‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقدير الصلوات لتطرف الأوقات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تقدير الصلوات لتطرف الأوقات. إظهار كافة الرسائل

تقدير الصلوات لتطرف الأوقات

تمهيد

المحتويات     حكم المواقيت في بلاد تطرف الأوقات
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصَّلاة والسَّلام على أَشرف المرسلين وعلى آله وصحبهِ أَجمعين.
تمهيد
يحدث تطرف الأوقات بتباعد شديد بينها أو تقارب شديد بسبب طول النهار غير المعتاد في بعض البلاد في أقاصي شمال الأرض وجنوبها.
وسبب تطرف الأوقات في هذه البلاد هو أيامها غير المعتادة في منتصف الصيف ومنتصف الشتاء.
فتكون أوقات الصلاة غير معتادة لأحد ثلاثة أسباب؛ طول النهار المفرط، أو قصره المفرط، أو بسبب القفزات الكبيرة في تغير أوقات الصلاة بسبب التغير السريع لطول النهار في الأيام التي يكون طولها معتاداً.
والمقصود بشمال وجنوب الأرض؛ البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات، وهي البلاد التي تقع فوق خطي العرض ٤٨° شمالاً و ٤٨° جنوباً.
وتقع ضمن هذه البلاد المناطق التي وصفها الفقهاء بمثل قولهم: "البلاد التي ينعدم فيها العشاء والفجر"، وقولهم: "التي لا يغيب فيها نور الشفق كبلاد بلغار".
وذلك لأنَّ علامتي العشاء والفجر تختفيان في البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات الواقعة ما بين ٤٨° و٦٥.٤٢° شمالاً وجنوباً.
ولا يختفي الشروق أو الغروب إلا في المناطق التي تقع فوق خط عرض ٦٥.٤٢° شمالاً وجنوباً.
فيستمر النهار أو الليل عندما تختفي علامتي الشروق أو الغروب لثلاثة أيام أو أسبوع أو أسبوعين أو شهر أو شهرين أو أكثر حسب خط العرض إلى ستة أشهر عند القطبين حيث لا يوجد بشر.
في البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات يطول النهار جداً صيفاً ويقصر جداً شتاءاً، وكلّما كانت المنطقة ذات خط عرض أعلى صار النهار أطول صيفاً، ويزداد طولاً في منتصف الصيف، وأقصر شتاءاً، فيصبح قصيراً جداً في منتصف الشتاء.
وحسب خط العرض والقرب من منتصف الصيف يكون طول النهار.
فيصل طول النهار إلى أكثر من ثلاث وعشرين ساعة في منتصف الصيف في بعض البلاد، وفي بعضها يصل إلى ثلاثة أيام فأكثر إلى أن يصير طوله قرابة الستة أشهر عند القطبين الذين لا يوجد فيهما بشر.
وفي الشتاء يصل طول النهار إلى أقل من ساعة في منتصف الشتاء، وفي بعضها يستمر الليل إلى ثلاثة أيام فأكثر إلى أن يصير طوله قرابة ستة أشهر عند القطبين.
طول النهار والليل متساويان طوال السنة عند خط الاستواء وما حوله (ما بين حوالي ٥° ج إلى ٥° ش).
أطول نهار في النصف الشمالي للكرة الأرضية هو حوالي يوم ٢١ يونيو (٦)، وهو أقصر يوم في النصف الجنوبي.
وذلك لأنّ الصيف والشتاء يتعاقبان بين نصفي الأرض، فعندما يكون نصفها الشمالي صيفاً يكون نصفها الجنوبي شتاءً.
وأقصر نهار في النصف الشمالي للكرة الأرضية هو حوالي يوم ٢١ ديسمبر (١٢)، وهو أطول نهار في نصفها الجنوبي.
ويتساوى الليل والنهار في الكرة الأرضية حوالي يومي ٢١ مارس (٣) و ٢١ سبتمبر (٩).
ففي النصف الشمالي؛ يتزايد طول النهار بعد يوم ٢١ ديسمبر (أقصر نهار) إلى أن يبلغ ١٢ ساعة يوم ٢١ مارس، ويستمر في التزايد إلى أن يصل لأطول نهار يوم ٢١ يونيو.
ثم يبدأ في التناقص إلى أن يبلغ ١٢ ساعة مرة أخرى يوم ٢١ سبتمبر، ويستمر في التناقص إلى أن يصل إلى أقصر نهار يوم ٢١ ديسمبر.

حكم المواقيت في بلاد تطرف الأوقات

تمهيد      المحتويات       سبب كيفية التقدير
تُقدّر أوقاتُ الصلاة والصوم طوال السنة في هذه البلاد بالمكان الذي يتقاطع فيه خط طول البلد المراد تقدير الأوقات فيه بخط عرض مكة وهو ٢١.٣٨٩١° ش.
وإذا أخذنا في التقدير بخط طول البلد المراد تقدير الوقت فيها وخط عرض مكَّة، فإنَّ الظهر يصير بالعلامة المحليّة والفوارق بين الصلوات فوارق مكّة.
وذلك لأنّ وقت الظهر واحد على خط الطول الواحد بغض النظر عن خط العرض.
الدليل على أن حكم هذه المناطق التقدير حديث الدجال، فقد سأل الصحابة النبي ﷺ عن مدة لبث الدجال؟ فقال: ( أربعون يوماً، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم .قلنا: يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، ولكن اقدروا له. قلنا: يا رسول الله فما سرعته في الأرض؟ قال كالغيث استدبرته الريح) رواه مسلم.
فدلّ الحديث دلالة صريحة بيّنة على وجوب الصلوات في اليوم الأول من أيام الدجال قبل أوقاتها المعتادة، وذلك بدلالة اللغة وسؤال الصحابة رضي الله عنهم وكلام العلماء.
فاليوم إذا أُطلق في اللّغة فالمراد به نهار وليلة، وأما إذا قُرن بالليلة، كأن يُقال يوم وليلة، فالمراد به النهار فقط.
وحديث الدجال أطلق اليوم على الذي كسنة، فدلّ على أنّ فيه نهار وليل، وأنّ جميع أوقات الصلوات موجودة فيه ولكنّها متباعدة جدّاً.
وسؤال الصحابة رضي الله عنهم يدلّ على أنّهم فهموا أنّ علامات الصلوات الخمس موجودة، كما في رواية مسلم؛ (أتكفينا فيه صلاة يوم؟).
والمراد باليوم هنا اليوم الاعتيادي بمقدار أربعٍ وعشرين ساعة.
وفي مسند الإمام أحمد: ( فذلك اليوم الذي هو كسنة أيكفينا فيه صلاة يوم وليلة؟ )، وفي رواية ( أتكفينا فيه خمس صلوات؟ 
آيات وأحاديث مواقيت الصوم والصلاة عامَّة من حيث الزمان والمكان.
وخُصّص هذا العموم بحديث الدجال.
القياس على حديث الدجال يخصِّص المناطق ذات خطوط العرض العالية الدرجات.
وعلَّة هذا القياس تطرّف المواقيت.
وهي علة ظاهرة ومنضبطة ومناسبة للحكم لتضمنها حكم ومقاصد أوقات الصلاة والصوم.
وحديث الدجّال نصّ على تقدير الصّلاة ولم ينص على تقدير الصوم فيُقاس على الصّلاة.
وكذلك نص الحديث على اليوم الذي كسنة ولم ينص على اليوم الذي كشهر والذي كأُسبوع فيقاسان عليه.
وكذا يقاس كل يوم تطرّفت فيه أوقات علامات الصلاة والصوم على اليوم الذي كسنة.
قال النَّووي رحمه الله: ( وأما الثاني الذي كشهر، والثالث الذي كجمعة، فقياس اليوم الأول أن يقدر لهما كاليوم الأول على ما ذكرناه، والله أعلم ) [١].
ومما يفيد أن اليوم الأول الذي كسنة فيه علامات الصلوات الخمس قول النووي رحمه الله: ( فقال القاضي وغيره: هذا حكم مخصوص بذلك اليوم شرعه لنا صاحب الشرع. قالوا: ولولا هذا الحديث، ووكلنا إلى اجتهادنا، لاقتصرنا فيه على الصلوات الخمس عند الأوقات المعروفة في غيره من الأيام)، المصدر السابق.
وقال الكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى: ( فقد أوجب أكثر من ثلثمائة عصر قبل صيرورة الظل مثلاً أو مثلين وقس عليه ) [٢].
وقال الإسنوي رحمه الله تعالى: ( فيستثنى هذا اليوم مما ذكر في المواقيت، ويقاس اليومان التاليان له)، [٣].
وقال الرملي رحمه الله تعالى: ( واعلم أن محل كونها خمساً في اليوم والليلة في غير أيام الدجال، أما فيها فقد ورد أنَّ أولها كسنة وثانيها كشهر وثالثها كجمعة، والأمر في اليوم الأول بالتقدير ويقاس به الأخيران بأن يحرر قدر أوقات الصلاة وتصلى، وكذا الصوم وسائر العبادات الزمانية وغير العبادة كحلول الآجال، ويجري ذلك فيما لو مكثت الشمس عند قوم مدة) [٤].
وبين ابن تيمية رحمه الله أن الصلوات في اليوم الأول من أيام الدجال تكون قبل وقتها المعتاد فقال: ( والمواقيت التى علَّمها جبريل عليه السلام للنبي ﷺ وعلَّمها النبي ﷺ لأمته، حين بين مواقيت الصلاة، وهى التى ذكرها العلماء فى كتبهم، هى فى الأيام المعتادة.
فأمَّا ذلك اليوم الذى قال فيه رسول الله ﷺ (يوم كسنة) قال (اقدروا له) فله حكم آخر. يبيِّن ذلك أنَّ صلاة الظهر في الأيام المعتادة لا تكون إلا بعد الزوال وانتصاف النهار، وفي ذلك اليوم يكون في أوائل اليوم بقدر ذلك).
إلى قوله: ( والمقصود أنَّ ذلك اليوم لا يكون وقت العصر فيه إذا صار ظل كل شىء لامثله ولا مثليه، بل يكون أول يوم قبل هذا الوقت شىء كثير. وكما أنَّ وقت الظهر والعصر ذلك اليوم هما قبل الزوال، كذلك صلاة المغرب والعشاء قبل الغروب. وكذلك صلاة الفجر فيه تكون بقدر الأوقات فى الأيام المعتادة. ولا يُنظر فيها إلى حركة الشمس، لا بزوال ولا بغروب ولا مغيب شفق ونحو ذلك.
وقول الصحابة رضي الله عنهم (يا رسول الله أرأيت اليوم الذي كالسنة أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: لا، ولكن اقدروا له). أرادوا اليوم والليلة).
إلى قوله: ( وأيضاً إذا عُلم أنهم يقدِّرون لثلاث صلوات قبل وقتها المعتاد عُلم بطريق اللزوم أنَّهم يقدِّرون للمغرب والعشاء. ووقوع ذلك في النهار كوقوع صلاتي المغرب والعشاء قبل الزوال من ذلك اليوم) [٥].
والشمس ما هي إلا إشارة ودلالة على الأوقات، بل وردت كراهة الصلوات في أوقات معنية لسد ذريعة عبادة الشمس.
وفي ذلك اليوم الذي كسنة ورد النص بترك الاستدلال على الصلوات بمواقع الشمس من أفق الناظر.
والصحيح قياس كل يوم تطرّفت فيه الأوقات على اليوم الذي كالسنة من أيام الدجال، وذلك لوضوح حديث الدجال في وجوب ترك العلامات الشمسية في ذلك اليوم.
فالصحابة رضي الله عنهم الذين فهموا معنى اليوم الذي كسنة بلغتهم الفصيحة قالوا:  (أتكفينا فيه صلاة يوم؟).
والمعنى؛ هل ننتظر العلامات الشمسية لأداء الصلوات في ذلك اليوم، فأجابهم النبي ﷺ الذي كان يحدثهم بلغتهم بقوله:  (لا، ولكن اقدروا له)، بمعنى اتركوا العلامات الشمسية في اليوم الأول الذي كسنة واقدروا له.
ومعنى اقدروا له؛ بقدر الفوارق بين الصلوات في اليوم الاعتيادي الذي بمقدار أربعٍ وعشرين ساعة، ولذا رأيت تقدير الفوارق بين الصلوات بفوارق مكة.
فإن قيل إنَّ العلَّة في التقدير في حديث الدجال هي انعدام العلامات في كل يوم اعتيادي بمقدار أربعٍ وعشرين ساعة من اليوم الأول الذي بمقدار سنة، فيُقال هذه علة غير مناسبة، وليس فيها غير مراعاة مقصد واحد وهو أن نصلي خمس صلوات ونصوم مرة واحدة خلال كل يوم اعتيادي.
ومن شروط العلة أن تكون مناسبة، بمعنى أن تحتوي على المقاصد والحكم من تشريع الحُكم، كما أنَّ السفر وهو علة جواز الإفطار في نهار رمضان مظنة المشقة [٦].
وهذا القياس يقيني في تطرّف الأوقات البيّن، إلا أنّه خفي في بعض الأحوال، لأن الجلي يُفهم من النص بدون دراسة وتأمّل مثل قياس الأولى الذي هو في حُكم المنصوص، والخفي يحتاج إلى دراسة ونظر ، وقد يُقطع بصحّة بعضه بعد التأمّل.
فالمسائل الخفية قد تكون قطعية كما لو لم يشتهر  النص، فيفتي بعضهم بخلافه لعدم ورود النص إليهم، وكما أن بعض المسائل العقلية القطعية بدهية مثل الكل أكبر من الجزء، وبعضها يحتاج إلى دراسة ونظر مثل بعض القوانين الرياضية التي تحتاج إلى إثبات وبرهان.

