إظهار الرسائل ذات التسميات الإصلاح السياسي. إظهار كافة الرسائل
إظهار الرسائل ذات التسميات الإصلاح السياسي. إظهار كافة الرسائل
الإصلاح السياسي الأصلي والاستثنائي
رجوع إلى قسم منهج وإصلاح
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه
ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.المحتويات
- مقدمة
- الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له
- الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها
- من السياسة ترك بعض السياسة
- الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة
- تعارض الحسنات والسيئات
- ترجيح الوسائل الأصلية على الاستثنائية
- السعي الحزبي للسلطة
- كيفية الترجيح في تولي وظائف سياسية
- حكم عضوية البرلمانات
- حكم القسم على احترام الدستور
- فساد حال من اشتغل بالسياسة
- التجارب السياسية
- الإلزام بالآراء في المسائل الخفية
- خاتمة
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
رجوع إلى قسم منهج وإصلاح
مقدمة
⏫محتويات الكتاب الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له⏪
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
الإصلاح السياسي ليس محصوراً في آلية المُعترك السياسي بمحاصصات وترشيحات المنظمات المدنية سواء كانت سياسية أو دعوية.
ومن يجيز الإصلاح السياسي بخوض المُعترك السياسي أطلق على هذه الطريقة لفظ العمل السياسي والمشاركة السياسية، ظناً منه أنها الطريقة الأمثل أو أنه لا يوجد سبيل غيرها.
ثم أصبح لفظ العمل السياسي علماً على خوض المُعترك السياسي، وعليه يُحمل كلام العلماء الذي يحذرون من العمل السياسي.
لا شك أن مُشاركة أهل الخير في السياسة أفضل من عدمها لو كانت آلية المُشاركة هي مجرد تعيين أهل الخير في وظائف سياسية عليا.
وذلك لأن تخفيف الشر بآلية لا ضرر فيها أفضل من عدمه مهما كان التحفيف قليلاً، وحتى لو لم يكن ثمة تخفيف للشر وكان في تولي ولاية منع من يزيد الفساد بتوليها، فإن في التولي دفع أضر.
فمشاركة الأخيار السياسية أفضل إذا لم يكن في آليتها مفاسد، أو لم تعد مفاسد آلية المُشاركة على غرض تخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح بالنقض.
وأما آلية خوض المعترك السياسي بمُحاصصات وترشيحات المنُظمات المدنية فهي آلية حديثة لم تكن معروفة في عهد ابن تيمية رحمه الله تعالى الذي يعتمد المجيزون أقواله في هذه المسألة.
وآلية التنافس الحزبي على السلطة فيها مفاسد تعود على مقصد تخفيف الشر ودفع الأضر بالنقض، وذلك إما لرجحان المفاسد مرحلياً، أو لكون المصالح المُقابلة المتحصلة غير مستدامة، وعندما تزول تلك المصالح يبقى أثر المفاسد المُصاحبة للآلية، وغالباً ما يعود الوضع العام إلى أسوأ مما كان عليه.
ولما استُخدم لفظا العمل السياسي والمشاركة السياسية في غير محلهما، ظهرت أخطاء مقابلة إما في التعبير أو الفهم، كإطلاق القول بعدم جواز العمل السياسي في مبدأ الدعوة، ومن ذلك التقليل من أهمية الإصلاح السياسي عموماً.
وفي هذا الكتاب بيان أن الإصلاح السياسي الأصلي أولى وأنفع من الاستثنائي، وأن الاستثنائي لا يشمل محاصصات وترشيحات المنظمات المدنية سياسية كانت أو دعوية أو غيرها، وأن ضرر الإصلاح الاستثنائي بالتصويت أقل من ضرر ترشيحات المنظمات، وأن الواجب عند التصويت للأخف ضرر عدم التقيد بحزب معين ما أمكن.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
⏩الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له ⏫محتويات الكتاب الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له⏪
الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له
⏩مقدمة ⏫محتويات الكتاب الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها⏪
واجبات الإسلام العينية في باب العبادات لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة، وما سوى ذلك من الواجبات العينية إما أنها تتعلق بأحكام المعاملات الدنيوية مثل النفقة على الأرحام، أو أنها تبع لغيرها، كطلب العلم العيني، وكوجوب حضور الجمعة والجماعة، وكوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.بعض ما يطلق عليها واجبات هي في حقيقتها محرمات، كوجوب إعفاء اللحية فهو في حقيقته تحريم حلقها، لأن الفعل الحقيقي هو الحلق وليس الإعفاء، فالإعفاء ترك وليس فعل.
والأصل في النهي سواء كان نهي تحريم أو كراهة أنه يتعلق بترك فعل، والأصل في الأمر سواء كان للوجوب أو الندب أنه يتعلق بأداء فعل.
ومن النهي على صيغة الأمر؛ وجوب تغطية المرأة سائر بدنها عدا ما ظهر من زينتها، فهو في حقيقته نهي عن التبرج لأنه ليس فيه تكليف زائد على وصف اللبس.
الأدلة على أن الواجبات الشعائرية العينية لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة كثيرة، منها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ (أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى رَسولِ اللهِ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ، فقالَ: يا رَسولِ اللهِ، دُلَّنِي على عَمَلٍ إذا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الجَنَّةَ، قالَ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وتُؤَدِّي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، قالَ: والذي نَفْسِي بيَدِهِ، لا أزِيدُ على هذا شيئًا أبَدًا، ولا أنْقُصُ منه، فَلَمّا ولّى قالَ النبيُّ صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: مَن سَرَّهُ أنَّ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَلْيَنْظُرْ إلى هذا)، متفق عليه واللفظ لمسلم؛ صحيح البخاري (١٣٩٧) وصحيح مسلم (١٤).ولكن ما أكثر الواجبات الكفائية؟ ووجود المُقاربات التي تُشبه الواجبات أكثره بسبب عدم حصول الكفاية، وما أكثر النقص في أداء فروض الكفايات!
ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى ما يُستخرج منه أن فعل المقاربات التي تُشبه الواجب آكد من ترك الشبهات التي تشبه الحرام، وذلك بناءً على ما حققه من أن جنس فعل الواجبات أهم من جنس ترك المحرمات.
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى أن الورع المستحب والواجب هو ترك ما يُخشى أن يكون سبباً للذم والعقاب في الآخرة، وأنَّ العقاب يترتب على ترك الواجب كما يترتب على فعل المحرم.
من أمثلة المُقاربات طلب العلم الشرعي الكفائي، لأن الكفاية لم تحدث، وإذا لم تحدث الكفاية فكل المؤهلين القادرين آثمون حتى تحدث الكفاية، فالمُسلمون بحاجة إلى طالب علم كبير في كل مسجد للتعليم والدعوة والإفتاء، فالمُفتي بحاجة إلى معرفة حال المُستفتي وليس فقط حال البلد.
وهذا لا يعني أن طلب العلم الشرعي الكفائي واجب على كل مسلم، فثمة واجبات كفائية أخرى لم تحصل الكفاية فيها، ومن الناس من يحسن غير العلم من الكفائيات أكثر، فيجب أن يسد كل مسلم ما يليه من ثغرات متعلقة بفروض الكفايات.ومن تلك الواجبات التي فيها تقصيرٌ عظيم الإصلاح السياسي لأوضاع بلاد المسلمين، فيحرم صد الناس عن الإصلاح السياسي، بل هو إثم كبير وذنب عظيم، فهو من الفروض التي تحتاج إلى تفرغ ومتابعة ودراسة دقيقة.
وكثيرٌ من الكفاءات العلمية الشرعية والدنيوية هاجرت من بلاد المسلمين بسبب الوضع السياسي والاقتصادي، فالدنيا تخدم الدين كما قال ابن تيمية رحمه الله تعالى.
فنحن في سفينة، إن تركنا بعضنا يخرق فيها خرقاً ولو كان من نصيبه هلكنا جميعاً، وإن أخذنا على يد من يريد أن يخرق فيها خرقاً نجونا جميعاً، وللمزيد؛ مدونتي » قواعد وأصول » الواجبات العينية ومُقارِباتها.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
⏩مقدمة ⏫محتويات الكتاب الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها⏪
الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها
⏩الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له ⏫محتويات الكتاب من السياسة ترك بعض السياسة⏪
ورعاية أصل الدين؛ الشهادتين والصلاة تكون بدعوة غير المسملين إلى الشهادتين، وتقريرهما وتثبيتهما عند المسلمين بالدعوة إلى التوحيد والإيمان، والنهي عما يضادهما من الشرك الأكبر البين والكفر البواح، وأمر المسلمين بالصلاة، والنهي عن تركها، وذلك بالاعتناء بالمساجد والجامعات الإسلامية وتدريس الإسلام في المدارس وبث البرامج الإسلامية في قنوات الدولة ونحو ذلك من الاعتناء بالشهادتين والصلاة.من الإصلاح السياسي الواجب تجاه الولاية الإسلامية؛ نصح الأمراء، والنهي عن الخروج عليهم، ودعوة الناس إلى طاعتهم الطاعة التي بموجب عقد الولاية الإسلامية، والتعاون معهم في الخير من حماية الثغور والجهاد خلفهم، وتنبيههم لخطط الأعداء والمنافقين، وغير ذلك من أنواع الإصلاح السياسي.
والولاية غير إسلامية إذا لم ترع أصل الدين، ومن الإصلاح السياسي في هذه الحال؛ دعوة الأمراء إلى رعاية أصل الدين، وطاعتهم مع العجز عن إزالتهم بموجب عقد الصلح أو ما لا يخالف الشرع من عقود المواطنة وتحقيق المصالح ودفع المضار، وترك منابذتهم عند عدم القدرة، والسعي لإصلاح الأوضاع بكل ما هو مباح أو مصلحة مرسلة ولا يترتب عليه ضرر أعظم، إلى غير ذلك.
وللمزيد؛ قسم إصلاح » شرعية السلاطين برعاية أصل الدين.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
⏩الإصلاح السياسي واجب أو مُقارب له ⏫محتويات الكتاب من السياسة ترك بعض السياسة⏪
من السياسة ترك بعض السياسة
⏩الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها ⏫محتويات الكتاب الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة⏪
اشتهرت كلمة "من السياسة ترك السياسة" عن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وهي لا تعني ذم السياسة بإطلاق، إذ لابد أن تكون السياسة الأولى في الجملة غير الثانية، فالأولى في السياسة الشرعية والثانية فيما حقه الترك أو التأخير لكونها سياسة مذمومة أو لعدم توفر شروط أو وجود موانع.والسالكون لنهج السلف في البلاد التي لا يلتزم حكامها برعاية أصل الدين يصرحون بأن هدفهم استئناف حياة إسلامية تحتكم في كل شؤونها إلى الإسلام، وهذا هدف سياسي واضح.
