‏إظهار الرسائل ذات التسميات شبهات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شبهات. إظهار كافة الرسائل

دعوى تحالف أنصار السنة مع السعودية

دعوى متحدث باسم جماعة أنصار السنة بأنها حليفة لدولة خارجية لا تمثل الجماعة، وتعبيره بالتماهي تعبيرٌ موهمٌ لم يُوفَّق فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
دعوى متحدث باسم جماعة أنصار السنة بأنها حليفة لدولة خارجية لا تمثل الجماعة، وتعبيره بالتماهي تعبيرٌ موهمٌ لم يُوفَّق فيه.
في لقاءٍ عام، صدر عن متحدث باسم جماعة أنصار السنة ادعاءٌ لا يمثل الجماعة، وهو الزعم بأن لها تحالفاً مع المملكة العربية السعودية، وفق الله أهلها وولاة أمرها لكل خير.
فقد قال: «نحن علاقتنا معها كحلفاء»، وكرر هذا المعنى بقوله: «نحن حلفاء»، ثم قال: «الحليف ليس بالضرورة أن يكون متماهياً مع حليفه في كل سياساته».
للحكومة السودانية علاقات مميزة بالمملكة العربية السعودية، ولكنها لا ترضى بأن يتجاوز مواطنوها القنوات الرسمية في العلاقات الدولية؛ لأن في ذلك افتئاتاً على اختصاصاتها.
وتواصلُ المملكةِ مباشرٌ مع الحكومة السودانية فيما يخص الشأن السوداني، عبر التمثيل الدبلوماسي للبلدين.
ولبعض القيادات السعودية تقديرٌ خاص لبعض المواطنين السودانيين، بسبب مكانتهم المعرفية أو الدينية ونحو ذلك.
وقد توسط شيخنا الهدية رحمه الله في عهود سابقة لرأب صدع في العلاقات السعودية السودانية، وذلك بسبب مكانته عند مشايخ المملكة الذين كانت لهم منزلة عند قادتها.
فكان توسط الشيخ الهدية رحمه الله بوصف مكانته ورمزيته، ولم تكن كل جهوده بوصفه رئيساً للجماعة.
ولم يُعرف عن الشيخ الهدية رحمه الله أنه صرح بوجود تحالف بين الجماعة والدولة السعودية، حرسها الله وسائر بلاد المسلمين.
وقد صرح رحمه الله بأن تولي أفرادٍ من الجماعة مناصب سياسية عليا كان بصفاتهم الفردية، لا بوصفهم ممثلين للجماعة، وأن الجماعة ليست حزباً سياسياً.
وهو ما قرره كذلك الشيخ ميرغني عمر رحمه الله، وأكده الشيخ الدكتور إسماعيل عثمان الماحي حفظه الله.
فجماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان ليست حزباً سياسياً.
وبناءً على ذلك، فليس للجماعة تحالف سياسي مع أي دولة خارجية.
بل لا ينبغي للأحزاب السياسية كذلك إقامة علاقات سياسية مع دول خارجية أو لقاء السفراء لأغراض سياسية إلا بإذن مؤسسات الدولة المختصة.
فمثل هذه العلاقات فيها افتئات على الجهات السيادية للدولة، وقد تُعرِّض أصحابها للاتهام بالاستخبار لجهات أجنبية.
فالقول بأن للجماعة تحالف سياسي مع دولة خارجية قولٌ غير صحيح، وهو تصريح غير مسؤول، لما قد يترتب عليه من إذكاء نار الفتنة بين الجماعة والحكومة السودانية، وما فيه من تشويه لصورة الجماعة لدى عامة السودانيين.
ويزداد الإشكال بسبب أن للمتحدث تعبيراً غير موفق، وهو قوله بأن الجماعة تماهت مع الموقف السعودي في موقف الإنقاذ تجاه السعودية.
فقد كان كافياً قوله بأننا لم نرتضِ موقف حكومة الإنقاذ من المملكة العربية السعودية، وأن سياسة الإنقاذ الخارجية اتسمت بكثير من التهور وقلة الحكمة.
فتعبيره بكلمة «تماهينا» قد يستغل رغم قوله بأننا لا نتماهى وأن السعودية لا تتماهى فيما يخص الشأن السوداني، وقوله بأن الحليف ليس بالضرورة أن يتماهى مع حليفه في كل سياساته.
ولا مسوغ لإطلاق مثل هذه التصريحات، مع وضوح ما قد يترتب عليها من آثارٍ مضرة.
وقيادة الجماعة وأفرادها، باعتبارهم مواطنين سودانيين، لا يمتنعون عن الإسهام في أي عمل يخدم الشأن العام إذا رغبت فيه الدولة وكلفتهم به.
فلابد في أي عمل ذي طابع دبلوماسي من رضا الحكومة، لا مجرد معرفتها به، ويظهر هذا المعنى بالتأمل في علاقة القحاتة بالسفارات الأجنبية، فهي علاقة معروفة لدى الحكومة، ومعلوم أن الحكومة غير راضية بها.
وبذلك يُبعِد المرءُ نفسه عن الشبهات، ويقطع الطريق على المتربصين.
وقادة الجماعة وأفرادها، شأنهم شأن سائر المواطنين السودانيين، يثمنون مواقف المملكة العربية السعودية تجاه الأمة السودانية في محنتها الراهنة، ويقدرون ما تبذله من جهود في خدمة الأمتين العربية والإسلامية.
وفق الله تعالى الحكومة السودانية وحكومة المملكة العربية السعودية لما فيه خير البلدين، وخير الأمتين العربية والإسلامية.
وثمة مقال قديم له صلة بهذا الموضوع [١].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
السبت ١٩ محرم ١٤٤٨هـ، ٤ يوليو ٢٠٢٦ش
القاهرة، مصر.

مصادر ومراجع

الميل واللّددُ في تبرير الددّو

في تبرير الددو ميل ولدد، فالعربية لغة إفصاح وبيان، لا تلتبس معانيها بتداخل ضمائر ولا واو حال.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تقصير في قدر النبوّة

مع استبعاد إرادة الددو النيل من مقام النبوة فالخطأ اللفظي واضح لا تمحوه فذلكة ذكي ولا لجاجة غبي، ولا يبعد تقصيره في قدر النبوة.
وقد تأولت له بما هو خارج عن نص كلامه، وهو السهو، كقول من أخطأ من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك.
وذلك لاعتبار أنه مسلم لا يكفر إلا بيقين.
فلو حملنا كلامه على ظاهره لكان كافراً زنديقاً، لا سيما مع انتفاء الجهل عن مثله.
وهذا ليس مثل الاعتذار لابن عربي، لأنه قتل ردة، ولم يقصد بكلمة التوحيد إلا وحدة الوجود [١].
فإن مقصد الكلام يعرف بحال قائله.
بوضع كلام الددو بين "علامتي تنصيص" وكلامي بين (معقوفتين)؛ فربما أراد أن يقول التالي؛
"هذه الأمة المحمدية نكبت نكباتٍ، وهذه النكبات أنا أُقدر أنها إلى وقتنا هذا ستّ نكبات كبرى حرفتها عن مدارها.
النكبة الأولى: كانت وفاة الرسول ﷺ، والوحي أشدُّ ما يكون تتابعًا، والنبي ﷺ في أوج قوّته ونشاطه، ليس في وجهه ورأسه عشرون شعرة بيضاء، ولم يكتب لنا دستورًا (هم بكتابته فحال دونه الاختلاف واللغط)، ولم يبيّن لنا طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، ولم يعيّن لنا حاكمًا معيّنًا، وكانت أزمة ارتدّ بسببها جمهور المسلمين عن الإسلام".
وكلمتي النكبة والأزمة ربما قالهما لخطأ فهمٍ لقول ابن عباس رضي الله عنهما: (الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب ذلك الكتاب).
فربما التبس عليه معنى حديث الصحيحين؛ (هلم أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لما حُضر النبي ﷺ قال، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، قال: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده). قال عمر: إن النبي ﷺ غلبه الوجع، وعندكم القرآن. فحسبنا كتاب الله. واختلف أهل البيت، اختصموا: فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغط والاختلاف عند النبي ﷺ قال: (قوموا عني).
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم) [٢].
وليس في الحديث دلالة على نقص في التشريع بعد وفاة النبي ﷺ.
فعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن آتيه بطبق يكتب فيه ما لا تضل أمته من بعده فخشيت أن تفوتني نفسه قال قلت إني أحفظ وأعي قال أوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم) [٣].
وليس الحديث في السياسة، فقد صح أن النبي ﷺ قال: (لقد هممت، أو أردت، أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون، أو: يدفع الله ويأبى المؤمنون) [٤].
والتالي هو نصّ كلام الددو الذي ظاهره نيل من مقام النبي ﷺ:
"يجب أن ندرك أن هذه الحركات لم تنشأ عن اجتهاد فقط، وإنما نشأت عن ضرورة حصلت، لأن هذه الأمة المحمدية نُكبت نكباتٍ، وهذه النكبات أنا أُقدر أنها إلى وقتنا هذا ستُّ نكبات كبرى حرفتها عن مدارها: 
النكبة الأولى: كانت وفاة الرسول ﷺ، والوحي أشدُّ ما يكون تتابعًا، والنبي ﷺ في أوجِ قوَّته ونشاطه، ليس في وجهه ورأسه عشرون شعرة بيضاء، ولم يَكتب لنا دستورًا، ولم يبيِّن لنا طريقة اختيار الحاكم ومحاسبته وعزله، ولم يعيِّن لنا حاكمًا معيَّنًا، وكانت أزمة ارتدَّ بسببها جمهور المسلمين عن الإسلام.
فكان رجال هذه الأزمة المهاجرون والأنصار، اجتمعوا على بيعة أبي بكرٍ في سقيفة بن ساعدة، ثم اجتمعوا على بيعته في المسجد البيعة العامة، ولم يستطيعوا أن يرجعوا لنا النبوة لأنها غير مكتسبة، وقد ختمت النبوة بمحمد ﷺ، لكنهم استطاعوا أن يجدوا لنا أحسن بديل بعد النبوة، نزلوا درجة أقلَّ من النبوة، لكن هي أحسن شيء بعد النبوة، وهي الخلافة الراشدة على منهج النبوة".

