‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرعيّة السلاطين بإقامة أصل الدين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات شرعيّة السلاطين بإقامة أصل الدين. إظهار كافة الرسائل

شرعيّة السلاطين بإقامة أصل الدين

موضوع البحث

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد ربِّ العالمين والصَّلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن استن بسنته إلى يوم الدين.
مجرّد التكرار مستقبح بالفطرة، ولذا فإن في هذا البحث تحقيقات قد لا توجد في غيره، وفيها إحداث لفظاً لا معنىً، لاقتضاء الواقع التفصيل منعاً لاضطراب الفهم، وهو مثل إحداث "بائنٌ من خلقه" على "مستوٍ على عرشه".
يدل على أن شرعية السلاطين بإقامة أصل الدين حديث واحد هو؛ (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، فهو يدل على إقامة الشهادتين من باب أولى، وإقامتهما تستلزم منع ما يضادهما وهو الكفر البواح.
واجب الدولة المسلمة هو إقامة الدين وسياسة الدنيا، بدلالة النصوص والإجماع وسيرة النبي ﷺ والخلفاء الظاهرة المتواترة التي لا يكاد يجهلها حتى الكفار.
والكفر الأكبر هو جحد هذا الواجب المعلوم من الدين بالضرورة وليس مجرد تركه.
ما لا يشترط الاستحلال للتكفير به هو الكفر البيّن، وتشترط فيه إقامة الحجة وإزالة الشبهة إذا كان متعلقاً بمفصل الإيمان؛ العذر بالجهل ومُفصل الإيمان.
وأمّا الفصل العملي المجرد للدين عن الدولة فهو كفرٌ محتمل ما لم يكن بسبب ظاهر كعدم تمكّن النجاشي رحمه الله من الحكم في قومه وفق الدين.
فالكفر الأكبر هو استحلال فصل الدين عن الدولة تديناً أو فكراً (اعتقاد أنّه نهج صالح) وليس مجرد الفصل.
فإذا تضمن الفصل ترك إقامة الشهادتين والصلاة فإنه يُخرِج عقد الدولة مع الناس عن كونه عقداً على الإسلام ما لم تدل القرائن على أنه مجرد تمويه لاتّقاء شر داخلي أو خارجي.
بدلالة النصوص، مثل؛ (يقودكم بكتاب الله)، (ما أقام فيكم كتاب الله)، (ما أقاموا الدين)، (ما أقاموا فيكم الصلاة)، (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم).
والمقصود بكتاب الله والدين في النصوص أصل واجبات الكتاب والدين؛ الشهادتان والصلاة بجمع النصوص.
والجماعة التي لم تتعاقد على إقامة أصل الدين لا تسمى جماعة المسلمين وإن كان أفرادها مسلمين.
والنصوص وأقوال العلماء السابقين في لزوم طاعة الأئمة وتحريم نقض بيعتهم ووجوب الصبر عليهم ولزوم جماعة المسلمين تحت إمرتهم وإن ظهر منهم فسق وظلم؛ كلّها في أئمة يقيمون أصل الدين؛ الشهادتين والصلاة.
فالولاية التي لا تقيم أصل الدين ليست إسلاميّة لدلالة النصوص والإجماع.
ولأنّ ترك إقامة أصل الدين مناقض لمقصود الولاية الإسلاميّة، وهو إقامة الدين وسياسة الدنيا وفق الدين.
ولأنّ ضرر ترك إقامة أصل الدين في الولاية أعظم من مصالحها، لأنّ مصلحة حفظ الدين مقدّمة على غيرها، وهي مصلحة ضروريّة (يترتّب على فواتها ضرر).
وإقامة الشهادتين والصلاة تكون بنحو إنشاء ورعاية المساجد (إقامة الجمع والجماعات)، والمناهج، والمعاهد الإسلاميّة، والإعلام.
ولا تكون إقامتهما بمجرد السماح بالأوقاف الدينيّة ولا برعايتها خدمةً للمواطنين فقط، لأنّ من يسمح فقط أو يرعى على هذا الوجه لا يسمى بهذا قائداً للناس بكتاب الله ولا مقيماً له ولا مقيماً للدين، ما لم تدلّ القرائن على أنّه يموّه لاتّقاء شرٍّ داخلي أو خارجي.