وفرق من يصبر على نهج إصلاح المجتمع من غيرهم هو في أن استئناف حياة إسلامية أو إصلاح الولاية الإسلامية يكون بما أسماه الشيخ الألباني رحمه الله تعالى بالتصفية والتربية، وهي الكلمة التي درج على ترديدها الكثيرون لما فيها من الاختصار لأهم المهمات والواجبات في هذا العصر وسائر العصور، بل ولاشتمالها على جملة منهج الإصلاح.
وسالكو نهج السلف يصرِّحون بأن السياسة الشرعية من الدين، وأن اعتقاد عزل الدين عن السياسة واتخاذ ذلك ديناً وفكراً كفر أكبر، قال الشيخ مقبل الوادعي رحمه الله: "فالسياسة الشرعية هي من الدين والذين يحاولون فصل الدين عن السياسة معناه هدم قدر ثلث الإسلام أو أكثر، فنحن لا نحارب السياسة لذاتها، نحارب السياسة بمعنى الكذب والخداع والخيانة، هذه نحاربها، أما فصل الدين عن السياسة فهذا أمر نحن نحاربه ونحذر منه والله المستعان" [1].ولعل الأفضل أن يُقال؛ من السياسية ترك بعض السياسة، لأنها أوضح في المراد، ولكن عبارة من السياسة ترك السياسة ليس فيها إشكال، فمعناها واضح من سياقها كما سبق.
إذا ظهر أن هذه العبارة لا تعني منع كل عمل سياسي إصلاحي، فالمراد منها أمران، أولهما حق بيِّن بدلالة النصوص وسيرة العلماء من سلف هذه الأمَّة الصالح رحمهم الله تعالى ودلالة العقل والتجربة، والثاني فيه تفصيل.
الأول؛ تحريم تحريم ما يضر وكراهة ما لا ينفع من السياسة، ومن ذلك؛ تقديم السياسة على الأصول، كترك الدعوة إلى التوحيد لأجل كسب الأصوات في الانتخابات، ومن ذلك خوض المُعترك السياسي، ومن ذلك إشغال العوام بفروض الكفاية من السياسة التي هي من اختصاص أهل العلم والحكمة والرأي والشوكة.
ومما يُذم من السياسة؛ تحميس الناس لردِّ عدوان المحتلِّين بالعاطفة المجرَّدة عن الشرع والعقل، ومن ذلك الإنكار على الأُمراء في المنابر العامة في غيبتهم، ومن ذلك الخروج السلمي أو المسلح على السلطان المسلم الحارس لأصل الدين، أو على الذي يترتب على الخروج عليه ضرر أعظم.
للمزيد حول الإنكار على السلاطين في المنابر العامة في غيبتهم؛ قسم إصلاح » التشوَقيّة لِسبق الديمقراطيّة » النصح والإنكار العلني، وحول الموقف من الحُكومات؛ قسم إصلاح » شرعية السلاطين بإقامة أصل الدين.
الثاني؛ تولي وظائف سلطانية عليا في أكثر الأنظمة السياسية المُعاصرة كالوزارات وعضوية المجالس النيابية وخاصة تلك التي يُسمح فيها باختيار قوانين مخالفة للشريعة، وفيه تفصيل، وهو موضوع هذا المقال.
فإذا كان تولي الأخيار بآلية لا ضرر فيها كالتعيين، فإن تخفيف الشر مهما كان قليلاً أفضل من عدمه، وحتى ولو لم يحدث تخفيف، فإن التولي بغرض منع تولي من يزيد الفساد أفضل.
ويجوز التولي أيضاً إذا كان ضرر آليته لا يعود على غرض تخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح بالنقض.
وأما التولي بآلية محاصصات وترشيحات المنظمات المدنية، فإن فيها مفاسد تعود على مقصد تخفيف الشر ودفع الأضر بالنقض، وذلك إما لرجحان المفاسد مرحلياً، أو لكون المصالح المتحققة غير مستدامة.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
المراجع
[1] إرشاد البرية إلى شرعية الانتساب إلى السلفية ص 158.
⏩الإصلاح في الولايات الإسلامية وغيرها ⏫محتويات الكتاب الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة⏪
الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة
مراد من أطلق القول بعدم جواز السياسة في مبدأ الدعوة قد يكون صحيحاً مبدئياً أو واقعياً ولكن تعبيرهم خطأ.
وإذا كان النهي قد ورد عن كلمة راعنا مع أنها محتملة، فمن باب أولى الخطأ اللفظي، قال الله تعالى ذكرُهُ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ۗ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
وأما قول الفقهاء؛ لا مشاحة في الاصطلاح، فهو فيما لا يُلبس المعنى كمندوب ومستحب، وأما ما يُلبس المعنى فيُنهى عنه كقول الزنى مكروه مع أنه مكروه لغةً، والمشاحة هي المماحكة، فعند المدارسة والمناظرة ينظر إلى المعاني لا إلى الاصطلاح والألفاظ، لأن المعاني هي المقصودة.
الصحيح مبدئياً في تعبير ترك السياسة في مبدأ الدعوة هو أن الحرص على استلام الأخيار السلطة لا يمكن في مبدأ الدعوة من غير تنازل مع انتشار مظاهر الشرك والبدع والصدود عن الدعوة.
ولا يصح التنازل عن الأصول لأجل السياسة، إذ السياسة وسيلة لغاية، وأولى أولويات الشريعة الشهادتان والصلاة، بدلالة النصوص ومنها؛ (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وقول الله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}.
وواقعياً قد يكون المراد صحيحاً ولكنه خطأ مبدئياً، فبعض الناس أراد بذلك أحد الأمرين التاليين؛
الأول؛ عدم البدء بالأعمال التي تحتاج إلى تصويت الناس، ومع أن هذا صحيح واقعياً ولكن مبدئياً ترشيحات التكتلات السياسية مضرة عموماً وليس فقط في مبدأ الدعوة، وتفصيل هذا في مبحث خوض المعترك السياسي.
الثاني؛ عدم استلام تكتل ما السلطة بأي طريق كانت قبل إيجاد ما يسمى بالكتلة الحرجة المؤيدة من عامّة الناس، وهذا صحيح أيضاً واقعياً لاستمرار أي حكومة، ولكن مبدئياً يجب معرفة رضا غالب المسلمين بأهل الحل والعقد ومن ثم السلطات الحاكمة، وقد اقترحتُ لمعرفة ذلك ما أسميتُه بالانتخاب الهرمي.
فمن ناحية واقعية نجد أن كل السلاطين يحرصون على العلاقة الحسنة مع شعوبهم عبر مثلاً القبائل وزعمائها بالمصاهرة والتواصل والعطاء ونحو ذلك.
فما يسمى بالكتلة الحرجة أو قيادات المجتمع أو سلطة الناس أو الحاضنة الجماهيريّة مهمة واقعياً لكل سلطة.
وعموماً الركائز الداخلية للحُكم والتأثير السياسي الفعال خمسة؛ المال، ثم الاستخبارات، ثم الشوكة، ثم الإعلام، ثم قيادات المجتمع المدني (إدارات أهلية ودينية ومنظمات مدنية).
فبهذه الركائز الخمسة يتم واقعياً التحكم في الدولة ولو كان المتحكم فرداً واحداً كما هو معلوم ومشاهد.
ومهما كان القصد صحيحاً واقعياً أو مبدئياً فإن التعبير خطأ أدى إلى خطأ أو لبس في الأفهام، فإطلاق القول بترك السياسة في مبدأ الدعوة مُحْدث لم يؤثر عن السلف، ولا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع، بل الأدلة والإجماع تدل على بطلانه.
فإطلاق ذم السياسة في مبدأ الدعوة وإلى حين صلاح أغلب المجتمع يُدخل في المذموم المتفق على مشروعيته كوسائل الإصلاح السياسي المشروعة أصالةً، وكالوسائل الاستثنائية التي لا تعود أضرارها على غرض دفع الأضر وتحقيق الأصلح بالنقض مثل التصويت للأخف ضرراً.
فمن السياسة المشروعة أصالةً في مبدأ الدعوة؛ دعوة السلاطين لرعاية الدين ودعوة الناس إلى طاعتهم بموجب عقد المواطنة للعجز عن إزالتهم، أو بموجب عقد الولاية الإسلامية إذا كانوا يحرسون أصل الدين، والنهي عن الخروج عليهم، والجهاد خلفهم ومعاونتهم ونصحهم.
وليس كل ما كان في مبدأ الدعوة بمكة ينطبق على أوضاعنا المعاصرة كما يزعم من يرى مقاطعة الحُكومات المُعاصرة من التكفيريين والجهاديين ومن تأثر بهم، فمجتمعاتنا اليوم ليست كافرة ولا كثير من حكوماتنا كذلك.
ومن السياسة المشروعة في مبدأ الدعوة؛ دعوة الرسل عليهم السلام زعماء القوم كإبراهيم وموسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام، ومن ذلك عرض الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى دعوته على الأمراء.
وقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم الإجارة بعد أن عاد من الطائف من بعض المشركين فأجاره المطعم بن عدي، وكان المطعم من زعماء مكة وهو سيد قبيلة بني نوفل بن عبد مناف.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم نفراً من أصحابه بالهجرة إلى الحبشة وذكر لهم أنَّ ملكها عادل لا يُظلم أحد عنده.
وبايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على أن يحموه، ثم هاجر إلى المدينة، ولا شك أن كل هذه الأعمال تدخل في السياسة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يهتم بدعوة زعماء قريش في مكة، وفي المدينة كان يرسل الرسائل إلى الملوك والرؤساء والزعماء.
وأما النهي الوارد في قوله تعالى: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ} فهو بسبب الإعراض عن المُقبل؛ {وَأَمَّا مَن جَاءَكَ يَسْعَىٰ 8 وَهُوَ يَخْشَىٰ 9 فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّ 10} إلى المُعرض؛ {أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَىٰ 5 فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ 6}، وفي هذا تقديم للمتوهم على المتيقن، وما هي إلا تذكرة؛ {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ 11 فَمَن شَاءَ ذَكَرَهُ 12}.