تأويلات بعيدة

وقد استبعدت تعمد الددو النيل من قدر النبي ﷺ اعتباراً لحاله لا مقاله.
فلم أفهم من كلامه - بدون اعتبار حاله - غير النيل من قدر النبي ﷺ، ولذا أقحمت كلمة (هم بكتابته) في إحدى الجمل الحالية الواردة بعد كلامه في أن النكبة الأولى لنكبات حرفت الأمة عن مدارها هي وفاة النبي ﷺ.
ثم اطلعت على تعليق منسوب إليه، رأيت فيه ميلاً عن الصواب ولدداً في الجواب.
وذلك باحتجاجه بكلام لغوي لا يفهمه العوام لتبرير كلام يفهمه كل عامي.
فالعوام يفهمون العربية بسبب علاقة العامية بها، ولأنها لا تزال حاضرة في المؤسسات التعليمية والقنوات الإعلامية والخطب المنبرية.
بل اعتمدت مجامع لغوية كلمات عامية مستحدثة لتطابقها مع قواعد اللغة [٥].
جعل الددو في تبرير منسوب إليه الفضلة في أقل تركيب لغوي فضلة في كل معنى جزئي وكلي.
ولا خلاف في أن الحال فضلة، وأن واو الجملة الحالية واو حال لا عطف.
ولكن الفضلة هي ما يمكن تركيب معنى تام بدونها.
فكلمة مرَحاً حال في قول الله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرَحاً﴾.
ولا يمكن الاستغناء عنها في مثل هذه الجملة.
والعمدة ما لا يكتمل معنى بدونها (أقل ما يتألّف منه الكلام)، فلا يمكن حذفها بدون دليل عليها.
ولذا فالعمدة هي؛ المبتدأ والخبر (في الجملة الاسمية)، والفعل والفاعل ونائبه (الجملة الفعلية)، وما عدا ذلك فهو فضلة.
ولذا فإنّ فهم الددو للفضلة بأنّها ليست عمدةً في كلّ معنىً لا يصحّ، والصحيح أنّها ليست عمدةً في أقلّ معنىً مفيدٍ ممكنٍ لكلّ تركيبٍ.
وقد كانت الجمل الحاليّة في كلامه عمدةً في المعنى الكليّ لجمل كلامه.
وأمّا اللّدد في الجواب فظهر في تسفيه فهم كل من خالف قول الددو ورد عليه بمن فيهم المخاطبون بعبارة "علماءنا الكرام".
فمما نسب إلى الددو قول: (فمن كان من أهل اللغة العربية يعرف أن الحال فضلة، وهي ما يسوغ حذفه من الكلام لغير دليل، ومن لم يميز بين الواو العاطفة وواو الحال ظن أن الجمل الحالية معطوفة على وفاة رسول الله ﷺ، وحينئذ يلقي الشيطان في ذهنه أن هذه الأحوال عمدة لا فضلة).

تصحيحه لكلام البوصيري

ما سبق ذكرني تأويل الددو كلام البوصيري لتصحيحه لا للاحتياط في تكفيره.
والبيت الذي أوله لا يفهم منه بذاته (بدون اعتبار حال قائله) غير أنه خطاب للنبي ﷺ، وهو قوله: فإن من جودك الدنيا ... إلخ.
فقد قال البوصيري في البردة:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به # سواك عند حلول الحادث العمم
ولن يضيق رسولَ الله جاهك بي   #   إذا الكريم تجلى باسم منتقم
فإن من جودك الدنيا وضرتها    #    ومن علومك علم اللوح والقلم
ولو قال أنه التفات لكان أقرب إلى تسلسل الكلام من قوله تداخل ضمائر.
فيمكن أن يقال مراد البوصيري الالتفات للاحتياط في تكفيره لا أنه التفات صحيح.
فالخطأ المتعلق بأصل الدين لابد من بيانه وإنكاره.
فلا يصح في الفصحى التفات من ضمير غائب إلى ضمير مخاطب إذا التبس بضمير آخر في السياق.
فقوله "جاهك"؛ خطاب للرسول ﷺ، وبعد "تجلّى" ضمير مستتر عائد للكريم سبحانه وتعالى.
فالصحيح أن يقول بعده بدون التفات؛ فإن من جوده الدنيا ... إلخ.
فالالتفات الصحيح لا يلبس المعنى، بل ينشط الذهن ويكسر الملل، وتصحبه فوائد أخرى عادة.
مثل فائدة الوعيد في قول الله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولداً (۸۸) لقد جئتم شيئاً إدّاً﴾.
فهذا التفات من غيبة إلى خطاب يزيد الكلام فصاحة وتأثيراً.
وقبل هذا يجب بيان بطلان اللوذ بالنبي ﷺ طلباً للشفاعة.
فشراح البردة يقولون بأن الحادث العمم مراد به يوم القيامة.
والشفاعة تطلب من مالكها الذي لا تنفع عنده إلا بإذنه.
قال الله تعالى: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون (٤٣) قل لله الشفاعة جميعاً له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون﴾.
وبدلالة السياق يجوز عود الضمير إلى مذكور بعيد.
وقول الله تعالى: ﴿لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلاً﴾ كلام فصيح.
لأن الضمير في تعزروه وتوقروه عاد إلى المضاف (رسول)، وكرر الضمير المضاف إليه (الهاء في رسوله) في؛ تسبحوه.
فدلالة السياق هنا هي ترتيب الضمائر وجواز أن يعود الضمير إلى المضاف وأن يعود إلى المضاف إليه والوقف الجائز قبل وتسبحوه.
فهو كقول؛ لتؤمنوا بالله ورسول الله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه.
والوقف استئناف، فيعود ما قبله إلى الرسول ﷺ وما بعده إلى الله تعالى، وتعود كلها إلى الله تعالى عند الوصل.
ومن عود الضمير إلى المضاف قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
ومن عود الضمير إلى المضاف إليه قول الله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾.
وكذا فليتأمّل تعدّد الضمائر في قول الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾.
فدلالاتها كلها فصحى.
فبعضها يعود إلى أقرب مذكور، وما يعود منها إلى مذكور بعيد يدل السياق على معناه مثل ﴿لنريه﴾، وأما ﴿إنه﴾ فهو مثل الآية السابقة في الاستئناف والضمير المضاف إليه في ﴿عبده﴾.

عناية الإعلام الحركي بالددو

كنت قد كتبت في مقال في التحذير من برنامج لأحمد السيد بتاريخ ٢٠ يناير ٢٠٢٤ش [٦]  في مذهب الددو: "وهذا ذكرني دفاع بعض إخواننا عن الددو - ربما نكاية أو عدم ثقة في مزمل فقيري - فترة من الزمن حتى ظهر أنه أشعري متصوف، وكنت أقول وقتها لمن يسألني عنه؛ لا أطمئن لعناية الإعلام الحركي بإظهاره مع وجود من هو أعلم منه في بلاد شنقيط".
وفي الحركيين التكفيري والمرجيء والأشعري والسلفي (في الأسماء والصفات) والصوفي والسني (في البعد عن بدع العبادات) والعصراني المتوسع في الاجتهاد والمتمذهب المقلد.
فحركيو مصر يميلون للعصرانية، وحركيو المغرب العربي وبلاد العجم يميلون للتمذهب وتبعهم بعض حركيي الخليج.
ومن فوائد التأني غلق باب استعطاف الناس، كما حدث لما قيل في سيد قطب أنه يجوز لغير الله أن يشرع، حتى دافع عنه مثل بكر أبو زيد رحمه الله بما لا ينبغي.
وأنقل [٧]  في هذا التالي؛
في الطبعة الأولى من كتاب "منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل"؛ قال الشيخ ربيع عن سيد قطب: (رجع إلى عين منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله).
وقد حُذفت هذه العبارة وتقريظ الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق اليوسف في طبعات لاحقة.
تعجبتُ وقتها في مدح سلفي سيد قطب بهذه الطريقة، فهو لم يرجع لدعوة التوحيد والسنّة، ولعلي قرأت الكتاب عام ١٤٠٨هــ - ١٩٨٨م، ولم أسمع قبل ذلك بالشيخ ربيع.
ومع هذا استنكرت قول المدخلي رحمه الله فيما بعد وأنا طالب في المدينة عن سيد قطب أنه يجيز لغير الله أن يشرع مع علمي بأن له كلاماً في الاشتراكية.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأربعاء ٩ ربيع الثاني ١٤٤٧هـ، ١ أكتوبر ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. العذر بالجهل ومجمل الإيمان.
٢. البخاري (٧٣٦٦)، ومسلم (١٦٣٧).
٣. أحمد شاكر؛ إسناده حسن، تخريج المسند (ج٢/ص٨٤).
٤. البخاري (٧٢١٧)، ومسلم (٢٣٨٧).
٥.  مواطن، إحداث لغوي حسن.
٦. يطلب العلم من المعروفين.
٧. الإخوان بين اليوسف والمدخلي وأنصار السنة.

تعاون أهل الأديان وشيخان عَلَمان

التعاون مع غير المسلمين في الجانب الإنساني مع التمايز العقدي هو ما كان باسم قضية إنسانية لا باسم تعاون أهل الأديان، وسبب التشاحن مخالفة الشرع، والتأمل بعد مضي زمن الفتنة أدعى للاتعاظ والتوسط.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

التعاون بلا تهاون لا يوقع التشاحن

هذا المقال لبيان عظم خطأ طريقةٍ في التعاون مع المخالفين مع التأكيد على وجوب حفظ قدر الفضلاء أحياءً كانوا أو أمواتاً.
فالخطأ الكبير من الكبير صغير.
فأهل بدر غفرت لهم كبائر ذنوبهم بحسناتهم، فكبائرهم مثل صغائر غيرهم، قاله ابن تيمية رحمه الله.
للتوضيح بمثال فإن حديث حلف الفضول لا يدل على جواز التعاون تحت شعار تعاون المسلمين والمشركين، وإنما يدل على جواز التعاون مع مشركين تحت شعار الخير المتعاون عليه، وكان حلف الفضول قبل الإسلام.
اطلعت على أشد عبارة منتقدة على وثيقة لحوار الأديان، فلم أجد فيها دعوة لوحدة الأديان، بل فيها تصريح بالتمايز العقدي.
وخطأ العبارة في الوثيقة المشار إليها هو في الدعوة للتعاون تحت شعار تعاون أهل الأديان لا شعار الجانب الإنساني المتعاون عليه.
وهو مزلق خطير، لا سيما وأن الرسالة خرجت بتوصيات عديدة منها إنشاء مراكز وعقد مؤتمرات بغرض هذا التعاون الإنساني تحت شعار حوار الأديان والتعاون بين أهلها!
فبعض هذه المراكز في دول الكفر وتحت رعاية صهيونية وماسونية مباشرة، وهي تستغل لاستدراج المسلمين بإضعاف الولاء والبراء ثم الدعوة إلى وحدة الأديان.
وهذا أمر دقيق، ولكن لابد من التنبه والتنبيه إليه دون تهويل بغرض التنفير من الخطأ ذاته فضلاً عن الاعتداء على من أخطأ بالثناء أو التوقيع.
ومع التماس العذر لمن أخطأ في توقيعٍ على وثيقة أو ثناءٍ عليها، لابد من التنبيه إلى خطورة الأمر ومكر الأعداء واستدراجهم المسلمين بما هو معلوم بدءً بإضعاف الولاء والبراء وانتهاءً بوحدة الأديان.
والمقصود ألا يتبع الناس فضلاءهم فيما أخطؤوا فيه.
قال ابن القيم رحمه الله: (من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت، وكان له في الإسلام تأثير ظاهر، فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره؛ فإن المعصية خبث، والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث يقع فيه. ومن هذا قول النبي ﷺ لعمر: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم») [١].
ولكن الأمر في ذاته خطير، لأنه يخدم الماسونية والصهيونية وإن أراد به بعض خيراً.
فالجائز هو التعاون في الجانب الإنساني تحت شعار ذاك الجانب الإنساني لا تحت شعار تعاون أهل الأديان ولا شعار حوار الأديان الخداع.
قال ابن القيم رحمه الله: (ومنها: أن المشركين وأهل البدع والفجور والبغاة والظلمة إذا طلبوا أمراً يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مرض له، أجيب إلى ذلك كائناً من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه) [٢].
والمخالفات الشرعية والإصرار عليها هي سبب التشاحن والتباغض.
قال الله تعالى: ﴿ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظاً مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون﴾.

