الرؤية العلمية للأهلة الشرعية

مقدمة

⏫محتويات الكتاب     منازل القمر⏪

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
تحفيزاً للقاريء الكريم للاستفادة من هذا البحث وسائر ما في هذه المدونة؛ أود أن أُذكِّر بأنني لا أكتب ولله الحمد والمنة لغير سبب.
وقد جمع ابن حزم رحمه الله تعالى أسباب الكتابة في سبعةٍ [1]، وأشار إليها ابن الجوزي رحمه الله تعالى مع ذكره فوائد التصنيف والكتابة [2].
من الجديد في هذا البحث فيما أظن؛ التأمل في المعاني والاستنباط من الأدلة، فلم أكتفِ بالنقل عن المتقدِّمين أو المتأخرين.
ومن ذلك؛ مناقشة أدلة المانعين بطريقة قد لا توجد في غيره.
ومنه؛ ذكرُ معايير مكانية محددة للحساب بناءاً على حقائق فلكية وشرعية، ميزة هذه المعايير جعل النموذج الرياضي أيسر وأدق، أيسر لأنها قليلة محدودة، وأدق لمطابقة التضاريس وارتفاع مكان الراصد للواقع، وهذه المعايير مبنية على عدم اعتبار اختلاف المطالع.
ومنه؛ جمع كلام لابن تيمية رحمه الله في حساب الأهلة متفرق في الفتاوى.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

[1] مجموع رسائل ابن حزم (ج4/ص103)، المحقق؛ إحسان عباس، الناشر؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
[2] صيد الخاطر (ص241)، الناشر؛ دار القلم – دمشق، الطبعة الأولى، 1425هـ - 2004م.
pdf

⏫محتويات الكتاب    منازل القمر⏪

منازل القمر

⏩مقدمة    ⏫محتويات الكتاب    عوامل تحقق منزلة الهلال الشرعي⏪

القمر يعكس ضوء الشمس ولا يضيء بذاته.
من منازل القمر؛ الإبدار والاستسرار والولادة وهلال أول الشهر وآخره والتربيع المتزايد والمتناقص والأحدب المتزايد والمتناقص، ويسمى المُتزايد من التربيع والأحدب بالأول أيضاً، و كذلك يُسمى المتناقص منهما بالثاني أيضاً.
منزلة الهلال الشرعي هي منزلة وجوده على وجهٍ يُرى فوق الأُفق عند مغيب شمس آخر يوم من الشهر القمري، وهو يوم التاسع والعشرين أو الثلاثين.
ومنزلة الولادة هي منزلة ظهور أول خيطٍ مضيء مواجهٍ للأرض بعد منزلة اختفاء القمر، ولكنه خيط رفيع لا يُرى، وتحدث ولادة الهلال المركزية أو السطحية في أي ساعة من ليل أو نهار.
والإبدار هو منزلة مواجهة الوجه المضئ للقمر الأرض، وهي المنزلة التي تكون في منتصف الشهر القمري.
ومنزلة الاستسرار هي منزلة مواجهة الوجه المظلم الأرض، وتُسمى بالمحاق أيضاً لانمحاق ضوء القمر، وتُسمى بالاقتران أيضاً لاقتران الشمس والقمر بوقوع الشمس خلف القمر، ومنزلة الاستسرار هي التي تكون في آخر الشهر القمري.
يوجد حساب لبعض منازل القمر لستة آلاف سنة، ألفان منها قبل الميلاد، وذلك في موقع العالم الفلكي الأمريكي المتقاعد فريد اسبيناك الذي ظل يزود ناسا بحساب الكسوف والخسوف منذ عام 1978م، وهو في؛ موقع فريد اسبيناك » منازل القمر لستة آلاف سنة.
منازل القمر الموحدة عالمياً هي المركزية، وهي التي في موقع فريد اسبيناك السابق، وهي باعتبار الشمس والأرض والقمر نقاطاً في الفضاء، والمنازل السطحية هي التي تتراءى للناظر من نقطة معينة على سطح الأرض.
ومن المهم عند حساب الأهلة اعتبار منازل القمر السطحية لا المركزية، لأن منزلة الهلال هي منزلة وجوده فوق الأفق على وجه يُرى من موضع معين في الأرض.
وكثيراً ما يُخطيء فلكيون معاصرون فضلاً عن غيرهم بعدم التفريق بين المنازل المركزية والسطحية، وذلك باعتبارهم الولادة المركزية بدل السطحية.
مما يؤكد أهمية اعتبار المنازل السطحية في حساب الأهلة أن الفرق بين الاقتران السطحي والمركزي قد يصل إلى ساعتين، المصدر؛ مركز الفلك الدولي » الفرق بين أطوار القمر المركزية و السطحية.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.
pdf

⏩مقدمة    ⏫محتويات الكتاب    عوامل تحقق منزلة الهلال الشرعي⏪

عوامل تحقق منزلة الهلال الشرعي

⏩منازل القمر    ⏫محتويات الكتاب     اليقين والظن والوهم في حساب الأهلة⏪

العوامل الطبيعة المؤثرة في تحقق الأهلة الشرعية هي؛
1. ألا تكون ولادة الهلال بعد مغيب شمس يوم التاسع والعشرين.
2. ألا يغيب القمر قبل مغيب الشمس.
3. عُمر الهلال (المدة ما بين ولادة الهلال ومغيب الشمس).
4. مُكث الهلال (المدة ما بين وقت مغيب الشمس إلى مغيب القمر).
5. الاستطالة (زاوية الشمس-القمر-الأرض، ويعرف بها مقدار الشعاع الساقط على القمر والمنعكس منه).
6. ارتفاع القمر عن الأفق (زاوية القمر-النظر-الأفق).
7.  فرق السمت (بُعد موضع مغيب الشمس عن موضع مغيب القمر، وأثره على الشعاع الساقط على القمر والمنعكس منه).
8. سمك الهلال.
9. طول قوس الهلال.
10. ارتفاع الراصد (له علاقة بارتفاع القمر عن الأفق).
11. الأحوال الجوية، وجودة المرقب أو حدة بصر الراصد وتمرسه.
سبق أن فرق السمت هو الفرق بين موضع مغيب الشمس ومغيب القمر في السمت، والسمت عبارة عن دائرة وهمية على الأفق، بحيث يكون الشمال هو نقطة الصفر، والشرق 90 درجة، والجنوب 180 درجة، والغرب 270 درجة، فإذا كان غروب الشمس يوم الاعتدال الربيعي (21 ما رس) في جهة الغرب تماماً أي بسمت مقداره 270 درجة، وكان سمت القمر عند غروب الشمس 278 درجة، فإن  فرق السمت بين الشمس والقمر عند الغروب يساوي 8 درجات.
سمك الهلال هو مقدار سمك المنطقة المضيئة من القمر بالدقائق القوسية، فعلى سبيل المثال، هذه القيمة  للقمر في طور البدر تساوي حوالي 30 دقيقة قوسية، و في طور التربيع الأول أو الثاني تساوي 15 دقيقة قوسية تقريباً.
طول قوس الهلال هو الزاوية المركزية ما بين قرني الهلال، وتتراوح ما بين 50 إلى 130 درجة اعتماداً على الاستطالة، و سبب أننا لا نرى الهلال كقوس على شكل نصف دائرة تماماً (180 درجة) هو قلة إضاءة سطح القمر عند حواف الهلال.
مصدر تعريفات السمت وسمك الهلال وطول قوسه؛ مركز الفلك الدولي » الهلال بين الحسابات الفلكية والرؤية.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.
pdf

⏩منازل القمر    ⏫محتويات الكتاب     اليقين والظن والوهم في حساب الأهلة⏪

اليقين والظن والوهم في حساب الأهلة

⏩عوامل تحقق منزلة الهلال الشرعي    ⏫محتويات الكتاب     أقوال ابن تيمية في حساب الأهلة⏪

