ بإطلاق، وما صحّ عنه هو فيما يخالف ما اتفقت عليه أقوال السابقين.
ومن الاستنباط الحادث المقبول؛ أنَّ الثلاثمائة بالحساب الشمسي وزيادة التسع بالحساب القمري في قول الله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾.
لأنّه معنىً إضافي لا يخالف فهم السلف لمدّة لبث أصحاب الكهف فيه، فهي ثلاثمائة وتسع سنين بحسابهم القمري، فعدُّها ثلاثمائة سنة بالحساب الشمسي زيادةُ معنىً.
وقد نقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هذا الاستنباط الحادث عن بعض المفسِّرين على وجه الإقرار.
وممن نقل هذا الاستنباط في حساب مدّة لبث أصحاب الكهف فيه؛ القرطبي رحمه الله حيث قال: (وحكى النقاش ما معناه أنهم لبثوا ثلاثمائة سنة شمسية بحساب الأيام.
فلما كان الإخبار هنا للنبي العربي ذكرت التسع، إذ المفهوم عنده من السنين القمرية، وهذه الزيادة هي ما بين الحسابين) [٢٠].
نقل بعض إخواننا عن ابن تيمية رحمه الله أنه قال: (أُعطي خصومي ثلاث سنوات أن يأتوني بمسألة قلت فيها وليس لي فيها إمام)، ولا أظن أنه قال هذا بهذا الإطلاق، ولكنه قال في العقيدة الواسطية: (قد أمهلت كل من خالفني في شيء منها ثلاث سنين؛ فإن جاءني بحرف واحد عن أحد من القرون الثلاثة يخالف ما ذكرته فأنا أرجع عنه))، وبالبحث وجدت في موضعين من الفتاوى أنَّه في العقيدة وليس الأحكام الفقهية، وهي في؛ مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٦/ص١٥) وفي؛ مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٣/ص١٦٩).
وأما قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى: ( أن علماء المسلمين إذا تنازعوا في مسألة على قولين لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بل القول الثالث يكون مخالفاً لإجماعهم.
والمسلمون تنازعوا في السفر لغير المساجد الثلاثة على قولين: هل هو حرام أو جائز غير مستحب، فاستحباب ذلك قول ثالث مخالف للإجماع وليس من علماء المسلمين من قال يستحب السفر لزيارة القبور ولا يستحب إلى المساجد ) [٢١]، فهذا فيما يرفع ما اتفقت عليه أقوال السابقين، لأن القول بالحرمة والجواز فيه اتفاق على أنه لا أجر في السفر لغير المساجد الثلاثة، والقول بالاستحباب يقتضي أن لفاعله أجر، فيكون رافعاً لما اتفق عليه القولان، ولهذا شرح ابن تيمية هذا بقوله عن أحد القولين " جائز غير مستحب "، وأكده بقوله: " قول ثالث مخالف للإجماع " يُشير إلى ما فيه من مخالفة ما اتفق عليه القولان.
ومسألة حد الذبح هي مثال آخر لصراحة دلالة النص، وتقديم بعض المُعاصرين الإجماع المتوهم على النص الصريح؛ (ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوا)، ومع صراحة النص ودلالته فإنَّ فتاوى منتشرة في الإنترت تزعم أنَّ القول بكفاية قطع ودج واحد مخالف للإجماع.
علماً بأن هذه الأقوال تذكر اجتهاد الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من كفاية قطع الحلقوم والمرئ، وترفض القول بكفاية قطع ودج واحد، مع أن قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بعيدٌ عن دلالة النص بإقرارهم، وحجَّتهم هي أنه لا يوجد قائل بكفاية قطع ودح واحد مع إقرارهم بأن النص يدلُّ عليه.
والقول بأنَّ حد الذبح قطع ودج واحد لا يرفع ما اتَّفقت عليه أقوال السلف، بل هو موافق للنص وموافق لأقوالهم في كفاية قطع ودج واحد في النحر.
ولهذا فمع أنني قلتُ في هذه المسألة بما يوافق دلالة النص فقد وجدت بعدها من قال به من السابقين، وكنت كتبتُ قبل ذلك؛ "ربما يوجد قول في غير مظانه بمثل ما قلتُ به لدلالة النص عليه".
ثم وجدت بعد مزيد بحث أنَّ ابن رشد رحمه الله تعالى قال بكفاية قطع ودج واحد في الذبح ونقلت قوله في مقال "اللحم في أوروبا وأمريكا" في قسم "مسائل وأحكام".