رسالة عمّان والشيخان العَلَمان

دراسة ما وقع بين الشيخين ربيع والحلبي حول رسالة عمّان بعد مضي زمن فتنتها أدعى للاتعاظ والتوسط.
من أسباب الفتن بين بعض دعاة السنة الجهل بوجوب احتمال المخالفات العقدية الفرعية أو الجزئية الخفية على من لهم فضل لا سيما زمان غربة السنة [٣].
وفي معرفة ما دار في الساحة الدعوية بدون جدل فوائد علمية ومواعظ تربوية.
ولذا وضحت تحت هذا العنوان ما أجملته فيما سبق.
اسم وثيقة حوار الأديان (رسالة عمّان) يوحي بمكان فعالياتها.
وقد قيل بأنه وقع عليها وزراء الشؤون الدينية للدول العربية.
وكان الشيخ صالح آل الشيخ وزيراً للشؤون الإسلامية في المملكة العربية السعودية حفظ الله قادتها ومواطنيها والمقيمين فيها.
كانت رسالة عمّان أبرز أسباب فتنة حدثت بين الشيخين ربيع والحلبي رحمهما الله ومن تحزب لهما بصفة عارضة أو دائمة.
يقال أن المدخلي رحمه الله قال؛ إذا لم يكن الحلبي مبتدعاً، فلا أعرف مبتدعاً على وجه الأرض.
ولعل الخلاف بينهما بدأ سنة ٢٠١٠ش.
كان الحلبي رحمه الله قد أثنى على رسالة عمّان في خطبة جمعة حضرها ملك الأردن حفظه الله.
وقد طلب منه إلقاء الخطبة قبلها بساعات، فقد كان خارج المملكة الأردنية قبل ذلك، حفظ الله قادتها ومواطنيها والمقيمين فيها.
كان المدخلي رحمه الله يقول بأن في رسالة عمّان دعوة إلى وحدة الأديان والتقارب بينها، وهي محذورات في المآل بأمارة في الحال تحقق بعضها.
وكان الحلبي رحمه الله ينفي ذلك، وهو صحيح باعتبار الحال لا المآل.
أمارة المآل هي شعار التعاون، فالتعاون المشروع يكون تحت شعار الخير الذي يجوز معاونة كفار فيه لا شعار تعاون أهل الأديان.
وقد لا يكون في نصوص رسالة عمّان خطأ غير شعار التعاون.
وقد ظهرت أخطاء محذورة في مقالات صحفية وشروحات وخطابات ومقابلات.
من حجج الحلبي رحمه الله ومن تحزب له؛ تبديع من وقع على رسالة عمّان أولى من تبديع من أثنى عليها.
وادعى بعض أن الشيخ صالح آل الشيخ والمنيع وقعا على رسالة عمّان، وأن مفتي السعودية السابق أثنى عليها.
وفيما سبق بيان وجوب التماس العذر للعلماء مع الحذر من زلاتهم.
كان موضوع رسالة عمان شغلاً شاغلاً، أضاع أوقات كثير من الصغار والكبار.
وكنت أحاول معرفة حقيقة الخلاف فأضطر للإعراض بسبب كثرة الردود الصوتية والمرئية والمكتوبة.
عرض بعض من تحزب للمدخلي رحمه الله نصاً من رسالة عمّان على الشيخ عبدالمحسن العباد حفظه الله، فانتقده، والجواب المباشر قد يعتريه نقص في بيان وجه الخطأ.
والحزبي يجعل ما يوافق هواه من كلام العلماء كالوحي المنزل.
وقد قيل بأن ما عرض على الشيخ العباد هو أشد نص منتقد على رسالة عمّان، وهو؛ (أصل الديانات الإلهيّة واحد، والمسلم يؤمن بجميع الرسل، ولا يفرّق بين أحد منهم، وإنّ إنكار رسالة أي واحد منهم خروج عن الإسلام؛ مما يؤسس إيجاد قاعدة واسعة للالتقاء مع المؤمنين بالديانات الأخرى على صعد مشتركة في خدمة المجتمع الإنساني؛ دون مساس بالتميّز العقدي والاستقــلال الفكري).
كان المدخلي ينسب إلى الحلبي رحمهما الله الدعوة إلى وحدة الأديان والتقارب بينها رغم أن الحلبي قد تبرأ من هذا القول الكفري عدة مرات.
وهذا حكم بلازم القول الذي قد يغفل عنه صاحبه.
وكانت للمدخلي رحمه الله قواعد في فهم كلام الناس، أرجو أن يكون قد تراجع عنها، منها؛ لا يحمل متشابه على محكم إلا في النصوص الشرعية.
وقد لا يكون الحلبي رحمه الله مصيباً في تكرار تأكيد الثناء العام (دون المضامين) على أصل رسالة عمّان في عدة مناسبات وبلدات، وتقرير أنها أمرٌ واقع ما له دافع، والاحتجاج بمثل؛ لماذا تتكلمون علي ولا تتكلمون على فلان وفلان من مشايخ بلدكم.
إذ لا يبعد أن يكون المدخلي رحمه الله قد نصح الجميع سراً أول الأمر.
وقيل بأن الحلبي رحمه الله سلم بأن رسالة عمّان حمالة أوجه، وأنهم يبينون هذا عند تدريسها اللازم.
وكان الحلبي قد تأثر بآراء للمدخلي رحمهما الله ثم تراجع عن بعضها.
وكان موقفه مع المخالف معتدلٌ، مع ملاحظة أن إطلاق القول باشتراط إقامة الحجة للتبديع خطأ بين [٤].
وربّما توسّع الشيخ المأربيّ في تطبيق هذا القول خلافاً لما ظنّه الشيخ مشهور حفظه الله [٥] .
وقد أثر هذا في محبين للحلبي والمأربي فتَسَوْرروا [٦].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
الإثنين ٢٦ محرم ١٤٤٧هـ، ٢١ يوليو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

المتسَوْرِرون وأصحابهم الأوّلون

إذا كان المُتَسَوْرِرون صادقين فلماذا يركزون على الأهواء والاختراقات الاستخبارية في بعض دون آخرين؟
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
لم أذكر أسماء أشخاص ولا هيئات للوقوف عند المسميات قبل الأسماء، والمعاني قبل الأشكال والمباني.
ولأن ذكر الأسماء والهيئات يكدر المعاني عند المتعصبين والعاطفيين ومن يسيء الظن بغرض الكاتب.
الأهواء والاختراقات الاستخبارية لا يخلو منها مجتمع بما في ذلك المجتمعات الأسلمية (التي تدعو لأسلمة الحياة).
فلماذا يركز المتسوررون على مجتمعات أسلمية دون الأخرى؟
وبعضهم يتميّزون بصراحة وجرأة.
والناس عامة والسودانيون خاصة يحبون الرجل الصريح الجريء.
والعاطفيون مع جهلهم لا يفرقون بين الجرأة في الحق والجراة على الباطل إذا رأوا في صاحبها جرأة في بعض الحق.
وقد تضررت البلد والدعوة كثيراً من الاندفاع والتهور دون حكمة ولا مراعاة للمصالح والمفاسد.
فماذا يستفيد المتسوررون من الطعن في جماعة خاصة ومن على نهجها عامة باتهامهم بتبعية استخبارية لدولة أجنبية!
فالمجتمعات المعتدلة لا تخلو من أهواء واختراقات أصالةً أو استدراجاً لمرضى القلوب وضعاف النفوس.
بل إنّ وجود نفاق في غيره المدينة من المجتمعات الطاهرة من باب أولى.
وتبعية استخبارات دول عربية مسلمة لا تعدُّ من النفاق الأكبر، ولكنّها من أمراض القلوب المهلكة للفرد المضرّة بالأمة التي لا ينبغي التساهل في أمرها والتهاون في استئصالها.
وما فائدة تضخيم ظواهر لا يخلو منها مجتمع؟ وهي ظواهر لا يكتشفها إلا القلة النادرة من المراقبين العقلاء، وما فائدة إشاعتها وذكرها لمن لا يستطيع التحقق منها فضلاً عن معرفة مقدارها إن وجدت؟!
وإذا صحّ أنّ بعض من حرفته السياسة الحزبية خاصة وغير الشرعية عامة ممن يدعي نصر السنة يرى جواز عقد اتفاقات دبلوماسيّة حزبية مع دول أجنبية عربية، فمن أين أتوا؟
أليس من قول زعيم أسلمي؛ لن يتحقق نجاح سياسي بدون علاقة بدولة خارجية؟
وأيهما أقبح التعاون غير الشرعي مع دولة فارسية رافضية أم التعاون غير الشرعي مع دولة عربية سنية؟
فمن ينحاز لهم المتسوررون تعاونوا تعاوناً غير شرعي مع دولة رافضية غير عربية قبل وصولهم للسلطة.
بل لم يصلوا للسلطة إلا بمثل هذا التعاون غير الشرعي كما صرح بما يدل عليه زعيمهم.
غير أنّ التهوّر والغلوّ في الانتصار للنفس يوردان الرجل موارد التهلكة.
وسبب ما في المتسوررين من غلو تعصبهم لشيخ لهم اختلف مع شيخه وشيخهم القديم [١].
ولذا يركزون على الطعن في شيخهم هذا وكأنهم لم يكونوا مقلدين له فيما كان سبباً لفتن دون قصد.
وأهل السنة أهل وسط واعتدال، يلتمسون العذر له، ولا ينكرون صوابه وجهوده، ولا يتعصبون له ولا لأقواله، ولا يجعلونه إماماً.
وظني به أنه لو علم بالمعاينة لا الخبر ما أحدثه بعض من ينتسب إليه لا سيما في بلاد الكفار، لكان إنكاره عليهم بأشد مما قاله في بعضهم [٢].
قال ابن تيمية رحمه الله: "وإذا كان الغلط شبراً صار في الأتباع ذراعاً ثم باعاً، حتى آل هذا المآل، فالسعيد من لزم السنة" [٣].
وأهل الزيغ والضلال يعادونه بسبب ردوده على أهل البدع والأهواء والتحزب والمجاملة في الدين.
أعاذنا الله وسائر إخواننا من الاندفاع والتهور والغلو في الانتصار للنفس وآثار مرضى القلوب والمخترقين والمنافقين.
وإذا سألت عن معنى المتسورِر، فهو من صار سروريّاً حقيقةً أو ادعاءً أو مجاملة.
وإذا سألت عن معنى كلمة سروري، فأعني به من يتعصب للآراء التي كان يتبناها رجل اسمه محمد بن سرور زين العابدين.
وهي آراء تعد من قبيل الزلات والفلتات في حق من لا يتعصب لها، ولا يوالي ويعادي عليها، ولا يفرق بها جماعة المسلمين.
ويُعد من أهل البدعة والفرقة؛ من جعل مخالفته في أحد فروع المعتقد أصلاً عظيماً، يوالي عليها ويعادي، ويفرق بها جماعة المسلمين، ويكفرهم بمخالفتها، ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، كما تفعل الخوارج [٤].
وقد كان منشأ بدعة الخوارج التعصب لرأيهم السياسي الرافض للتحكيم حتى جعلوه مخالفاً لأصل الدين وهو التوحيد، فقالوا لا حكم إلا لله.
فتأول الخوارج أوّلاً ثم أصروا فوقعوا في الكفر بتحريم ما أحل الله (التحكيم) فحكموا بغير ما أنزل الله، وكل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
وحول اشتقاق متسورر من كلمة سروري أنقل التالي [٥]؛
السين والتاء في استفعل تعني الطلب كاستعان بمعنى طلب العون.
وتعني التحول الحقيقي كاستحجر بمعنى صار حجراً.
وتعني التحول المدعى والمجازي كاستنسر البغاث، واستنوق الجمل، واستتيست العنز.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ١٥ محرم ١٤٤٧هـ، ١٠ يوليو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. تعاون أهل الأديان وشيخان عَلَمان.
٢. الإخوان بين اليوسف والمدخلي وأنصار السنة.
٣. بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة والباطنية (ج١/‏ص٤٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. الغلو في التبديع.
٥. المحاسن في إحداث كلمة مواطن.