وأثر عن عدد من السلف القول باستحباب الدعاء للسلطان وتعليلهم ذلك بأن في صلاحه صلاح الناس.
وأما رفض النبي صلى الله عليه وسلم الملك لما عُرض عليه في مبدأ الدعوة فسبب ذلك عرض قريش الملك بشرط ترك الدعوة إلى الدين، وإنما يصلح هذا في الرد على الجماعات التي أهملت لأجل السياسة أصل الدين وهو الدعوة إلى توحيد الله عز وجل ونبذ مظاهر الشرك في مجتمعاتنا.
ولا ريب أن الذم المطلق للسياسة خلاف منهج السلف، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وهذان السبيلان الفاسدتان – سبيل من انتسب إلى الدين ولم يكمله بما يحتاج إليه من السلطان والجهاد والمال، وسبيل من أقبل على السلطان والمال والحرب، ولم يقصد بذلك إقامة الدين – هما سبيل المغضوب عليهم والضالين، الأُولى للضالين النصارى، والثانية للمغضوب عليهم اليهود.
وإنما الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هي سبيل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسبيل خلفائه وأصحابه، ومن سلك سبيلهم، وهم السابقون الأوَّلون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعدَّ لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً. ذلك الفوز العظيم).[1]
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
المراجع
[1] مجموع الفتاوى (ج28/ص395).
تعارض الحسنات والسيئات
⏩الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة ⏫محتويات الكتاب ترجيح الوسائل الأصلية على الاستثنائية⏪
لا يختلف العلماء في أهمية مزاحمة الباطل بآلية لا ضرر فيها أو ضررها أخف، وإنما يحذرون من الآليات الفاسدة التي تنقض مقصد تخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح.
قال ابن تيمية رحمه الله في تولي يوسف عليه السلام على خزائن الأرض لملك مصر: "ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإنَّ القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان" [١].
ممّا يدلّ على صحّة كلام ابن تيمية رحمه الله اضطرار يوسف عليه السلام لمكيدة ليمضي على أخيه عقوبة السارق على دين إخوانه لا دين الملك ليبقي أخاه معه.
فقد كانت عقوبة السارق في شريعة يعقوب عليه السلام هي استرقاقه عند من سرق منه، وقيل في عقوبة السارق في دين الملك (قانونه وشريعته) أنها كانت الضرب والتغريم.
قال الله تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (٧٦)﴾ يوسف [١٢: ٧٦].
وقال الشيخ العثيمين رحمه الله: "فلا تُتْرك المصالح العظيمة في الالتحاق بالجيش من أجل هذه المفسدة اليسيرة [الموسيقى] بالنسبة للمصالح؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يقارن بين المصالح والمفاسد" [٢].
وقال ابن تيمية رحمه الله في تولي ولاية لمن لا يمكنه رفع ما فيها من ظلم ولكن يخففه بنحو إسقاط نصف مكوسها: "وما يقرره الملوك مِن الوظائف التي لا يمكنه رفعها لا يُطالب بها، وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالاً لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف، وإذا لم يُدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية لمن يقرر الظلم أو يزيده ولا يخففه، كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيراً للمسلمين مِن إقرارها كلها" [٣].
وقاعدة احتمال مفسدة أصغر لأجل الأصلح عند التعارض والتزاحم لا تتعارض مع قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فقد يُشرع تولي وظيفة عادية أو عليا فيها مخالفات شرعية لتخفيف شر أو درء أضر أو إمضاء أنفع، ولا يتم ذلك إلا بآلية لا ضرر فيها أو آلية لا تنقض أضرارها الغرض.
وقد يظن بعض الناس أن قاعدة احتمال مفسدة صغرى لأجل الأصلح تعني الغاية تبرر الوسيلة، فإن أرادوا عند عدم ضبطها بشروط الاضطرار فكلامهم صحيح، ولا تكون المصلحة أعظم مقابل ضرر إلا إذا كانت المصلحة ضرورية أو تؤول إلى ضرورية ببلوى عامة.
ولا يوجد إشكال في قاعدة ارتكاب أخف الضررين، ولا قاعدة تفويت مصلحة صغرى لأجل مصلحة أعظم عند التعارض، ولكن أشكل على بعضٍ فهم قاعدة احتمال مفسدة صغرى لأجل الأصلح عند التعارض والتزاحم وقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فظنوا أن بنيهما تعارض.
والأوضح أن يقال: "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح الحاجية والتكميلية"، لأن فوات مصالح ضرورية تترتب عليه مفاسد.
وقاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" متفق عليها بين أهل العلم والعقلاء، فهي مثل قاعدة الكل أكبر من الجزء، ولكن يشكل على كثير من الناس فهمها.
فالمصالح هنا المقصود بها الحاجية والتكميلية، وذلك لأن المصلحة الضرورية يترتب على فواتها ضرر، فمآل تعارض مصلحة ضرورية مع مفسدة هو تعارض بين مفسدتين، فتحتمل المفسدة الصغرى لأجل الأصلح (المصلحة التي يترتب على فواتها ضرر أعظم).
ولذا ضبط بعض العلماء - منهم العز بن عبدالسلام والعثيمين رحمهما الله تعالى - قاعدة "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح" بما إذا تساوتا أو ترجحت المفسدة، ولا تترجح مصلحة على مفسدة ولا تتساويان إلا إذا كانت المصلحة ضرورية.
وهذان الضابطان لا حاجة إليهما في هذه القاعدة، فتعين الضبط بغيرهما، وذلك لأنَّ ضابط رجحان المفسدة داخل في قاعدة؛ تقديم الراجح عند تعارض مفسدة ومصلحة، فالتعارض إما بين مفسدتين فتحتمل الصغرى لدفع أو رفع الكبرى، أو بين مصلحتين فتفوت الصغرى لجلب أو حفظ الكبرى، أو بين مفسدة ومصلحة فيُقدم الراجح منهما.
وإذا تساوت مفسدتان أو مصلحتان أو مفسدة ومصلحة؛ يُنظر في مرجحات مصاحبة، ومن ذلك؛ هل المصلحة حالة لتُحفظ أم مفتقر إليها لتُجلب؟ وهل المفسدة حالة لتُرفع أم متوقعة بأمارات في الحال لتُدفع؟
وقد قسم العلماء المصالح إلى ضرورية وحاجية وتحسينية (تكميلية).
فالمصالح الضرورية هي ما يترتب على فواتها ضرر، والحاجية هي ما يترتب على فواتها مشقة أو فوات ما لا غنى عنه من غير ضرر، والتحسينية هي المصالح التي لا يُفتقر إليها.
وضبط القاعدة يزيل اللبس عن بعض المتأخرين، ويمنع اضطراب الفهم والفتوى عند تعارض المأمورات والمنهيات والمنافع والمضار، وهذا التعارض قد يدخل في مسائل الاضطرار والاحتياج والبلوى العامة.
وبين الفساد والصلاح الضروري تلازم، فهما ضدان كالنور والظلام، فيقل الظلام أو يزول بقدر حلول النور وقوته.
فدفع أو رفع مفسدة يحفظ أو يجلب المصلحة الضرورية المُضادة لها، ومثال ذلك؛ إنقاذ نفس من الهلاك يدفع مفسدة هلاكها ويحفظ حياتها، فالحياة مصلحة ضرورية مُقابلة لمفسدة الهلاك.
وجلب أو حفظ مصلحة ضرورية يرفع أو يدفع المفسدة المضادة لها، فالعلاج مثلاً يجلب مصلحة صحة البدن ويرفع المرض، والوقاية تحفظ الصحة وتدفع المرض.
وذهاب مصالح حاجية خاصة يؤول إلى ضرر عام بخلاف تحصيلها، ومما يدل على ذلك وجوب قطع يد السارق في ربع دينار فأكثر ولو كان المسروق منه غنياً، وأن من قتل دون ماله فهو شهيد.
وليس كل جلبٍ لمصلحة يستلزم دفعاً لمفسدة، فاكتساب مال على مال لا يُقابله دفع ضرر إلا في مثل حالة الفقر وتعطل مصلحة ضرورية، ولهذا يحرم اكتساب المال بالمحرم لمجرد تحقيق مصلحة حاجية بغرض تقوية الاقتصاد العام، ولا يعد ذلك ضرورة خلافاً للبلوى العامة.
والبلوى العامة هي شيوعُ تعارضٍ بين ترك محرم لذاته وتحقيق مصلحة حاجية أو مرجوحة، بحيث يُورث فوات المصلحة ضرراً أعظم من ضرر المحرم على المجتمعات وحرجاً عظيماً على الأفراد بسبب شيوع التعارض.
والحسنة لا تجلب مصالح فقط بل تنهى عن سيئات وبالتالي تدرءُ مفاسد، وكذلك السيئة لا تجلب مفاسد فقط بل تصد عن حسنات وبالتالي تصد عن مصالح.
قال الله تعالى ذكره: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ} فهذا واجب يصد فعله عن محرمات.وقال الله جل ثناؤه: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، وهذا محرم يصد فعله عن أداء واجبات ومستحبات.
فلا شك في ثبوت قاعدة احتمال مفسدة أصغر لأجل الأصلح عند التعارض والتزاحم، وقد أسهب ابن تيمية رحمه الله تعالى في بيانها وذكر أدلتها.
من ذلك قول ابن تيمية رحمه الله تعالى: "فالتعارض إما بين حسنتين لا يمكن الجمع بينهما، فتقدم أحسنهما بتفويت المرجوح، وإما بين سيئتين لا يمكن الخلو منهما، فيدفع أسوؤهما باحتمال أدناهما، وإما بين حسنة وسيئة لا يمكن التفريق بينهما؛ بل فعل الحسنة مستلزم لوقوع السيئة؛ وترك السيئة مستلزم لترك الحسنة؛ فيرجح الأرجح من منفعة الحسنة ومضرة السيئة" إلى قوله: "فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها والحسنة تترك في موضعين إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها; أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة. هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية" [٤].وقال ابن تيمية رحمه الله أيضاً فيما يتعلق ببيان هذه القاعدة: "ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة ; أو لدفع ما هو أحرم" [٥].
ومن ذلك قوله في بيان الورع الفاسد بعد قوله: "ولكن يقع الغلط في الورع من ثلاث جهات"؛ "الثالثة؛ جهة المعارض الراجح، هذا أصعب من الذي قبله؛ فإن الشئ قد يكون جهة فساده يقتضي تركه فيلحظه المتورع؛ ولا يلحظ ما يعارضه من الصلاح الراجح" [٦].