المصادر

[١] شرح النووي على مسلم (ج١٨/ص‏٦٦) - النووي (ت ٦٧٦).
[٢] فتح القدير للكمال ابن الهمام وتكملته (ج١/ص‏٢٢٤) - ط الحلبي - الكمال بن الهمام (ت ٨٦١).
[٣] المهمات في شرح الروضة والرافعي (ج٢/ص‏٤١٥) - الإسنوي (ت ٧٧٢).
[٤] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج للرملي (ج١/ص٣٦٢) - شمس الدين (ت ١٠٠٤) - دار الفكر، بيروت، ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م.
[٥] مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٣٨-٣٩، - بدر الدين البعلي (ت ٧٧٨) - ط الفقي، ت؛ عبد المجيد سليم ومحمد حامد الفقي، الناشر؛ مطبعة السنة المحمدية - تصوير دار الكتب العلمية.
[٦] حد السفر الشرعي.
pdf
تمهيد      المحتويات       سبب كيفية التقدير

سبب كيفية التقدير

حكم المواقيت في بلاد تطرف الأوقات       المحتويات      علل الأحكام ومقاصدها

إذا علمنا أنّ التقدير بترك العلامات مع وجودها موافق للسنة، فإنه لم يرد نص في كيفية التقدير، فهو أمر اجتهادي.
وسبق أنّ  أوقات الصلاة والصوم تُقدّر طوال السنة في  البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات بالمكان الذي يتقاطع فيه خط طول البلد المراد تقدير الأوقات فيه بخط عرض مكة وهو ٢١.٣٨٩١° ش.
فأمّا اختيار خط الطول فلأنّ الزوال واحد في خط الطول الواحد، وبالتالي يكون الظهر هو المعيار، ويكون الظهر بوقته المحلّي وباقي الصلوات بالتقدير.
والسبب في اختيار وقت الظهر هو أنّ تغيره ليس كثيراً، فتغيره في هذه البلاد هو مثل تغير الوقت في البلاد المعتدلة.
ولأنّ الظهر وسط النهار فيُقاس عليه ما قبله وما بعده، حتى يجد المسلم وقتاً كافياً للراحة في اللّيل قبل الفجر، وللعمل بعده.
خلافاً لمن قدر المغرب في الصوم وأبقى على الفجر والإمساك على التوقيت المحلي.
وقد بدأ الله عز وجل في ذكر الأوقات في القرآن بدلوك الشمس - وهو زوالها عن كبد السماء على الأرجح، وهو وقت الظهر -  في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾.
والدلوك في اللغة الميل.
وسمى النبي ﷺ صلاة الظهر الأولى، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (مَن صلى الضحى أربعاً، وقَبْلَ الأولى أربعاً بُنِيَ له بيتٌ في الجنةِ)، حسنه الألباني رحمه الله تعالى [١].
وأمّا التقدير طوال السنة مع وجود أوقات معتدلة ما بين الشتاء والصيف وما بين الصيف والشتاء، فلأنَّ هذه الأوقات المعتدلة تتغير فيها أوقات الصلوات تغيراً كبيراً معدله في بعض تلك البلاد حوالي ربع ساعة كل أسبوع، مما يؤدي إلى خلل كبير في تنظيم أوقات النوم وبالتالي تنظيم سائر الأوقات.
وهذا الخلل والتغير الكبير في المواعيد يتعارض مع ما خلق الله عز وجل عليه الإنسان وجسمه من التعود على أداء الأعمال في أوقات محددة، وهو ما يسميه المختصُّون في هذا المجال بالساعة البيولوجية، والتي لها أثرها في النوم والراحة والإفرازات الهرمونية في الجسم.
وأوقات الصلوات متقاربة في البلاد المعتدلة عدا الفجر، فوقته بعيد عن وقت العشاء ووقت الظهر، وما بين العشاء والفجر وقت للنوم، وما بين الفجر والظهر وقت للكسب.
وللمزيد حول النوم وتنظيم الأوقات؛ مدونتي » إرشادات » تنظيم النوم والأوقات.
وأمّا التقدير على مكة وتجاوز أقرب البلاد التي يطول نهارها طولاً غير مفرط والتي يكون نهارها أطول نسبياً من مكة صيفاً وأقصر شتاءً، فلفارق يتعلق بالقدرة على النوم قبل حلول الظلام.
فالسبب هو عدم وجود مصلحة راجحة عند تطرّف الأوقات مثلما هو موجود في تلك المناطق، وذلك لأنّ الأيسر لمن طال نهارهم صيفاً طولاً غير مفرط  - كأهل سمرقند وبخارى - الانتظار إلى أن يحل الظلام لصعوبة النوم قبل حلول الظلام.
فالمشقة المترتبة على انتظار الظلام عند تطرّف الأوقات أعظم، وكان سكّان هذه المناطق قديماً يحدثون ظلاماً اصطناعيّاً بنحو الستائر وغطاء العينين.
فالتقدير على مكّة أنسب لكون الوقت فيها أكثر اعتدالاً وعدم وجود مصلحة راحجة للتقدير على وقت أقل اعتدالاً.
pdf
حكم المواقيت في بلاد تطرف الأوقات       المحتويات      علل الأحكام ومقاصدها