وكثيراً ما يدَّعي المُقلِّدون الذين رضوا بالتقليد المذموم وأغلقوا باب الاجتهاد على أنفسهم وعلى أهل العلم من المسلمين حصر الأقوال، بينما هو مجرَّد إدِّعاء.
وأما المثال على مسألة لم يستقر فيها الخلاف فمسألة؛ مواقيت الصلاة والصوم في البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات، ولي فيها بحث ذكرتُ فيه في مبحث عن الإجماع أنَّ هذه المسألة ليس فيها إجماع ولا خلاف مستقر، ليس فيها إجماع لأنَّ السابقين اختلفوا فيها، ولم يستقر فيها الخلاف لأنها لم تشتهر قبل عصرنا.
وسبق في النقل عن الشوكاني رحمه الله في مسألة إحداث قول على أقاويل السلف: (ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أما إذا لم يستقر، فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر).
ومما ذكرتُ بهذا الخصوص في مبحث الإجماع: "فالمتابع لأقوال العلماء في هذه المسألة يجد أن من تحدث عنها قليلون.
فكثير من الفقهاء لم يسمعوا بحال تلك البلاد، ولذا سماها القرافي من نوادر الفقه.
وقال ابن عرفة المالكي: (وعند الشافعية يقدرون بأقرب البلاد إليهم، ولا نص عندنا، ولكن استظهر بعضهم الرجوع في ذلك لمذهب الشافعي، كذا قرر شيخنا).
وقال ابن عابدين: (لم أر من تعرض عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلع الفجر عندهم كما تغيب الشمس أو بعده بزمان لا يقدر فيه الصائم على أكل ما يقيم بنيته).
وقد وافقتُ الشيخ الزرقا رحمه الله في اجتهاده في هذه المسألة، ولكن بالاستدلال بالنص، وليس بمجرد المقاصد الشرعية كما فعل الزرقاء رحمه الله.
وذلك باعتماد حديث الدجال وذِكْر العلة وشروطها ومناقشتها ومناقشة القول المُخالِف، فالأحكام تدور مع الأوصاف المنضبطة الظاهرة المناسبة (العلل).
وقد يوجد قائل بالمسألة في غير مظانها، ولم أكن أعلم أن من السابقين من قال بقول الزرقا رحمه الله في الصلاة أيضاً عندما سمعوا بحال تلك البلاد، ثم وجدتُّ أن أبا حامد الغزالي رحمه الله يقول بجواز تقدير الصلاة والصوم عند التعذر في مثل هذه البلاد.
وحدث معي مثل هذا في مسألة حد الذبح.
وبسبب أنَّ الكلام على بعض المسائل قد يكون في غير مظانها، فإن كثيراً من دعاوى الإجماع لا تصح، فلهذا ينظر المجتهد في النص أولاً ثم ينظر في الأقوال حتى لا يقع في مخالفة مجمع عليه.
وقد تقدم قول ابن القيم رحمه الله: ( فإنَّ عِلْمَ المجتهد بما دلَّ عليه القرآن والسنة أسهل عليه بكثير من عِلْمِه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم).
ومن أمثلة ما لا يرفع ما اتفقت عليه أقوال السلف؛ مسألة الفِطْر في نهار رمضان للمسافر بالوسائل الحديثة.
أقوال السلف بعد عصر الصحابة رضي الله عنهم هي حدُّ السفر المبيح للفطر بزمن أو بمسافة أو بحال وهيئة، والقول بأنَّ حدَّه هو غلبة الظن بحصول مشقة غير معتادة (في نوع السفر لا عينه) يجعل حده في بعض الأحيان الزمن وفي بعضها المسافة وفي بعضها الحال والهيئة.
ومن استنكر القول بأنَّ السفر المبيح للفطر هو المخوف مشقته، لزمه أن يُساوي بين المرض والسفر والقول بما قال به بعض السلف وأهل الظاهر من أنّ كل مرض مبيح للفطر بما في ذلك ألم الإصبع والضرس.
وليس في هذا القول جعل المشقة علة، فهو مثل القول بأنَّ حد المرض المبيح للفطر هو ما فيه مشقة أو ضرر بزيادته أو تأخر برئه، ومثل قول ابن عباس رضي الله عنهما: (والحبلى والمرضع إذا خافتا على أولادهما أفطرتا وأطعمت)، للمزيد؛ مدونتي » قسم أحكام » حد السفر الشرعي.
ومن أمثلة ما لا يرفع الإجماع؛ زكاة العقار.