الحساب المحض علم صحيح لا يدخل فيه غلط كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونص كلامه موجود في هذا البحث، ولكن الحاسب قد يُخطيء. 
ويدخل الخطأ في حساب الظواهر الطبيعية من جهة النموذج الرياضي، وذلك لأنَّ النموذج الرياضي في علوم الطبيعة لابد فيه من شيءٍ من المثالية وهامش من الخطأ.
فالنموذج الرياضي عند أصحاب هذه الفنون هو تبسيط للحقيقة، وذلك بإخراج غير المهم في حساب الظاهرة، وتضمين المهم في حسابها.
ولكن لمَّا لم يُمكن تضمين كل الحقائق المهمة في كل نموذج رياضي؛ كانت فيه نسبة خطأ غير مؤثرة ولابد.
وللمزيد حول النماذج الرياضية مع التمثيل؛ مدونتي » ثقافة ومعارف » ابن تيمية وعلم الفلك.
النموذج الرياضي المتبع حالياً لحساب الأهلة معقد، وذلك لأنه يشمل كل نُقطة على وجه الأرض، ولذا اضطر الفلكيون المعاصرون إلى إهمال الدقة في عامل مهم من عوامل حساب الأهلة وهو عامل التضاريس وارتفاع مكان الراصد.
ولذا فإن الحساب الفلكي المتبع حالياً يقيني في معرفة منازل القمر عدا منزلة الهلال الشرعي ففيها تفصيل.
الحساب الفلكي الحالي يقيني في معرفة وقت الولادة السطحية أو المركزية بالحساب الدقيق، كما يُمكن بالحساب أيضاً معرفة أيهما يغيب أولاً القمر أو الشمس.
فإذا كانت الولادة قبل مغيب الشمس، وكان مغيب القمر بعد مغيب الشمس، فإن القمر موجود بعد ولادته فوق الأفق يقيناً، ويُعرف أيضاً مقدار ارتفاعه عن الأفق عند مغيب الشمس.
ولكن وجود القمر بعد الولادة فوق الأفق لا يعني ضرورةً أنه موجود على وجهٍ يُرى (منزلة الهلال)، فمثلاً لو كان ارتفاعه بزاوية مقدارها درجة واحدة فقط فإنه لا يُمكن رؤيته كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وكذلك يُمكن أن نتيقن بعدم وجود القمر بعد ولادته فوق الأُفق عند مغيب الشمس، وذلك إما لأن ولادته بعد مغيب الشمس أو لمغيب القمر قبل مغيب شمس يوم التاسع والعشرين.
وإذا حدثت ولادة القمر السطحية بعد مغيب شمس يوم التاسع والعشرين فإن رؤيته مستحيلة من موقع الولادة السطحية، والاستحالة واضحة في هذه الحال، إذ لا يمكن رؤيته وهو لم يولد بعد.
 وكذلك تستحيل الرؤية إذا غاب القرص السفلي المضيء للقمر قبل مغيب الشمس في بلدة معينة، لأنَّ القمر في هذه الحالة غير موجود أصلاً فوق الأفق.
ففي هذه الأحوال السابقة لا يوجد القمر على وجه يُرى فوق الأفق عند مغيب شمس يوم التاسع والعشرين (منزلة الهلال)، وكذلك تكون الرؤية مستحيلة في حالات أخرى وممكنة يقيناً في حالات، ويمكن التعرُّف على هذه الحالات من خلال الفقرات التالية.
والمحققون من الفلكيين يفرقون بين قولهم الرؤية مستحيلة وغير ممكنة، فالرؤية مستحيلة عندهم بسبب غروب القمر قبل غروب الشمس أو بسبب حصول الاقتران السطحي بعد غروب الشمس، وحساب هذه الظواهر يقيني.
ولما ميز الفلكيون ما سبق بقولهم مستحيل وعلمنا أنه المقطوع باستحالة رؤيته، لزم أن يكون اصطلاحهم (غير ممكنة) لما هو ظني، وإلا لما كانت هناك فائدة من وضع اصطلاحين، ولأنهم يتحدثون عن إمكان الرؤية ودرجاتها.
ولكن دلت التجارب على أن فيما يسمونه غير ممكن كثير من الوهم، فحساب الأهلة الشرعية المُتبع حالياً إما يقيني أو ظني أو متوهم حسب موقع البلد والشهر.
وكما تقدم فإن سبب ذلك هو النموذج الرياضي، فالنموذج الرياضي الحالي غير دقيق في اعتبار التضاريس وارتفاع مكان الراصد أو انخفاضه، وبالتالي فإن زاوية القمر-النظر-الأفق لا تمثل واقع إمكان الرؤية في بعض الأماكن، ولهذا اختلف الفلكيون المعاصرون في مقدار هذه الزاوية، وهذا ما انتقده ابن تيمية رحمه الله تعالى مما في حساب الأهلة من وهم منذ قرون.
واقترح هذا البحث معايير ثابتةً لحساب إمكان رؤية الهلال، وهي معايير تجعل النموذج الرياضي يسيراً، وذلك لاعتماد المُقترح على نتائج مراصد قليلة في الغرب الأقصى من الأرض، واختيار الغرب مبني على ثوابت علمية فلكية.
والمعايير المُقترحة مبنية على عدم اعتبار اختلاف مطالع الهلال، ولذا تحدثتُ في هذا البحث عن مسألة اختلاف المطالع.
وما قرره ابن تيمية رحمه الله تعالى لا يختلف عما قرره المحققون من الفلكيين المعاصرين، فقد قرر إمكان حساب منازل القمر غير أنه فصل في منزلة الهلال الشرعي، فبين أن في حساب الأهلة الشرعية ما هو يقيني وظني ومتوهم، وسلم بإمكان معرفة وقت مغيب القمر والشمس، وسلم أيضاً بإمكان معرفة مقدار ارتفاع الهلال عند مغيب الشمس.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.
pdf

⏩عوامل تحقق منزلة الهلال الشرعي     ⏫محتويات الكتاب     أقوال ابن تيمية في حساب الأهلة⏪

أقوال ابن تيمية في حساب الأهلة

قبل عرض بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في الحساب الفلكي لمنازل القمر وحساب إمكان رؤية الهلال وعدمها؛ من المهم الإشارة إلى أن الدرجات التي يتحدث عنها هي درجات الدائرة التي مجموعها بمقدار 360 درجة.
وقد نصَّ ابن تيمية رحمه الله تعالى على ذلك بقوله: (والدرجة هي جزء من ثلاثمائة وستين جزءاً من الفلك) [1].
ولا بد أيضاً من الإشارة إلى أنَّ طريقة الحساب التي يتحدث عنها لا تختلف عن الطريقة المعاصرة، وذلك لمعرفة ابن تيمية بالهندسة التحليلية، وهو عندما يتحدث في الفتاوى وغيرها عن الهندسة فإنما يقصد الهندسة التحليلية.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكذلك كثير من متأخري أصحابنا يشتغلون وقت بطالتهم بعلم الفرائض والحساب والجبر والمقابلة والهندسة ونحو ذلك، لأن فيه تفريحاً للنفس، وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط)[2].
ومما يؤكد معرفة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بالهندسة التحليلية والحساب اجتهاده في مسألة حساب وقتي العشاء والفجر كما هو موضح بتفصيل في؛ مدونتي » مسائل وأحكام » حساب وقتي العشاء والفجر.
وللاطلاع على المزيد حول معرفة ابن تيمية رحمه الله تعالى بعلم الفلك يمكن الرجوع إلى؛ مدونتي » ثقافة ومعارف » ابن تيمية وعلم الفلك.
ولعل من المفيد أيضاً الإشارة إلى حديث ابن تيمية رحمه الله تعالى عن ساعات اليوم الأربعِ والعشرين، ومن ذلك قوله: (والساعة المعتدلة هي ساعة من اثنتي عشرة ساعة باللَّيل أو النهار إذا كان الليل والنهار متساويين)[3].
ومعرفة أهل الحضارات القديمة بحساب الخسوف والكسوف تُرجح أن عدد ساعات اليوم معروف منذ القدم، ومما يدل على أنه كان معروفاً في عهد الرسالة؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)، صححه الألباني في؛ صحيح النسائي (1389).
من الأحوال التي يستطيع فيها الفلكيون الجزم بإمكان الرؤية ما لم يحل حائل عند شيخ الإسلام ابن تيمية إذا كانت زاوية القمر-النظر-الأفق 20 درجة فأكثر، ومن الأحوال التي يمكن فيها نفي الرؤية يقيناً عنده إذا كانت درجة ارتفاع الهلال عن الأفق عند المغيب لا تزيد عن درجة واحدة.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (بل إذا كان بعده مثلاً عشرين درجة فهذا يُرى ما لم يحل حائل، وإذا كان على درجة واحدة فهذا لا يرى، وأما حول العشرة فالأمر فيه يختلف باختلاف أسباب الرؤية)[4].
والنظر والأُفق في مستوىً واحد بحيث يكون النظر هو مركز الزاوية كما في الصورة التالية؛
ويُفهم من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى السابق أن الهلال لا يُرى يقيناً إذا كان ارتفاعه على درجة واحدة، فمن باب أولى إذا لم يولد بعد، وكذلك إذا غاب القمر قبل الشمس، وقد  نقلتُ كلامه في هذا المبحث في مغيب القمر ومغيب الشمس.
فالرؤية في هذه الأحوال الثلاثة مستحيلة، وكذا في أحوال غيرها محدودة، وقد سبق أنَّ المحققين من الفلكيين المعاصرين يعنون بقولهم مستحيلة أن عدم إمكان الرؤية يقيني بسبب مغيب القمر قبل مغيب الشمس أو حدوث الاقتران السطحي بعد مغيب الشمس.
ويُفهم من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى السابق أيضاً أن القول بإمكان رؤية الهلال فيما بين الدرجة الواحدة والعشر درجات أكثره وهم، وذلك لاختلاف أسباب الرؤية من علو مكان الراصد وانخفاضه وصفاء الجو وكدره وحدة بصر الراصد.
وسكوت ابن تيمية رحمه الله تعالى عما بين العشرة والعشرين درجة يوحي بأنه يسلم بأن الرؤية عندها قد تكون ممكنة بظن غالب.
وتقدم أنَّ حساب منازل القمر يقيني عدا منزلة الهلال، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرفة منزلتي المحاق والإبدار: (ومن معرفة الحساب الاستسرار والإبدار).
وقد قرأت في صفحة ناسا أن كسوف الشمس لا يحدث إلا عند الولادة، وأن خسوف القمر لا يحدث إلا عند الإبدار، والولادة تعقب الاستسرار، وقد قرر ابن تيمية أن الخسوف يحدث عند الإبدار كما في موقع ناسا، وأن الكسوف يحدث عند الاستسرار، ولعل الكسوف يبدأ وقت الاستسرار ويستمر إلى وقت الولادة.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كما يُعرف وقت الكسوف والخسوف، فإن الشمس لا تكسف في سنة الله التي جعل لها إلا عند الاستسرار، إذا وقع القمر بينها وبين أبصار الناس على محاذاة مضبوطة، وكذلك القمر لا يخسف إلا في ليالي الإبدار على محاذاة مضبوطة لتحول الأرض بينه وبين الشمس، فمعرفة الكسوف والخسوف لمن صح حسابه مثل معرفة كل أحد أنَّ ليلة الحادي والثلاثين من الشهر لا بد أن يطلع الهلال)[5].
وتقدم كذلك أن حساب وقت غياب القمر؛ هل يغيب قبل مغيب الشمس أم بعدها يقيني.
قال ابن تيمية رحمه الله في مغيب الشمس ومغيب القمر: (وإن قال: إنه يضبط حاله من حين وجوب الشمس إلى حين وجوبه، فإنما يمكنه أن يضبط عدد تلك الدرجات لأنَّه يبقى مرتفعاً بقدر ما بينهما من البعد، أمّا مقدار ما يحصل فيه من الضوء، وما يزول من الشعاع المانع له؛ فإن بذلك تحصل الرؤية بضبطه على وجه واحد - يصح مع الرؤية دائماً أو يمتنع دائماً - فهذا لا يقدر عليه أبداً وليس هو في نفسه شيئاً منضبطاً)[6].
يأتي الوجوب بمعنى السقوط، ويُقال وجبت الشمس يعني غربت، وما قرره ابن تيمية رحمه الله تعالى في مسألة الشعاع الساقط على القمر والمنعكس منه هو ما قرره الفلكيون المعاصرون عند حديثهم عن  الاستطالة وفرق السمت وأثرهما في إمكان الرؤية.
وسلَّم ابن تيمية رحمه الله بمعرفة ارتفاع الهلال عن الأفق عند مغيب شمس يوم التاسع والعشرين فقال: (فإذا قُدِّر أنهم حزروا ارتفاعه عند مغيب الشمس لم يكن في هذا ما يدل على ثبوت الرؤية ولا انتفائها)[7].
مما هو معلوم من كلام الفلكيين المعاصرين وما قرَّره ابن تيمية رحمه الله نعلم أنَّ الفلكيين يستطيعون معرفة وجود القمر بعد ولادته أو عدم وجوده فوق الأفق ليلة التاسع والعشرين عند المغيب ومعرفة مقدار ارتفاعه، وهذه المعرفة يقينية وقطعية، إذ يكفي لها معرفة متى ولد، ومتى يغيب القمر.
ولكن معرفة منزلة الهلال (إمكان الرؤية) وهم في كثير من الأحوال، وذلك بسبب عدم اعتبار ارتفاع مكان الرصد في النموذج الرياضي، وهذا الوهم ليس فقط في عهد ابن تيمية رحمه الله تعالى بل لا يزال الأمر كذلك إلى يومنا هذا، وذلك لأنه حساب معقد، بسبب أنهم يحسبون إمكان الرؤية في كل نقطة على وجه الأرض.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