علل الأحكام ومقاصدها

سبب كيفية التقدير       المحتويات      القول بالتقدير ليس مخالفاً للإجماع

الأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً وليس مع الحِكَم الخفية أو غير المنضبطة.
والمقاصد الحقيقية للحُكم هي الحِكَم، والعلة ما هي إلا لمراعاة هذه المقاصد.
وإنما عُدل عن جعل الحِكمة علة لبعض الأحكام لأنّ العلة يشترط أن تكون ظاهرة ومنضبطة.
ولذا يُشترط في العلة الاجتهادية أن تكون مناسبة، ومعنى مناسبة أن تكون متضمنة للحِكَم.
قال الإمام القرافي المالكي رحمه الله تعالى: ( قاعدة؛ الأصل اعتبار الأوصاف المشتملة على الحكم، فإذا تعذر اعتبارها: إما لعدم انضباطها أو لخفائها، أقيمت مظنتها مقامها.
فكان الأصل إناطة الأحكام بالعقل حالة وجوده، لكنه لما لم ينضبط زمانه، أقيم البلوغ مقامه لكونه مظنة له، وموجب انتقال الأملاك الرضى، ولما لم يعلم أقيم الإيجاب والقبول مقامه، والمشقة سبب الترخص بالقصر، فلما لم تنضبط أقيمت المساحة مقامها; لكونها مظنة لها ) [١].
والمتأمِّل في الحكمة من جعل الحُكم منوطاً بالعلة كالسفر والمرض في جواز الفطر في نهار رمضان يجد في ذلك كمال التشريع.
فلو قال الله عز وجل من وجد مشقة فليفطر، فإنه لا يجوز للإنسان حيئذ أن يفطر إلا بعد حصول المشقة.
فإذا حصلت المشقة فأفطر المسافر في وسط النهار أو في آخره، فإنه يجد مشقة أكثر بعد الفطر لساعة أو أكثر بسبب الهضم كما دلت على ذلك التجربة، ثم يكون عليه بعد ذلك قضاء ذلك اليوم، ولَتَكَرَّر الحال هكذا كل يوم حتى يكمل سفره، ثم عليه قضاء تلك الأيام التي أفطرها.
فدلّ هذا على كمال هذه الشريعة في مراعاتها الحِكَم والرحمة بالمكلف ورفع المشقة والحرج عنه.
ولو قال الله عز وجل؛ من ظن أنه يجد مشقّة فليفطر، لاضطرب المكلّف بسبب أن المشقة غير منضبطة بذاتها.
ولذا فالراجح في حدّ السفر الشرعي هو أنه ما كان محتملاً للمشقّة في نوعه لا في ظن المكلّف في سفره المعيّن، وبذا يحد بكل ما نقل عن السلف حسب وصف السفر (إما بمسافة أو زمن أو أحمال)، للمزيد؛ مدونتي » أحكام » حد السفر الشرعي.
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى في تغيُّر الفتوى واختلافها بحسب تغيّر الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد: ( هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أوجب من الحرج والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنَّ الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به.
فإنَّ الشريعة مبناها وأساسَها على الحكم، ومصالح العباد، في المعاش والمعاد. وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها.
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالّة عليه وعلى صدق رسوله ) [٢].

المصادر

[١] الذخيرة للقرافي (ج٢/ص٣٦٠) - القرافي (ت ٦٨٤) - دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، ١٩٩٤م.
[٢] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٤/ص‏٣٣٧)،  - ابن القيم (ت ٧٥١) - ت مشهور.
pdf
سبب كيفية التقدير       المحتويات      القول بالتقدير ليس مخالفاً للإجماع

القول بالتقدير ليس مخالفاً للإجماع

هذه المسألة في حكم المسكوت عنه من حيث النصوص الشرعية.
وقد قال بعض السابقين وبعض المعاصرين بتقدير الصلاة والصوم مع تمايز الليل والنهار خلال أربع وعشرين ساعة.
ولم يستقر الخلاف في المسألة قبل عصرنا لأنها لم تشتهر بين الفقهاء السابقين.
فالمتابع لأقوال السابقين في هذه المسألة يجد أن من تحدث عنها من السابقين قليلون لعدم سماع كثيرين بحال تلك البلاد.
ولذا سمى القرافي رحمه الله هذه المسألة من نوادر الفقه.
قال القرافي رحمه الله: (مسألة من نوادر أحكام المواقيت. فتيا جاءت من بلاد البلغار من الإقليم السابع إلى بخارى يقولون فيها إنه جاءنا رمضان وطول الليل نحو ثلث ساعة إن اشتغلنا بالفطر طلع علينا الفجر) [١].
وقال ابن عرفة المالكي رحمه الله: ( وعند الشافعية يقدرون بأقرب البلاد إليهم ولا نص عندنا ولكن استظهر بعضهم الرجوع في ذلك لمذهب الشافعي كذا قرر شيخنا ) [٢].
وقال ابن عابدين رحمه الله تعالى: ( لم أر من تعرض عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلع الفجر عندهم كما تغيب الشمس أو بعده بزمان لا يقدر فيه الصائم على أكل ما يقيم بنيته ) [٣].
وقد قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في مسألة إحداث قول على أقاويل السلف: ( ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أما إذا لم يستقر، فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر ) [٤].
والخلاف يُعدّ غير مستقر إذا لم تشتهر المسألة بين المجتهدين، لأنّ قول بعض مجتهدي العصر لا يُعدُّ إجماعاً.
وليس في القول بالتقدير مخالفة للإجماع لوجود من قال بمثله من الفقهاء كالغزّالي رحمه الله الذي نص على تقدير الصلاة والصوم مع تمايز الليل والنهار خلال أربعٍ وعشرين ساعة، انظر مبحث؛ من أقوال العلماء في المسألة.
ومنع إحداث الأقوال بإطلاق خلاف منهج السلف، فهو خلاف ما جرى عليه الأئمة الأوائل قبل استقرار الخلاف في كثير من المسائل، وخلاف ما جرى عليه من بعدهم في مثلها.
فالفقهاء لا زالوا يحدثون أقوالاً في مثلها، من ذلك ما أفتى به فقهاء بخارى وغيرهم في المسألة قديماً وحديثاً.
وأما قول الإمام أحمد رحمه الله: ( إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام ) فهو ليس على إطلاقه كما نص على ذلك ابن القيم رحمه الله.
فهو في المسائل التي لا يصح فيها اجتهاد اللاحقين كالتي استقر فيها الخلاف، أو لعدم أهلية المتكلم فيها، أو كان قوله المحدث فيها رافعاً لما اتّفقت الأقوال السابقة عليه.
وأَمَّا الإحداث بهذه الشروط أو القول بمقتضى نص لا يُعلم قائل به فلا يخالف الإجماع، فالنص حجة بذاته.
فلا بد أن يُوجد من قال بمقتضى النص، فمجرد رواية النص تدلُّ على وجود قائل به وإن لم يُعلم، أقل عددهم رواة الحديث، ما لم يُعلم للنص ناسخ أو مخصّص أو مقيّد من النصوص أو من دلالة الإجماع المنصوص عليه على ترك العمل بالنص.
وعدم العلم ليس علماً (يقيناً) بالعدم، فلا يصحّ أن يقال لو وجد قائل بالمسألة لعلمناه ما دام في المسألة نص، لأنّ النص ولو كان ظنياً مقدّم على الإجماع الظني ما لم يتقوَ إلى درجة النص.
والنص صريح في وجوب ترك العلامات في اليوم الأول من أيام الدجال مع وجودها، فالتعليل بانعدام العلامة بعيدٌ.
وللمزيد حول معارضة النص بالإجماع المتوهم أرجو الرجوع إلى؛ مدونتي » قواعد وأصول » الاتِّباع في دليل الإجماع.
قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى (وقال الإمام أحمد لبعض أصحابه: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام.
والحق التفصيل، فإن كان في المسألة نص من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ أو أثر عن الصحابة لم يكره الكلام فيها.
وإن لم يكن فيها نص ولا أثر فإن كانت بعيدة الوقوع أو مقدرة لا تقع لم يستحب له الكلام فيها.
وإن كان وقوعها غير نادر ولا مستبعد، وغرض السائل الإحاطة بعلمها ليكون منها على بصيرة إذا وقعت استحب له الجواب بما يعلم، لا سيما إن كان السائل يتفقه بذلك ويعتبر بها نظائرها، ويفرع عليها، فحيث كانت مصلحة الجواب راجحة كان هو الأولى، والله أعلم
) [٥].
وقد نصّ الأصوليون على أنّ إحداث قول زائد على أقوال السلف إنما يكون مخالفاً للإجماع إذا كان رافعاً لما اتفقت عليه أقوالهم، فكيف لو كان مع ذلك متفقاً مع قول بعضهم، ومتفقاً قبل ذلك مع دلالة النص الصريحة المؤيدة بأقوال السابقين وما ذكروه من قواعد وأصول؟
قال الإمام الشوكاني رحمه الله في مسألة إحداث قول زائد على قولي السابقين: ( القول الثالث: أن ذلك القول الحادث بعد القولين إن لزم منه رفعهما لم يجز إحداثه وإلا جاز.
وروي هذا التفصيل عن الشافعي، واختاره المتأخرون من أصحابه، ورجحه جماعة من الأصوليين منهم ابن الحاج.
واستدلوا له بأن القول الحادث الرافع للقولين مخالف لما وقع الإجماع عليه، والقول الحادث الذي لم يرفع القولين غير مخالف لهما، بل موافق لكل واحد منهما من بعض الوجوه.
ومثل الاختلاف على قولين: الاختلاف على ثلاثة أو أربعة أو أكثر من ذلك; فإنه يأتي في القول الزائد على الأقوال التي اختلفوا فيها ما يأتي في القول الثالث من الخلاف.
ثم لا بد من تقييد هذه المسألة بأن يكون الخلاف فيها على قولين أو أكثر قد استقر، أما إذا لم يستقر، فلا وجه للمنع من إحداث قول آخر.
) [٦].
وصل المسلمون إلى كازخستان منذ القرن الحادي عشر الميلادي، وهي تقع ما بين خطي عرض ٤٣° ش و ٥٥° ش، فبعضها من بلاد تطرّف الأوقات (بعد خط عرض ٤٨° ش).
فهل تعد فتوى التقدير بهذا مخالفة للإجماع؟
الجواب؛ أنَّ الإجماع هو إجماع كل المجتهدين في عصر، فإجماع أهل بلدة ليس إجماعاً.
هذا إضافة إلى أنّ أكثر المسلمين في كازخستان ظلوا يعيشون حياة البداوة مما يرجِّح أنه لم يوجد بينهم علماء.
ولا أعرف كيف يصوم ويصلي المسلمون في تلك الأجزاء التي تقع فوق خط عرض ٤٨° ش من بلاد كازخستان.
وقد نص ابن تيمية رحمه الله على أنَّ القول بأن إجماع أهل بلدة من البلاد يعدّ إجماعاً لم يقل به عالم من العلماء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ( ولهذا لم يذهب أحد من علماء المسلمين إلى أنَّ إجماع أهل مدينة من المدائن حجَّة يجب اتباعها غير المدينة، لا في تلك الأعصار ولا فيما بعدها، لا إجماع أهل مكة، ولا الشام، ولا العراق، ولا غير ذلك من أمصار المسلمين.
ومن حكى عن أبي حنيفة أو أحمد أو أحد من أصحابه أنَّ إجماع أهل الكوفة حجَّة يجب اتباعها على كل مسلم فقد غلط على أبي حنيفة وأصحابه في ذلك.
وأما المدينة فقد تكلَّم الناس في إجماع أهلها، واشتهر عن مالك وأصحابه أنَّ إجماع أهلها حجة، وإن كان بقية الأئمة ينازعون في ذلك.
والكلام إنَّما هو في إجماعهم في تلك الأعصار المفضلة، وأما بعد ذلك فقد اتفق الناس على أنَّ إجماع أهلها ليس بحجة، إذ كان في غيرها من العلماء ما لم يكن فيها، لا سيما من حين ظهر فيها الرفض
) [٧].