فتح الودود في خبر يأجوج ومأجوج

 يأجوج ومأجوج هم أكثر الأمم لا الناس عدداً، ولا دليل على أنّ سد ذي القرنين حجبهم عن أكثر من إضعاف قدرتهم على الإفساد، والثابت في السدّ أنّه يتآكل بسببٍ لا نعلمه حتى ينهدم.

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
هذا المبحث لرد طعن الملاحدة في الإسلام بفهم أن أكثر من ٩٩٪ من البشر مختفون.
وقد استفدت فيه من بعض كلام الشيخ السعدي رحمه الله.
وفي إطلاق القول بأنه تراجع نظر، فكلامه في التفسير لا يناقض كل ما قرره في رسالته في يأجوج ومأجوج، وقد طبعت مع رسالة أخرى بعنوان؛ فتنة الدجال ويأجوج ومأجوج.
ومثله يُعذر، ولا يُوافق من شنّع عليه، لكونه عالم سني متمسك بالنصوص مع نيته الحسنة، نحسبه.
فهو ممن اعتنى بالرد على الملاحدة.
خلافاً لمن يتكلم بغير علم أو يتأول عادةً متبعاً هواه، فهذا قد يُضل عن الصواب عقوبةً حتى ولو كانت نيته الدفاع عن الدين.
ولم يوافق المحققون من العلماء ابن كثير رحمه الله في طريقة تضعيفه حديث حفر يأجوج ومأجوج سد ذي القرنين.
فنكارة متنه بمخالفة ظاهر القرآن غير بينة، لاحتمال أن نفي استطاعة يأجوج ومأجوج نقب السد خبر عن أمرٍ مضى.
ولا يصح بعد تقرير قوة سنده القول بأن في رفعه خطأ وأنه مما نقل عن كعب الأحبار (يعني أنه من الإسرائيليات).
والصحيح فيه أنه ضعيف سنداً، وفيه نكارة بمخالفة صحيح السنة التي فيها أن السد فُتح بقدر قليل، وذلك لأن فيه أن الله يعيده أشد ما كان.
خلاصة قول السعدي رحمه الله في يأجوج ومأجوج (ما لم يتراجع عن بعضه) هو أنّ السدّ اندكّ ولو لم نره، وأنّهم خرجوا وتزاوجوا مع الأمم الكافرة، وأنّهم يشملون الروس والأمريكان والأوروبيّين إضافة للمغول والصينيّين، وأنّ إفساد يأجوج ومأجوج آخر الزمان قد يكون بما عند هذه الأمم من تقنيات عرف بعضها في زماننا.
ولا شك أنّ في هذا القول نظر، لأنّ من يقرأ النصوص يفهم منها أنّ إفسادهم الكبير يكون بالتزامن مع انهدام السدّ، بل يفهم أنّ السدّ يحول بينهم وبين إفسادهم الكبير هذا.
والنسب بالآباء فقط خلافاً للرحم فهو من جهة الآباء والأمّهات، فمجرّد التزاوج لا يجعل هذه الأمم منتسبةً ليأجوج ومأجوج.
التالية أخطاءٌ شائعةٌ في يأجوج ومأجوج؛
١. من الأخطاء الشائعة؛ الظن بأنهم محجوبون عن باقي البشر وعن كل إفساد.
والنصوص تدل على أنهم حجبوا عن إفسادين لا غير؛ الإفساد الكبير الذي يحدث آخر الزمان، وإفسادهم المتكرر قبل سد ذي القرنين في جيران لهم.
٢. ومن الأخطاء الشائعة؛ الظن بأن نسبتهم هي الأعلى من مجموع البشر.
وهذا الفهم لا دليل عليه، وقد تدل النصوص على أنَّهم أكثر الأمم مقارنةً بكلِّ أمَّةٍ منفردةٍ.
فرق بين أن تذكر ٩٩.٩٪ من زيت معين وأن تذكر النسبة نفسها من لبن معين.
فللنسبة المكرّرة في الحديث (٩٩٩ من ١٠٠٠ <٩٩.٩٪>) معنيان مختلفان في كلِّ مرّة؛ الأوّل: نسبة أهل النار من مجموع بني آدم، والثاني: نسبة يأجوج ومأجوج في النار من مجموع من في النار منهم ومن هذه الأمة.
٣. ومن تلك الأخطاء؛ الظنّ بأنّ ما ورد في محاولاتهم المستمرّة لحفر السدّ ثابتٌ يقيناً.
الثابت في السنّة هو تآكل السدّ بسببٍ غير معلومٍ، وأّما ما ورد في محاولة حفرهم السدّ، فالراجح أنّه ضعيفٌ سنداً منكرٌ متناً.
فليس في النصوص ما يدلّ على أنّ يأجوج ومأجوج يخطِّطون كلّ دهرهم للإفساد الكبير ولا أنّهم يحاولون حفر السدّ.
ورد في السنَّة تسميته سدَّاً وردماً.
والآيات والأحاديث الثابتة تدلّ على أنّه حجب قدرة يأجوج ومأجوج على إفسادين؛ الإفساد في أمّة تليهم، وإفسادٌ كبيرٌ يحدث آخر الزمان بعد انهدام السدّ.
وقد أفسد المغول فساداً كبيراً دون فساد آخر الزمان.
وليس في النصوص ما يدل على أنه حجبهم عن مطلق الإفساد فضلاً عن حجبهم عن بقية البشر.
يؤكِّده أن خروجهم آخر الزمان يكون من خلال مكان السدِّ وغيره.
لقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
فالحدب هو الجانب المرتفع، و ﴿كُلِّ حَدَبٍ﴾ إشارة إلى الكثرة.
و ﴿يَنْسِلُونَ﴾ تعني يخرجون مسرعين.
و ﴿فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ تعني فتح سدهم.
يتأكد هذا المعنى بالأحاديث وآيات سورة الكهف؛ ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾.
ويتأكد أن خروجهم من خلال مكان السد وعدة أماكن مرتفعة بآيات سورة الكهف.
فهي تدل على أن سد ذي القرنين بين جبلين على جانبيهما سدان (سلسلتان جبليتان)؛ ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾.
﴿سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾، يعني جانبي الجبلين.
﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾.
﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾.
ومعنى يظهروه؛ يرتقوه.
وقد يكون هذا بسبب أن جوانبه مستوية.
وهذا لا يعني أنّهم لا يستطيعون صعود الجبال التي تحيط بالسد والخروج من خلالها بطريقة لا تؤثر في الحرب.
فقد يكون صعودها وعراً على الناس فضلاً عن الخيول.
فيبدو أن مكان السد (بين الصدفين) هو منفذ خروجهم بأعداد كبيرة في الخطط الحربية.
وربّما كانت الجبال التي حول الصدفين تعينهم في حماية جنودهم الخارجين من بينهما، وذلك بالرمي من أعلى.
والرمي من أعلى أبلغ، كالرمي بالطائرات.
ولذا نهى النبي ﷺ الرماة عن مغادرة جبل أحُد، وقال: (ألا إنّ القوة الرمي).
النصوص تدل على أن يأجوج ومأجوج هم أكثر الأمم عدداً مقارنة بكل أمة منفردة.
وليس فيها ما يدل على أن نسبتهم هي الأعلى من مجموع الناس.
وسبب التباس الأمر على بعض إضافةً إلى الإسرائيليات هو ظنهم أن للنسبة المكررة في الحديث (٩٩٩ من ١٠٠٠) معنىً واحداً في المرتين، وهذا خطأ بين.
في الحديث المتفق عليه؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا آدم، يقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادى بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثاً إلى النار، قال: يا رب وما بعث النار؟ قال: من كل ألف أراه قال: تسعمئة وتسعة وتسعين، فحينئذ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٞ﴾ فشق ذلك على الناس حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي ﷺ: من يأجوج ومأجوج تسعمئة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض) [١].
ولولا اختلاف معنى ذات النسب العدديّة في المرّتين للزم أنّ الجنّة خاصّةٌ لهذه الأمّة والنار خاصّةٌ بيأجوج ومأجوج، وهذا لازم باطل مخالفٌ للنصوص والإجماع.
فقد قال النبي ﷺ في المرة الثانية: (من يأجوج ومأجوج تسعمئة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد).
فللنسبة المكررة (٩٩٩ من ١٠٠٠) أو قل (٩٩.٩٪) معنيان مختلفان في كل مرة.
فهي في المرة الأولى نسبة أهل النار من مجموع بني آدم، فتشمل هذه المرة جميع أهل النار من يأجوج ومأجوج وهذه الأمّة وسائر الأمم.
وهي في المرة الثانية نسبة أهل النار من يأجوج ومأجوج فقط مقارنة بمجموع أهل النار منهم ومن هذه الأمة فقط.
والنسبة غير المنصوص عليها في المرة الأولى لأهل الجنة (١ من ١٠٠٠) أو قل (٠.١٪) تشمل في هذه المرة المؤمنين من قوم يأجوج ومأجوج.
وذات النسب العددية لا تشمل في المرة الثانية أهل الجنة ولا الأمم الأخرى غير يأجوج ومأجوج وهذه الأمّة.
والنص على النسبة المقابلة (٠.١٪) في المرة الثانية لتأكيد أن معنى النسب العددية في هذه المرة مختلف عن معناها في المرة الأولى، فالنبي ﷺ أوتي جوامع الكلم.
ولتأكيد أن النسب هذه المرة لا تشمل كل الأمم قال بعدها: (ثم أنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض).
ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث أبى هريرة رضي الله عنه الذي فيه أن نسبة أهل النار من مجموع البشر ٩٩٪ (٩٩ من ١٠٠).
أخرج البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (أول من يدعى يوم القيامة آدم، فتراءى ذريته، فيقال: هذا أبوكم آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فيقول: أخرج بعث جهنم من ذريتك، فيقول: يا رب كم أخرج؟ فيقول: أخرج من كل مئة تسعة وتسعين، فقالوا: يا رسول الله، إذا أخذ منا من كل مئة تسعة وتسعون، فماذا يبقى منا؟ قال: إن أمتي في الأمم كالشعرة البيضاء في الثور الأسود) [٢].
فالنسبة هنا قد تكون تقريبيّة.
يؤكده أنه قد ورد في رواية أن النسب في المرة الثانية؛ ألف من يأجوج ومأجوج وواحد من هذه الأمة.
وقلة عدد الناس في هذه الأمة مقارنة بالأمم السابقة يؤكد ما توصلت إليه دراسات حديثة من طول عمر بني آدم [٣].
فإن قال قائل؛ من أين فهمت أنّ يأجوج ومأجوج داخلين في نسبة أهل الجنة (١ من ١٠٠٠) أو قل (٠.٠١٪)؟ فالتالية أسباب؛
١. النصوص صريحة في أنّ نسبة الواحد من الألف هذه لا يمكن أن تكون خاصّة بهذه الأمة، وإلا خرج من أهل الجنّة الأمم السابقة بمن فيهم الأنبياء والمرسلين.