١.  مجموع الفتاوى (ج25/ص185)، تحقيق؛ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، السعودية، 1416هـ/1995م.
٢. مجموع الفتاوى (ج9/ص129)، الطبعة السابقة.
٣. مجموع الفتاوى (ج٥/ص٤٦٨)، الطبعة السابقة.
٤. مجموع الفتاوى (ج25/ص186)، الطبعة السابقة.
٥. مجموع الفتاوى (ج25/ص185)، الطبعة السابقة.
٦. مجموع الفتاوى (ج25/ص188)، الطبعة السابقة.

النموذج الرياضي لا يزال مثالياً

⏩أقوال ابن تيمية في حساب الأهلة     ⏫محتويات الكتاب     حُكم العمل بحساب الأهلة⏪

من الأخطاء التي لا تزال في الطرق المُعاصرة لحساب الأهلة؛ اعتماد ارتفاعات ثابتة فوق مستوى سطح البحر، وسبب الخطأ هو أنَّ النموذج الرياضي المتبع حالياً معقد، وذلك لأنه يشمل كل نُقطة على وجه الأرض، ولذا اضطر الفلكيون المعاصرون إلى إهمال الدقة في عامل التضاريس وارتفاع مكان الراصد.
ولهذا فإن المُحققين من الفلكيين يفرقون في هذا النموذج المُعقَّد بين القطعي والظني من عدم إمكان رؤية الهلال، وذلك بقولهم عن القطعي من الرؤية؛ مستحيلة، وقولهم عما كان فيه احتمال يقين وظن؛ غير ممكنة.
ولكن وللأسف فإن ما يسمونه غير ممكن كثيراً ما يكون وهماً في كثيرٍ من الأحيان بسبب التضاريس وارتفاع مكان الراصد.
ولهذا يجوز بناءاً على الحسابات الفلكية الحالية رد الشهادة إذا كانت الرؤية مستحيلة، ولا يجوز ردها إذا كانت غير ممكنة، لأن قولهم غير ممكنة وهم في كثيرٍ من الأحيان، فمن رد الشهادة مع احتمال صحتها يدخل في وعيد من كذب بالحق لما جاءه.
أما في حال قول الفلكي المُحقق مستحيلة فيجب رد الشهادة لأنها ظنية بينما الحساب قطعي في هذا الحال، فدعوى الرؤية في هذا الحال إما كذب أو وهم، كمن رأى أورانوس فظن أنه الهلال.
وقرأتُ قديماً في إحدى المجلات فتوى للشيخ العثيمين رحمه الله برد الشهادة ولو استفاضت إذا كانت ولادة الهلال بعد مغيب الشمس، وقال هذا مخالف للسنة التي أجرى الله عليها هذه الكواكب، وشبَّه ذلك بادعاء إمكان شروق الشمس الثانية ليلاً، ويُحمل كلامه على حال البلاد المعتدلة في طول الليل والنهار.
وبسبب تعارض أقوال الفلكيين المُعاصرين في إمكان رؤية الهلال مع ما يثبت من رؤية عينٍ بشهادة الشهود، أعرض كثيرٌ من الفقهاء عن قبول قولهم.
الحساب نفسه لا يخطيء، وقد سبق نقل قول ابن تيمية رحمه الله تعالى في علوم منها الحساب: (وهو علم صحيح لا يدخل فيه غلط)، ولكنَّ الحاسب قد يخطيء، ومن أسباب خطأ الحاسب؛ ضعف النموذج الرياضي.
ولا يزال ما انتقده ابن تيمية رحمه الله تعالى من حساب إمكان رؤية الأهلة هو المتبع، وهو وقوع الوهم أحياناً بسبب النموذج الرياضي الذي لا يتضمن ارتفاعاً صحيحاً لكل مكان للراصد.
وخطأ عدم اعتبار التضاريس والارتفاع لكل مكان للراصد له علاقة بزاوية القمر-النظر-الأفق، فالزاوية التي يعتمدونها لا تمثل كل نقطة على وجه الأرض، ولذا اختلف الفلكيون في تحديد أقل زاوية لإمكان رؤية الهلال.
ولا يزال بعض الفلكيين يخطؤون بجعل النموذج الرياضي أكثر مخالفةً للواقع من جهة ثانية، وهي؛ اعتماد ولادة الهلال المركزية لا السطحية.
وسبق أنَّ الاقتران السطحي هو الاقتران الذي يتراءى للناظر من نقطة معينة على سطح الأرض، وأن المركزي هو باعتبار الشمس والأرض والقمر نقاطاً في الفضاء، والفرق بينهما قد يصل إلى ساعتين، المصدر؛ مركز الفلك الدولي » الفرق بين أطوار القمر المركزية والسطحية.
يكفي أن يكون النموذج الرياضي قريباً من الحقيقة، فالشهادة ظنية، ووجوب إكمال العدة ثلاثين إذا غم على الناس يدل على أن إثبات دخول الشهر يكفي بالظن الغالب، والظن عند الأصوليين هو الراجح من الاحتمالات، والوهم هو الضعيف منها.
ولهذا فأفضل حساب لإمكان رؤية الهلال هو ما كان بمعايير ثابتة ومحدودة لمكان الراصد، مع اعتبار اعتدال الأحوال الجوية، وجودة المرقب، وتمرس الراصد وحدة بصره.
وقد اقترحتُ في هذا البحث معايير محدودة بناءاً على ثوابت علمية فلكية، وبناءاً على ترجيح عدم اعتبار اختلاف مطالع الهلال، ولذا تحدثت في مبحث مختصر في هذا البحث عن مسألة اختلاف مطالع الهلال.
وبالمثال يتضح المقال؛ فإمكان الرؤية موضح في الخريطة التالية بالألوان، وقد نقلتُ هذه الخريطة من؛ مركز الفلك الدولي » نتائج رصد هلال شوال لعام 1436هـ.
اللون الأحمر؛ الرؤية مستحيلة، والأبيض أو غير الملون؛ الرؤية غير ممكنة، الكحلي (الأزرق الغامق)؛ يحتاج مرقب/تلسكوب، والزهري؛ قد يُرى بالعين المجردة (في حالة صفاء الجو التام مع تمرس الراصد)، والأخضر؛ يُرى بالعين المجردة بسهولة، والأزرق السماوي؛ غير معروف.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش

حُكم العمل بحساب الأهلة

⏩النموذج الرياضي لا يزال مثالياً     ⏫محتويات الكتاب     دلالات النصوص⏪

يجوز العمل بحساب الأهلة بمعايير معينة، وليس في ذلك مخالفة للنصوص ولا الإجماع كما هو موضح في مبحث دلالات النصوص ومبحث الإجماع.
ومناط الحكم العلم بوجود الهلال الشرعي أو عدم وجوده فوق الأفق عند مغيب شمس يوم التاسع والعشرين.
ويُعتبر القمر في طور الهلال شرعاً إذا كان فوق الأفق بعد الولادة على وجه يُرى، ويُعتبر إمكان الرؤية حسابياً بأقل ارتفاع عن الأفق، وأقل مُكثٍ، وفي أقل عُمُرٍ، وأقل استطالة، هذا مع اعتبار فرق السمت وعلاقته بارتفاع القمر عن الأفق.
والاستطالة هي زاوية الشمس-القمر-الأرض، وفرق السمت هو البعد بين موضع مغيب الشمس وموضع مغيب القمر، وذلك لمعرفة الشعاع الساقط عليه والمنعكس منه.
ولمعرفة عُمر الهلال يجب اعتماد المحاق السطحي وليس المركزي.
وتحديد المعايير يكون بتحديد ارتفاعات معينة للراصد من أفضل أماكن للرصد في أقصى الغرب، وباستخدام مرقب جيد، وباعتبار راصد متمرس حاد البصر، وباعتبار حالة جوية معتدلة.
فأما اعتبار تلك الشروط؛ فلأن النصوص أناطت الحُكم برؤية الأهلة بعد مغيب الشمس وليس بولادة الهلال، ورؤية العِلم تغني عن رؤية العين.
أما اختيار معايير معينة فلأن إمكان الرؤية نفياً أو إثباتاً يحدث فيه الوهم من جهة علو مكان الرصد أو انخفاضه وتمرس الراصد وحدة بصره.
وأما اختيار أفضل أماكن للرصد فلأن العادة أن يتخير الناس أفضل الأماكن وكذلك الحال في اختيار المرقب وحدة بصر الراصد. 
وأما اعتدال الأحوال الجوية فلأنه إذا حال حائل فيجب إكمال الشهر ثلاثين يوماً.
اعتبار أقصى الغرب مبني على عدم اعتبار اختلاف المطالع، وقد ناقشت أدلة عدم اعتبارها في مبحث اختلاف مطالع الهلال.
وأما اعتبار أقصى الغرب فلكياً؛ فلأن مسير القمر من الغرب إلى الشرق، فتثبت الرؤية في الغرب قبل الشرق دائماً، وخرائط الرؤية تؤكد ذلك، فنفي إمكان رؤية الهلال في أقصى الغرب يعني نفيه في كل العالم، ولا يمكن أن يثبت في الشرق ما لم يثبت في الغرب.
وأما قول ابن تيمية رحمه الله بناءاً على هذه الحقيقة الفلكية أن رؤية أهل الشرق رؤية لأهل الغرب ولا ينعكس؛ فهذا باعتبار اختلاف المطالع، لأنه يطلع في الغرب دائماً قبل الشرق.
وأما اعتبار عدة معايير؛ فلأن ظهور الهلال ينتقل في أقصى الغرب شمالاً وجنوباً من شهر إلى آخر، فاعتبار معيار واحد؛ يعني ترك العمل برؤية العين أو العِلم في غيره.
وفي ذلك مخالفة لحديث؛ (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، لأننا نراه رؤية عين أو رؤية عِلم في غير المعيار الواحد في بعض الأشهر في أقصى الغرب ولابد، وكذا لو قيل باتخاذ مكة معياراً، وذلك لأن نفيه في مكة لا يستلزم نفيه فيما هو غربها.
هذا المُقترح دقيقٌ ويسيرٌ، فهو دقيقٌ لأن النموذج الرياضي الذي يُبنى عليه بعيدٌ عن المثالية التي لا تعتبر التضاريس وارتفاع مكان الراصد، ويسيرٌ لأنه مبني على حساب إمكان رؤية الهلال في أماكن محددة وليس في كل العالم كما هو معمولٌ به اليوم، وذلك لأن الأرجح عدم اعتبار اختلاف مطالع الهلال، وقد تحدثت عن مسألة اختلاف المطالع في هذا البحث.
والأفضل مراعاة الأيسر فيما فيه سعة، للحديث المتفق عليه عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه)، أخرجه البخاري (٦١٢٦) واللفظ له، ومسلم (٢٣٢٧).
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.
pdf

⏩النموذج الرياضي لا يزال مثالياً     ⏫محتويات الكتاب     دلالات النصوص⏪

دلالات النصوص

قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته) [1]؛ يشمل الرؤية البصرية بالعين والرؤية العِلمية بالحساب والشهادة.
رأى التي بمعنى علِم في الحقيقة اللغوية تنصب مفعولين كما في مثل قول الله عز وجل: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً}.
ولكن رأى البصرية في الحقيقة اللغوية قد تشمل رؤية العِلم في استعمالها في الجمل، وقد تعني رؤية البصر فقط.
فإذا كانت الجملة خبراً فإنها تعني رؤية البصر فقط، ومثال ذلك أن يقول قائل؛ رأيت الهلال، فالرؤية هنا تُحمل على رؤية العين والبصر لا العِلم.
أما إذا كانت الجملة إنشاءاً كالأمر والنهي، فإن الرؤية تشمل رؤية العين ورؤية العلم، مثال ذلك؛ إذا قال والد لولده؛ اخرج من البيت حين ترى الشمس، فالرؤية هنا تشمل البصرية والعلمية، فإذا رأى الولد ضوء الشمس وخرج يكون قد أطاع أمر والده، لأن هذا التركيب يُطلق ويراد به الانتظار إلى وقت الشروق.
قال ابن نجيم الحنفي رحمه الله تعالى في حديث؛ (إذا رأت الماء)؛  (ورَأَىْ تستعمل حقيقة في عَلِمَ باتفاق أهل اللغة) [2].
ولذا قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في حديث؛ (إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان)؛ رؤية عين أو رؤية علم.
وكذلك حديث؛ (لا تصوموا حتى ترووا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه) [3]، فإن هذا الحديث يشمل رؤية العين ورؤية العِلم، وهو مثل أن يقول والد لولده؛ لا تخرج من البيت حتى ترى الشمس، فإذا رأى الولد ضوء الشمس وخرج يكون قد أطاع أمر والده، لأن المراد انتظار الشروق، فكذلك من علم أن الهلال موجود فوق الأفق فصام أو أفطر يكون قد أطاع أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وليس في القول بأنَّ الحديث يشمل رؤية العين ورؤية العِلْم تأويل، لأنَّه ظاهر الاستعمال، والظاهر المقدَّم على ظاهر اللغة هو ظاهر الاستعمال، وللجمل والتراكيب اصطلاح واستعمال كما أن للكلمات اصطلاح واستعمال، ومن الأمثلة حديث؛ (لا يُصَلِّيَنَّ أحَدٌ العَصْرَ إلّا في بَنِي قُرَيْظَةَ) [4]، فظاهر الاستعمال هو الاسراع في المسير لإدراك المكان قبل المغيب.
وأنبه إلى ما ذكرتُه في مقال؛ إنِّها حرفية لا ظاهرية من أنَّ الظاهر المُقدَّم هو ظاهر العرف والاستعمال والاصطلاح، ومثلت لذلك بما يتبادر إلى الذهن من كلمتي الحاسب الآلي والآلة الحاسبة.
وذكرتُ في المقال أن للتراكيب والجمل استعمال كما أنَّ للكلمات استعمال، ولذا قال الفقهاء؛ إذا قال سيد لعبده؛ إذا لم تشتر البر فلا تأتي إلى البيت، أنه إذا لم يرجع إلى البيت لعدم حصوله على البر يكون قد خالف أمر سيده، وذلك لأن ظاهر استعمال هذه الجملة؛ الجد في البحث خلافاً لظاهر اللغة.
ومما يدل على أن الرؤية تشمل رؤية العِلم أنه يكفي لثبوت الشهر شهادة العدول، فتكون الرؤية بصرية في حق من رأى الهلال بنفسه وعلمية في حق من صامه بناءاً على الشهادة.
ومثل هذا الاستدلال قول ابن دقيق العيد رحمه الله: (وليس حقيقة الرؤية بشرط من اللزوم، لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة أو بالاجتهاد بالأمارات أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم)، [5].
ورؤية البصر ما هي إلا وسيلة لمعرفة ما إذا كان الهلال فوق الأفق أو لا، وقد قال بعض العلماء بأن الهلال هو ما طلع في السماء، وقال آخرون ما استهله الناس، وعلى القولين تصح الرؤية العِلمية، وذلك لأن الناس يستهلونه إذا رأوه رؤية عين أو رؤية عِلم.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذا كله إذا فسر الهلال بما طلع في السماء، وجعل وقت الغيم المطبق شكاً، أما إذا فسر الهلال بما استهله الناس وأدركوه، وظهر لهم وأظهروا الصوت به؛ اندفع هذا بكل تقدير. والخلاف في ذلك مشهور بين العلماء، في مذهب الإمام أحمد وغيره، والثاني قول الشافعي وغيره، والله أعلم) [5].
وأما حديث؛ (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) [6]؛ فلا نافية وفيها معنى النهي، وذلك لأن النبي صلى الله عليه أوتي جوامع الكلم، ولم يكن لينفي لغير معنىً.
ولكن النهي هنا لكيلا تعتمد الأمة على غيرها من الأمم الذين كانوا يعرفون الحساب كالهنود واليونان، وأما بعد تعلم الأمة الحساب، فجاز لها العمل به، قاله المحدث أحمد شاكر رحمه الله تعالى، يؤكد ذلك أن الأمم غير المسلمة لا تعتمد المعنى الشرعي للهلال.
والنهي مُختص بحساب الأهلة وكتابة التقاويم، وليس عن مطلق الحساب والكتابة بإجماع الأمة، وقد نسب الله جل ثناؤهُ التعليم بالقلم إليه على وجه التشريف في قوله تعالى ذكره: {الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ}
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