المصادر

[١] اليواقيت في أحكام المواقيت (ص ١٢١)، نقلاً من؛ مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ج٣/ص‏١٢٠٤) - مجموعة من المؤلفين..
[٢] الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (ج١/ص‏١٧٩) - محمد بن أحمد الدسوقي (ت ١٢٣٠).
[٣] حاشية ابن عابدين = رد المحتار (ج١/ص‏٣٦٦) - ابن عابدين (ت ١٢٥٢) - ط الحلبي.
[٤] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ج١/‏ص٢٢٩) - الشوكاني (ت ١٢٥٠).
[٥] إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٦/ص‏١٤١) - ابن القيم .(ت ٧٥١) - ت مشهور.
[٦] إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول (ج١/‏ص٢٢٩) - الشوكاني (ت ١٢٥٠).
[٧] مجموع الفتاوى (ج٢٠/‏ص٢٩٩ - ٣٠٠) - ابن تيمية (ت ٧٢٨).

الفتوى المشهورة

القول بالتقدير ليس مخالفاً للإجماع      المحتويات     الاجتهاد قد يتعيَّن
خلاصة الفتوى المشهورة هي أنّ التقدير لا يجوز إلا إذا انعدمت العلامة الشمسية للصلاة أو الصوم خلال الأربع والعشرين ساعة المعتادة بغض النظر عن طول الزمن بين العلامات وقصره.
وإذا كان النهار أو الليل أكثر من أربع وعشرين ساعة فإنّ الفتوى توجب حيئذ تقدير الصوم والصلوات جميعها.
فتوجب الفتوى صوم ساعة إذا وصل قصر النهار إلى أقل من ساعة، وتوجب صوم ساعات النهار مهما طالت إذا تمايز الغروب والشروق خلال أربع وعشرين ساعة.
ولأن هذا قد يكون تكليفاً بما لا يطاق في بعض البلاد أجازت الفتوى الفطر حينئذ والقضاء في أيام أخر كما لو كان زمن الصوم أكثر من ثلاث وعشرين ساعة.
هذه خلاصة فتاوى أكبر وأشهر المجامع واللجان الفقهية المعاصرة، انظر تفاصيلها في؛ مجلة البحوث الإسلامية [١].
مستند كل العلماء في المسألة هو القياس على حديث الدجال، بمن فيهم من لا يرى التقدير إلا عند انعدام العلامات خلال أربعٍ وعشرين ساعة.
وذلك لأنه لم يرد نصاً غير حكم الصلاة في اليوم الذي كسنة.
فلم يرد حكم اليوم الذي كشهر والذي كأسبوع.
ولم يرد كذلك حكم الصوم مطلقاً حتى في اليوم الذي كسنة.
ولم يرد كذلك حكم الأيام التي يزيد نهارها أو ليلها عن أربعٍ وعشرين ساعة.
ولم أرَ فيما اطّلعت عليه من فتاوى قديمة ومعاصرة ذكر علة القياس ولا نفي الفارق بين الأصل والفرع.
والعلة من أركان قياس التمثيل وبدونها لا يصح مع وجود فارق بين الأصل والفرع.
واضح أنَّ العلة التي انقدحت في أذهان من منع التقدير عند وجود العلامات خلال أربعٍ وعشرين ساعة هي انعدام العلامة في الأيام الاعتيادية من اليوم الأول من أيام الدجال.
وقد نص ابن حجر الهيتمي على هذه العلة في قوله: (وَلَيْسَ هَذَا حِينَئِذٍ كَأَيَّامِ الدَّجَّالِ لِوُجُودِ اللَّيْلِ هُنَا وَإِنْ قَصُرَ).
ولعله يقصد بأيام الدجال كل يوم اعتيادي مقداره أربع وعشرون ساعة خلال اليوم غير الاعتيادي الذي كسنة.
وقد تقدم بيان أن العلامات موجودة في اليوم غير الاعتيادي الذي كسنة، وأن النبي ﷺ أمر بأداء الصلوات قبل أوقاتها المعتادة في اليوم الذي كسنة.
اعتبار العلة هي انعدام العلامة خلال الأيام الاعتيادية فيه نظر من جانبين؛
الأوّل؛ هذه العلة ليس فيها إلا اعتبار مقصد واحد وهو أن يكون عدد الصلوات خمس صلوات والصوم مرة واحدة خلال كل يوم اعتيادي.
الثاني؛ بعض هذه الأيام الاعتيادية تمر فيها علامة واحدة وذلك لأنّ اليوم الذي كسنة فيه كل العلامات ولكنها متباعدة جداً.
وسبق أن من شروط العلة أن تكون مناسبة، والمعنى أن تكون متضمنة لجميع المقاصد والحِكم.
ومقصد أداء خمس صلوات وصوم مرة خلال كل يوم اعتيادي متحقِّق باعتبار أن العلة هي تطرّف الأوقات إضافة إلى غيرها من المقاصد والحكم.
ويخطيء من يظن علة انعدام العلامة متحققة مطلقاً في الفتوى المشهورة، فالغروب قد يحل بعد ثلاثة أيام معتادة، وهكذا.
وذلك لأنّ عدم تمايز الليل والنهار خلال أربعٍ وعشرين ساعة لا يعني أنَّ الليل لن يحل مطلقاً.
وأقل طول لنهار لا ليل فيه هو بمقدار ثلاث أيام اعتيادية.
فلِمَ لا يُفتون في هذه الحال بالفطر والقضاء في أيام أُخَر؟ إذا كان المُراد التقيد بالنص؛ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، لأنّ الليل سيحل ولابد ولو بعد ثلاث أيام اعتيادية.
والصحيح أنَّ التقدير على أي حال ليس فيه مخالفة لنص لأن القياس على الخاص يخصص العام كما تقدم.
وحديث الدجال فيه تخصيص اليوم الأول من أيام الدجال من العموم، والقياس عليه يخصص غيره بعلة مناسبة.
وهذه الفتاوى مع كونها أوجدت بعض المخارج لبعض الحالات، إلا أنَّ تلك المخارج لا تخلو من إشكالات.
من ذلك مثلاً قول المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي: (ومن عجز عن إتمام صوم يومه لطوله، أو علم بالأمارات أو التجربة أو إخبار طبيب أمين حاذق، أو غلب على ظنه أن الصوم يفضي إلى مرضه مرضاً شديداً أو يفضي إلى زيادة مرضه أو بطء برئه أفطر، ويقضي الأيام التي أفطرها في أي شهر تمكن فيه من القضاء).
فقولهم "عجز عن إتمام صومه"، ليس فيه رفع المشقة والحرج عن المكلف، بل فيه تكليف له بأن يبدأ صوم كل الأيام وتعريضه للمشقة ثم إيجاب القضاء عليه بعد المشقة، وحبذا إجراء دراسة حول البلاد التي تزيد عدد ساعات صومها عن ثلاث وعشرين ساعة لأنَّ الضرر قد يتبيَّن آخر الشهر أو بعده بأشهر أو بسنوات، فقد يُصاب بعض الناس بالضرر بسبب تتالي صوم النهار الطويل جداً ومع ذلك لا يدرون السبب في الإصابة.
ومن تلك المخارج التي ذكرها بعض الفقهاء قول الإمام القرافي رحمه الله تعالى: "مسألة من نوادر أحكام المواقيت. فتيا جاءت من بلاد البلغار من الإقليم السابع إلى بخارى يقولون فيها إنه جاءنا رمضان وطول الليل نحو ثلث ساعة إن اشتغلنا بالفطر طلع علينا الفجر وإن اشتغلنا بالصلاة فاتنا الفطر لضيق الزمان بأيهما نبدأ؟ وأيهما نفوت؟ فأفتاهم فقهاء بخارى بالاشتغال بالفطر، وتفويت الصلاة لأن مصلحة الأجساد مقدمة على العبادات بدليل المرض يسقط الطهارات وإن كان للصلوات، والصوم وغير ذلك" [٢].
ومع أن هذه الفتوى أوجدت مخرجاً إلا أن هذا المخرج أقرب إلى كونه مخالف للنصوص التي أمرت بأداء الصلاة في وقتها من فتوى التقدير التي اعتمدت حديث الدجال، هذا إضافة إلى أنها لم تراعي رفع المشقة والحرج عن المكلف لأن هذا الليل لا يكفي أن يتناول فيه الصائم ما يقيم بنيته لتوالي الصوم عليه بهذه الطريقة.
ومما يترتب على هذه الفتاوى أن النهار عندما يقصر جداً في بعض المناطق، فإنه كثيراً ما يمر على المكلف أن يفوت عليه وقت الظهر والعصر حتى يدخل وقت المغرب بسبب الخروج لقضاء حاجة يسيرة، وفي بعض المناطق قد يفوت عليه وقت الظهر والعصر والمغرب.
مخرج المخالف من مشقة توالي الصلوات؛ أن يصليها قضاءً كما أفتى فقهاء بخارى، ولكن هذا الأمر يتكرر على الطالب والعامل، واجتماع الصلوات فيه مشقة، كما أن الخروج المتقارب من قاعات الدراسة ومكاتب وأماكن العمل فيه مشقة واضحة. 
والدليل على أنَّ أوقات الصلاة فيها مراعاة لأحوال المكلف ورفع الحرج والمشقَّة عنه ما ورد في الحديث الذي رواه البخاري لمَّا أخَّر النبي ﷺ صلاة العِشاء ثم قال: (إِنَّهُ لَلْوَقْتُ، لَوْلاَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى ) [٣].
ومهما أوجدوا من مخارج فكلها في اليوم الطويل وأما اليوم القصير فانتفاء الحكم والمقاصد فيه واضحة، وقد نص بعضهم على أن النَّهار لو كان ساعةً واحدة فإنه يجب صوم ساعة واحدة فقط.
ولا ريب أنِّ صوم ساعة واحدة ليس بصوم، فالأصل في الصوم ترك الشهوات تركاً تكون معه رغبة في الأكل والشرب، ممَّا يدلُّ على ذلك ما ورد في الحديث القدسي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ، مَرَّتَيْنِ. وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِى، الصِّيَامُ لِى، وَأَنَا أَجْزِى بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا) [٤].
فإن قيل إنَّ من صام ساعة يصدق عليه أنَّه ترك الطعام والشراب لأجل الله عز وجل، فيقال سباق وسياق الحديث يدلُّ على أنه ترك مع رغبة، وماذا يُقال في صوم التطوع؟ وصوم الشاب الذي لا يقدر أن يتزوَّج فترة الشتاء عندما يقصر النَّهار جدَّاً؟ كما أنَّ الصوم في الصيف يكون شاقَّاً في المناطق التي يكون طول النهار فيها أكثر من ثلاث وعشرين ساعة منتصف الصف.
في الصيف الصلوات تكون متباعدة جداً وتسبب خللاً واضحاً في الوقت وترتيبه وتنظيمه، فالتباعد الكثير في أوقات الصلاة يؤدِّي إلى الانقطاع عن العبادة وقتاً طويلاً لمن كان مقتصداً، والتباعد في أوقات الصلوات يؤدي إلى الخلل في أوقات النوم والعمل، ويُلاحظ في أوقات الصلاة في مهبط الوحي أنَّها متقاربة، عدا وقت الفجر، فإن زمن الفجر بعيد عن وقت العشاء، وهذا وقت للنوم والراحة، وبعيد عن وقت الظهر، وهذا وقت للعمل، وطلب الرزق، للمزيد؛ مدونتي » إرشادات » تنظيم النوم والأوقات.