وفي بيان قاعدة التعارض ذكر ابن تيمية رحمه الله تعالى قاعدة مهمة استفاض في ذكر أدلتها فيما يزيد على مائة صفحة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ "قاعدةٌ في أن جنس فعل المأمور به أعظم من جنس ترك المنهي عنه، وأنَّ جنس ترك المأمور أعظم من جنس فعل المنهي عنه، وأن مثوبة بني آدم على أداء الواجبات أعظم من مثوبتهم على ترك المحرمات، وأن عقوبتهم على ترك الواجبات أعظم من عقوبتهم على فعل المحرمات" [٧].
ومن كلام شيخ الإسلام في باب تعارض الحسنات والسيئات أو هما قوله: "إذا كان المتولِّي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك، إذا كان لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته، ولكن يتعمد ذلك ما لا يفعله غيره قصداً وقدرة؛ جازت له الولاية، وربما وجبت!
وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها، من جهاد العدو، وقسم الفئ، وإقامة الحدود، وأمن السبيل؛ كان فعلها واجباً، فإذا كان ذلك مستلزماً لتولية بعض من لا يستحق، وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي؛ ولا يمكنه ترك ذلك؛ صار هذا من باب ما لايتم الواجب أو المستحب إلا به، فيكون واجباً أو مستحباً إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب.
بل لو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم؛ ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص قصده بذلك تخفيف الظلم فيها، ودفع أكثره باحتمال أيسره؛ كان ذلك حسناً مع هذه النية، وكان فعل ما يفعله من السيئة بنية دفع ما هو أشد منها جيداً. وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد، فمن طلب منه ظالم قادر وألزمه مالاً، فتوسط رجل بينهما ليدفع عن المظلوم كثرة الظلم، وأخذ منه وأعطى الظالم مع اختياره أن لا يظلم، ودفعه ذلك لو أمكن؛ كان محسناً، ولو توسط إعانة للظالم كان مسيئاً.
وإنما الغالب في هذه الأشياء فساد النية والعمل، أما النية فبقصده السلطان والمال، وأما العمل فبفعل المحرمات وبترك الواجبات لا لأجل التعارض ولا لقصد الأنفع والأصلح.
ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة، فقد يكون في حق الرجل المعيَّن غيرها أوجب، أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة، واستحباباً أخرى.
ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفاراً كما قال تعالى: {وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِّمَّا جَاءَكُم بِهِ} الآية، وقال تعالى عنه {يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم} الآية.
ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإنَّ القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا كله داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ}" [٨].
وقد ذكر قاعدة احتمال مفسدة صغرى لأجل مصلحة ضرورية أعظم عند التعارض والتزاحم الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في مواضع عدة، منها فتوى بجواز الالتحاق بالجيش مع ما فيه من مفسدة الموسيقى.
قال العلامة العثيمين رحمه الله تعالى: "فلا تُتْرك المصالح العظيمة في الالتحاق بالجيش من أجل هذه المفسدة اليسيرة بالنسبة للمصالح؛ لأن الإنسان ينبغي له أن يقارن بين المصالح والمفاسد، وأهل الخير إذا تركوا مثل هذه الأعمال من أجل هذه المعصية بقيت لأهل الشر، وتعرفون خطورة الجيش فيما لو لم يُوَفَّق لأناسٍ من أهل الخير، ولا أحب أن أعيِّن بضرب الأمثلة، لَمَّا استولى أهلُ الشر والفساد على الجيوش ووصلوا إلى سدة الحكم، ماذا كان؟! كان من الشر والفساد ما الله به عليم.
فأنا أحث إخواني الملتزمين خاصة بأن يلتحقوا بالجيش، وأن يستعينوا بالله عز وجل في إصلاح ما أمكنهم إصلاحه، وهذه المفسدة -أعني مفسدة الموسيقى أو العزف- مفسدة لا شك فيها عندي، وإن كان فيها اختلاف أشرتُ إليه قبل قليل؛ لكني أقول: هذه المفسدة؛ تنغمر بجانب المصالح العظيمة الكبيرة في أن يتولى قيادة الجيش أناس من أهل الدين والصلاح" [٩]، وفي المقطع التالي:
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
المراجع
١. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥٥-٥٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢. لقاء الباب المفتوح (ج٣/ص٤٠) - ابن عثيمين (ت ١٤٢١هـ).
٣. مجموع الفتاوى (ج٣٠/ص٣٥٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٥. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٦. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٤٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٧. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٨٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٨. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥٥-٥٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٩. لقاء الباب المفتوح (ج٣/ص٤٠) - ابن عثيمين (ت ١٤٢١هـ).
٢. لقاء الباب المفتوح (ج٣/ص٤٠) - ابن عثيمين (ت ١٤٢١هـ).
٣. مجموع الفتاوى (ج٣٠/ص٣٥٧) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٤. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٥. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥١) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٦. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص١٤٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٧. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٨٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٨. مجموع الفتاوى (ج٢٠/ص٥٥-٥٦) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٩. لقاء الباب المفتوح (ج٣/ص٤٠) - ابن عثيمين (ت ١٤٢١هـ).
ترجيح الوسائل الأصلية على الاستثنائية
⏩تعارض الحسنات والسيئات ⏫محتويات الكتاب السعي الحزبي للسلطة⏪
الإصلاح السياسي المشروع استثناءً هو القائم على اعتبار قواعد التعارض والتزاحم بين الحسنات والسيئات، وأما الإصلاح السياسي الجائز أصالةً فهو ما شُرع جوازه أو استحبابه أو وجوبه بأصل الحُكم الشرعي.من أمثلة الإصلاح السياسي المشروع أصالةً؛ دعوة الأمراء الذين لا يرون أن رعاية الدين من واجباتهم إلى رعايته، ونصح من يحرس أصل الدين ولكنه مقصرٌ في بعض واجبات الولاية الإسلامية، وقد تقدم ذكر أنواعٍ من الإصلاح السياسي المشروع أصالةً في مبحث؛ الإصلاح السياسي في مبدأ الدعوة.
ومن الإصلاح السياسي المشروع أصالةً؛ إنشاء منظمات أو جماعات نصح سياسية تَشْوَقِيَّة، ومنه أيضاً غالب وسائل المنظمات وجماعات النصح الإصلاحية الأساسية، ولا غنى لجماعات النصح عن قواعد التزاحم والتعارض إلا أن عملها ليس مؤسساً عليها.
وللمزيد حول أُطروحة التَّشْوَقَة يُرجى الرجوع إلى الكتاب المختصر المُيسر حولها في؛ مدونتي » إصلاح » التشوَقيّة لِسبق الديمقراطيّة، وللمزيد حول إنشاء جماعة نصح يُرجى الرجوع إلى ورقةٍ بهذا الشأن في؛ مدونتي » إصلاح » إنشاء جماعة نصح سياسية.ومن أمثلة الإصلاح السياسي الاستثنائي؛ تولي وظائف سياسية عليا من غير ترشيح منظمة مدنية ومحاصصة سياسية، مثل الوزارات وعضوية المجالس النيابية في ظل وجود مخالفات شرعية.
والوسائل الاستثنائية تعتبر حلولاً مرحلية مؤقتة غير مستدامة محدودة المنفعة، وذلك لأن الإصلاح بهذه الوسائل لا يُمكن أن يُغير النظام المُخالِف بنظام شرعي، فهو لمجرد تخفيف شر أو تحقيق أصلح أو دفع أضر.
وأما الإصلاح بنحو دعوة السلاطين ونصحهم وإنشاء جماعة نصح فهو عمل مُمرحل مستدام، لأن الغرض منه إيجاد نظام بديل متكامل، ولهذا كان لدعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله الأمراء أثرٌ بالغ امتد إلى يومنا هذا.
وجماعة النصح عملها متدرج حسبما تقتضيه الظروف، ويمكن عبر الجماعة التَّشْوَقِيَّة في إحدى مراحل عملها مطالبة صناع القرار لإجراء استفتاء عام حول حظر الحزبية أو منعها من التنافس على السلطة، وبذلك يتم تحويلها إلى جماعات نصح، لأنه لا فرق بين جماعات النصح والأحزاب غير التنافس على السلطة.
وإنشاء مثل هذه الجماعة السياسية من فروض الكفايات، كما أن من فروض الكفايات؛ التفرغ للدعوة والتعليم ومزاحمة المُفسدين عند الاضطرار والاحتياج بالتصويت لمرشحين لعضوية البرلمان ونحو ذلك.
والمؤسف أن فهم بعض الناس للإصلاح السياسي لا يكاد يتجاوز موازنة المأمورات والمنهيات عند التعارض، وذلك بغرض تخفيف الشر، علماً بأن تخفيف الشر مع أهميته قد يكون قليل النفع جداً، وذلك لأن التخفيف ما لم تصحبه مضار أفضل من عدمه مهما كان قليلاً.
ومسائل تعارض وتزاحم الحسنات والسيئات قد تدخل في باب الاضطرار والاحتياج، والبلوى العامة تنزل منزلة الضرورة الخاصة، والضرورة تتعلق بدفع ضرر، والحاجة تتعلق بدفع مشقة أو جلب مصلحة، والمحرم لغيره يباح للحاجة، وللمزيد حول هذه القواعد يرجى الرجوع إلى؛ مدونتي » أَحكام » الاضطرار والاحتياج والبلوى العامة.
ولذا يُشترط في مسائل التعارض والتزاحم شروط الاضطرار إذا اقتضت فعل محرم لذاته أو ترك واجب، ويشترط فيها شروط الاحتياج إذا اقتضت فعل محرم لغيره، ومن أهم شروطهما التعين؛ بمعنى عدم وجود سبيل شرعي لِتخفيف شر أو تحقيق أصلح أو دفع أضر، وعند الاحتياج؛ عدم وجود سبيل شرعي لرفع مشقة أو تحقيق مصلحة حاجية.
وبغير تحقق هذا الشرط يأثم الإنسان بترك واجب أو فعل محرم ولا يؤجر على ما حققه بذلك من خير، فلا أجر في تحقيق أصلح بأخف ضرر بنحو إسلام غير مسلمين بدعوتهم بالخمور.
ومن الشروط؛ أن تقدر كلٌ من الضرورة والحاجة بقدرها؛ فلا يجوز لمتولي ولاية فيها مخالفات شرعية أن يفعل حراماً أو يترك واجباً مختاراً للمخالفة بدون موجب.