الإجماع

⏩دلالات النصوص     ⏫محتويات الكتاب     اختلاف مطالع الهلال⏪

من العلماء من حكى الإجماع على عدم جواز العمل بحساب الأهلة في بدايات الأشهر، منهم؛ ابن تيمية من الحنابلة، ومن الشافعية؛ نقله ابن حجر عن الباجي، ومن الأحناف؛ الجصاص ونقله ابن عابدين عن قوام الدين الكاكي، ومن المالكية؛ ابن عبد البر وابن رشد الجد والحفيد والباجي والقرطبي والقرافي، رحمهم الله تعالى جميعاً.
وكل الذين نقلوا الإجماع بعد عهد السلف، و عهد السلف يُقصد به القرون الثلاثة المفضلة الأولى، وقد قدرتُ نهايتها بعام 247هـ في؛ مدونتي » أصول وقواعد » تحديد القرون المُفضلة.
فكل من سبق ذكرهم ممن حكى الإجماع على عدم جواز العمل بحساب الأهلة عاشوا بعد المائة السادسة عدا ابن عبد البر وابن رشد الجد والحفيد، فقد عاش ابن عبد البر في أواخر المائة الثالثة وبداية الرابعة، وعاش ابن رشد الجد بعد المائة الرابعة، والحفيد بعد المائة الخامسة.
والقطعي من الإجماع بعد عصر الخلفاء الراشدين أقل عدداً ومرتبةً، وكثيرٌ منه ظني، وكثيراً ما يقع فيه الوهم، وأرجو حول هذا الرجوع إلى بحث مهم في الإجماع في؛ مدونتي » أصول وقواعد » تحقيق الإجماع على سبيل الاتباع.
هذا الإجماع المحكي منه صحيح ومنه متوهم، فأما الصحيح؛ فإن معايير بعض الفلكيين لحساب الأهلة فيها خروج صريحٌ عن الشرع ومخالفةٌ لصريح الكتاب والسنة والإجماع، كمن يجعل سبب بداية الشهر انتهاء فترة الاقتران.
ونهاية قترة الإقتران هي التي تسمى في عصرنا بالولادة، وهي المنزلة التي عبر عنها ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى بمفارقة القمر للشمس، ويسمى الاقتران أيضاً بالاستسرار والمحاق كما سبق.
فلا يكون الحساب صحيحاً إلا بالتأكد من وصول منزلة القمر إلى طور الهلال مع وجوده فوق الأفق عند مغيب شمس يوم التاسع والعشرين؛ وهو ما عبر عنه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى بقوله في جواز العمل بالحساب: (إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يُرى).
وأما المتوهم فمن جهتين؛ الأولى؛ الظن بأنه مخالفٌ لعمل الصحابة رضي الله عنهم، والثانية؛ الظن بأنه لم يُنقل عن السابقين، قال القرافي رحمه الله تعالى في المصدر التالي: (قال سند من أصحابنا فلو كان الإمام يرى الحساب فأثبت الهلال به لم يتبع لإجماع السلف على خلافه مع أن حساب الأهلة والكسوفات والخسوفات قطعي).
أما الزعم بأن العمل بحساب الأهلة خلاف ما عليه السلف فلا يصح، وذلك لأن الإحداث في المصالح المرسلة بشروطها لا يخالف الإجماع،  لأن إحداث العمل برؤية العِلم لعلامات دخول أوقات الصلوات وخروجها لا يرفع القول بجواز العمل برؤيتها بالعين.
فكما أن العمل بحساب أوقات الصلاة لا يخالف فعل السلف بمعرفتها برؤية علامات دخول الوقت بالعين، فكذلك العمل بحساب الأهلة لا يُخالف فعل السلف بمعرفة ثبوت الشهر برؤية الأهلة بالعين.
وتفريق القرافي رحمه الله تعالى بين حساب أوقات الصلوات وحساب الأهلة فهو مبني على فهمه للنص، إذ ليس فيه غير اعتبار أن حساب أوقات الصلاة ليس فيه مخالفة للنص، وأن حساب الأهلة مخالف للنص، وقد سبق بيان أن حساب الأهلة لا يخالف النصوص بل يوافقها.
وأما الزعم  بأن القول بجواز العمل بحساب الأهلة لم يُنقل عن السابقين؛ فلا يصح بشهادة من حكى الإجماع في المسألة؛ فقد نُقل القول بجواز العمل بحساب الأهلة عن عدد من أهل العلم منذ عهد كبار التابعين وإلى يومنا هذا.
فقد نُقل العمل بالتقدير بمنازل القمر عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من كبار التابعين، وبه قال ابن قتيبة من المحدثين، وحكى ابن سريج القول بجواز العمل بحساب الأهلة عن الإمام الشافعي إلا أن كثيراً من العلماء استنكر نسبته إلى الإمام الشافعي، رحمهم الله تعالى جميعاً.
وقال بجواز العمل بحساب الأهلة ابن سريج الشافعي وتبعه أبو الطيب والقفال والسبكي وغيرهم من فقهاء الشافعية، رحمهم الله تعالى جميعاً.
وقال بجواز العمل بحساب الأهلة بعض المالكية كابن شريح وابن دقيق العيد المالكي الشافعي، رحمهم الله تعالى جميعاً.
وقال بجواز العمل بحساب الأهلة من المعاصرين؛ المحدث العلامة أحمد شاكر، والفقيه الأصولي العلامة مصطفى الزرقاء، رحمهم الله تعالى جميعاً.
معنى الكلام التالي لابن دقيق العيد هو؛ جواز العمل برؤية العِلم، وأنها تُغني عن رؤية العين، وأن علة ذلك هي العلم بوجود القمر في طور الهلال فوق الأفق، ولكنه نبه على أنه لا يجوز أن تكون بداية الشهر بمجرد الولادة والتي عبر عنها بانتهاء فترة الإقتران.
ومنزلة الولادة تحدث في أي ساعة من ليل أو نهار، بينما اليوم والشهر يبدأ بمغيب الشمس عند المسلمين بالإجماع وليس بعد الثانية عشر ليلاً كما هو عند غير المسلمين.
قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: (والذي أقول به: إن الحساب لا يجوز أن يعتمد عليه في الصوم، لمفارقة القمر للشمس، على ما يراه المنجمون، من تقدم الشهر بالحساب على الشهر بالرؤية بيوم أو يومين. فإن ذلك إحداث لسبب لم يشرعه الله تعالى. وأما إذا دل الحساب على أن الهلال قد طلع من الأفق على وجه يرى، لولا وجود المانع - كالغيم مثلا فهذا يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي. وليس حقيقة الرؤية بشرط من اللزوم; لأن الاتفاق على أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدة، أو بالاجتهاد بالأمارات: أن اليوم من رمضان، وجب عليه الصوم) [1].
تقدَّم أن القول في حساب الأهلة كالقول في حساب أوقات الصلوات في عدم مخالفته لإجماع السلف، وأن ذلك لعدم رفعه لما جرى عليه العمل في القرون المفضلة، ولم أجد في عصرنا من ينازع في جواز العمل بحساب أوقات الصلاة.
ومع أن ابن تيمية رحمه الله تعالى قد نازع في شيء من ذلك، إلا أنه لم يصرح بعدم جواز العلم بحساب الأوقات، وسلم ضمناً بدقة حساب جميع أوقات الصلوات عدا وقتي العشاء والفجر.
وتحليل ابن تيمية رحمه الله تعالى في عدم دقة حساب وقتي العشاء والفجر يدل على حدة ذكائه رغم أنه لا يصح في رأيي، وللمزيد حول رأي ابن تيمية رحمه الله تعالى وشرحه من الناحية الحسابية أرجو الرجوع إلى؛ مدونتي » مسائل وأحكام » حساب وقتي العشاء والفجر.
تقدم أن القرافي رحمه الله تعالى فرق بين حساب أوقات الصلاة وحساب الأهلة، وأنَّ تفريقه عائدٌ إلى فهمه بأن حساب الأهلة مخالف للنص، ولذا فهو تفريق غير صحيح، وذلك بقوله: (وإذا حصل القطع بالحساب ينبغي أن يعتمد عليه كأوقات الصلوات فإنه لا غاية بعد حصول القطع، والفرق، وهو المطلوب ها هنا، وهو عمدة السلف والخلف؛ أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر) إلى قوله: (وأما الأهلة فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سببا للصوم بل رؤية الهلال خارجا من شعاع الشمس هو السبب ، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم) [2].
الحساب المحض من غير اعتبار منازل القمر أشد مخالفةً للنصوص والإجماع، قال ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا ما زال العلماء يعدون من خرج إلى ذلك قد أدخل في الإسلام ما ليس منه فيقابلون هذه الأقوال بالإنكار الذي يقابل به أهل البدع وهؤلاء الذين ابتدعوا فيه ما يشبه بدع أهل الكتاب والصابئة أنواع؛ قوم منتسبة إلى الشيعة من الإسماعيلية وغيرهم، يقولون بالعدد دون الرؤية، ومبدأ خروج هذه البدعة من الكوفة)[3].
وقال أيضاً: (فهذه طريقة هؤلاء المبتدعة المارقين الخارجين عن شريعة الإسلام الذين يحسبون ذلك الشهر بما قبله من الشهور إما في جميع السنين أو بعضها ويكتبون ذلك) [4].
وأمَّا الحساب بمنازل القمر ففيه تفصيل؛ فإن كان بمعيار لا يعتبر وصول القمر إلى طور الهلال مع وجوده فوق الأفق عند مغيب الشمس؛ فهو كذلك مخالف للنصوص والإجماع، وأما إن كان باعتبار وصول القمر إلى طور الهلال مع وجوده فوق الأفق فهو صحيح كما تقدم، وإنما يكون في طور الهلال إذا كان وجوده فوق الأُفق على وجه يُرى، والقول بمجرد وجود القمر فوق الأفق بعد الولادة من غير اشتراط أن يكون على وجه يُرى فيه بُعد عن النصوص والإجماع مع كونه أقرب من اعتبار مجرد ولادته.
وقد عد ابن تيمية رحمه الله الحساب بمنازل القمر من زلات العلماء مطلقاً، فقال بعد كلامه عن الفريق الأول الذين يعملون بالحساب المحض من غير اعتبار منازل القمر: (وأما الفريق الثاني: فقوم من فقهاء البصريين ذهبوا إلى أنَّ قوله: {فاقدروا له} تقدير حساب بمنازل القمر وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل إلا رجلاً كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيراً له. وقد قيل: إن الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو رجل جليل القدر إلا أن هذا إن صحَّ عنه فهي من زلات العلماء، وقد حكي هذا القول عن أبي العباس بن سريج أيضاً) [5].
مما يؤكد توهم الإجماع؛ تسليم من حكاه بقول بعض الفقهاء بخلافه، وبالتأمل في أقوالهم نلحظ أنهم بنوا حكاية الإجماع على الأمرين المشار إليهما سابقاً، وهما؛ أنه قول مخالفٌ لعمل الصحابة رضي الله عنهم، وأنه لم يُنقل عن السابقين.
ومن ذلك قول الزرقاني رحمه الله تعالى: (ونقل الباجي هذا التفسير عن الداودي وقال: لا يعلم أحد قاله إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين، والإجماع حجة عليهم) [6].
ومن ذلك تسليم ابن عبد البر رحمه الله تعالى أنه قول بعض فقهاء البصرة، وذلك في قوله: (ولم يتعلق أحد من فقهاء المسلمين فيما علمت باعتبار المنازل في ذلك، وإنما هو شيء روي عن مطرف بن الشخير، وليس بصحيح عنه - والله أعلم -. ولو صح ما وجب اتباعه عليه لشذوذه، ولمخالفة الحجة له، وقد تأول بعض فقهاء البصرة في معنى قوله في الحديث فاقدروا له نحو ذلك، والقول فيه واحد، وقال ابن قتيبة في قوله فاقدروا له أي فقدروا السير والمنازل وهو قول قد ذكرنا شذوذه ومخالفة أهل العلم له، وليس هذا من شأن ابن قتيبة، ولا هو ممن يعرج عليه في هذا الباب) [7].
كلام ابن عبر البر  رحمه الله تعالى فيه تردد في نفي القول بحساب منازل القمر إلى مطرف، ولعل سبب ذلك أن رواية محمد بن سيرين التي أشار إليها ابن تيمية ليس فيها تصريح باسم مطرف، رحمهم الله جميعاً، وقد سبق نقل كلام ابن تيمية، وفيه؛ (وقد روي عن محمد بن سيرين قال: خرجت في اليوم الذي شك فيه فلم أدخل على أحد يؤخذ عنه العلم إلا وجدته يأكل إلا رجلاً كان يحسب ويأخذ بالحساب ولو لم يعلمه كان خيراً له، وقد قيل: إن الرجل مطرف بن عبد الله بن الشخير).
وأما وصف ابنُ عبد البر ابنَ قتيبة بأنه لا يعرج عليه في مثل هذا، فلا ينفي عنه فقه المسألة، وكذلك وصف القرطبي له بأنه لُغوي في [10] بقوله: (وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة من اللغويين فقالا: يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان)، فإنَّ معرفة اللغة تُعين على فهم النصوص.
وقد وصف الفقيهُ المحدثُ الحافظُ ابنُ حجر ابنَ قيتبة رحمهما الله تعالى بأنه محدث بقوله: (وذهب آخرون إلى تأويل ثالث، قالوا: معناه فاقدروه بحساب المنازل. قاله أبو العباس بن سريج من الشافعية ومطرف بن عبد الله من التابعين وابن قتيبة من المحدثين)[8].
وسلم ابن حجر رحمه الله أن بعض الفقهاء قالوا بجواز العمل بحساب الأهلة، وذلك في قوله: (وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التسيير في ذلك وهم الروافض، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم. قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم، وقال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل)[9].
أما عن الروافض؛ فيظهر أن المعتمد عند الاثني عشرية العمل برؤية البصر، ومن يقول منهم بحساب منازل القمر فقد يعتمد معايير فيها مخالفة صريحة، كالقول بمجرد اعتبار الولادة.
وأما غلاة الروافض كالإسماعيلة فقد سبق عن ابن تيمية رحمه الله تعالى أنهم يعملون بحسابات محضة من غير اعتبار مسير القمر ومنازله.
وأما قول ابن بزيزة رحمه الله تعالى: (حدس وتخمين) فليس كل حساب حدس وتخمين، وأما قوله: (مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل)، فكما أن رؤية الشهود البصرية تكفي لوجوب عمل الآخرين فكذلك رؤية البعض القليل العِلمية.
وسلم القرافي بأن في المسألة قولان في المذهب المالكي والشافعي. 
العلماء ينهون عن الجزم في مسائل الاجتهاد، ولكن قد يقع منهم جزم فيها لتوهم أن قولهم محل نص وإجماع، ومن ذلك جزم أبي بن كعب رضي الله عنه بأن ليلة القدر هي ليلة السابع والعشرين.
فجزم من جزم من السابقين ومن تبعهم بعدم جواز العمل بحساب الأهلة في إثبات الأشهر هو بسبب توهم مخالفة ذلك للنصوص والإجماع.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

١. إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (ج2/ص8)، مطبعة السنة المحمدية.
٢. أنوار البروق في أنواع الفروق (ج2/ص184)، عالم الكتب.
٣. مجموع الفتاوى (ج25/ص179).
٤. مجموع الفتاوى (ج25/ص181).
٥. مجموع فتاوى ابن تيمية (ج25/ص181-182).
٦. شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (ج2/ص227)، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، الطبعة الأولى.
7. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (ج14/ص352)، تحقيق؛ مصطفى بن أحمد العلوي ومحمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب، 1387 هـ.
٨. فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج4/ص122)، دار المعرفة، بيروت، 1379، ترقيم؛ محمد فؤاد عبد الباقي، إخراج وتصحيح؛ محب الدين الخطيب، تعليقات؛ عبد العزيز بن باز.
٩. فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج4/ص127).
١٠. الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج2/ص293)، تحقيق؛ أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر؛ دار الكتب المصرية – القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ - 1964م.
١١. أحكام القرآن للجصاص (ج1/ص250)، تحقيق؛ محمد صادق القمحاوي، الناشر؛ دار إحياء التراث العربي – بيروت،1405هـ.
١٢. رد المحتار على الدر المختار (ج2/ص387)، الناشر؛ دار الفكر-بيروت، الطبعة الثانية، 1412هـ - 1992م.
١٣. أنوار البروق في أنواع الفروق (ج2/ص178)، الناشر: عالم الكتب، بدون طبعة، وبدون تاريخ.
pdf