المصادر

[١] مجلة البحوث الإسلامية (ع٣١/ص‏٣٦٩) - مجموعة من المؤلفين.
[٢] اليواقيت في أحكام المواقيت (ص ١٢١)، نقلاً من؛ مجلة مجمع الفقه الإسلامي (ع٣/ص١٢٠٤)، تصدر عن منظمة المؤتمر الاسلامي بجدة،  [الكتاب مرقم آلياً غير موافق للمطبوع].
[٣] صحيح البخاري، التمني، حديث رقم ٧٢٣٩.
[٤] صحيح البخاري، الصوم، حديث رقم ١٨٩٤. 
pdf
القول بالتقدير ليس مخالفاً للإجماع      المحتويات     الاجتهاد قد يتعيَّن

الاجتهاد قد يتعيَّن

الفتوى المشهورة       المحتويات       من أقوال العلماء في المسألة
الاجتهاد قد يتعين كما لو لم يوجد من قام به في مسألة معيَّنة، فقد يكون الاجتهاد من باب الورع الواجب، وهو ما تساوى فيه الاحتمالان أو كان أقرب إلى الوجوب، وذلك لأن ترك الاجتهاد يفتح المجال للتشكيك في حكمة الشريعة ومراعاتها للمصالح، فقد نُسبت مسائل تخالف الحكمة إلى الشريعة بتأويل، فلزم تصفية الشريعة مما أدخل فيها مما ليس منها.
وقد ورد في حديث الحلال بين والحرام بين ذكر المشتبهات وهي كل ما فيه احتمال، ثم ورد ذكر الشبهات وهي ما كان أقرب إلى الحرام أو تساوى فيه الاحتمالان كما ذكر ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى.
وقد يكون الاجتهاد في مسألة معيَّنة مستحباً من باب الورع المستحب، وهو ما كان أقرب إلى عدم الوجوب إلا أن احتمال وجوبه كبير، والورع الواجب يدخل فيه فعل مقاربات الواجبات كما يدخل فيه ترك شبهات الحرام.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (فأما الورع المشروع المستحب الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم فهو اتقاء ما يُخاف أن يكون سبباً للذم والعذاب عند عدم المعارض الراجح. ويدخل في ذلك أداء الواجبات والمشتبهات التي تشبه الواجب وترك المحرمات والمشتبهات التي تشبه الحرام) [١].
وعندما ترك كثير من أهل العلم الاجتهاد ورعاً أو خطأً وجنحوا إلى التقليد، تجرَّأ من يُسمَّون بالمفكِّرين على الاجتهاد والرأي، وأصابوا في بعض ما ذهبوا إليه، مما أغرى بهم بعض العوام، حتى انصرفت كثير من القلوب إلى المفكرين الإسلاميين وهجرت أهل العلم، مع أن النبي صلى الله حض على الاجتهاد وجعل للمجتهد أجراً واحداً مع الخطأ ومجانبة الصواب.
وإنما أطلق على هؤلاء مفكرون لأنهم ليسوا من أهل الاجتهاد، فلِمَ يدَع العلماء وطلاب العلم الاجتهاد لمن يُسمَّون بالمفكرين؟ هل هو ورع حقيقي أم هو من تلبيس الشيطان على البعض حتى يُقال له تقي ورع متواضع؟
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: (وها هنا نُكتةٌ دقيقة، وهي أن الإنسانَ قد يذُمُّ نفسهُ يين الناسِ يُريدُ بذلك أن يُرِي أَنه مُتواضعٌ عندَ نفسهِ، فيرتفعُ بذلكَ عندَهُم ويمدحُونَهُ بهِ، وهذا من دَقائقِ أبوابِ الرِّياءِ وقد نَبَّه عليهِ السلفُ الصالحُ. قال مُطَرَّفُ بنُ عبدِ الله بن الشِّخِّير: كَفى بالنفس إِطراءً أَن تَذُمَّهَا عَلَى الملأ، كأنك تُريدُ بذمِّها زينتَهَا، وذلك عند الله سَفَهٌ) [٢].
وقال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: (ترك العمل من أجل الناس رياء. والعمل من أجل الناس شرك. والإخلاص أن يعافيك الله منهما) [٣].