٢. ما من أمّة إلا خلا فيها نذير، فلابدّ أن يكون هذا النذير من أهل الجنّة.
٣. إذا كان يأجوج ومأجوج هم الصينيّون والمغول، ففيهم مسلمون.
٤. استخرج معاصرون بشارات بالنبي ﷺ من كتاب بوذا، مما يشير إلى أنّه رسول أو أحد أتباع الرسل، وغالب الصينيّين بوذيّين.
يُفهم من الآيات والأحاديث الثابتة أن السد يتآكل ثم ينهدم آخر الزمان بسبب لا نعلمه.
قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾.
وقال: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾.
وعن زينب بنت جحش رضي الله عنها أنها قالت: (استيقظ النبي ﷺ من النوم محمراً وجهه يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه. وعقد سفيان تسعين أو مائة، قيل: أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث) [٤].
وأمّا الحديث الذي فيه أنّ يأجوج ومأجوج يحفرون السدّ بعد محاولاتٍ فاشلةٍ مستمرّةٍ، فضعيفٌ سنداً منكرٌ متناً.
وهو؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (إن يأجوج، ومأجوج يحفرون كل يوم، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا فسنحفره غداً، فيعيده الله أشد ما كان، حتى إذا بلغت مدتهم، وأراد الله أن يبعثهم على الناس، حفروا، حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس، قال الذي عليهم: ارجعوا، فستحفرونه غداً، إن شاء الله تعالى، واستثنوا، فيعودون إليه، وهو كهيئته حين تركوه، فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون الماء، ويتحصن الناس منهم في حصونهم، فيرمون بسهامهم إلى السماء، فترجع عليها الدم الذي اجفظ، فيقولون: قهرنا أهل الأرض، وعلونا أهل السماء، فيبعث الله نغفاً في أقفائهم، فيقتلهم بها) [٥].
مدار الحديث على قتادة عن أبي رافع، وقتادة مدلس لا يصح حديثه بدون تصريح بالسماع.
قال المعلمي رحمه الله: (فلم يثبت تصريح قتادة في هذا بالسماع، فلم يصح الخبر عن أبي رافع) إلى قوله: (فلم يصح عن النبي ﷺ، ولا ندري ممن سمعه قتادة) [٦].
وقدبيّن المعلّمي أنّ ما ورد من تصريح قتادة بالسماع جهلٌ من بعض طابعي سنن ابن ماجة وخطأٌ من ابن المُذْهَب راوي المسند عن القَطِيعي عن عبد الله بن أحمد.
وأمّا نكارة المتن فلما ورد فيه من أنّ السدّ يعود أشدّ ما كان، لمخالفته ما صحّ من أنّه فُتح بقدرٍ قليلٍ.
وعليه فليس في النصوص ما يدلّ على أنّ يأجوج ومأجوج يخطِّطون كلّ دهرهم للإفساد الكبير ولا أنّهم يحاولون حفر السدّ.
لا إشكال في عددهم الكبير آخر الزمان الذي معه تجف بحيرة طبرية من شربهم.
فأعداد البشر تتضاعف بمرور الزمن.
وليس ثمة ما يمنع من أن تكون الساعة بعد آلاف السنين.
وقد سمعت في وثائقية إنجليزية أن الصحراء تعود رياضاً كل عشرة آلاف سنة، وأن آخر مرة كانت كذلك قبل حوالي خمس إلى ست آلاف سنة.
فإن لم يتغير نمط دورات المناخ القصيرة نسبياً بما لا نعلم، فقد تعود الصحراء رياضاً بعد حوالي أربع آلاف سنة.
وقد قال النبي ﷺ: (لا تقوم الساعة حتى تعود أرض العرب مروجاً وأنهاراً) [٧].
وبذوبان الجليد في القطبين تتسع المساحات الصالحة لسكنى الناس لتشمل قارة أنتاركتيكا وغيرها.
قال رسول الله ﷺ: (ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون: لقد كان بهذه مرة ماء) [٨].
وهذا يذكرني بما ثبت من أن طول آدم عليه السلام ستون ذراعاً [٩].
فهو مما يشكك به الملاحدة في الإسلام، وهو في الواقع من دلائل النبوّة لاتساقه مع قلة هذه الأمة نسبة لباقي الأمم، ولدلالة هذا على طول عمر البشرية الذي يتسق مع نسبة تناقص أطوال البشر [٩].
النصوص صريحة الدلالة على أن يأجوج ومأجوج من بني آدم.
ومن كثرة عددهم وصفاتهم الواردة في السنة يمكن تحديدهم من بين الأمم المعروفة اليوم.
فيأجوج هم الصينيون، وقد يلحق بهم الكوريون واليابانيون والتايلنديون والفليبينيّون.
ومأجوج هم المغول (أهل منغوليا).
ومن له اطّلاع على كلام المختصين في اللغات يرى العلاقة بين كلمة المغول ومأجوج.
والصين باللغة الصينيّة؛ جونغوا (جونغ غوا)، ومخرج كلمة جونغ قريب من غوغ، ويأجوج ومأجوج بالإنجليزية غوغ ومغوغ (غ = g).
ولا شك أن في الصينيين والمغول مسلمون خيرون.
فإفساد يأجوج ومأجوج الوارد في النصوص قد يكون بسبب شدة بأس في عامتهم يستغله بعض قادتهم في زرع الشر في نفوس جنودهم.
ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى.
عن ابن حرملة عن خالته قالت: (خطب رسول الله ﷺ وهو عاصب رأسه من لدغة عقرب فقال: (إنكم تقولون: لا عدو، وإنكم لن تزالوا تقاتلون عدواً، حتى يأتي يأجوج ومأجوج، عراض الوجوه، صغار العيون، صهب الشعاف، ومن كل حدب ينسلون، كأن وجوههم المجان المطرقة) [١٠].
كأن وجوههم المجان المطرقة؛ واسعة سميكة.
والمجان تروس من الجلد غليظة تستخدم في اتقاء ضربات السيف.
صهب الشعاف؛ صلب الشعور، مستوية.
يقال صخرةٌ صيْهبٌ: صلبةٌ، وأرضٌ صيْهبٌ: مستويةٌ.
وهذا من دلائل النبوة، لاحتمال عدم معرفة العرب في ذلك الزمان بصفات الأمم البعيدة فضلاً عن أعدادهم.
ويترجح أن السد يقع بين جبلين من الجبال التي تفصل قرغيزستان عن أوزبكستان.
وقرغيزستان تابعة اليوم لروسيا وغالب أهلها مسلمون من المغول، فهي تابعة في الأصل لمنغوليا.
قال الشيخ السعدي رحمه الله عن السدين: (وإنما اختلفوا: هل هي سلاسل جبال القفقاس أم دون ذلك في أذربيجان، أم سلاسل جبال ألتاي، أم الجبال المتصلة بالسور الصيني في بلاد منغوليا؟ وهو الظاهر) [١١].
والقول بأنَّ يأجوج هم الصينيُّون ومأجوج هم المغول اجتهادٌ، والجزم به نسبيٌّ لا ينبغي الإلزام به.
فالأصل في الاجتهاد أنَّه ظنيٌّ، ولكنَّه قد يثبت بالبداهة أو النظر، بشرط دلالة النصوص على جواز الاجتهاد فيه.
ومثال ذلك من البدهيِّ الضروريِّ؛ الكلُّ أكبر من الجزء، ومثاله من النظريِّ؛ نظرية فيثاغورس، وضرر السجائر.
وسبق أنَّ النصوص صريحةٌ في أنَّ يأجوج ومأجوج من بني آدم.
وقد بنى الصينيون السور لاتقاء هجمات قبائل بدوية من سيبيريا وشمال شرق آسيا.
ومبلغ العلم الحديث في تاريخ سور الصين هو أن أول أجزائه بني حوالي ٦٠٠ سنة قبل الميلاد.
ولا يبعد أن يكون هذا تاريخ تجديد بنائه.
فيبدو أن مانع يأجوج ومأجوج من الإفساد الكبير هو سد ذي القرنين مع سلسلة الجبال وسور الصين.
ورحلة ذي القرنين تدل على موضع السد، فقد بلغ أقصى الغرب ثم أقصى الشمال الشرقي ثم سافر فبلغ موضع السد.
وأقصى الشرق اليابس هو من جهة الشمال.
بلغ أقصى الغرب لقول الله تعالى: ﴿مَغْرِبَ الشَّمْسِ﴾.
وأقصى الشمال الشرقي لقوله: ﴿مَطْلِعَ الشَّمْسِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (۸٣) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (۸٤) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (۸٥) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (۸٦) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (۸٧) وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (۸۸) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (۸۹) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (۹۰) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (۹١) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (۹٢) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (۹٣) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (۹٤) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (۹٥) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (۹٦) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (۹٧) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (۹۸)﴾ الكهف [١۸: ۸٣-۹۸].
من دلائل النبوة ما سبق من؛ عدد يأجوج ومأجوج، وصفاتهم، وموضع سد ذي القرنين وسط سلاسل جبال تتصل بسور الصين، وعلاقة مخرج كلمتي مغول والصين (بلغة أهلها) بكلمتي يأجوج ومأجوج.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَويّ
ليلة الجمعة ٣ ذو الحجة ١٤٤٦هـ، ٢٩ مايو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.
١. أخرجه البخاري (٤٧٤١)، ومسلم (٢٢٢) باختلاف يسير.
٢. صحيح البخاري (٦٥٢٩).
٣. عمر البشرية.
٤. أخرجه البخاري (٧٠٥٩) ومسلم (٢٨٨٠).
٥. أخرجه ابن ماجه (٤٠٨٠) واللفظ له، والترمذي (٣١٥٣)، وأحمد (١٠٦٣٢) باختلاف يسير.
٦. الأنوار الكاشفة لما في كتاب «أضواء على السنة» - ضمن؛ آثار المعلمي (ج١٢/‏ص٢٥٨) - عبد الرحمن المعلمي اليماني (ت ١٣٨٦هـ).
٧. صحيح مسلم (١٥٧).
٨. صحيح مسلم (٢٩٣٧).
٩. طول البشر تاريخياً.
١٠. الهيثمي، مجمع الزوائد (٨/٩)؛ رجاله رجال الصحيح‌‏، البوصيري، إتحاف الخيرة المهرة (٨/١٤٢)؛ رواته ثقات، أخرجه أحمد (٢٢٣٣١).
١١. تيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن (ج١/‏ص٢٦٢) - عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦ هـ).

الاحتفاء السني بالمولد النبوي

لا يُحتج بالخلاف، والاحتفاء بالمولد النبوي عبادة، ويتكرر بصيام الاثنين حوالي ٥١ مرة في السنة بدون توسع في المباحات، وبعض الأعياد عادات ولكنها مضاهية للمشروع.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
خلاف العلماء لا يُحتج به، وإنما يُحتج بالإجماع.
قال ابن عبد البر رحمه الله: (الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله) [١].
وإذا كان الخلاف معتبراً فإنه يُحتج به على جوازه لا على صحة الحكم.
ولا يُحتج بالخلاف غير المعتبر على جوازه.
وقد يُذكر الخلاف لبيان أن الإجماع متوهم عند وجود نص أقوى ثبوتاً أو دلالة.
رجح محمود باشا الفلكي بدراسة فلكية أن المولد النبوي كان يوم التاسع من ربيع الأول، وهذا ما رجحه ابن عثيمين والمباركفوري.
يتكرر الاحتفاء السني بالمولد النبوي حوالي ٥١ مرة في السنة، وهو بصيام كل اثنين.
ولأنه صيام، فليس فيه توسع في المباحات كالاحتفال السنوي الذي يشق على محدودي الدخل لأنه إضافة للتوسع المشروع في العيدين.
فقد روى مسلم وغيره أن رسول الله ﷺ (سئل عن صوم يوم الاثنين؟ فقال: ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، أو أنزل علي فيه) [٢].
وقد استنبط عالم شنقيطي من صيام يوم الاثنين عدم جواز اتخاذ يوم المولد النبوي عيداً، قال لأن العيد ينهى عن صيامه.
وتسمية العيد مناسبة لا تغير حقيقته، فالعيد من العودة، فكل ما يعود ويتكرر مرة في السنة ويكون فيه فرح وتوسع في بعض المباحات فهو عيد في اصطلاح الناس.
ولا أدري كيف يظن شخص أن الاحتفاء بالمولد النبوي عادة وليس عبادة!
وعلى التسليم؛ فقاعدة "الأصل في الأشياء الإباحة" مقيدة بقيد "إلا بنص".
وقد ورد النهي عن اتخاذ عيد غير العيدين الشرعيين ولو كان على وجه العادة لمنع مضاهاة العيدين الشرعيين.
والعيدان الشرعيان عبادة وفيهما معنى العادة للحث فيهما على الصلة والتوسع في بعض المباحات.
فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة، يلعبون فيهما، فلما قدم النبي ﷺ المدينة قال: كان لكم يومان تلعبون فيهما، وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى) [٣].
فقول النبي ﷺ: (أبدلكم الله بهما خيراً منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى) يدل على النهي عن عيدي الجاهلية لأن البدل يقوم مقام المُبدل منه.
وقول الصحابي رضي الله عنه: (كان لأهل الجاهلية يومان في كل سنة، يلعبون فيهما)، يدل على أنهما كانا على وجه العادة لتخصيص أهل الجاهلية اليومين لللعب.
ومن الحِكم؛ رفع الحرج والمشقة بتقليل الأعياد، ولأن مضاهاة المشروع تقلل من الاحتفاء به.
وفي الحديث دلالة على أن العيدين عبادة وتشريع رباني؛ (وقد أبدلكم الله بهما خيراً منهما، يوم الفطر، ويوم الأضحى).
ولأنهما عبادة شرعت فيهما الصلاة وشرع فيهما الذكر والتكبير.
فلمنع عيدي الجاهلية علتان هما منع مضاهاة العيدين الشرعيين ومخالفة الكفار.
ومخالفة الكفار نوعان؛ واجبة وهي فيما كان من خصائصهم، ومستحبة وهي في المشترك بينهم وبين المسلمين [٤].
والاحتفال السنوي بالمولد النبوي فيه تشبه بالنصارى في احتفالهم بمولد عيسى عليه السلام.
بعض الأعياد عادات ولكنها مضاهية للعيدين الشرعيين، وبعضها عبادات في ذاتها.
وما كان أصله الإباحة واتخذ وسيلة لعبادة فهو عبادة ولكنه قد يكون مصلحة مرسلة، فكيف بما كان عبادة في ذاته؟
وقد فرق العلماء بين المباح والمصلحة المرسلة بذكر شروط للمصلحة المرسلة ليست في المباح.
فيشترط للمصالح المرسلة عدم وجود مقتضيها أو وجود مانع منها في عهد الرسالة، بينما المباح لا تشترط له هذه الشروط.
ولذا فالصحيح في المسبحة أنها بدعة لأن مقتضيها (ضبط العدد) كان موجوداً في عهد الرسالة ولم يكن فيه مانع من فعلها، ففرق بينها وبين استخدام مكبرات الصوت للأذان ونحوه من المصالح المرسلة.
وإرسال وسائل العبادة (المصالح المرسلة) هو من جهة أصلها لا من جهة صفة فيها كزمانها ومكانها.
فخالف الإرسالُ هنا إطلاقَ العبادة النصية الذي يذكره العلماء.
وإلجام المرسل بدعة، وكذا تقييد المطلق، كإرسال المنصوص عليه وإطلاق المقيد.
ولذا أفتى العلماء بجواز ترجمة خطبة الجمعة ومنع ترجمة الأذان، لأن الأذان مقيد بصيغة نصية تبدأ بالتكبير وتنتهي بالتهليل، بينما صيغة الخطبة مطلقة.
ومع انتشار الجهل بحكم عيد المولد؛ فلا بأس بشراء حلوى المولد مع إخبار الرجل أولاده ومن يعول بأنه بدعة [٥].
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأحد ١٢ ربيع الأول ١٤٤٦هـ، ١٥ سبتمبر ٢٠٢٤م

مصادر ومراجع

[١] جامع بيان العلم وفضله (ج٢/ص٩٢٢).
[٢] أخرجه مسلم (١١٦٢)، وأصحاب السنن وأحمد.
[٣] أخرجه النسائي (١٥٥٦) وصححه الألباني في صحيح النسائي.
[٤] مخالفة الكفار ومجالستهم.
[٥] حكم شراء حلوى المولد.