والسماح بإقامة أصل الدين أو رعايته خدمةً للمواطنين فقط موجود حتّى في دول غير مسلمة.
ومن يسمح بالشعائر أو يدعمها بدون اعتباره واجباً دينياً؛ لا يمنع إظهار ما يناقض إقامة أصل الدين كالزندقة، ولا يفرّق بين دعم المساجد والكنائس والمعابد.
ومثل هذا الفسق يقع ممن لا يصلّي إلا نادراً.
فإن قيل؛ النصوص تشترط للخروج فعل الكفر الصريح لا السماح به، فالجواب من وجهين؛
١. أنّ هذه النصوص فيمن يقيم أصل الدين، والكلام فيما ينقض إقامة أصل الدين لا ما ينقض أصل الدين.
٢. دلالة النصوص والإجماع والعقل على أنّ الفسق بترك إقامة أصل الدين يخرج الولاية عن كونها إسلاميّة.
ومن إقامة أصل الدين منع ما يناقضها كإظهار الزندقة، وتبديل الدين، وسبّه، وسبّ شعائره الظاهرة المتواترة، وتحريفها، وسبّ النبيّ ﷺ.
ويجب أن يكون هذا سنّةً متّبعةً، كأن ينصّ عليه النظام الأساسي (الدستور).
فمن ترك إقامة أصل الدين لم يصح شرعاً ولا واقعاً ولا نظراً أن تكون له بيعة على ولاية إسلاميّة، ما لم تدل القرائن على أنه يموه بالتظاهر بتقديم عقد المواطنة على الدين.
فمن كان قاصداً تقديم عقد المواطنة ينكر بنفسه أن تكون له بيعة إسلاميّة.
فهذا أمر في غاية الوضوح.
وتصحّ لمن لا يقيم أصل الدين طاعة شرعية بموجب عقد اضطراري على غير الولاية الإسلامية كالصلح، إما بسبب أن الخروج أضر أو لتضمنه غدراً.
والانقلاب غدر ما لم يكن العهد مع رئيس البلاد أصلاً على إقامة الدين فنقضه بترك إقامة أصله، وما لم يُخل بأصل عقد آخر.
لأنّ حقيقة الغدر هي نقض عهدٍ لم تنتهِ صلاحيته بانقضاء مدّته أو بغدر المعاهد أو بإعلامه بنبذ عهده عند خوف خيانته.
ومرتبة النصوص أعلى من مرتبة الإجماع، ولا يكون في مرتبة النص من الإجماع إلا ما تقوى بقرائن، ولذا ففي البحث ذكر النصوص ودلالاتها.
فيكفي ثبوت نص واحدٍ ليس له معارض من جنسه ينسخه أو يصرفه عن ظاهره، فكيف بنصوص كثيرة يعضد بعضها بعضاً ويعضدها إجماع قطعيّاً كان أو ظنيّاً.
ولأن مسألة الخروج على رئيس البلاد المسلم ولو كان ظالماً أو فاسقاً فسقاً دون ترك إقامة الصلاة في الناس لها تعلُّق بما حكاه بعض العلماء أنه كان مذهباً للسلف قديم ثم استقر الإجماع على تحريمه، فقد لزم الكلام في المسألة الأصولية؛ الإجماع بعد خلاف.
وفي البحث بيان أنه لا فرق بين الفسق الخفي والمعلن.
وفيه بيان أن التقنين العام الذي يسمى خطأً تشريعاً عاماً ليس كفراً بيّناً.
وفيه بيان أنّ قتال الطائفة الممتنعة هو واجب رئيس البلاد ولا علاقة له بالخروج.
وفي البحث بيان أنّ الميثاق الوطني من أحكام الضرورات.
وفيه بيان أن الخروج السلمي مخالف لما ثبت بالنصوص والإجماع من وجوب الصبر على ظلم الأئمة، وتحريم نزع يدٍ من طاعتهم وخلع بيعتهم.
وفيه بيان أن كفر رئيس البلاد أو عدم إقامته أصل الدين لا يستلزمان جواز الخروج، وأنّ ضرر الخروج المسلّح راجح في ظروفنا المعاصرة.
وفي البحث بيان أنّ ضرر الثورات الجماهيرية راجح غالباً ولو كان على حكومة كافرة، ومآلها النادر إلى أفضل لا يعرف بيقين ولا غالب ظن.
عمر عبداللطيف محمد نور
لينكشوبنج، السويد
الجمعة ١٠ شعبان ١٤٣٣هـ، ٣٠ يونيو ٢٠١٢م.
pdf
المحتويات       دلالة النصوص على تحريم الخروج