ومما قلتُ في مبحث في هذه المسألة: (والذي يظهر والله تعالى أعلم أن الزكاة واجبة في العقار المدخر، وتُخرج زكاة العقار المعد للادخار عند بيعه وبعد قبض ثمنه لسنة واحدة فقط ولو باعه بعد سنوات من شرائه أو بلوغ قيمته النصاب، بناءاً على قول المالكيَّة في التاجر المتربِّص).
(وليس في هذا القول مخالفة للإجماع لأنه لا يخالف أقوال السلف، فالاستدلال بوجوب الزكاة في المال وقياسه على غيره لا يخرج عن استدلالات السلف وتعليلاتهم، ولا يبطل ما أجمعوا عليه من عدم وجوب الزكاة في مال القنية، ولأن جمهور السلف يوجبون الزكاة في عروض التجارة، والعقار المعد للادِّخار لابد فيه من نية البيع عند الشراء)، المصدر؛ مدونتي » قسم وأحكام » زكاة العقار.
ومما لا يرفع الإجماع؛ العمل بحساب الأهلة، وقلتُ فيه: (فإن إحداث قول على أقوال السلف لا يُخالف الإجماع إلا إذا كان رافعاً لما اتَّفقت عليه أقوالهم، ولا أرى فرقاً بين قول واحدٍ وخلافٍ على قولين أو أكثر، لأنَّ المقصود عدم مخالفة ما أجمعوا عليه، فالقول بجواز العمل برؤية العِلم لا يَرفع القول بجواز العمل برؤية البصر، فكما أن العمل بحساب أوقات الصلاة لا يخالف فعل السلف بمعرفتها بالرؤية فكذلك هنا)، للمزيد؛ مدونتي » قسم أحكام »الرؤية العلمية للأهلة الشرعية.
ومن الآثار السيئة لغلق باب الاجتهاد ظنُّ كثيرٍ من الناس أن النصوص أعقد من كلام البشر وتخريجاتهم وتفريعاتهم ومختصراتهم ومطولاتهم، وقد جعلها الله عز وجل يسيرة بقوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}.
وبهذا السبب انتشرت الدعوة إلى التقليد المذموم، وهو التزام تقليد معيَّن او معيَّنين في كل مسائل الفقه أو مسائل معينة، والإلزام بالقيادة التنظيمية أو بأقوال كبار علماء بلدة أو بلدات في مسائل معينة، ثم ادعاء اتفاقهم فيما اختلفوا فيها، ثم ظهور الجدل في معاني أقوالهم بمثل ما لو كانت قديمة أو عامة مخصصة، والتثريب على من اجتهد في مسألة من طلاب العلم، للمزيد؛ مدونتي » شبهات وردود » المذهبية الجديدة.
فالاجتهاد بابه مفتوح إلى يوم القيامة بشرط عدم إحداث ما يخالف الإجماع أو عدم  استقرار الخلاف بعد وأن يكون المجتهد أهلاً للاجتهاد.
والاجتهاد يتجزأ وهو درجات، فالاجتهاد في كل مسألة بحسبها، ، ولا يجوز للعامي الاجتهاد مع إمكان وقوعه منه، وإذا سلمنا بالجواز لإمكان وقوعه، فلابد من إجازته ممن توفرت فيه شروط الاجتهاد في مثلها من المسائل.
والتقليد جائز للاضطرار أو الاحتياج، والتقليد المذموم هو التزام تقليد معيَّن أو معيَّنين في كل المسائل أو مسائل معينة، سواءٌ قيل بوجوب هذا الالتزام أو جوازه، ومن التقليد المذموم تحريم النظر في الأدلة على العامي.
فواجب العامي هو اتباع العلماء فيما قدر فيه على الاتباع (قبول قول العالم بعد معرفة حجَّته)، وتقليدهم بدون التزام معين أو معينين فيما لا يقدر عليه أو فيما يجد فيه مشقة أو فيما يفوت عليه مصالحه الدينية أو الدنيوية.
فالتقليد درجات كما أن اتباع العلماء والاجتهاد درجات، أقل درجات التقليد هي تقليد من عرف بالعلم، وأرفع منها أن يعرف مَنْ مِن العلماء برع في الفقه والتفسير والحديث ونحو ذلك، وهكذا.
وكذا اتباع العلماء درجات، فالمرجِّح ينظر في أدلة كل قول من أقوال العلماء في المسألة ويتأمل ويبحث ويدقق، والعامي قد يكتفي بمعرفة أدلة ذُكرت له في المسألة، ومعرفته بالدليل تخرجه من دائرة التقليد في المسألة إلى اتباع عالم فيها.