دعاوى حول أرض كوش

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
ألا يرى ناقلو الدعاوى الكوشية أن الخرطوم في كلام القرطبي هي الأنف التي تشبه خرطوم الفيل؟ وأن كلمة السودان تعنى السود عند علماء العرب ومؤرخيهم السابقين؟
من المؤسف أن يتحدث مبدعون في تخصصاتهم فيما ليس لهم به علم.
والتوسع لا يضاد التخصص، وذلك بدراسة أساسيات بعض العلوم الأخرى مع اتباع أسس البحث العلمي [١].
سمعت في شهر نوفمبر الماضي مقطعاً متداولاً عن الكوشيين، زعم فيه صاحبه أن القرطبي قال: أول جيش يقضي على إسرائيل هو جيش الخرطوم!
وقد بحثت في المكتبة الشاملة في موقع تراث باستخدام كلمة "جيش الخرطوم" واختيار المؤلف؛ القرطبي، فلم أجد شيئاً.
ولكن أرسل لي أحد الإخوة كلاماً للقرطبي في خبر المهدي نصه هو؛ (فيأتون إليه من كل مكان ويجيبونه ويقفون عند أمره ويكون على مقدمته صاحب الخرطوم وهو صاحب الناقة الغراء) [٢].
واضح أن الكلام هنا عن شخص، ولعل المقصود بصاحب الخرطوم هنا صاحب الأنف الطويلة التي تشبه خرطوم الفيل.
وكيف عرف القرطبي أن بني إسرائيل سيسمون دولتهم إسرائيل؟!
الآثار التاريخية مع أوصاف أرض كوش المذكورة في مقدسات بني إسرائيل تدل على أنها في السودان الحالي.
ولكن الإسرائيليات مشكوك فيها، وإذا افترضنا رجحانها، فما الذي يمنع أن يكون ما ورد خبراً عن أمرٍ حدث قبل الإسلام؟
بل هذا ما قد يتعين لتغير التركيبة السكانية لأرض كوش من ناحية الدين والنسب والرحم.
فلا ينبغي الترويج لعقائد اليهود إلا بغرض التنبيه على خططهم ضد السودان.
ما سبق ذكرني كلام رجل ادعى أنه يعيش في سويسرا وأنه سمع عالم الآثار السويسري شارلس بونيه يقول بأن حضارة كرمة (أول الممالك الكوشية) أقدم من الحضارة المصرية!
وبالبحث خلصت إلى احتمال عدم فهم صاحب الدعوى كلام عالم الآثار السويسري لضعف لغة ونحوه، وذلك بعد ترجمة كلام لعالم الآثار من مواقع سويسرية وقراءة كلام له في مواقع إنجليزية والرجوع إلى موقع وزارة السياحة والآثار السودانية.
فلم يثبت حتى اليوم أن حضارة كرمة أقدم من الحضارة المصرية خلافاً لما هو شائع في السودان.
فالدراسات الحديثة ترجع الحضارة الكوشية إلى حوالي ٢٥٠٠ سنة قبل الميلاد (٤٥٠٠ سنة)، وترجع الحضارة المصرية إلى حوالي ٣١٠٠ سنة قبل الميلاد (٥١٠٠ سنة).
ثم جاءني الخبر اليقين بعد كتابة ما سبق، فقد سمعت شهادة عالم تاريخ سوداني يؤكد فيها ما ذكرته من كذب الشائعة المنسوبة إلى عالم الآثار السويسري شارلس بونيه في هذا المقال.
فقد سمعت عالم التاريخ البروف عمر حاج الزاكي يقول؛ (شارلس بونيه، أقسم بأني التقيته في لندن، في مؤتمر الدراسات المروية أو النوبية، وجلست معه ومعي آخر، فقلت له؛ يا شارلس، يروج عنك كلاماً أتعبنا مع طلابنا، هل أنت تقول أن كرمة أقدم حضارة وأقدم من الحضارة المصرية؟ فرد علي بعبارة واحدة، قال لي: أنت تعرف أن الصحفيين يضخمون).
وواصل البروف حديثه قائلاً: (شارلس بونيه لم يقل إطلاقاً بأن حضارة كرمة قبل حضارة مصر ولا هي أقدم حضارة، فقط يقال أنها أقدم مملكة سودانية متوسعة، إذا استثنينا تاسيتي في السودان، وكان لها شأن نقول عنه عالمي بمقياس زمانها، بتدخلها مع الهكسوس، وهذا الذي تسبب في نهايتها).
وواصل قائلاً: (وأنا دائماً للحذر أقول هذا آخر ما عندنا، وأن هذا لا يمنع أن يثبت مستقبلاً أن تكون كرمة هي أقدم مدينة، ولكن علم الآثار لم يثبت هذا حتى الآن).
كنت أتساءل عن صحة نسبة القول بأن أصل البشرية يرجع للسودان الحالي إلى مركز البيانات الضخم لجامعة أكسفورد.
فأمدني أخ برابط لمقطع مرئي في اليوتوب، وجدت في التعليق عليه رابطاً لمقال منشور في المركز فيه رابط لورقة علمية ورد فيها؛ (في الواقع، يقع مركز الثقل الجغرافي المستنبط لأقدم ١٠٠ نمط وراثي فردي من الأسلاف (التي يبلغ متوسط عمرها ∼٢ مليون سنة) في السودان عند ١٩.٤° ش، ٣٣.٧° ق) [٣].
نص الكلام باللغة الإنجليزية؛ ( In fact, the inferred geographic center of gravity of the 100 oldest ancestral haplotypes (which have an average age of ∼2 million years) is located in Sudan at 19.4°N, 33.7°E )، انتهى [٣].
وهذا غير مستبعد، فكلمة آدم في العربية تعني شديد السمرة، وآدم هو أبو البشرية الأول.
وقد تؤكد هذه الدراسة أن تاريخ البشرية يعود إلى ملايين السنين، وهو ما قد يستنبط من نصوص شرعية ومعارف بشرية [٤].
ولا علاقة لهذه الدراسة بالقول بأن أصل البشرية غير بشري، وذلك لأنها خاصة بصنف الإنسان العاقل مما يسمى بالنصف البشراني، والصنف الآخر من الصنف البشراني يسمونه الإنسان البدائي.
فمن بين آلاف جينومات البشرية الحالية، شملت الدراسة أربعة جينومات متسلسلة عالية التغطية لسلالات منقرضة مصنفة ضمن أنواع الإنسان العاقل، وهي نسبة لا تؤثر في النتيجة.
فقد شملت الدراسة ثلاثة جينومات للإنسان النياندرتالي، وجينوم واحد لإنسان الدينيسوفان.
وما يذكرونه من فروق لهذين الجنسين المنقرضين لا يعدو الفروق بين أجناس البشر المعاصرين، فهي فروق يسيرة في طول القامة، وشكل الرأس، والحاجبين، والقوة، والحرف والصناعات.
والتطوريون يضعون احتمال تغير وراثي باندماج كروموسومين [٥].
وعلم الجينات يثبت الملاءمة التي قد تكون تطوراً أو تخلفاً، ولا يثبت التطور بالطريقة التي يزعمونها.
فملاءمة البيئة قد تستلزم الرجوع لقديم، وما ثبت علمياً هو أن جينات الكائنات الحية تتغير لتناسب البيئة، والأنفع للبيئة المعينة لا يعد تطوراً في كل حال.
ولا شك أن لهذا التغير حدود لأنه مرتبط بالبيئة وتغيرها، فتغيره محدود بتغير البيئة في أقل حدوده.
الدعاوى حول أرض كوش ينقلها حطاب ليل من كتب علماء المسلمين دون تفريق بين الإسرائيليات الراجحة والمشكوك فيها والأحاديث الصحيحة والضعيفة.
والبحث العلمي ليس بكثرة النقل، فمثلاً؛ بعض من ينقلون من تاريخ الطبري لا يراعون أنه يعد جمعاً للمعلومات التاريخية بما فيها الضعيفة تسهيلاً للباحثين.
والمتفق عليه في الإسرائيليات (التي ليس في شرعنا ما يصدقها ولا ما يكذبها) هو أنها مشكوك فيها في الأصل، فلا تصدق ولا تكذب حتى يترجح أحد الأمرين.
ولعل سبب جواز التحديث بها هو أن بعضها قد يترجح بالبحوث والآثار، فالشك (تساوي الاحتمالين) مطروح.
وفي الحديث الصحيح؛ (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) [٦].
ولعل إفساد بني إسرائيل الحالي هو الأول، خلافاً لما سلم به الرجل، وذلك لدلالات النصوص، وليس في هذا القول مخالفة للإجماع [٧].
وفي اليهود خرافات وسحر وكهانة وتقديس لما لم يقدسه الله من آثار الأنبياء، فقد قيل بأنهم يقدسون مقرن النيلين وجزيرة توتي.
ولا يبعد أن يكون مقرن النيلين هو مجمع البحرين، فقد ورد عن بعض المفسرين أنه بإفريقية، ولقربه من  مصر، ولأنه اسم مكان من الجمع، فلو كان مصب النيل لقيل ملتقى البحرين من اللقاء.
ولكن بعض الناس لا يتقيدون بضوابط علمية.
فقد قال لي أحد كبار مروجي الدعاوى حول أرض كوش في مكالمة هاتفية؛ لدي كتاب فيه اجتهاد في التفسير.
وتخصص محدثي بعيد عن التاريخ والعلوم الشرعية!
فقال لي؛ ماذا تقولون أنتم علماء الدين في جمع البطن في مثل قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾؟ فقلت له: هات ما عندك؟
فقال لي في الآية إعجاز علمي، فالجمع هنا بسبب الإمعاء الدقيقة والغليظة والمعدة، إذ كيف علم النبي ﷺ بهذا ولم تكن لديه أجهزة تصوير حديثة؟!
فقلت له؛ يرى في الحروب وغيرها إذا بُقرت بطن أو ذبحت بقرة!
اتفق رواة الإسرائيليات على أن إدريس قبل نوح عليهما السلام، فقد ذكروا أنه هو أخنوخ بن بدد بن مهلايل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم عليه السلام.
ونقل بعض العلماء من الإسرائيليات أن إدريس عليه السلام هو أول من خط بالقلم وخاط الثياب ونظر في علم النجوم والحساب وسيرها وعرف الطب ودرس الكتب واتخذ السلاح والسيف.
وإقرار هؤلاء العلماء تلك الإسرائيليات قد تكون له أسبابه، ولا يلزم موافقتهم عليها.
واتفاق الناس على عدد أيام الأسبوع وعدد شهور السنة (عدا إثيوبيا تقريباً) قد يدل على أنها من بقايا تعاليم الرسل في الناس، قال ما قد يشير إليه ابن تيمية رحمه الله.
منها قوله بأن كل الأمم كانت تعمل بالتقويم القمري للأشهر.
وقد يدل عليه أن اسم الشهر وكل الأشهر في اللغة الفنلندية مشتق من القمر.
ولعل الصحيح أن كل الأمم كانت تعمل بالتقويم القمري في كل شيء عدا الزراعة ونحوها مما له صلة بالمناخ [٨].
ولا يصح زعم بعضٍ بأن ما نقله بعض العلماء من إسرائيليات في أن إدريس عليه السلام أول من أسس لحرف ومعارف بشرية حديث نبوي، فقد وجدت التالي بالبحث؛
(أول الرسل آدم، وآخرهم محمدٌ، وأول أنبياء بني إسرائيل موسى، وآخرهم عيسى، وأول من خط بالقلم إدريس)، ضعيف جداً [٩].
ولا يبعد صحة القول بأن إدريس عليه السلام هو أخنوخ الوارد في الإسرائيليات، وأنه من يسميه اليونان هرمس، فللعلماء أسباب للترجيح.
ولكن مثل هذا الرجحان قد يكون أقرب إلى الشك منه إلى اليقين، فلا يعول عليه كثيراً.
ولا يبعد أن يكون هرمس من السودان الحالي إذا صح أن المؤرخ اليوناني استرابوا قد قال بأن موطن هرمس عند منحنى النهر، وأن النهر في الأرض هو ذات النهر في السماء، وأنه رسم إنحناء النيل كما هو عليه اليوم.
فقد قال النبي ﷺ: (سيحان وجيحان والنيل والفرات من أنهار الجنة) [١٠].
ولكنها مجرد فرضيات تنقل على أنها محل نظر ودراسة.
ولا يبعد كذلك أن يكون بعض العلماء قد نقل بأن إدريس عليه السلام من السودان (السود)، فآدم عليه السلام هو أبو البشرية، وكلمة آدم تعني في العربية شديد السمرة.
والعرب تقول السودان للسود والبيضان للبيض، فإذا أرادوا بلداً قالوا بلد السودان.
قال ابن منظور رحمه الله تعالى: (والبيضان من الناس: خلاف السودان) [١١].
وقيل بأن أول من سمى السودان الحالي باسمه هذا هو محمد علي باشا [١٢].
وعودة للمتحدث الأول؛ فقد ادعى أنه درس التوراة، وهو ينسب سفر أيوب إلى التوارة!
وأسفار التوراة الخمسة هي؛ التكوين، والخروج، واللاويين، والعدد، والتثنية.
ومن قال عن بقية الأسفار أنها ملحقة بالتوراة إنما قصد أنها أضيفت إليها في كتاب واحد، لا أنها جزء منها.
انظر الكلام التالي، ورابط البحث من موقع الدرر السنية، وهو موقع مميز وموثوق والملاحظات عليه لا تنفي عنه التجرد العلمي؛
(أما الكتب الملحقة بالتوراة فهي: أربعة وثلاثون سفراً، حسب النسخة البروتستانتية، فيكون مجموعها مع التوراة تسعة وثلاثين سفراً، وهي التي تسمى العهد القديم لدى النصارى، ويمكن تقسيمها إلى خمسة أقسام) [١٣].
وهذا الكتاب الواحد يسمى البايبل عند النصارى، والتوراة جزء مما يسمى بالعهد القديم من البايبل.
والعهد القديم يشمل كتابات الرسل والأنبياء والقديسين من موسى عليه السلام إلى عهد عيسى عليه السلام.
وأكثر العهد القديم مطابق لتناخ اليهود، لأن شريعة عيسى عليه السلام لم تنسخ أكثر شريعة موسى عليه السلام.
والتوراة هي الكتاب المنزل على موسى عليه السلام.
ويحمل تعميم البخاري رحمه الله القول بأن كلام الله تعالى لا يبدل على النسخ الأصلية كالتوراة التي نزلت بلغة موسى عليه السلام، وهي مفقودة.
فلا شك في تحريف النسخ المترجمة الحالية.
نقل مهتم بتاريخ السودان نصوصاً من مقدس النصارى مفسراً إياها بالآلة التي تسمى في عصرنا بالساقية في شمال السودان.