ومن الشروط؛ ألا يكون المقصود من تخفيف شر أو دفع أضر أو تحقيق أصلح متوهماً، بل يشترط أن يكون متحققاً أو مظنوناً بظن غالب.
ومن أهم ما ينبغي معالجته في ذلك النيات، لأن من تولى ولاية فيها مخالفات شرعية بنية الدنيا فإنه لا يُعد غير فاعل لمحرم أو تارك لواجب، بخلاف من تولى بغرض تخفيف شر أو دفع أضر أو تحقيق
أصلح.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
⏩تعارض الحسنات والسيئات ⏫محتويات الكتاب السعي الحزبي للسلطة⏪
كيفية الترجيح في تولي وظائف سياسية
⏩السعي الحزبي للسلطة ⏫محتويات الكتاب حكم عضوية البرلمانات⏪
بعد النظر في آلية التولي، فإن كيفية الترجيح في هذه المسائل تكون من جهتين؛ الأولى؛ الترجيح بين تولي الولاية وتركها، والثانية؛ النظر فيما يُمكن تحقيقه من مصالح ودفعه من مضار أثناء التولي.
أما من الجهة الأولى فإذا كان التولي راجحاً على الترك فقد يجب التولي وقد يُستحب وقد يجوز حسب نوع الولاية وقدرة المتولي وحسن نيته وقوته، فلا شك أن في مزاحمة أهل الباطل تخفيف للشر ودرء لمفاسد أعظم إن لم يمكن تحقيق مصالح أعظم، وذلك إذا لم تصحب المزاحمة مفاسد تُرجح تركها.
أغلب نظر الناس في هذه المسائل يقتصر على النظر فقط فيما يتحقَّق من مصالح ويُدرء من مفاسد أثناء تولي الولاية.
فمع اتفاق الناس على قاعدة أخف الضررين إلا أنك لا تكاد تجد من ينتبه لتفويت ضرر أعظم كان متوقعاً حدوثه بيقين أو ظن غالب ودُفع باحتمال ضرر أخف، فلا يرى الكثيرون إلا الضرر الأخف وأثره السيء، وتجد الناس يبحثون غالباً فيما تحقق أثناء التولي لا فيما تم دفعه من أضرار.
ولو لم يكن النظر من جهة التولي والترك صحيحاً لما أفتى ابن تيمية رحمه الله تعالى بجواز تولي المكوس بنية إسقاط نصفها، وذلك لأن قاعدة درء المفاسد مقدمة على جلب المصالح تعني فيما لو تساوت المصالح والمفاسد أو كانت المفاسد راجحة كما قال الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى.
فلو كان النظر فقط فيما يمكن تحقيقه من مصالح ودرؤه من مفاسد أثناء التولي، لكانت المصلحة مساوية للمفسدة في مسألة تولي المكوس ولحُرم التولي بناءً على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
فالترجيح في مسألة المكوس هو بين تولي ولاية المكوس وتركها، وهو ترجيح بين ضرر راجح وضرر أخف.
وقد مرَّ علي في مجلة البيان نقل عن الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في تولي المكوس قال فيه: (بل ويجوز الدخول في وظيفة بنيَّة تخفيف مظالِمها ولو كانت قليلة ينتفع الناس بذلك).
وقد ينظر بعض من تعرض عليه ولاية من غير طلبٍ من جهة أنه في سعة واختيار، ولو نظر إلى مآلات الأمور وما يترتب على تولي الفسقة والكفار من فساد لكان أضبط فقهاً وأبعد نظراً.وقد جاء في النقل المشار إليه عن الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى؛ (فما دام الأمر يخفف الشر؛ كلما كثر أهل الخير فهو أحسن لا شك. ومن قال: لا أجد إلا هذه الوظيفة، فإن الرزق على الله، لكن لو قال: لو لم أتوظف فيها لتوظف فيها فاسق فاجر يفسد في الأرض بعد إصلاحها، فلا بأس، والمصالح العامة يجب مراعاتها... نقول: هل أنت إذا امتنعت عن هذا؛ هل سيبقى الجو فارغاً؟ سيأتي أناس خبثاء يفسدون في الأرض بعد إصلاحها) [1].
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
السعي الحزبي للسلطة
⏩ترجيح وسائل الإصلاح السياسية الأصلية على الاستثنائية ⏫محتويات الكتاب كيفية الترجيح في تولي وظائف سياسية⏪
المحتويات
الأصل أن تكون الأمّة المسلمة أمّة واحدة في النظام السياسي مع تمايز أصحاب المنهج الصحيح بمجموعاتهم المدنيّة التي تتزاحم فيها خلافات أصوليّة مع مشتركات أهل القبلة، كالدعويّة والسياسيّة.
يدلّ على ذلك اعتقاد أهل السنة وجوب طاعة رئيس البلاد المسلم المقيم لأصل الدين (الشهادتين والصلاة) في المنشط والمكره ولو كان مبتدعاً.
ولا يصحّ اعتبار السعي للسلطة بانقلاب حزبي أو خوض معترك سياسي مثل سعي النبي ﷺ لتمكين الدين، فقد كانت الأمّة المسلمة أمّة واحدة في عهد الرسالة، فلم يكن في السعي لتمكين الدين المفاسد المترتبة على إنشاء مجتمع خاص تتضارب مصالحه مع بقية الأمة.
والأصل في الانقلاب العسكري عدم جوازه لأنه غدر، فلا يجوز إلا عند الاضطرار وإذا أخل رئيس البلاد بأصل العقد، والإخلال برعاية الدين يكون بترك رعاية أصله؛ الشهادتين والصلاة، للمزيد؛ شرعية السلاطين برعاية أصل الدين.
والضرورة في خلع الحاكم لا تتصور إلا حال الضعف الذي يُخشى معه تبدد دعائم الإسلام وذهاب البيضة، وليس ذلك غدر لأن رؤوس أهل الشوكة بايعوا السلطان على حماية البلاد وأمنها.
والضرورة تُدفع بخلع رؤوس أهل الشوكة وليس بالثورات والقتال، لأنَّ ذلك يزيد الضعف، ويُعجِّل بذهاب البيضة، ويُغري الأعداء بالمسلمين، ويَزيد المحن ويُثير الفتن.
وأما السعي لتمكين الدين في البلاد التي لا يرى قادتها وجوب رعاية أصل الدين؛ فله طرق منها ما يلي في مبحث؛ جماعة نصح بدل حزب سياسي.
لا يختلف العلماء في أهمية مزاحمة الباطل بآلية لا ضرر فيها أو ضررها أخف.
ولذا اتفقوا على جواز بل وجوب التصويت للأخف ضرراً، وعلى جواز تولي ولاية أو دخول برلمان بتعيين ونحوه.
ففي تولي الأخيار تخفيف شر أو دفع أضر إذا لم يكن بآلية فيها ضرر، فإن كان في الآلية ضرر وجب اعتباره عند الموازنة.
ومهما كان تخفيف الشر قليلاً فهو أفضل من عدمه.
ولو لم يكن ثمة تخفيف للشر وكان في تولي ولاية منع تولي من يزيد الفساد فإن توليها هو أخف الضررين.
والتولي بالتعيين جائز أصالة ولا ضرر في ذات هذه الآلية.
والتصويت لأعضاء الأحزاب جائز استثناءً لما فيه من ضرر.
وإنما يحذر المحققون من العلماء من السعي الحزبي للسلطة لما في ذات هذه الآلية من مفاسد تنقض مقصد تخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح.
وحقيقة السعي الحزبي للسلطة أنها سعي أفراد يتقوون بأحزابهم، فكل من يسعى لسلطة يتقوى بجماعة حزبية، كمن يتقوى بالعصبية للقبيلة.
ونقض أضرار آليات الانقلابات الحزبية وخوض المعترك السياسي لمقاصدها يعود لأحد سببين؛ إما رجحان المفاسد مرحلياً، أو لعدم استقرار المصالح الراجحة المتحصلة.
فتكون المفاسد راجحة إذا لم يفز الأخيار بأغلبية مع عدم تمكنهم من تحالفٍ يحقق مصالح راجحة على مفاسد هذه الآلية، بخلاف ما إذا كان دخول البرلمان بآلية لا ضرر فيها كالتعيين فإن وجود واحد في البرلمان يُرجى نفعه.
وتكون المصالح غير مستدامة حال الفوز والتمكن من المال والشوكة والاستخبارات عبر معترك سياسي أو انقلاب حزبي بسبب فساد النظام الحزبي.
وذلك لأن الحزب الفائز لابد له من اللعب القذر لإبعاد غيره من الأحزاب بتمكين أعضائه بما فيه ظلم لبقية الناس، وهذا يؤدي إلى بغض الناس للحزب ونفورهم عنه، لأن النفوس مجبولة على كراهة الظلم.
ويظهر الضرر الراجح جلياً بعد المصالح المؤقتة مع ضعف المسلمين وقوة أعدائهم، وتمكن الأعداء من زرع الفتن عبر الأحزاب المنافسة وداخل الحزب الحاكم.
وإذا لم يستطع الحزب بعد فوزه وتمكنه إصلاح الوضع الاقتصادي لهذه الأسباب أو غيرها، فإنه لن يتمكن من الفوز بدورات جديدة.
والبلاد التي فيها نظام التنافس الحزبي لا يخلو حالها من أحد أمرين؛ الأول؛ وجود إدارة خفية للتنافس الحزبي كاللوبي الحزبي والصهيوني، والثاني؛ عدم استقرار النظام السياسي في البلاد التي فيها تنافس حقيقي، لأن التنافس على السلطة يؤدي إلى الصراع وعدم الاستقرار.
ولولا ما في آلية السعي الحزبي للسلطة من أضرار تعود على غرض الموازنات بالنقض، لكانت أفضل من التصويت لجماعة فيها انحراف، وذلك لما في تمكينهم من ضرر على المسلمين عامة وأهل السنة خاصة.
وجواز التصويت إنما هو لتخفيف الشر وليس لأجل إقامة نظام شرعي، إذ لا يمكن تغيير النظام الديمقراطي الوضعي تغييراً كاملاً بالفاسد من آلياته.
والتالية بعض مفاسد آلية محاصصات وترشيحات المنظمات المدنية التي تعود على مقصد تخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح بالنقض.
١. تشتيت الأصوات مما قد يؤدي إلى فوز العلمانيين.