اختلاف مطالع الهلال

⏩الإجماع     ⏫محتويات الكتاب     العمل بالأهلة في كل شيء عدا ما له صلة بالمناخ⏪

مطالع الهلال مختلفة يقيناً بالتجربة وعلم الفلك، ولا يُخالف في اختلاف المطالع أحد من العلماء، والخلاف بين العلماء إنما هو في اعتبار اختلاف المطالع لا في اختلافها.
والقول بعدم اعتبار اختلاف المطالع؛ يعني توحيد بداية الأشهر عالمياً، هو قول جمهور الفقهاء، وقال به من المعاصرين الألباني رحمه الله تعالى.
وحجة من قال بعدم اعتبار اختلاف المطالع أقوى، فإضافة إلى ما استدلوا به من عموم الأمر باعتبار الرؤية وقبول الشهادة دون تخصيص ببلد؛ فإنَّ أقوال من قال باعتبار اختلاف المطالع ليس عليها دليل مُعتبر، وهي مختلفة وغير منضبطة في تحديد الإقليم الواحد وكيفية اعتبار اختلاف المطالع.
فالقائلون باعتبار اختلاف المطالع اختلفوا في تحديد ذلك، وكل ما قالوه غير منضبط، سواءٌ الاشتراك في جزء من الليل أو غير ذلك، والحدود الجغرافية السياسية المعاصرة قد لا تتحد فيها المطالع، فهو قول مخالف للنصوص، ولا وجود له إلا في الأذهان، ومن قال باعتبار اختلاف المطالع لزمه القول باعتبار ذلك في هذه الحُدود.
ومما يدل على عدم اعتبار اختلاف المطالع حديث؛ (الصَّومُ يومَ تَصومونَ، والفِطرُ يومَ تُفطِرونَ، والأضحى يومَ تُضحُّونَ)، رواه الترمذي وقال: حسن غريب، وصححه الألباني [1]، وهو عام في وجوب توحد المسلمين في الصوم والفطر والأضحى من غير اعتبار بلد دون بلد.
وبالحديث السابق استدل ابن تيمية رحمه الله تعالى على ترجيح قول من قال من أهل العلم بأن من أبصر هلال الصوم والفطر وحده؛ صام وأفطر مع الناس، وقال بعضهم يصوم ويفطر سراً، وقال آخرون يصوم برؤية نفسه ولا يفطر إلا مع الناس، وقد ذكر هذه الأقوال الثلاثة ابن تيمية رحمه الله تعالى في الفتاوى، وذكر إجماع أهل العلم على صحة الوقوف بعرفة مع الناس ولو كان خطأً بناءاً على قول الإمام.
قال الشيخ الألباني رحمه الله تعالى: (قلت: وهذا كلام عجيب غريب لأنه ان صح أنه مشاهد موافق للواقع فليس فيه أنه موافق للشرع أولا ولأن الجهات - كالمطالع - أمور نسبية ليس لها حدود مادية يمكن للناس أن يتبينوها ويقفوا عندها ثانيا.
وأنا - والله - لا أدري ما الذي حمل المؤلف على اختيار هذا الرأي الشاذ وأن يعرض عن الأخذ بعموم الحديث الصحيح وبخاصة أنه مذهب الجمهور كما ذكره هو نفسه وقد اختاره كثير من العلماء المحققين مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى المجلد 25 والشوكاني في "نيل الأوطار" وصديق حسن خان في "الروضة الندية" 1 / 224 - 225 وغيره.
فهو الحق الذي لا يصح سواه ولا يعارضه حديث ابن عباس لأمور ذكرها الشوكاني رحمه الله.
ولعل الأقوى أن يقال: إن حديث ابن عباس ورد فيمن صام على رؤية بلده ثم بلغه في أثناء رمضان أنهم رأوا الهلال في بلد آخر قبله بيوم ففي هذه الحالة يستمر في الصيام مع أهل بلده حتى يكملوا ثلاثين أو يروا هلالهم.
وبذلك يزول الإشكال ويبقى حديث أبي هريرة وغيره على عمومه يشمل كل من بلغه رؤية الهلال من أي بلد أو إقليم من غير تحديد مسافة أصلاً كما قال ابن تيمية في "الفتاوى" 25 / 157.
وهذا أمر متيسر اليوم للغاية كما هـ معلوم ولكنه يتطلب شيئا من اهتمام الدول الإسلامية حتى تجعله حقيقة واقعية إن شاء الله تبارك وتعالى.
وإلى أن تجتمع الدول الإسلامية على ذلك فإني أرى على شعب كل دولة أن يصوم مع دولته ولا ينقسم على نفسه فيصوم بعضهم معها وبعضهم مع غيرها ممن تقدمت في صيامها أو تأخرت لما في ذلك من توسيع دائرة الخلاف في الشعب الواحد كما وقع في بعض الدول العربية منذ بضع سنين، والله المستعان) [2].
وأما الزعم بأن عدم اعتبار اختلاف مطالع الهلال مخالف لفعل السلف لكونهم لم يعملوا برؤية واحدة في جميع الأقاليم، فلعل سبب ذلك ضعف وسائل الاتصال في عهدهم.
وقد تقدم أن مطالع الهلال تختلف في الإقليم الواحد في بعض الأشهر، ففعل الصحابة رضي الله عنهم بتوحيد الصيام في الإقليم الواحد دليل على عدم اعتبارهم لاختلاف المطالع، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما، وفيه أن أهل الشام صاموا يوم الجمعة وأهل المدينة صاموا يوم السبت، والمطالع تختلف يقيناً في بعض الأشهر في بلاد الشام كما دل على ذلك الحساب.
فإن قيل بأنه لا حاجة لتوحيد بداية الأشهر لأن أوقات الصوم وصلاة العيدين في أوقات مخلتفة على أية حال، فيُقال لا يصح ذلك لوجوب العمل بالأهلة في المعاملات أيضاً، فيدخل في المصالح المرعية سداد الديون وعقود التجارة ونحو ذلك من المعاملات، فالتجارة العالمية مثلاً لابد فيها من توحيد بداية الأشهر وموافقة التاريخ اليومي لأيام الأسبوع.
فالمراد توحيد بداية الأشهر عالمياً خلال أربعٍ وعشرين ساعة، وبذلك لن تتجاوز الفوارق غالباً الساعة والساعتين إلى تسع ساعات، وأقصى فارق لا يتجاوز الثمانيَ عشرة ساعة بين أقصى الشرق وأقصى الغرب، وأما مع عدم توحيد بداية الأشهر عالمياً، فإن أقل فرق يكون بمقدار أربعٍ وعشرين ساعة.
وفرق بداية الشهر بين المسلمين وغيرهم لا أثر له في التجارة مع غير المسلمين لأنه في غير وقت العمل عادةً، فاليوم وبالتالي الشهر يبدأ عند غير المسلمين الثانية عشرة ليلاً، ويبدأ عند المسلمين وقت غروب الشمس.
واختلاف التواقيت اليومية يُحدث اضطراباً في العقود التجارية وسداد الديون والتحويلات المالية ونحو ذلك من العقود والمعاملات، والعمل بالأهلة واجب في كل شيء عدا ما له صلة بالمناخ كالزراعة والملاحة البحرية.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

العمل بالأهلة في كل شيء عدا ما له صلة بالمناخ

⏩اختلاف مطالع الهلال      ⏫محتويات الكتاب      عدد أيام السنة القمرية⏪

دلت النصوص على وجوب اعتبار الأشهر بالأهلة طبيعةً والسنين بالأهلة حساباً بجمع الأشهر، وعلى اعتبار الأيام والصلوات بالشمس طبيعةً، والأسبوع بالشمس حساباً بجمع الأيام، وذلك لقول الله جل ثناؤهُ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}.
وقال الله تعالى ذكرُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.
والعمل بالأهلَّة رؤيةً بالعين أو بالعلم للشهر وحساباً للسنة بمجموع الأشهر واجب في العبادات والمعاملات لقول الله تعالى ذكرهُ: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}، وبهذا قال المفسرون، وهو محل إجماع بين العلماء.
ذكر الطبري رحمه الله في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال في تأويل الآية: (ووقت حجهم، وعدة نسائهم، وحل دينهم) [1].
ولهذا لما رأى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن العمل برؤية العِلم لا يصح عمم ذلك في العبادات والمعاملات، فقال: (فإنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز) [2].
والناس يعملون في المعاملات والزكاة وهي من العبادات بتقويم أم القرى وهو حساب فلكي يعتمد على الحساب بمعيار فيه مخالفة صريحة للنصوص والإجماع، وهو أن تحدث الولادة قبل غروب الشمس ويغرب القمر بعد غروب الشمس، فلو مكث دقيقة واحدة فإنه لن يكون في طور الهلال ورؤيته مستحيلة يقيناً.
ووجوب العمل بالأهلة في العبادات والمعاملات وسائر الأمور لا يعني عدم جواز العمل بالحساب الشمسي فيما له صلة به؛ كالزراعة والملاحة البحرية والجوية وكل ما يتعلق بالمناخ وفصول السنة المناخية.
ومما يدل على جواز حساب السنين بالشمس قول الله تعالى ذكرُهُ: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}.
وجه الدلالة من الآية هو أن الليل والنهار يعرفان بالشمس، فدل ترتيب معرفة السنين والحساب على معرفة الليل والنهار أن السنين تُعرف بالشمس أيضاً كما يعرف اليوم بها.
ومما يدل على جواز العمل بالحساب الشمسي أيضاً إضافة إلى الآية؛ أن النهي عن بيع الثمار متعلق بطلوع الثريا صبحاً، ويُعرف طلوعها بالأشهر الشمسية، فإن نجم الثريا يطلع حوالي اليوم الثاني عشر من شهر مايو.
فعن عثمان بن عبدالله بن سراقة رضي الله عنه قال: (سألتُ ابنَ عُمرَ عن بيعِ الثِّمارِ فقال نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن بيعِ الثِّمارِ حتّى تَذهبَ العاهةُ قلتُ: ومتى ذاك؟ قال: حتى تَطلُعَ الثُّريّا) [3].
قال الطحاوي رحمه الله تعالى: (وطلبنا ما يقابل ذلك من الشهور السريانية التي يعتبر أهل العراق بها ذلك فوجدناه أيار، وطلبنا اليوم الذي يكون ذلك في فجره فإذا هو اليوم الثاني عشر من أيامه) [4].
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

١. تفسير الطبري (ج3/ص554) [البقرة : 189]، تحقيق؛ أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1420هـ - 2000م.
٢. مجموع فتاوى ابن تيمية (ج25/ص132)، تحقيق؛ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد، المدينة النبوية، السعودية، 1416هـ/1995م.
٣. مسند أحمد (٧ / ١١٨)، قال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وصححه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤ / ٢٣)، وقال البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة (٣ / ٣٢٦): صحيح إسناده، رجاله ثقات، وقال العيني في نخب الأفكار (١١ / ٤٥٤): طريقه صحيح.
٤. شرح مشكل الآثار (ج6/ص56)، تحقيق؛ شعيب الأرنؤوط، الناشر؛ مؤسسة الرسالة الطبعة: الأولى - 1415هـ، 1494م.