النصوص ودلالاتها

ذكر أهل العلم أن النصوص صريحة في الدلالة على عدم جواز الخروج على السلطان المسلم الحارس لأصل الدين ولو كان ظالماً أو فاسقاً فسقاً دون ترك  إقامة الصلاة في الناس.
قال الشوكاني رحمه الله: (وقد استدل القائلون بوجوب الخروج على الظلمة ومنابذتهم السيف ومكافحتهم بالقتال بعمومات من الكتاب والسنة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ولا شك ولا ريب أن الأحاديث التي ذكرها المصنف في هذا الباب وذكرناها أخص من تلك العمومات مطلقاً. وهي متوافرة المعنى كما يعرف ذلك من له أنسة بعلم السنة) [1].
وقال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين. وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته))، وسيأتي ذكر المصدر إن شاء الله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون بعدي أثرة وأمورا تنكرونها قالوا فما تأمرنا يا رسول الله قال أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم)، أخرجه البخاري (7052)، ومسلم (1843).
وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية)، أخرجه البخاري (7053) و مسلم (1849).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا وأن لا ننازع الأمر أهله إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان)، أخرجه البخاري (7056)، ومسلم  (1709).
وعن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم قيل يا رسول الله أفلا ننابذهم بالسيف فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدا من طاعة)، أخرجه مسلم (1855).
وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: (قلت؛ يا رسول الله إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل من وراء هذا الخير شر؟ قال نعم، قلت: هل وراء ذلك الشر خير؟ قال: نعم، قلت: فهل وراء ذلك الخير شر؟ قال: نعم، قلت: كيف؟ قال: يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس، قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)، أخرجه مسلم (1847).
النصوص في مرتبة أعلى من الإجماع، وأما الإجماع الظاهر فهو في مرتبة النص لدلالة النص عليه، والإجماع الخفي يلي النص في المرتبة، والسنة في مرتبة القرآن فيما لا خلاف في ثبوته منها وما روي بنصه وما لم تُنقِص روايته بالمعنى شيئاً من معناه.