٢. تقديم مصالح الحزب وأعضائه على بقية المجتمع، وهذا يؤدي إلى التفرق ويبغض الناس في دعاة الخير.
٣. تفريق المسلمين وتحزيبهم على مطامع دنيوية وآراء فاسدة أو ظنية.
٤. تنفير الناس من الدعاة.
٥. الولاء على مصالح حزبية.
٦. التنازل عن المباديء شيئاً فشيئاً، وذلك بسبب السعي لإرضاء الناس لكسب أصواتهم في الانتخابات.
٧. اتهام الأخيار بالتهافت على السلطة والمتاجرة بالدين.
٨. تلاعب أهل السلطة الحقيقية بالأحزاب، وأهل السلطة الحقيقية هم المسيطرون على المال والاستخبارات والشوكة.
٩. صراع أهل الخير مع غيرهم على مطامع دنيوية.
١٠. ترشيحات ومحاصصات المنظمة المدنية تؤدي إلى تشققها بسبب تنافس أعضائها على السلطة.
١١. تضييع المال في الحملات الانتخابية.
وقد حدث تشتيت الأصوات مراراً، ومن أمثلته فوز شيوعي في دائرة انتخابية بالسودان إبان الديمقراطية الثالثة بسبب إصرار جماعة الترابي على عدم التنازل للمرشح المُستقل يوناس بول ديمانيال، بل طعنوا فيه.
وكان الشيخ الهدية رحمه الله قد رفض أن يترشح يوناس باسم أنصار السنة، ولم يقبل بنزوله مستقلاً إلا بعد إلحاح الشباب وقتها.
فالتصويت للأخف ضرراً أفضل، ومن أسباب ذلك أنهم لا يتنازلون لأهل الحق غالباً مع ادعائهم أنهم حريصون على وحدة المُسلمين.
من الحكم في نفي الرسل طلب الأجر نفي شبهة ما يسميه العلمانيون اليوم بالتجارة بالدين؛ {وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}، ونفي هذه الشبهة آكد فيما هو محرم في الأصل ومضاره راجحة بالنظر للموازنات بين المصالح والمفاسد.
مفاسد الحزب السياسي المذكورة في المقال قد توجد في غيره من الجماعات المشروعة أصالةً، ولكن المفاسد أخف في الجماعات غير الحزبية ومحتملة مقابل ما فيها من مصالح.
وذلك لأن مصالح ما أصله المشروعية إما محضة أو ضرره مرجوح، والجماعة قد يكون عملها مشروعاً في أصله إما على وجه الوجوب كالدعوة أو الاستحباب كالمنظمات الخيرية أو الإباحة كالمنظمات المهنية.
مما يدل على أن المشروع أصالةً قد يكون فيه ضرر مرجوح أن في الجهاد قتل وإتلاف لحفظ الدين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كما قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر منه) [١].
فمثلاً ضرر تنافس دعاة على وظائف عادية في جماعة خيرية أو دعوية أخف من ضرر الحزب السياسي، وهو ضرر محتمل مقابل مصالح تلك الجماعات الدعوية والخيرية.
والوظائف العادية عموماً أكثر وأقل أهمية من الوظائف السياسية العليا، وكلما زادت أهمية المتنافس عليه وزاد طلبه وقل عدده ازداد الصراع عليه وازدادت مضاره.
والولايات قليلة ومهمة؛ فالرئيس واحد، وكذا نائبه الأول ورئيس الوزراء ووزير الصحة وحاكم الولاية، وهكذا.
والأصل عدم زوال المضار الراجحة في طلب الولاية إلا بمنع طلبها ومنع تولية من طلبها، وذلك لأن ضرر المحرم إما محض أو راجح على مصالحه.
وأما جواز طلبها الذي ذكره العلماء في قصة يوسف عليه السلام فهو حُكم استثنائي نادر الوقوع وليس أصلياً، ولذا لزم السعي لجعل الأصل هو النظام المتبع.
ومن يجعل الأحكام الاستثنائية أصلية أو لا يعتبر شروطها هو مثل من يجعل أكل الميتة جائز أصالة أو لا يقدر الضرورة بقدرها.
وطلب السلطة عن طريق الأحزاب أضر، وهو في حقيقته طلب أفراد يتقوون بأحزابهم.
والحزب السياسي قائم أصلاً على السعي للسلطة المرتبطة بالثروة، ولذا فدافع الولاء فيه على المصالح الدنيوية والصراع عليها أقوى وأشد إغراءً.
والتجربة خير شاهد على فساد التحزب السياسي، فلا يحتاج إلى كثير بيان عند الرجل العملي البعيد عن الجدل والكلام.
ترك خوض المُعترك السياسي لا يعني الابتعاد عن كل إصلاح سياسي عملي أصلي أو استثنائي لا تعود أضراره على غرض الموازنات بالنقض.
وكل ما يمكن عمله بإنشاء حزب سياسي يمكن بإنشاء جماعة نصح سياسية، عدا السعي للسلطة بمحاصصات أو ترشيحات أو أي وسيلة كانت.
والإصلاح السياسي بإنشاء الجماعة التشوقية أنفع وأدوم، وهو جائز أصالةً لا استثناءً.
ولدفع ضرر سيطرة العلمانيين على البرلمان تصوت جماعة النصح لآخرين مرحلياً، وضرر التصويت أخف لا سيما عند عدم التقيد بالتصويت لحزب واحد.
والولاء في جماعات النصح السياسية مبني على المباديء، ووجود مطامع شخصية فيها ضعيف الأثر كغيرها من التجمعات المباحة.
ومجال عمل جماعة النصح هو نفس مجال عمل الحزب السياسي غير أنها لا تسعى لسلطة بمحاصصات ولا ترشيحات مع تقيدها بالشرع.
وجماعة النصح تسعى لمنع جميع الناس من السعي الحزبي للسلطة، ولا تكتفي بمنع نفسها من السعي للسلطة.
وذلك بمطالبة صناع القرار بإجراء استفتاء عام حول الجديد من الحلول كتحويل الأحزاب السياسية لجماعات نصح سياسية.
ولو أنشأ الناس جماعة نصح سياسية تتواصل مع أقياد الناس من اتحادات ونظار وعلماء تكون المطالبة أبلغ.
وإذا أجري استفتاء عام فقد لا تقل نسبة الرافضين للحزبية في كل الأمم عن ٨٠٪، ويقال أنّ الدراسات تشير إلى أن نسبة أعضاء الأحزاب السياسية في كل أمّة حوالي ١٠٪ فقط.
والتنافس على السلطات العليا من أسباب الشقاق في الحزب السياسي، ووحدة أهل السنة مصلحة ضرورية فيحرم بذلك إنشاء حزب مع وجود البديل.
وببديل جماعة النصح مع التصويت لآخرين مرحلياً ينتفي شرط تعين إنشاء حزب سياسي لخوض المعترك السياسي.
وقواعد التزاحم والتعارض قد تدخل في أحكام الاضطرار والاحتياج والبلوى العامة، فيشترط فيها شروط الاضطرار إذا اقتضت فعل محرم لذاته أو ترك واجب، ويشترط فيها شروط الاحتياج إذا اقتضت فعل محرم لغيره.
لفعل محرم لذاته عند الاضطرار هي؛
١. أن يكون لرفع ضرر أو دفعه (جلب مصلحة ضرورية أو حفظها).
٢. أن يكون ضرر فعل المحرم أخف من الضرر المراد رفعه أو دفعه.
٣. وأن تُقدر الضرورة بقدرها؛ وذلك بعدم تجاوز حد ما يرفع الضرر أو يدفعه.
٤. التعيُّن؛ ويعني تعذر تحقيق المُراد بمباح أو محرم أصغر.
٥. وجود أمارات قوية للمتوقع؛ والمعنى أن تكون للضرر المراد دفعه (المترتب على فوات مصلحة ضرورية) أمارات في الحال تجعله متوقعاً بيقين أو بظن غالب.
وشروط فعل محرم لغيره للاحتياج (الحاجة المُلجئة) هي؛
١. أن يأمن الوقوع في المحرم لذاته.
٢. وأن تقدر الحاجة بقدرها.
٣. التعين؛ ويعني تعسُّر تحقيق مصلحة حاجية أو رفع مشقة أو دفعها بمباح أو تعذُّر تحقيق ذلك بمباح.
٤. وألا يكون الغرض متوهماً، وذلك بأن تكون لفوات المصلحة الحاجية أو حدوث المشقة المتوقعة أمارات في الحال تدل عليهما بيقين أو ظن غالب.
الحزب السياسي اسم على مسمى، لأن الحزب هو الجماعة التي تتعارض مصالحها مع آخرين وبالتالي يُعقد عليه ولاء وبراء.
مما يدل على معنى الحزب قول الله تعالى: {وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ}، والولاء والبراء هما سبب الغلبة لما فيهما من تناصر على الأعداء.
في الآية معنى تعارض مصلحة حفظ الدين مع ولاء غير المُسلمين، لحصر الولاء بسابقتها؛ {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسولُهُ وَالَّذينَ آمَنُوا الَّذينَ يُقيمونَ الصَّلاةَ وَيُؤتونَ الزَّكاةَ وَهُم راكِعونَ}.
والجماعة تطلق على المتشاكلين في أمرٍ كالعقيدة والرأي والجنس، ولكن مصالحها لا تتعارض ضرورةً مع مصالح مخالفيها، وبالتالي لا تستلزم براءً منهم.
وكل اجتماع ديني أو دنيوي لابد فيه من انتماء خاص يستلزم خصوص صلةٍ أو محبة أو تناصر من غير استلزام تعارض مصالح مع مخالف وبراءٍ منه.
ولذا فكل حزب جماعة وليست كل جماعة حزباً.
ولا يصح أن يُقال حزب إسلامي ولا سلفي، لأن الأصل حرمة التحزب، ولأن الاجتهاد في السياسة الشرعية كثير، والاجتهاد ظني لا يُنسب إلى الإسلام ولا السلفية، لأن السلفية نسبة إلى إجماع السلف وهو معصوم.
وقد دلت النصوص على عدم جواز نسبة المسائل الاجتهادية إلى الإسلام، من ذلك ما ورد في حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله عنه؛ (وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ فأرادوا أن تُنزِلَهم على حُكمِ الله فلا تُنزِلْهم على حكم الله، ولكن أنزِلْهم على حُكمِك؛ فإنك لا تعلَمُ أصبتَ حُكمَ الله فيهم أم لا)، أخرجه مسلم » رقم ١٧٣١.