عدد أيام السنة القمرية

⏩العمل بالأهلة في كل شيء عدا ما له صلة بالمناخ     ⏫محتويات الكتاب     عدد ساعات اليوم والتبكير للجمعة⏪

يقول الفلكيون بأن دورة القمر حول الأرض بالنسبة للنجوم الثابتة نسبياً تقدر ب؛ 27.3 يوماً، وبسبب دوران الأرض حول الشمس تستغرق عودة القمر إلى منزلته المشاهدة من الأرض وقتاً أطول يُقدر ب؛ 29.530588.
ويحسب الفلكيون عدد أيام السنة بحاصل ضرب هذا الرقم (29.530588) في عدد أشهر السنة الاثني عشر، والناتج حوالي؛ 354.367056، فيكون عدد أيام السنة أحياناً 355 وأحياناً 354 يوماً.
وحسب تعريف الفلكيين؛ فإن هذا العدد مبني على منازل القمر السطحية بمعيار ثابت بحيث يكون المَرْقب من نفس المكان على سطح الأرض.
وأما عدد أيام السنة القمرية باعتبار رؤية العين أو العلم من أي موقع اتفق؛ فإنها تقل عن هذه الحسابات لتعدد المعايير.
وقد تابعت خرائط الرؤية العِلمية لهذه السنة (1439هـ)، فوجدت أن ثمانية أشهر منها عدد أيامها 29 يوماً، وأربعة منها عددها 30 يوماً، والمجموع 352 يوماً، ويمكن مراجعة هذه المعلومات في؛ مركز الفلك الدولي » نتائج رصد الهلال.
بالنظر إلى ظاهر النصوص والإجماع فإنَّ رقم 355 و354 لا قيمة له شرعاً في حساب أيام السنة، ولكن قد تكون له فوائد في علوم الفضاء، ومن لم يقنع إلا بهذه الأرقام يُقال له؛ لم لا نتخذ معيار 27.3 يوماً للشهر لكونه معياراً فلكياً صحيحاً باعتبار معين؟
فالمؤمن يستسلم استسلاماً تاماً، ولا يجتهد من له الاجتهاد إلا بمقدار فهم النصوص متقيداً بعدم مخالفة ما أجمع عليه السلف.
ومعرفتنا للزمن معرفة نسبية غير مطلقة، فلا نعرف الزمن إلا بنسبته إلى حركة الأفلاك، والله جل ثناؤهُ وحده يعلم حقيقة الزمن وأسراره، قال الله تعالى ذِكْرُهُ: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ}.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (والليل والنهار وسائر أحوال الزمان تابعة للحركة؛ فإنَّ الزمان مقدار الحركة؛ والحركة قائمة بالجسم المتحرِّك) [1].
ومعرفتنا لمكونات الطبيعة الأساسية؛ الزمن والمكان والمادة والطاقة بنسبة بعضها إلى بعض، ولا يُمكن معرفتها معرفة مطلقة إلا بالخروج خارجها، وهذا مستحيل.
ولا ينبغي تقليد الكفار، ولكن هم كذلك تتغير سنتهم كل أربع سنوات بالسنة الكبيسة، وشهورهم كذلك مختلفة العدد، وقد وبيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنه لا يوجد سبب طبيعي لاعتبار بعض الأشهر الشمسية ثلاثين يوماً وبعضها واحداً وثلاثين يوماً، وبين أن تغيير عدد أيام فبراير كل أربع سنوات هو لجبر الكسر.
وعدد أيام السنة الشمسية يقدر ب؛ 365.25636، والمُلاحظ أن هذا الكسر أكثر من الربع بقليل، فلا يُمكن أن يجبر برقم كامل كل أربع سنوات.
وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أنَّ السنَة الشمسية طبيعية وشهورها حسابية، والسنة القمرية حسابية وشهورها طبيعية، والأيام والأسابيع شمسية؛ فالأيام طبيعية، والأسبوع حسابي.
ولا يمكن المحافظة على عدد أيام السنة القمرية إلا باعتبار معيار واحد، مثل مكة أو باعتبار مرصد واحد في أقصى الغرب، وقد تقدم أن المعيار الواحد مخالف لما جرى عليه عمل المسلمين منذ قرون، وفيه ترك العمل برؤية العين أو العِلم في غير المعيار المُختار، وفي هذا مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).
فتُحسب السنة باعتبار عدة معايير للشهر مع اعتبار عدد الأشهر اثني عشر في السنة، قال الله تعالى ذكرُهُ: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

عدد ساعات اليوم والتبكير للجمعة

⏩عدد أيام السنة القمرية    ⏫محتويات الكتاب     الخاتمة⏪

مما يدل على أن الساعات المعروفة اليوم كانت معروفة منذ قرون قول ابن منظور رحمه الله: (والليل والنهار معاً أربع وعشرون ساعة، وإذا اعتدلا فكل واحد منهما ثنتا عشرة ساعة) [1].
معرفة أهل الحضارات الموغلة في القدم بحساب أوقات الخسوف والكسوف تُرجح أن عدد ساعات اليوم معروف منذ القدم.
ومما يدل على أن عدد ساعات اليوم الأربع والعشرين كان معروفاً في عهد الرسالة قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ساعات نهار الجمعة: (يوم الجمعة اثنتا عشرة ساعة، لا يوجد فيها عبد مسلم يسأل الله شيئاً إلا آتاه إياه، فالتمسوها آخر ساعة بعد العصر)، رواه أبو داود والنسائي والحاكم، وصححه الألباني في؛ صحيح النسائي (١٣٨9).
وقد ورد في حديث ضعيف ذكر عدد ساعات اليوم، وهو؛ (إِنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَةَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سَاعَةً لَيْسَ فِيهَا سَاعَةٌ إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهَا سِتُّمِائَةِ عَتِيقٍ مِنَ النَّارِ)، مجمع الزوائد (3008)، قال الألباني رحمه الله تعالى: ضعيف جداً في؛ السلسلة الضعيفة (٥٠٦٧).
قال الشيخ محمد بن محمد المختار الشنقيطي حفظه الله: (والنهار اثنتا عشرة ساعة كما في الصحيح، فهي ساعة بكاملها، وهي ستون دقيقة)، [2].
ساعات التبكير لصلاة الجمعة هي الساعات المعروفة اليوم والتي تقدر اليوم بستين دقيقة، وهي تقديرية باعتبار أقصر يوم، فما بين ارتفاع الشمس قيد رمح بعد الشروق إلى وقت الظهر لأقصر نهار في مكة خمس ساعات مقدار كلٍ 60 دقيقةً، ويزيد عددها إلى أن تصل ست ساعات في أطول نهار، فيكون طول كل ساعة من الخمس؛ 72 دقيقةً في أطول نهار في مكة.
وقد حسبتُ ساعات التبكير للجمعة ابتداءاً من مضي خمس عشرة دقيقة على شروق الشمس، وذلك لأن ما بين صلاة الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح في السماء وقت نهي عن الصلاة، وما بين شروق الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح في السماء حوالي خمس عشرة دقيقة.
قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في بداية وقت التبكير لصلاة الجمعة: (فالأقرب والله أعلم والأحرى أنه يكون بعد ارتفاع الشمس، حتى إذا ذهب للمسجد يكون محل الصلاة والتعبد) [3].
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال؛ (من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح فكأنما قرب بدنة ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر)، أخرجه البخاري (٨٨١)، ومسلم (٨٥٠).
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.

المصادر

pdf

 ⏩عدد أيام السنة القمرية      ⏫محتويات الكتاب     الخاتمة⏪

الخاتمة

عدد ساعات اليوم والتبكير للجمعة⏪     ⏫محتويات الكتاب

لاشك أن أحكام الشريعة ليس فيها اعتماد على المعارف البشرية، ولكن عدم حاجة الشريعة إلى غيرها من المعارف لا يعني عدم جواز الاستعانة ببعض ما في المعارف البشرية في أحكام الشريعة، ولافرق بين الحساب الفلكي وحساب أوقات الصلوات في ذلك.
والقول بأنَّ رؤية العين أيسر في وقتنا فيه مغالطة واضحة، فرؤية العِلم أيسر مع أجهزة الحاسوب التي يتيسر بها الحساب مرَّة واحدة لعشرات السنين، وكما لا يلزم أن تكون رؤية العين من كل مكلف فكذلك الحساب، والتقاويم أيسر للجميع مع توفر الأجهزة الإلكترونية، ومن يقول بأن رؤية العين للأهلة أيسر لزمه ذلك في أوقات الصلوات، ولا فرق بين الأمرين إطلاقاً.
وبسبب انتشار التقاويم في أجهزة الهواتف النقالة عمل الناس بالحساب الشمسي أو بحساب قمري في معياره نظر مثل؛ مجرد اعتبار وجود القمر فوق الأفق بعد الولادة، أو معيار غير شرعي مثل؛ مجرد حدوث الولادة قبل الفجر.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الثلاثاء ١٠ ذو القعدة ١٤٣٦هـ، ٢٥ أغسطس ٢٠١٥ش
تعديل؛ الإثنين ٢٧ شعبان ١٤٤١هـ، ٢٠ أبريل ٢٠٢٠ش
لوند السويد.
pdf

عدد ساعات اليوم والتبكير للجمعة⏪      ⏫محتويات الكتاب