المراجع

[1] نيل الأوطار (ج7/ص208)، ت؛ الصبابطي، دار الحديث، مصر، الطبعة الأولى.
pdf

مسألة الإجماع بعد خلاف

دلالة النصوص على تحريم الخروج       المحتويات       منهج أهل السنة في الخروج على السلطان
هذه المسألة متعلِّقة بموضوع البحث لقول بعض العلماء بأن مسألة الخروج قد استقرَّ فيها معتقد أهل السنة على قول واحد بعد خلاف قديم، إشارة إلى موقف الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما من يزيد بن معاوية، وكذا موقف غيرهما من الصحابة رضي الله عنهم وبعض السلف في يوم الحرة، وخروج جماعة من التابعين على الحجاج مع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج على عبد الملك أيضاً بالعراق.
القول بأن الخروج مذهب للسلف قديم استقر القول على خلافه هو قول غير واحد من أهل العلم، وسيأتي النقل عن ابن تيمية رحمه الله تعالى في ذلك، وممن قال بهذا ابن حجر رحمه الله تعالى، وسيأتي نقل كلام للنووي رحمه الله وفيه: (قال القاضي: وقيل: إنَّ هذا الخلاف كان أولاً ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم).
الأصوليين مختلفون في مسألة الإجماع بعد خلاف، فمن أطلق القول بعدم إمكان ذلك احتجوا بأمور منها قولهم؛ الخلاف إجماع على جواز الخلاف في المسألة، وتجويز إجماع بعد خلاف يُفضي إلى بطلان الإجماع الأول، وهذا مستحيل لحجية الإجماع، ومنها قولهم؛ بأنَّ الأقوال لا تبطل بموت قائليها إذ لو صح ذلك لما جاز الاستدلال بأقوال السابقين.
القول الصواب هو أنه يُمكن وقوع إجماع بعد خلاف غير معتبر أو خلاف غير مستقر، ولا يمكن أن يقع إجماع بعد خلاف مستقر أو خلاف معتبر لما سبق، وقد استقر القول على قولٍ واحدٍ في غير ما مسألة بعد خلاف قديم مثل تحريم زواج المتعة وتحريم ربا الفضل وجواز الزواج بالكتابية ووجوب الغسل من التقاء الختانين وتحريم الخروج على السلطان المسلم الحارس لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة.
فإذا كان الخلاف غير متعبر لعدم ورود النص إلى بعضهم، فإنَّ الخلاف الأوَّل ليس إجماعاً على جواز الخلاف في المسألة، فقد جزم بعض السلف بما خالفوا فيه غيرهم، من ذلك قول عائشة رضي الله عنها: (من زعم أنَّ محمداً رأى ربه فقد أعظم على الله الفرية)، وكان عمر رضي الله عنه ينهى عن حج التمتع، قيل إنه نهي أولوية، ثم انعقد الإجماع على عدم الكراهة.
و عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: (والله إني لأعلم أي ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين).
وكذا يقال في حجة أنَّ الأقوال لا تبطل بموت قائليها؛ أن الأقوال غير المعتبرة هي كذلك حتى في حياتهم، كما لو خالفت أقوال بعض السلف نصاً بسبب عدم ورود النص إليهم، فإن أقوالهم باطلة في حياتهم وبعد مماتهم، ولم تبطل بسبب موتهم.
ولا يمكن كذلك أن يقع إجماع بعد خلاف مستقر، ويُعد الخلاف غير مستقرٍ في مسألة إذا لم ينظر فيها كل المجتهدين بسبب عدم اشتهارها بينهم بعد، فقول بعض المجتهدين فيها ليس بإجماع، لأن الإجماع لابد فيه من اتفاق جميع المجتهدين.
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: (للإجماع شروط منها: 1- أن يثبت بطريق صحيح، بأن يكون إما مشهوراً بين العلماء أو ناقله ثقة واسع الاطلاع. 2- أن لا يسبقه خلاف مستقر، فإن سبقه ذلك فلا إجماع، لأن الأقوال لا تبطل بموت قائليها. فالإجماع لا يرفع الخلاف السابق، وإنما يمنع من حدوث خلاف، هذا هو القول الراجح لقوة مأخذه، وقيل: لا يشترط ذلك فيصح أن ينعقد في العصر الثاني على أحد الأقوال السابقة، ويكون حجة على من بعده) [1].
مما استقر فيه الإجماع بعد خلاف؛ تحريم زواج المتعة، قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: (ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض، وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول بإباحتها، وروي عنه أنه رجع عنه) [2].
وقد ورد عن غير ابن عباس رضي الله عنهما من الصحابة رضي الله عنهم إباحة زواج المتعة، وقيل إنهم أجازوه للضرروة، وروي عن بعض التابعين إباحته، عن جابر رضي الله عنه قال: (كنا نستمتع بالقبضة من التمر والدقيق الأيام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث)، أخرجه مسلم (1405).
ونهي عمر رضي الله عنه عن المتعة لم يكن اجتهاداً منه وإنما لثبوت نسخ جوازه بالسنة ولكنه لم يبلغ بعض الصحابة رضي الله عنهم.
ومما استقر فيه الإجماع بعد خالف قديم؛ وجوب الغسل من التقاء الختانين، قال النووي رحمه الله تعالى: (وقال داود: لا يجب ما لم يُنْزل، وبه قال عثمان بن عفان وعلي وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهم ثم منهم من رجع عنه إلى موافقة الجمهور، ومنهم من لم يرجع) [3].
ومما استقر فيه الإجماع القول بتحريم ربا الفضل الثابت بالسنة؛ قال القرافي رحمه الله تعالى: (وقال ابن عباس وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كزيد بن أرقم وغيره لا يحرم ربا الفضل) [4].
ومع أن إجماع الصحابة رضي الله عنهم أعلى مرتبة من إجماع غيرهم، لفضلهم على من جاء بعدهم، ولأن العلم به أيسر، إلا أن حُجية إجماع غير الصحابة رضي الله عنهم دلت عليه النصوص، ومنها قول الله تعالى ذكره: {وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}، وقوله: {وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ}، وحديث؛ (لا تجتمع أمتي على ضلالة) رغم ضعفه إلا أن العلماء ذكروا أن له شواهد، من ذلك: (إن اللهَ قد أجارَ أمّتي من أن تجتمعَ على ضلالةٍ) والذي حسنه الألباني رحمه الله تعالى في تخريج كتاب السنة 83.
ولم ينفِ شيخ الإسلام رحمه الله تعالى العلم بالإجماع بعد الصحابة رضي الله عنهم مطلقاً كما قد يتوهم البعض، وإنما نفى العلم به في الغالب، والمقصود بالعلم هنا اليقين والقطع، قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: "الإجماع وهو متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام وغيرهم في الجملة وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة وأما ما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً"، المصدر؛ مجموع فتاوى ابن تيمية (ج11/ص341)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ/1995م.
وكما سبق فإن النص لو ثبت في المسألة وكان صريح الدلالة فإنه حجة بذاته، بل النصوص في مرتبة أعلى من الإجماع، والإجماع الظني يقوي دلالة النصوص التي لم يثبت إجماع على ترك العمل بها.
قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (الاختلاف ليس بحجة عند أحد علمته من فقهاء الأمة إلا من لا بصر له، ولا معرفة عنده، ولا حجة في قوله) [5].
ومع أن الإجماع هو المصدر الثالث إلا أن الكلام فيه بحاجة إلى ضبط ومزيد شرح، وقد كتبتُ فيه بحثاً أرجو أن يكون موفقاً في ضبط فهم الإجماع ومراتبه ومرتبته في مصادر التلقي وإبراز أهم مسائله، وهو في؛ مدونتي » قواعد وأصول »  الإجماع.