المصادر

[١] مجموع الفتاوى (ج٢٠/‏ص١٣٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف - المدينة المنورة - السعودية، عام النشر: ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.
[٢] مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي (ج١/ص‏٨٨) - ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥)، دراسة وتحقيق: أبي مصعب طلعت بن فؤاد الحلواني، الناشر: الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، الطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٣ م.
[٣] تفسير الثعلبي = الكشف والبيان عن تفسير القرآن (ج٤/ص‏١٧١) - الثعلبي (ت ٤٢٧) – ط دار التفسير.
pdf
الفتوى المشهورة       المحتويات       من أقوال العلماء في المسألة

من أقوال العلماء في المسألة

ممن قال بتقدير الصلاة والصوم عندما يطول النهار جداً مع وجود الشروق والغروب خلال أربعٍ وعشرين ساعة ممن علم بحال هذه البلاد من الشافعية؛ الشيخ أبوحامد الغزالي، والزركشي، وابن العماد، كما نقل ذلك ابن حجر الهيتمي في كتابه تحفة المحتاج في شرح المنهاج، رحمهم الله جميعاً.
وقد نص الغزالي رحمه الله على تقدير الصلاة والصوم إذا لم يزد طول الليل على ما بين المغرب والعشاء، ويقدر هذا بنهار طوله اثنان وعشرون ساعة ونصف الساعة.
وكتاب المنهاج هو للنووي رحمه الله، وابن حجر الهيتمي رحمه الله بالتاء فقيه مصري شافعي (٩٠٩هـ - ٩٧٣هـ).
وقد نص على أن القول بتقدير الصوم محتمل للصواب مع وجود الليل خلال أربع وعشرين ساعة ابن عابدين الحنفي في رد المحتار.
وممن أفتى بالتقدير مع تمايز الليل والنهار خلال أربعٍ وعشرين ساعة من المعاصرين؛ الزرقا رحمه الله، وشلتوت وجاد الحق رحمهما الله تعالى وغيرهما من مشايخ الأزهر، ودار الإفتاء المصرية، ودار الإفتاء الأردنية.
الغزالي الشافعي
قال السيوطي الشافعي رحمه الله تعالى: "وسئل الشيخ أبو حامد عن بلاد بلغار كيف يصلون؟ فإنه ذكر أن الشمس لا تغرب عندهم إلا مقدار ما بين المغرب والعشاء ثم تطلع، فقال: يعتبر صومهم وصلاتهم بأقرب البلاد إليهم" [١].
وقال أيضاً: " قال الزركشي في [الخادم ]: وعلى هذا يحكم لهم في رمضان بأنهم يأكلون بالليل إلى وقت طلوع الفجر في أقرب البلاد إليهم، ثم يمسكون ويفطرون بالنهار كذلك قبل غروب الشمس إذا غربت عند غيرهم، كما يأكل المسلمون ويصومون في أيام الدجال " [٢].
الزركشي وابن العماد
قال ابن حجر الهيتمي الشافعي رحمه الله تعالى: ((تنبيه) لو عدم وقت العشاء كأن طلع الفجر كما غربت الشمس وجب قضاؤها على الأوجه مع اختلاف فيه بين المتأخرين.
ولو لم تغب إلا بقدر ما بين العشاءين، فأطلق الشيخ أبو حامد أنه يعتبر حالهم بأقرب بلد إليهم.
وفرع عليه الزركشي وابن العماد أنهم يقدرون في الصوم ليلهم بأقرب بلد إليهم ثم يمسكون إلى الغروب بأقرب بلد إليهم.
وما قالاه إنما يظهر إن لم تسع مدة غيبوبتها أكل ما يقيم بنية الصائم لتعذر العمل بما عندهم فاضطررنا إلى ذلك التقدير بخلاف ما إذا وسع ذلك.
وليس هذا حينئذ كأيام الدجال لوجود الليل هنا وإن قصر.
ولو لم يسع ذلك إلا قدر المغرب، أو أكْل الصائم قدم أكْله وقضى المغرب فيما يظهر) [٣].
تقدَّم أنَّ ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى ربما قصد بعدم وجود الليل في أيام الدجَّال؛ عدم وجوده في الأيام الاعتيادية التي بمقدار أربع وعشرين ساعة في الأيام غير الاعتيادية التي كسنة وكشهر وكأسبوع. وأمَّا اليوم غير الاعتيادي الذي بمقدار سنة ففيه ليل، وتقدم أنَّ العلة ليست انعدام العلامات في كل يوم معتاد من اليوم غير الاعتيادي الأول، وإنما هي تطرّف الأوقات في ذلك اليوم غير الاعتيادي الطويل الذي بمقدار سنة.
ابن نجيم الحنفي
قال ابن نجيم الحنفي رحمه الله تعالى: "(قوله: ومن لم يجد وقتهما لم يجبا) أي العشاء والوتر كما لو كان في بلد يطلع فيه الفجر قبل أن يغيب الشفق كبلغار وفي أقصر ليالي السنة فيما حكاه معجم صاحب البلدان لعدم السبب وأفتى به البقالي كما يسقط غسل اليدين من الوضوء عن مقطوعهما من المرفقين، وأفتى بعضهم بوجوبها" [٤].
ابن عابدين الحنفي
قال ابن عابدين الحنفي رحمه الله تعالى: (لم أر من تعرض عندنا لحكم صومهم فيما إذا كان يطلع الفجر عندهم كما تغيب الشمس أو بعده بزمان لا يقدر فيه الصائم على أكل ما يقيم بنيته، ولا يمكن أن يقال بوجوب موالاة الصوم عليهم; لأنه يؤدي إلى الهلاك. فإن قلنا بوجوب الصوم يلزم القول بالتقدير، وهل يقدر ليلهم بأقرب البلاد إليهم كما قاله الشافعية هنا أيضا، أم يقدر لهم بما يسع الأكل والشرب، أم يجب عليهم القضاء فقط دون الأداء؟ كل محتمل، فليتأمل.
ولا يمكن القول هنا بعدم الوجوب أصلاً كالعشاء عند القائل به فيها; لأن علة عدم الوجوب فيها عند القائل به عدم السبب، وفي الصوم قد وجد السبب وهو شهود جزء من الشهر وطلوع فجر كل يوم، هذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم " [٥].
ابن عرفة المالكي
قال ابن عرفة المالكي رحمه الله تعالى: "ما ذكره المصنف من أن مبدأ المختار للظهر من زوال الشمس إلى هنا كله بالنسبة لغير زمن الدجال، وأما في زمنه فيقدر للظهر وغيرها بالنسبة لغير زمانه.
ثم إن بعض البلاد السنة فيها يوم وليلة، وحينئذ فيقدِّرون لكل صلاة كزمن الدجال.
وفي بعض البلاد الليل من المغرب للعشاء، فيخرج الفجر وقت العشاء، فعند الحنفية تسقط عنهم العشاء، وعند الشافعية يقدرون بأقرب البلاد إليهم.
ولا نص عندنا، ولكن استظهر بعضهم الرجوع في ذلك لمذهب الشافعي، كذا قرر شيخنا" [٦].
محمد رشيد رضا
قال محمد رشيد رضا رحمه الله تعالى: " وقد ذكر الفقهاء مسألة التقدير بعدما عرفوا بعض البلاد التي يطول ليلها ويقصر نهارها والبلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون فقيل على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة، وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم، وكل منهما جائز فإنه اجتهادي لا نص فيه" [٧].
دار الإفتاء المصرية والأردنية وعدد من المشايخ
أفتت دار الإفتاء المصرية بتقدير الصوم إذا طال النهار جداً مع تمايز الليل والنهار خلال أربع وعشرين ساعة، ونسبت هذه الفتوى إلى دائرة الإفتاء بالمملكة الأردنية الهاشمية وعدد من المشايخ ذكرت منهم؛ الشيخ عبد اللطيف حمزة، والشيخ محمد سيد طنطاوي، والشيخ نصر، والشيخ محمد الأحمدي أبو النور،  [٨].
شلتوت
قال الشيخ شلتوت رحمه الله تعالى: (ولا ريب أن الجرْي في هذه الجهات على بيان الأوقات التي عُرفت للصلاة والصوم يُؤدي إلى أن يُصلي المسلم في يومه وليلته وهو سنة كاملة خمسَ صلوات فقط مُوزعة على خمسة أوقات من السنة كلها، ويُؤدي كذلك في بعض الجهات إلى أن تكون الصلوات المفروضة أربعًا أو أقل، على حسب طول النهار وقِصَرِه، وكذلك يُؤدِّي إلى أن يُكلَّف المسلم في تلك الجهات صومَ رمضان ولا رمضانَ عنده، وفي بعضها يُؤدي إلى صوم ثلاث وعشرين ساعة من أربع وعشرين ساعة، وكلُّ هذا تكليف تَأْبَاهُ الحِكمة من أحكم الحاكمين والرحمة من أرحم الرحماء) [٩].
الزرقا
وممن قال بتقدير الصلاة والصوم مع تمايز الليل والنهار خلال أربع وعشرين ساعة من المعاصرين الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله تعالى في تعقيبه على قرار المجمَّع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، وكان رحمه الله من أعضائه.
ومما قال الشيخ الزرقا رحمه الله في هذه المسألة: (وليس من المعقول توزيع صلوات النهار أو الليل على مدة نصف ساعة مثلاً، ولا من المعقول صيام ساعة وإفطار ثلاث وعشرين، كان رأيي أن تتخذ إحدى قاعدتين لهذه البلاد النائية شمالاً وجنوباً؛ إما أن يعتمد لها جميعاً أوقات مهد الإسلام الذي جاء فيه، ووردت على أساسه الأحاديث النبوية، وهو الحجاز، فيؤخذ أطول ما يصل إليه ليل الحجاز ونهاره شتاءً، أو صيفاً فيطبق على أهل تلك البلاد النائية في الصوم والإفطار وتوزيع الصلوات) [١٠].
جاد الحق
قال جاد الحق رحمه الله: (استقراء أقوال فقهاء هذه المذاهب على نحو ما سبق يشير إلى وجوب الصوم على المسلمين المقيمين فى تلك البلاد التى يطول فيها النهار ويقصر الليل على الوجه المسئول عنه، وأن هؤلاء المسلمين بالخيار بين أمرين لا ثالث لهما أحدهما أن يتخذوا من مواقيت البلاد المعتدلة التى نزل فيها التشريع الإسلامى (مكة والمدينة) معياراً للصوم ) [١١].
محمد حميد الله
وقال د. محمد الهواري في بحث في هذه المسألة: (وللدكتور محمد حميد الله رحمه الله رأي مشابه لرأي الشيخ الزرقا نشره في كتابه الإسلام (عام ١٩٧٠م) حيث اعتبر أن الحد الأدنى للنهار ٨ ساعات والحد الأعلى ١٦ ساعة، يجب أن توزع فيها مواقيت الصلاة صيفاً وشتاءً) [١٢].