من معاني السواقي الجداول والقنوات كما في قواميس المصباح المنير والمعجم الوسيط، وهي قواميس حديثة، والمعجم الوسيط من إعداد مجمع اللغة العربية بالقاهرة.
المصباح المنير؛ (وَيُقَالُ لِلْقَنَاةِ الصَّغِيرَةِ سَاقِيَةٌ لِأَنَّهَا تَسْقِي الْأَرْضَ) [١٤].
المعجم الوسيط؛ ((الساقية) الْقَنَاة تَسْقِي الأَرْض وَالزَّرْع ودولاب يدار فيرفع المَاء إِلَى الحقل) [١٥].
من معاني الآجام؛ الشجر الكثيف على مغيض الماء.
قال الرازي رحمه الله تعالى: (و(الغيضة) بالفتح الأجمة وهي مغيض ماء يجتمع فينبت فيه الشجر والجمع) [١٦].
العبارات التالية من النصوص التي نقلها المهتم بتاريخ السودان تدل دلالة واضحة على أن المراد بالسواقي في مقدس النصارى أماكن تجمع أو تجميع الماء لسقيا الناس أو البهائم أو الزرع؛  
١. عبارة "وعلى كل مجتمعات مياههم"، وقبلها عبارة "على مياه المصريين؛ على أنهارهم وعلى سواقيهم، وعلى آجاماهم".
والنص بكامله هو: (ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قُلْ لِهَارُونَ: خُذْ عَصَاكَ وَمُدَّ يَدَكَ عَلَى مِيَاهِ الْمِصْرِيِّينَ، عَلَى أَنْهَارِهِمْ وَعَلَى سَوَاقِيهِمْ، وَعَلَى آجَامِهِمْ، وَعَلَى كُلِّ مُجْتَمَعَاتِ مِيَاهِهِمْ لِتَصِيرَ دَمًا. فَيَكُونَ دَمٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ فِي الأَخْشَابِ وَفِي الأَحْجَار).
٢. عبارة "سواقي الله ملآنة مَاءً".
٣. عبارة "وتجف سواقي مصر".
فبدون نظر في متى ومن ترجم النسخة العربية لمقدس النصارى يمكن من مجموع هذه النصوص القطع بأن المراد بها أماكن تجمع أو تجميع الماء لسقيا الناس أو البهائم أو الزرع.
وقد يتعين أن يكون المراد بالسواقي جداول وقنوات الماء إذا أضفنا إلى دلالات النصوص نفسها ما ورد في معاجم عربية حديثة أن من معاني السواقي الجداول والقنوات.
التالية هي بقية النصوص المنقولة من مقدس النصارى؛
١) سفر الخروج ٨: ٥ (فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: قُلْ لِهَارُونَ: مُدَّ يَدَكَ بِعَصَاكَ عَلَى الأَنْهَارِ وَالسَّوَاقِي وَالآجَامِ، وَأَصْعِدِ الضَّفَادِعَ عَلَى أَرْضِ مِصْرَ).
٢) سفر أيوب ٢٠: ١٧ (لاَ يَرَى الْجَدَاوِلَ أَنْهَارَ سَوَاقِيَ عَسَل وَلَبَنٍ).
٣) سفر أيوب ٤٠: ٢٢ (تُظَلِّلُهُ السِّدْرَاتُ بِظِلِّهَا. يُحِيطُ بِهِ صَفْصَافُ السَّوَاقِي).
٤) سفر المزامير ٤٦: ٤ (نَهْرٌ سَوَاقِيهِ تُفَرِّحُ مَدِينَةَ اللهِ، مَقْدَسَ مَسَاكِنِ الْعَلِيِّ).
٥) سفر المزامير ٦٥: ٩ (تَعَهَّدْتَ الأَرْضَ وَجَعَلْتَهَا تَفِيضُ. تُغْنِيهَا جِدًّا. سَوَاقِي اللهِ مَلآنَةٌ مَاءً. تُهَيِّئُ طَعَامَهُمْ لأَنَّكَ هكَذَا تُعِدُّهَا).
٦) سفر المزامير ١٢٦: ٤ (ارْدُدْ يَا رَبُّ سَبْيَنَا، مِثْلَ السَّوَاقِي فِي الْجَنُوبِ).
٧) سفر الأمثال ٥: ١٦ (لاَ تَفِضْ يَنَابِيعُكَ إِلَى الْخَارِجِ، سَوَاقِيَ مِيَاهٍ فِي الشَّوَارِعِ).
٨) سفر إشعياء ١٩: ٦ (وَتُنْتِنُ الأَنْهَارُ، وَتَضْعُفُ وَتَجِفُّ سَوَاقِي مِصْرَ، وَيَتْلَفُ الْقَصَبُ وَالأَسَلُ).
٩) سفر إشعياء ٣٢: ٢ (وَيَكُونُ إِنْسَانٌ كَمَخْبَأٍ مِنَ الرِّيحِ وَسِتَارَةٍ مِنَ السَّيْلِ، كَسَوَاقِي مَاءٍ فِي مَكَانٍ يَابِسٍ، كَظِلِّ صَخْرَةٍ عَظِيمَةٍ فِي أَرْضٍ مُعْيِيَةٍ).
حضارة كوش للعبرة لا للتغني والفخر، ولنتأمل في موقعنا الحضاري اليوم، والحضارة والعمران لا يدلان على الهداية.
هذه دعوة عامة للتأمل، وأخص بها من يعتني بتوثيق تاريخنا بالعلم لا بالدعاوى.
العلوم البشرية التي وصلتنا مدونة ترجع لليونان، وبعضهم كانوا وثنيين يعبدون النجوم والأفلاك، وبعضهم كانوا ملاحدة.
ومؤكد أن حضارات كثيرة سبقت اليونان في هذه العلوم البشرية، ولكن علومهم لم تصلنا مدونة، ولم نعرف أن لهم علوماً بشرية إلا من خلال الآثار.
واستفاد المسلمون من ترجمة كتب اليونان وطوروا هذه العلوم البشرية بصورة كبيرة جداً.
واستفاد الغرب من تطوير المسلمين لهذه العلوم البشرية، ولكنه يجحد.
ومؤكد أن الغرب طور العلوم البشرية التي ورثها من المسلمين تطويراً عظيماً.
فهذا أمر مشاهد، فما هو موقعنا الحضاري اليوم بين الأمم؟
وكل حضارات البشر استفادت من الرسل.
ذكر ابن تيمية رحمه الله أن كثيراً مما عند اليونان موروث من تعاليم الرسل.
وذكر بعض الرومان المعاصرين (الأوربيين) أنهم استفادوا من النصرانية والإسلام.
وقد حكى الله تعالى في القرآن عن أمم متحضرة وكان لها عمران وآثار ومع ذلك وصفها بالضلال.
ونسب الله تعالى فضل حضارتهم وعمرانهم إلى نفسه بتسميتها آلاء الله يعنى نعمه.
فهو سبحانه خالق المواد وطبيعتها والأسماع والأبصار والعقول التي درست تلك الطبيعة.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٧٤].
وقال: ﴿أَتَبۡنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ ءَايَةٗ تَعۡبَثُونَ ۝ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمۡ تَخۡلُدُونَ ۝ وَإِذَا بَطَشۡتُم بَطَشۡتُمۡ جَبَّارِينَ۝﴾[الشعراء: ١٢۸ - ١٣۰].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: ۹].
وقال: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥۸].
وقال ﴿إِرَمَ ذَاتِ ٱلۡعِمَادِ ۝ ٱلَّتِي لَمۡ يُخۡلَقۡ مِثۡلُهَا فِي ٱلۡبِلَٰدِ ۝ وَثَمُودَ ٱلَّذِينَ جَابُواْ ٱلصَّخۡرَ بِٱلۡوَادِ ۝ وَفِرۡعَوۡنَ ذِي ٱلۡأَوۡتَادِ ۝ ٱلَّذِينَ طَغَوۡاْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ۝ فَأَكۡثَرُواْ فِيهَا ٱلۡفَسَادَ ۝ فَصَبَّ عَلَيۡهِمۡ رَبُّكَ سَوۡطَ عَذَابٍ ۝﴾[الفجر: ٧ - ١٣].
فالحضارة لا تدل بذاتها على الهداية والتوفيق.
ومنشأ ضلال فلاسفة اليونان ظنهم أنهم يستطيعون فهم حقائق الطبيعة فهماً مطلقاً دون نسبتها إلى بعضها.
قال شيخ الإسلام ابن  تيمية رحمه الله عن اصحاب العدد من فلاسفة اليونان: (فأصحاب فيثاغورس القائلون بالأعداد المجردة في الخارج من هنا كان غلطهم) [١٧].
ومحاولة الفهم المطلق هي منشأ ضلال فلاسفة وملاحدة اليوم، مع اختلاف الأمثلة، انظر؛ "نسبية المفاهيم الفيزيائية الأساسية" في الرابط [١٨].
ومثال اختلاف الأمثلة مع اتحاد الفهم أن ملاحدة اليوم يستدلون على إنكار السببية بنحو التشابك الكمي في الفيزياء الكمومية.
ولن ينتفع بشر بحضارة وعمران وعلوم بشرية ما لم يستفيدوا منها في عبادة خالقهم ويستغلوها في دنياهم وفق شرع الله ودينه.
والانتماء للشعب والقبيلة يصبح عصبية إذا كان على وجه الفخر المذموم.
فالشعب نسب، وقد نهينا عن الفخر بأنسابنا على وجه احتقار الآخرين.
والافتخار المذموم بالنسب للآباء أعظم إذا كانوا وقوداً للنار بسبب أنهم مشركون وكفار (فحم من فحم جهنم).
قال رسول الله ﷺ: (إن الله عز وجل أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس بنو آدم، وآدم من تراب، مؤمن تقي وفاجر شقي، لينتهين أقوام يفتخرون برجال إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع النتن بأنفها) [١٩].
واليهود يفتخرون بنسبهم الإسرائيلي والسامي.
ولم يثبت تفضيل الساميين بنصوص الكتاب والسنة، بل لم يثبت بالنصوص أن أبناء نوح عليه السلام هم سام ويافث وحام، فالأحاديث فيهم ضعيفة، وما نقل عن السلف فيهم كابن عباس رضي الله عنهما هو من باب التحديث بالإسرائيليات [٢٠].
ولو فرضنا صحة تفضيل الساميين، فالغالب أن أخوالهم جميعاً حاميون أو يافثيون.
والسبب هو استبعاد أن يتزوج الأخ أخته، فحتى ولو افترضنا أن لسام عدداً من الزوجات، فأولاده منهن إخوة لأب.
وإذا افترضنا جواز زواج الإخوة لأب في شريعة نوح عليه السلام ومن بعده، فما هو دليل بقاء تفضيل الجنس السامي إلى يوم القيامة؟
وقد كان اختيار بني إسرائيل بعلم الله وحكمته؛ ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.
ثم نزع الله تعالى الخيرية من بني إسرائيل بعدله، فليس بين الله تعالى وبين خلقه نسب.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾.
المراد بالإسرائيليات القصص التي نقلها أهل الكتابين اليهود والنصارى في كتبهم المقدسة وغير المقدسة.
قد يكون كُتّاب ما ورد في كتبهم المقدسة وغير المقدسة ممن شاهد الحدث مع استحالة أو رجحان الكذب في مثله، وقد يكون الحدث مما نقل بتواتر أو استفاضة، وقد تدل على صدقه دلائل أخرى.
وفي غالب الاستعمال يراد بالإسرائيليات ما لم يرد في شرعنا ما يصدقها ولا ما يكذبها من روايات بني إسرائيل.
وفي الحديث في صحيح البخاري؛ (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) [٣].
وبما أنها لا تصدق ولا تكذب، فهي مشكوك فيها (تساوي الاحتمالين).
والمشكوك فيه لا يعتمد عليه بمفرده.
فجواز التحديث بالإسرائيليات هو بسبب أنها قد تثبت بالبحوث والدراسات.
والحديث عام في روايات بني إسرائيل، فلا يخصص بما ورد في كتبهم المقدسة، وواضح أن الحكمة مجرد حفظ المعلومات بسبب أن منها ما قد يثبت.
وذلك لأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، فمجموع النصوص يدل على مقصد جواز التحديث بالإسرائيليات.
وأكثر نقولات علماء المسلمين للإسرائيليات هي بغرض إخضاعها للبحث والدراسة أو بغرض جمع المعلومات وحفظها تسهيلاً للباحثين.
والبحث العلمي ليس بكثرة النقل، فمثلاً؛ بعض من ينقلون من كتاب "تاريخ الأمم والملوك للطبري" لا يراعون أنه يعد جمعاً للمعلومات التاريخية بما فيها الضعيفة.
وبعض علماء المسلمين قد يرجح إسرائيليات بسبب قد لا يوصلها إلى درجة القبول العلمي، ويبدو أن هذا هو قصدهم ببعض ترجيحاتهم (ترجيح غير قوي).
فالمنهجية العلمية الصحيحة حول الإسرائيليات هي تنقيحها وتصفيتها بدراسة متكاملة تشمل علم الآثار والمصادر التاريخية الأخرى والدلالات الظنية لنصوص القرآن والسنة.
وتلخصياً لما سبق؛ يلزم حول الإسرائيليات التالي؛
١. إخضاعها للبحث العلمي بطرقه المعتادة عند المختصين بمختلف تخصصاتهم.
٢. علماء المسلمين ينقلون الإسرائيليات لحفظها وترجيح بعضها بالعلم، وما رجحه بعضهم غير ملزم لغيرهم من العلماء والباحثين.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأحد ٢٢ محرم ١٤٤٦هـ، ٢٨ يوليو ٢٠٢٤م
[١] التوسع لا يضاد التخصص؛ رابط المدونة، رابط التلغرام.
[٢] التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ج١/ص١٢١٤).
[٣] مجلة العلوم » علم الأنساب الموحد للجينومات الحديثة والقديمة.
[٤] عمر البشرية.
[٥] كروموسوم٢ زعمٌ لا تطور.
[٦] صحيح البخاري (٣٤٦١).
[٧] إفسادا بني إسرائيل.
[٨] العمل بالأهلة في كل شيء عدا ما له صلة بالمناخ.
[٩] ضعيف الجامع (٢١٢٧) » الباحث الحديثي.
[١٠] صحيح مسلم (٢٨٣٩).
[١١] لسان العرب (ج٧/ص١٢٣).
[١٢] نقله أبو كنانة عن بعض المؤرخين.
[١٣] موقع الدرر السنية » موسوعة الأديان » الباب الثاني » اليهودية وما تفرع عنها » الفصل الرابع » كتبهم » المبحث الأول: التوراة والكتب الملحقة بها.
[١٤] المصباح المنير في غريب الشرح الكبير (ج١/‏ص٢٨١) - الفيومي (ت نحو ٧٧٠).
[١٥] المعجم الوسيط (ج١/‏ص٤٣٧) - مجموعة من المؤلفين.
[١٦] مختار الصحاح (ج١/‏ص٢٣٢) - الرازي اللغوي (ت ٦٦٦).
[١٧] منهاج السنة النبوية (ج٥/ص٤٥٦).
[١٨] نسبية المفاهيم الفيزيائية الأساسية.
[١٩] حسن صحيح، الألباني، صحيح الترغيب (٢٩٢٢)، أخرجه الترمذي (٣٩٥٥).
[٢٠] الكوشيون أخوال عُربنا.