وقد نص الأئمة والعلماء على هذا المعنى، وأذكر أن الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى كان إذا سئل؛ ما حكم الإسلام في كذا، يقول: قل ما رأيك أو ما حكم الإسلام في رأيك؟
ببسبب فتنة طلب السلطة والحرص على إرضاء الناس كسباً لأصواتهم وحلفهم تنازل خائضوا المعترك السياسي شيئاً فشيئاً.
فانتقل بعضهم من القول بجواز محاصصات وترشيحات الجماعة الدعوية إلى القول بجواز تكوين حزب سياسي للاضطرار.
ثم توسع بعض بالقول بجواز تكوين حزب سياسي أصالةً.
ثم أداهم ما سبق إلى تجويز كل آليات الديمقراطية الوضعية، وكان هذا مذهب مخفي لبعض المتلونين.
ووصل الحال ببعضهم إلى قبول مبدأ التخيير في تحكيم الشريعة عبر البرلمان مع اعتقادهم وجوب اختيار الشريعة شرعاً، وقد رددت عليهم في مقال بعنوان؛ الشريعة أجل من أن تعرض على البرلمان.
وتحالف بعضهم مع علمانيين على مُسلمين، وسعى بعضهم إلى إرضاء الناس لكسب أصواتهم، فداهنوا العامة وأهل البدع والعلمانيين والكفار، بنحو تجويز تولي الكفار رئاسة البلاد، والتقليل من شأن البدعة وأهلها.
وقد يُعذر المرء في أمر عقدي لجهله وصلاح نيته ويعاقب في أمر خفي لاتباعه هواه فيه.
فعن جابر رضي الله عنه قال: (خرجنا في سفر فأصاب رجلاً منا حجر فشجَّه في رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر بذلك، فقال: "قتلوه قتلهم اللهُ، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر، أو يعصب عن جرحه ثم يمسح عليه ويغسل سائر جسده").
ولا تثريب على من ابتغى الحق وأراده وإن أخطأ في أمرٍ الخلاف فيه غير معتبر أو أمرٍ متعلق بالعقيدة كمن شك في شيء من كمال قدرة الله عز وجل فغفر الله له وأدخله الجنة.
وإنما التثريب على من أصر على خطأ أو أعرض عن حق واتبع هواه ولو كان في مسألة فرعية.
والتثريب كذلك على من يوالي ويعادي في رأيه المرجوح أو المُبتدع ويفرق به جماعة المُسلمين أو أهل السنة، ويجب الحذر ممن يجعل رأيه المرجوح محور دعوته ويتعصب له ويخاصم لأجله مع وجود العلماء وتوافر الناصحين.
وحول التثريب والتبديع أضيف ما يلي للتوضيح وإزالة اللبس.
الرجل لم يشك في أن قدرة الله سبحانه وتعالى فوق قدرة المخلوق، ولم يشرك في القدرة بجعلها مثل قدرة المخلوق، وإنما شك في شيء من كمال القدرة.
الإصرار والإعراض في مسائل المعتقد أشد إثماً وقد يكفر أو يبدع المخالف فيها.
في بعض مسائل المعتقد يُبدع المخالف وإن جهل الحق في الأحكام الدنيوية وأمره يوم القيامة إلى الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك أننا نعتقد في عوام الإباضية أنهم مبتدعة ضلال في أحكام الدنيا وأن حُكمهم يوم القيامة إلى الله.
يبدع من خالف في كلي كإجماع الصحابة، أو في جزئيات متعدِّدة تنقض كلياً، أو فيما ينقض أحد أركان الإيمان أو الإسلام؛ كأصول القدر أو أن دعاء المخلوق شرك، أو خالف في متواتر معلوم في عصره ومصره.
يعد مبتدعاً من جعل بدعته الجزئية أصلاً يوالي عليها ويعادي ويفرق بها جماعة المسلمين ويكفرهم بمخالفتها ويستحل بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم كالخوارج.
لا يعد مبتدعاً من خالف في جزئيات معدودة ولو تعلقت بأحد الأركان ما لم تنقضه وما لم يجعلها أصلاً يُفرق بها المسلمين.
بعض من يتبنى القول بجواز خوض المعترك السياسي يفترص افتراضات غير واقعية ليلبس بها على الناس.
فمثلاً افتراض عدم خوض غير العلمانيين المعترك السياسي غير واقعي إذا لم يمنع النظام خوض غير العلمانيين، فثمة مستقلون وعدد من الأحزاب غير العلمانية.
ولعل من أسباب كراهة السلف أسئلة الأرأيتيين خشية استغلالها اتباعاً للهوى، ولهذا يلزم المشايخ ألا يجيبوا على افتراضات غير واقعية إلا بعد معرفة غرض السائل وأثر الفتوى إذا نشرت في ظروف معينة.
وليست القضية مجرد دخول برلمان حتى يُجاب على افتراض غير واقعي، وإنما هي متعلقة بالأصلح بكل الاعتبارات.
وافتراض رفض غير العلمانيين خوض المعترك السياسي لا يقتضي وجوب إنشاء حزب سياسي، فهذا الرفض قد يدل على القدرة على تغيير النظام الحزبي.
العبرة في الإجماع ولا عبرة في مجرد الخلاف، وأما قول بعضهم بأن الخلاف إجماع على جواز الخلاف فلا يصح في المسائل التي صرح فيها بعض العلماء بأن الخلاف فيها غير معتبر والمسائل التي جزم فيها بعض العلماء بصحة أحد الأقوال.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله) [٢].
وإطلاق العمل السياسي على خوض المعترك السياسي خطأ بين، فالعمل السياسي ليس محصوراً فيه، بل هو سبيل الديمقراطية الوضعية الحزبية المخالف للسياسة الشرعية في أصله حتى عند من يقول بجوازه استثناءً.
سواء كان الخلاف معتبراً أو غير معتبرٍ، فالعبرة بالراجح والحجة والبرهان.
ومن أفتى بالجواز إما أنه لم يتصور الواقع بكل جوانبه أو أن خلافه غير معتبر لثبوت رجحان ضرر خوض المعترك السياسي ثبوتاً قطعياً بالنظر والتجارب كثبوت ضرر السجائر.
والموازنات أحكام استثنائية لها شروط، وتعتبر فيها شروط الاضطرار إذا اقتضت فعل محرم لذاته أو ترك واجب، وتعتبر فيها شروط الاحتياج إذا اقتضت فعل محرم لغيره، وبعض هذه الشروط غير متحققة في الواقع المعاصر.
مثال عدم تصور المسألة؛ فتوى متداولة للشيخ ابن باز رحمه الله أذكر أنني قرأتها في وقتها في جريدة الراية السودانية التابعة لتنظيم الترابي المسمى وقتها الجبهة الإسلامية القومية، فقد كان موقف عامة السلفيين في السودان من مشايخ وقيادات تنظيمية ودعاة وعامة غير موقف الشيخ ابن باز رحمه الله، متفقون إلا من شذ على أن جماعة الترابي استغلوا عدم معرفة الشيخ ابن باز رحمه الله بتفاصيل يعرفها السلفيون في السودان لاستصدار هذه الفتوى للتأثير على بعض السلفيين.
الأصل في الحكم الاجتهادي أنه ظني، ولكن ثمة استثناءات، فما ثبت جواز الاجتهاد فيه قطعاً بنص أو إجماع قد يثبت حُكمه قطعاً بالعقل والتجربة، لا سيما أمور النوازل والحوادث المستجدة، مثال ذلك؛ تحريم السجائر لما فيه من ضرر وهو حكم شرعي يقيني الخلاف فيه غير معتبر.
ومن الأمثلة؛ قاعدة أن الكل أكبر من الجزء وهي حكم يقيني عقلي بدهي، ونظرية فيثاغورس وهي حكم يقيني عقلي نظري غير ضروري (غير بدهي ويحتاج إلى دراسة ونظر).
ومن كبار أئمتنا المعاصرين من أفتى بما مؤداه أن الخلاف في خوض المعترك السياسي في الظروف المعلومة في العالم الإسلامي غير معتبر، فالشيخ الألباني رحمه الله تعالى له كلام كثير معلوم حول المعترك السياسي خلاصته أنه خلاف المنهج السلفي وأنه بداية انحراف.
وهذا ما عليه كثير من العلماء والدعاة في السودان والأردن واليمن ومصر والعراق والجزائر والمغرب والهند وكل البلاد المسلمة وغير المسلمة، وهو ما تلقاه عوام أهل السنة بالقبول.
وأذكر بقول شيخنا الألباني رحمه الله تعالى للإخوة الجزائريين الذين فرحوا بفوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بنسبة تزيد عن ٩٠٪ في البلديات وظهور مصالح راجحة وقتها: (فقاعة ماء) وهذا ما حدث، فقد آلت المصالح الراجحة كلها إلى أضرار راجحة.
ويكفي هذا العمل شهادة أهله عليه أنه معترك وتحزب وخوض ولعب، بل ولعب قذر، فالحمد لله الذي عافانا
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
المصادر
[١] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج٢٨/ص٣٥٤-٣٥٥)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف.
[٢] جامع بيان العلم وفضله (ج٢/ص٩٢٢)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الأولى.
[٢] جامع بيان العلم وفضله (ج٢/ص٩٢٢)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الأولى.
حكم عضوية البرلمانات
⏩كيفية الترجيح في تولي وظائف سياسية ⏫محتويات الكتاب حكم القسم على احترام الدستور⏪
سبق أن دخول البرلمانات عن طريق ترشيحات المنظمات المدنية تترجح مفاسده على مصالحه، وأما مطلق الدخول فيها بتعيين أو بتصويت للأخف ضررٍ، فقد أفتى العلماء المعاصرون بجواز ذلك لتخفيف الشر.
أطلق بعض الناس القول بأن دخول البرلمانات مخالف لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم ومنهج السلف، وهذا الإطلاق لا يصح، فالبرلمانات القائمة على تجويز تقنين ما يخالف الشريعة نازلة ليس لها مثيل في عهد السلف والسابقين.
فدخول هذه البرلمانات لتخفيف الشر أمرٌ اجتهادي لا يخالف نصاً ولا إجماعاً، بل ولموافقته لدلالة النصوص على اعتبار تخفيف الشر وتحقيق الأصلح ودفع الأفسد عند التزاحم والتعارض.