قال الشيخ محمد بن إسماعيل الصنعاني رحمه الله: (وفرقٌ بين تقليد العالم في جميع ما قاله، وبين الاستعانة بفهمه، فإنّ الأول يأخذ بقوله من غير نظرٍ في دليل من كتاب ولا سنة، والاستعانة بفهمه وهو الثاني؛ بمنزلة الدليل في الطريق، والخريت الماهر لابن السبيل، فهو دليل إلى دليل، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره) [٢٢].
فالأصل هو الاتباع، والذي هو قبول قول من قوله حجة؛ وهو اتباع النصوص، وقبول قول من ليس قوله حجة بعد معرفة حجته ودليله؛ وهو اتباع العلماء.
فالدليل في الأحكام الشرعية هو كتاب الله عز وجل وسنة رسوله ﷺ قبل كل شئ، وأما العلماء فهم دليل إلى الدليل كما قال الصنعاني رحمه الله تعالى، والعلم إنما يُتَلقى عن العلماء لا عن الجهال.
فالأمر بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله ﷺ في الكتاب والسنة أمرٌ مطلق، والأمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء والأمراء مقيد بطاعة الله عز وجل وطاعة رسوله ﷺ، وهو أمر عام لجميع المؤمنين، وليس خاصاً بالعلماء وطلاب العلم.
وإنِّما سمي المقلِّد مقلِّداً لأن دائرة التقليد عنده في المسائل الدقيقة الخفيفة أوسع، ولا يحرم عليه النظر في أدلة بعض المسائل الدقيقة بإطلاق، وإنما يحرم إذا فوت ما هو أهم وأوجب بالانشغال بدقيق المسائل، وقد تقدم النقل حول هذا عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مقال "التقليد".
قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ۖ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَ‌ٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا}، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
يوم الأثنين ٢٣ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٧ سبتمبر ٢٠١٥م
[١] صحيح البخاري (٤١١٩).
[٢] فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج٧/ص٤٠٩): دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩، ترقيم؛ محمد فؤاد عبد الباقي، إخراج وتصحيح؛ محب الدين الخطيب، تعليقات؛ العلامة عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
[٣] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج١/ص١٥٥): تحقيق؛ محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
[٤] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٢٠/ص٢١٢)، الناشر؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر؛ ١٤١٦هـ/١٩٩٥م.
[٥] الموقع الرسمي لسماحة الإمام ابن باز » أُسْلوب النقد بين الدعاة والتعقيب عليه
[٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٤/ص١٧٠): تحقيق؛ محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، ييروت الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١م.
[٧] تفسير سورة النور ص ١٢٢، مؤسسة الشيخ محمد بن صالح العثيمين الخيرية، الطبعة الأولى، ١٤٣٦هـ.
[٨] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ج1ط١/ص٢٢٩): تحقيق؛ الشيخ أحمد عزو عناية، دار الكتاب العربي، الطبعة الطبعة الأولى، ١٤١٩هـ - ١٩٩٩م.
[٩] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٢٠/ص١٠)، الطبعة السابقة.
[١٠] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص١٧٤-١٧٥)، الطبعة السابقة.
[١١] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٢/ص١٧٥): الطبعة السابقة.
[١٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج١/ص٢٤): الطبعة السابقة.
[١٣] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٤/ص١٨٨): الطبعة السابقة.
[١٤] مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٣٧-١٣٨)، الطبعة السابقة.
[١٥] مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (ج١/ص٨٨)، تحقيق؛ أبو مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الناشر؛ الفاروق الحديثة للطباعة، الطبعة الثانية، ١٤٢٤هـ - ٢٠٠٣م.
[١٦] مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (ج2ط٢/ص٩٢)، تحقيق؛ محمد المعتصم بالله البغدادي، الناشر؛ دار الكتاب العربي، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦هـ - ١٩٩٦م.
[١٧] التهذيب في اختصار المدونة (ج٤/ص‏١٥١) - أبو سعيد ابن البراذعي (ت ٣٧٢هـ).
[١٨] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٢٠/ص٢١٣) ، الطبعة السابقة.
[١٩] مجموع الفتاوى (ج٢٥/ص١٩٤)، الطبعة السابقة.
[٢٠] الجامع لأحكام القرآن (ج١٠/ص٣٨٧)، تحقيق؛ أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر؛ دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، ١٣٨٤هـ - ١٩٦٤م.
[٢١]مجموع الفتاوى (ج٢٧/ص٣٠٨)، الطبعة السابقة.
[٢٢] إرشاد النُقاد إلى تيسير الاجتهاد ص١٨١، المحقق؛ صلاح الدين مقبول أحمد، الناشر؛ الدار السلفية، الكويت، الطبعة الأولى، ١٤٠٥هـ.
pdf