المصادر

[١] الحاوي للفتاوي (ج٢/‏ص٣٦٨) - الجلال السيوطي (ت ٩١١هـ)، الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، عام النشر: ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.
[٢] الحاوي للفتاوي (ج٢/‏ص٣٨٤) - الجلال السيوطي (ت ٩١١هـ)، الطبعة السابقة.
[٣] نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (ج١/ص‏٣٦٩) - الرملي، شمس الدين (ت ١٠٠٤هـ)، دار الفكر، بيروت - ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م.
[٤] البحر الرائق شرح كنز الدقائق (ج١/ص‏٢٥٩) - زين الدين ابن نجيم (ت ٩٧٠هـ)، دار الكتاب الإسلامي.
[٥] حاشية ابن عابدين = رد المحتار (ج١/ص‏٣٦٦) - ابن عابدين (ت ١٢٥٢هـ) - ط الحلبي بمصر، الطبعة الثانية، ١٣٨٦ هـ - ١٩٦٦م.
[٦] الشرح الكبير للشيخ الدردير وحاشية الدسوقي (ج١/ص‏١٧٩) - محمد بن أحمد الدسوقي (ت ١٢٣٠هـ)، دار الفكر.
[٧] تفسير المنار (ج٢/ص‏١٣١) - محمد رشيد رضا (ت ١٣٥٤هـ)، الناشر؛ الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٩٠م.
[٨] دار الإفتاء المصرية » الفتاوى » عبادات  » الصوم » الصيام في دول الشمال الإسكندنافية.
[٩] دار الإفتاء المصرية » فتاوى بحثية » الصيام في الأماكن التي يقصر فيها الليل.
[١٠] المصدر السابق.
[١١] فتاوى دار الإفتاء المصرية (ج١/ص‏١٣٣) - مجموعة من المؤلفين.
[١٢] البشير » دراسات علمية » اختلاف ساعات الصيام في خطوط العرض العالية.
pdf
الاجتهاد قد يتعين       المحتويات       بلاد تطرّف الأوقات وسببها وأمثلتها

بلاد تطرّف الأوقات وسببها وأمثلتها

من أقوال العلماء في المسألة       المحتويات       الصوم الطويل والخلل في النوم والأوقات
البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات هي البلاد التي تقع فوق خطي العرض ٤٨° شمالاً و ٤٨° جنوباً، وتشمل بلاداً في شمال الأرض وجنوبها، وأكثر البلاد التي فيها سكان في هذه المناطق تقع  في شمال الأرض.
وتشمل في النصف الشمالي من الكرة الأرضية أجزاء  شمالية من آسيا وأوروبا وكندا وأمريكا الشمالية، ومنها؛ سايبريا، والدول الاسكندنافية، وكندا، وولاية ألسكا في أمريكا، وأجزاء من الولايات الشمالية من الولايات المتحدة الأمريكية والتي تقع دون خط عرض ٥٠° ش.
أما بقية دول القارة الآسيوية التي تقع دون روسيا وفوق خط عرض ٤٨° ش، فهي؛ شمال كازخستان، وشمال منغوليا، وأجزاء قليلة جداً في شمال الصين.
وفي أوروبا تشمل البلاد ذات خطوط العرض العالية الدرجات دولاً عديدة، منها في أقاصي الشمال؛ دول اسكاندنافيا (آيسلندا، النرويج، السويد، فنلندة، الدنمارك)، ودول اسكاندنافيا تشمل في أقاصي الشمال؛ جزر سفالبارد التي تتبع للنرويج، وجزيرة غرينلاند التي تتبع للدنمارك.
ومن الدول الأوروبية التي تقع دون دول اسكاندنافيا وفوق خط عرض ٤٨° ش؛ بريطانيا والتي تمتد حتى خط عرض ٦٠° ش، وآيرلندا، واستونيا، ولاتفيا، ولتوانيا، وبولندا، وبلاروسيا أو روسيا البيضاء، ولوكسمبورغ، وبلجيكا، وهولندا، وأجزاء كثيرة من شمال ألمانيا، وأجزاء شمالية من فرنسا، والأجزاء الشمالية من أوكرانيا، والأجزاء الشمالية من اسلوفاكيا، والأجزاء الشمالية من جمهورية التشيك.
وأما في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، فتشمل الأجزاء الجنوبية من الأرجنتين وتشيلي في أمريكا اللاتينية، وقارة أنتاركتيكا التي لا يوجد فيها سكان بصفة مستديمة.
يطول النهار صيفاً ويقصر شتاءاً، ويكون طول النَّهار وقصره أكثر كلَّما ابتعدنا شمالاً أو جنوباً عن خط الإِستواء، حيث يكون طول النهار والليل حوالي اثنا عشر ساعة ما بين خطي عرض ٥°  شمالاً و ٥° جنوباً.
ويكون الطول والقصر أكثر اعتدالاً ما بين خطي عرض ٢٣.٥° ش (مدار السرطان) و ٢٣.٥° ج (مدار الجدي).
ويصل طول النهار واللَّيل عند القطبين، وهي كما هو معلوم مناطق خالية من السكان، إلى ستة أشهر لكل من الليل والنهار.
وبسبب انتقال تعامد الشمس ما بين مداري الجدي والسرطان فعندما يكون نصف الأرض الشمالي في فصل الصيف يكون نصفها الجنوبي في فصل الشتاء، ثم ينعكس الأمر بعد ستة أشهر.
السبب في هذه الظاهرة هو أنَّ تعاقب اللَّيل والنهار يحدث بسبب دوران الأرض حول محورها، ويكتمل هذا الدوران في أربع وعشرين ساعة، مما يجعل نصف الأرض الشرقي تحت ضوء الشمس خلال جزء من هذه الأربع والعشرين ساعة بينما نصفها الغربي في الوجه المعاكس للشمس، ثم تنعكس الظاهرة خلال ما تبقى من زمن.
إلا أنَّ محور دوران الأرض حول نفسها يميل عن المستوى الظاهري لمسير الشمس بزاوية مقدارها ٢٣.٥° تقريباً، مما يجعل أحد قطبي الأرض تحت ضوء الشمس رغم هذا الدوران لمدة ستة أشهر، وهي المدة التي تكتمل فيها نصف دورة للأرض حول الشمس كما هو مقرَّر حديثاً عند علماء الفلك  المعاصرين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( فكلما كان البلد أدخل في الشمال؛ كان ليله في الشتاء أطول، وفي الصيف أقصر. وما كان قريباً من خط الإستواء يكون ليله في الشتاء أقصر من ليل ذاك. وليله في الصيف أطول من ليل ذاك. فيكون ليلهم ونهارهم أقرب إلى التساوي  ) [١].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: ( فإن الشمس على أي موضع كانت مرتفعة من الأرض الارتفاع التام، كما يكون عند نصف النهار، فإنها تضيء على ما أمامها وخلفها من المشرق والمغرب، تسعين درجة شرقية، وتسعين غربية. والمجموع مقدار حركتها اثنتا عشرة ساعة، ستة شرقية، وستة غربية، وهو النهار المعتدل. ولا يزال لها هذا النهار لكن يخفى ضوءها بسبب ميلها إلى جانب الشمال والجنوب ) [٢].
وقد ورد في سؤال عُرض على شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى قول القائل: ( الليل لا يستوي وقته في البلاد فقد يكون الليل في بعض البلاد خمس عشرة ساعة ونهارها تسع ساعات ويكون في بعض البلاد ست عشرة ساعة والنهار ثمان ساعات وبالعكس ; فوقع الاختلاف في طول الليل وقصره بحسب الأقاليم والبلاد وقد يستوي الليل والنهار في بعض البلاد وقد يطول الليل في بعض البلاد حتى يستوعب أكثر الأربع وعشرين ساعة ويبقى النهار عندهم وقت يسير ) [٣].
ما ببعد خطي عرض ٤٨° ش و٤٨° ج إلى الشمال أو إلى الجنوب تختفي بعض أو كل العلامات الشرعية للصلاة والصوم خلال الأربع والعشرين ساعةً المعتادة تدريجياً.
وأوَّل العلامات اختفاءاً هما علامتا الفجر والعشاء، وتختفيان في البلاد التي تقع ما بين بين ٤٩° و٦٥.٤٢° شمالاً وجنوباً في منتصف الصيف.
وفي البلاد التي تقع فوق خط عرض ٦٥.٤٢° ش و ٦٥.٤٢° ج تختفي علامتا الشروق والغروب خلال الأربع والعشرين ساعة المعتادة في منتصف الصيف والشتاء.
وعندما يختفي الشروق والغروب في هذه البلاد شتاءاً ويستمر الليل فترات زمنية أكثر من أربع وعشرين ساعة، تختفي كل علامات الصلوات الخمس بسبب الليل.
كلَّما كانت المنطقة ذات خط عرض أعلى صار النهار أطول صيفاً، ويزداد طولاً كلما اقترب الزمن من منتصف الصيف، وكلما كانت المنطقة ذات خط عرض أعلى يكون النهار أقصر شتاءاً، فيصبح قصيراً جداً في منتصف الشتاء.
يصل طول النهار إلى أكثر من ثلاث وعشرين ساعة في منتصف الصيف في بعض البلاد، وفي بعضها يصل إلى ثلاثة أيام، وفي بعضها أسبوع وأسبوعين وشهر وشهرين، فأكثر إلى أن يصير طوله قرابة الستة أشهر عند القطبين.
وفي منتصف الشتاء يصل طول النهار إلى أقل من ساعة، وفي بعض المناطق يستمر الليل إلى ثلاثة أيام فأكثر إلى قرابة ستة أشهر عند القطبين الذين ليس فيهما بشر.
الصيف والشتاء يتعاقبان على النصف الشمالي والجنوبي من الكرة الأرضية، وأطول يوم في الشمال هو يوم ٢٠ و٢١ و٢٢ يونيو وهو منتصف الصيف فيه، وهو أقصر يوم في الجنوب وهو منتصف الشتاء فيه.
وأما أقصر يوم في الشتاء فهو يوم ٢١ و٢٢ و٢٣ ديسمبر في النصف الشمالي من الكرة الأرضية وهو منتصف الشتاء فيها، وهو أطول يوم في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية وهو منتصف الصيف فيها.
في مدينة ريمَرِنمَتلة بفنلندة ومدينة غيجاوري بالسويد واللتان تقعان على خط عرض ٦٥.٥٥° تختفي علامتا الشروق والغروب لمدة اثني عشر يوماً، وهي الأيام ما بين ١٥ إلى ٢٦ يونيو؛ موقع لحساب الشروق والغروب بإدخال خطي الطول والعرض.
الشروق في يوم ٢١ يونيو على خط عرض ٦٥.٤٢° ش عند الساعة ٢٣:١٥ والغروب عند الساعة ٢٣:٢٩، وبناءاً عليه فإن عدد ساعات النهار في يوم ٢١ يونيو ثلاث وعشرون ساعة وست وأربعون دقيقة.
وتشرق الشمس في اليوم التالي؛ ٢٢ يونيو على خط عرض ٦٥.٤٢° ش حسب الموقع السابق عند الساعة ٢٣:٢٩ دقيقة، فيمتد ليلهم لأربع عشرة دقيقة فقط في منتصف الصيف.