فمن النوازل ما تكون مخالفته صريحة للنصوص والإجماع كالمظاهرات الثورية، فإنها مخالفة لما استقر عليه الإجماع ودلت عليه النصوص الآمرة بالصبر على جور الأئمة ولزوم طاعتهم ولزوم جماعة المسلمين وتحريم نقض البيعة ما داموا حارسين لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة.
من حجج المانعين أنه لا يُمْكن تمكين الشريعة بطريق فاسد، وجواب ذلك بالتسليم بذلك، فدخول هذ البرلمانات هو فقط من أجل تخفيف الشر ودفع الأفسد وتحقيق الأصلح.
ومن حُجج المانعين أن الأحكام الإسلامية التي يصدرها البرلمانيون ليست على وجه العبادة، لأنها تصدر بتشريع الأغلبية وليس لكونها حكم الله وشرعه.
وجواب ذلك؛ بل هي عبادة لأن الأغلبية تختارها لأنها أحكام الإسلام وليس لأهواء النفوس، وهو اختيار وليس تشريعاً، إذ المشرع لهذه الأحكام هو الله سبحانه وتعالى، وحتى القوانين المخالفة للشريعة يشرعها قانونيون أو منظرون ونحوهم غالباً والبرلمانيون غالباً ما يختارون فقط.
ومقصود الولاية هو الأمر بالمعروف بما في ذلك الشهادتين والصلاة والنهي عن المُنكر بما في ذلك الشرك والكفر الصريح وترك الصلاة، فترك المُصلحين مثل هذه البرلمانات لغيرهم من المُفسدين يؤدي إلى ازدياد الشر والفساد وعدم رعاية أصل الدين الذي هو أهم واجبات الولاية قبل سياسة الدنيا بالدين.
وترك العلمانيين يستصدرون أحكاماً غير شرعية مثل إباحة الخمور والربا والفواحش فيه إفساد للمجتمعات المسلمة، والأهم من ذلك رعاية أصل الدين بمنع إظهار الكفر الصريح من مثل الطعن في المعلوم من الدين بالضرورة من سياسة الدنيا بالدين.
قال الله عز وجل: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ}، وقال تعالى ذكره: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
والعلمانية ليست فقط عدم سياسة الدنيا بالدين، بل تعني أن الإمارة والولاية ليست لرعاية الدين بما في ذلك أصله، فالعناية بالمساجد والجامعات الإسلامية في الأنظمة العلمانية ما هي إلا واجب وطني لإرضاء المواطنين، ولهذا لا يفرقون بين رعاية كنيسة ومعبد ومسجد، ولهذا يبيحون إظهار الكفر الصريح في بلاد المسلمين بما في ذلك سب النبي صلى الله عليه وسلم وسب دين الإسلام، للمزيد؛ قسم إصلاح » شرعية السلاطين برعاية أصل الدين.
ويجب التفريق بين الإلجاء والاختيار، فبعض الناس يجيز آليات الديمقراطية الوضعية من حيث أصل الحُكم، ولهذا يظن هؤلاء أنها وسيلةٌ لتمكين الدين، ومُحالٌ أن تكون الديمقراطية الوضعية وسيلة للتمكين، لأن الإصلاح لا يُمكن أن يكون بفاسد إلا بقدر ما يقتضيه الاضطرار أو الاحتياج من دفع الأفسد وتحقيق الأصلح وتخفيف الشر.
وتمكين الإسلام في البلاد إنما يكون بسعي متكامل للإصلاح، ومن الوسائل العملية في بلاد تسمح بإنشاء منظمات مدنية سياسية؛ إنشاء جماعة نصح سياسية.
ومن الوسائل العملية الدخول في الأجهزة العسكرية والاستخباراتية، وليس ذلك بنية الانقلاب على السلطة غدراً، وإنما تحسباً لما قد يقتضي عزل الأمير لإخلاله بأصل العقد أو عند خوف انزلاق البلاد في فوضى وحرب أهلية.
ولكن دخول الجيش يُشترط فيه ألا يُجبر المسلم على الكفر أو ترك الصلاة أو نحو ذلك من الضرر الراجح، وسبق نقلُ فتوى للشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في مسألة الدخول في الجيش لتخفيف الشر ودفع الأضر وتحقيق الأصلح مقابل ضرر الموسيقي.
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
⏩كيفية الترجيح في تولي وظائف سياسية ⏫محتويات الكتاب حكم القسم على احترام الدستور⏪
حكم القسم على احترام الدستور
⏩حكم عضوية البرلمانات ⏫محتويات الكتاب فساد حال من اشتغل بالسياسة⏪
أفتى بعض العلماء بجواز القسم على احترام الدستور وإرادة ما لا يخالف الشريعة منه، لجواز التورية والتأويل في الحلف إذا لم يكن فيه عدم وفاء بعهد أو تضييع لحق.والتصويت لمن يدخل البرلمانات ضرورة، والضرورة هي حالة الافتقار إلى رفع ضرر أو دفعه، والحاجة هي حالة الافتقار إلى تحقيق مصلحةٍ أو دفع مشقة أو رفعها.
فيصح التأويل في الحلف للاضطرار والاحتياج بإرادة الغالب، والغالب في الدساتير عدم مخالفة الشريعة، لأنَّ الإمارة موضوعة لرعاية الدين وسياسة الدنيا، والأصل في وسائل رعاية الدين الإرسال إلا لنص، وفي سياسة الدنيا الإباحة إلا لنص.
وليس في هذا مخالفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم؛ (يَمِينُكَ على ما يُصَدِّقُكَ عليه صاحِبُكَ)، ولا لحديث؛ (الْيَمِينُ على نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ)، المصدر؛ صحيح مسلم » رقم ١٦٥٣، فقد ذهب بعض أهل العلم إلى تخصيص الحديث بالحقوق، والعهود والعقود من الحقوق.ومما يدل على تخصيصه بالحقوق حديث سويد بن حنظلة قال: "خرجنا نريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا وائل بن حجر فأخذه عدو له، فتحرجَّ القوم أن يحلفوا وحلفت أنه أخي فخلى سبيله، فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته أن القوم تحرجوا أن يحلفوا وحلفت أنه أخي، قال: صدقت المسلم أخو المسلم". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني في صحيح الجامع.
والحديث وإن كان في المظلوم إلا أن فيه دلالة على تخصيص حكم اليمين على نية المستحلف، والقياس على الخاص يخصِّص العام، فيُلحق كل محتاج بالمظلوم بجامع الحاجة.
يُرجِّح هذا القياس أنَّ حكم اليمين على نية المستحلف تخصيص من اشتراط النية في الأعمال خرج على خلاف الأصل، والحكمة من التخصيص واضحة، وهي كما ذكر أهل العلم حفظ الحقوق، وهو وصف منضبط، فهو علة الحُكم أيضاً، والأحكام تدور مع العلل وجوداً وعدماً.
وتدخل العقود والعهود في حفظ الحقوق، لأن الوفاء بها واجب، وللزوم التراضي فيها، فيجب أن تكون شروطها موافقةً لظاهر اللفظ، ولهذا استثنيت ألفاظ العقود من اعتبار النية كما في حديث؛ (ثلاثٌ جدُّهنَّ جدٌّ وَهزلُهنَّ جدٌّ؛ النِّكاحُ والطَّلاقُ والرَّجعةُ)، صححه الألباني في صحيح الترمذي 1184، للمزيد حول اعتبار النية في الطلاق وتكفير الهازل؛ مدونتي » أحكام » النية في الطلاق وتكفير الهازل.وقد استدل الشيخ العثيمين رحمه الله على جواز التأويل في الحلف لغير المظلوم بقول الله تعالى: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلاَ تَحْنَثْ}، وقال في هذا شيء من تأويل.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (والمؤول لا يخلو من ثلاث حالات: إما أن يكون مظلوماً، أو ظالماً، أو لا ظالماً ولا مظلوماً. فإن كان مظلوماً، فالتأويل جائز له بالاتفاق. وإن كان ظالماً، فالتأويل حرام عليه بالاتفاق.
وإن لم يكن ظالماً ولا مظلوماً، ففيه خلاف، والمشهور من المذهب أن التأويل جائز. والقول الثاني: أن التأويل ليس بجائز، وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله، لأن عاقبته غير محمودة. إذ إن المؤول إذا ظهر الناس على كذبه صار ذلك قادحاً فيه، بخلاف المظلوم. والأمثلة تبين لنا إن شاء الله حكم هذه المسألة ...
إلى قوله: (وإذا كان الإنسان لا ظالماً ولا مظلوماً، وتأول، قال شيخ الإسلام؛ لا يجوز، لأنه ربما يعثر على كذبه فيما بعد، ويكون ذلك قادحاً في صدقه.
وما دام أنه غير محتاج، فلا يعرض نفسه للقدح والذم. أما إن احتاج، كشخص يسألك عن شئ محرج لا ينبغي أن يسأل عنه، لأنه ما يعنيه، وأنت لا تود أن تعلمه به، فهنا لا بأس أن تتأول ...
إلى قوله: (والدليل على جواز التأويل قصة أيوب عليه الصلاة والسلام؛ فإنَّ فيها شيئاً من التأويل، قال تعالى: { وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ }، وقد حلف أنه يضرب امرأته مائة سوط، والضغث الذي فيه مائة شمراخ ما يُعَدُّ مائة، لكن اللفظ محتمل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى عموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى "، وكذلك حديث ركانة رضي الله عنه - لو صح - حيث قال: (والله ما أردت إلا واحدة)، وكذلك قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع الظالم، فإن فيها تأويلاً، والأدلة كثيرة) [2].
عمر عبداللطيف محمد نور
هلسنكي، فنلندة
الجمعة ٢٧ رجب ١٤٣١هـ، ٩ يوليو ٢٠١٠م
التعديل؛ الأحد ٢٠ رجب ١٤٤١هـ، ١٥ مارس ٢٠٢٠م
المصادر
[1] كتاب أحكام أهل الذمة (ج2/ص768)، تحقيق؛ يوسف بن أحمد البكري - شاكر بن توفيق العاروري، رمادى للنشر، الدمام، الطبعة الأولى.
[2] الشرح الممتع على زاد المستقنع (ج13ص164)، دار النشر؛ دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1422 - 1428هـ.
[2] الشرح الممتع على زاد المستقنع (ج13ص164)، دار النشر؛ دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى، 1422 - 1428هـ.
⏩حكم عضوية البرلمانات ⏫محتويات الكتاب فساد حال من اشتغل بالسياسة⏪
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)