المصادر

[١] مجموع الفتاوى (ج٥/ص‏٤٧٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، الناشر؛ مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، عام النشر؛ ١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٤ م.
[٢] مجموع الفتاوى (ج٥/‏ص٤٦٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، الطبعة السابقة.
[٣] مجموع الفتاوى (ج٥/ص‏٣٢١ - ٣٢٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)، الطبعة السابقة.
pdf
من أقوال العلماء في المسألة       المحتويات       الصوم الطويل والخلل في النوم والأوقات

الصوم الطويل والخلل في النوم والأوقات

بلاد تطرّف الأوقات وسببها وأمثلتها       المحتويات       الصوم في النهار الطويل
هذا البحث لا يتعلق بالصوم فقط، وإنما بالصوم والصلوات، وفي الصوم لا يتعلق بالمشقة فقط، وإنما يشمل كل المقاصد بما في ذلك انتفاء مقاصد الصوم من صوم ساعة، وكل ما ذكرتُ سابقاً من خلل وإشكالات في عدم التقدير.
وأما مشقة الصوم الطويل فهي محتملة غالباً، وذلك لأن الصوم شهر واحد في السنة، والصوم إنما يكون طويلاً جداً إذا كان في الصيف، والصيف عادة فترة إجازة الطلاب، وجرت العادة أن للعامل والموظف حق في إجازة سنوية مدتها شهر، فبإمكان المسلم أن يؤجز خلال شهر رمضان.
ومن لا يتسحر في مكة وينام مبكراً، قد يصوم قدر تسع عشرة ساعة أو عشرين ساعة، إلا أنه يجد وقتاً للراحة في الليل إذا كان يعمل بالنهار، ومن لا يجد في مثل هذه البلاد ممن يعمل راحة في أول النهار، فإنه يجدها في آخره.
وفي بداية الإسلام كان مبدأ الصوم النوم، وبعض الصحابة  رضي الله عنهم كانوا يصلون قبل نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الوصال.
وأما إذا وصلت ساعات الصوم  ثلاث وعشرين ساعة وأكثر، فإن صومها يومياً لمدة شهر فيه مشقة غير معتادة، وسبق نقل قول الشيخ محمد شلتوت رحمه الله تعالى شيخ الجامع الأزهر سابقاً: (وفي بعضها يؤدي إلى صوم ثلاث وعشرين ساعة من أصل أربع وعشرين، وكل هذا تكليف تأباه الحكمة من أحكم الحاكمين، والرحمة من أرحم الرحماء).
وأما مواقيت الصلاة، فإن الأوقات في مثل هذه البلاد تتغير بصورة سريعاً وبحدة مما يسبب إشكالاً في تنظيم الوقت، والخبراء يقولون أن التعود على برنامج مؤقت جديد يحتاج إلى حوالي واحد وعشرين يوماً بسبب ما يسمونه الساعة البيولوجية.
ومما ورد في السُنة يمكن القول بأن أفضل عادة في النوم أن ينام الإنسان بعد صلاة العشاء مباشرة وألا ينام بعد الفجر وأن ينام القيلولة، للمزيد يمكن الرجوع إلى؛ مدونتي » إرشادات » تنظيم النوم والأوقات.
pdf
بلاد تطرّف الأوقات وسببها وأمثلتها       المحتويات       الطول غير المفرط

الطول غير المفرط

الصوم الطويل والخلل في النوم والأوقات       المحتويات
وأمّا المناطق التي يطول فيها النهار طولاً غير مفرط والتي أجمع السلف والسابقون على الصلاة والصوم فيها حسب العلامات، فإنَّ عدم تقدير الأوقات فيها يناسب الحِكَم ومقاصد الشريعة، لأنَّ الأصل أنَّ الإنسان لا يستطيع النوم مع وجود ضوء الشمس.
وفقد السوائل يكون في المناطق الحارَّة أكثر من الأماكن الباردة، ولهذا فإنَّ المناطق التي يطول نهارها يمكن الصوم فيها لساعات أطول من غيرها، وذلك لاعتدال الجو في هذه المناطق فترة الصيف.
وعندما يقصر نهارها شتاءاً قصراً غير مفرط فإنَّ الجسم يحتاج إلى طاقة أكثر بسبب الظلمة وبرودة الجو، فناسب أن تكون ساعات صومها قصيرة، بخلاف المناطق المعتدلة وهي المناطق القريبة من خط الإستواء التي يكون صيفها حار جداً وشتاؤها معتدل.
وهذا مما يدل على كمال هذه الشريعة وأنَّها من لدن حكيم خبير، حيث إنَّ أحكامها مبنية على الحكمة والرحمة والعدل والمصلحة الأخروية والدنيوية. 
الجسم يحتاج إلى طاقة أكثر في الشتاء في البلاد ذات خطوط العرض العالية بسبب الظلام وفقدان الطاقة المستمدة من الشمس ولبرودة الطقس الذي يؤدي إلى زيادة صرف الطاقة في الجسم للمحافظة على درجة الحرارة الداخلية للجسم كما هو واضح في مثال الدب القطبي.
تقع مدينة بخارى في أوزبكستان على خط عرض ٣٩.٧٧° ش وتصل أقصى مدة للصوم فيها إلى ست عشرة ساعة وثلث الساعة، وذلك باعتبار أنَّ زاوية الفجر ١٣°، وتكون عدد ساعات الصوم حوالي ست عشرة ساعة خلال شهر ونصف تقريباً من شهري يونيو ويوليو. 
وقد عاش المسلمون في مدينة بخارى قروناً طويلة، حيث هي موطن الإمام البخاري رحمه الله تعالى الذي عاش في القرن الثالث الهجري، وكانت بخارى آنذاك مركزاً من مراكز العلم تمتلئ بحلقات المحدِّثين والفقهاء.
وكان فتح مدينة بخارى سنة ٨٩هـ، عندما تولَّى القائد المسلم قتيبة بن مسلم الباهلي ولاية خراسان، حيث توجه إلى بخارى وغزاها ودخل المدينة واستقرَّ المسلمون بها.
ويتكرَّر وجود رمضان في نفس الأيام من الشهر الميلادي بعد كل ٣٣ سنة تقريباً، والتالي مقال ذو صلة؛ مدونتي » إرشادات » تنظيم النوم والأوقات.
اللهم ربَّ جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الإثنين ١٢ رمضان ١٤٣٦هـ - ٢٩ يونيو ٢٠١٥ش
لوند، السويد.