المرجع

[1] الأصول من علم الأصول (ص 66)، الناشر؛ دار ابن الجوزي، الطبعة الرابعة، 1430هـ - 2009م.
[2] شرح النووي على مسلم (ج9/ص181)، دار إحياء التراث العربي-بيروت، الطبعة الثانية، 1392هـ/1972م.
[3] المجموع شرح المهذب (ج2/ص136)، دار الفكر.
[4] أنوار البروق في أنواع الفروق (ج3/ص259)، عالم الكتاب.
[5] جامع بيان العلم وفضله (ج2/ص922)، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الأولى.
pdf
دلالة النصوص على تحريم الخروج       المحتويات       منهج أهل السنة في الخروج على السلطان

منهج أهل السنة في الخروج على السلطان

مسألة الإجماع بعد الاختلاف       المحتويات       شبهات في المسألة
إضافة إلى دلالة النصوص الواضحة التي يشرح ويعضد بعضها بعضاً على تحريم الخروج على السلطان المسلم الحارس لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة، فإن القول بجواز الخروج، سواء بالقتال أو بنزع يد من طاعة أو بخلع البيعة بسبب الظلم أو الفسق الذي دون ترك الأمر بالصلاة مخالف لما استقر عليه القول عند أهل السنة والجماعة.
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: (وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين. وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحكي عن المعتزلة أيضاً، فغلط من قائله، مخالف للإجماع.
قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه) [1].
وذكر أئمة السنة مسألة تحريم الخروج على الأئمة المسلمين الحارسين لأصل الدين في كتب العقائد والسنة، ونصوا على أنها من أصول أهل السنة والجماعة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كان من العلم والعدل المأمور به الصبر على ظلم الأئمة وجورهم كما هو من أصول أهل السنة والجماعة) [2].
وذكر أئمة السنة المسألة في كتب العقائد والسنة، قال ابن تيمية رحمه الله: (ولهذا استقرَّ أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم. ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم) [3].
ذكر اللالكائي رحمه الله في اعتقاد علي بن المديني ومن نقل عنه ممن أدركه من جماعة السلف تبديع من يرى السيف والخروج، فقال: (ثم السمع والطاعة للأئمة وأمراء المؤمنين البر والفاجر... إلى قوله: ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس. فمن عمل ذلك فهو مبتدع على غير السنة) [4].
وذكر اللالكائي رحمه الله تعالى نحواً من هذا في اعتقاد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى [5].
والقول بتحريم الخروج على أئمة الجور والفسق هو القول المشهور بين الخاصة والعامة عن مذهب أهل السنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنَّهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظلم. كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-. لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال واقتتال ولا فتنة. فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما) [6].

المراجع

[1] المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (ج12/ص229)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية 1392م/1972م.
[2] مجموع فتاوى ابن تيمية (ج28/ص179)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م
[3] منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية (ج4/ص529)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، الناشر؛ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، 1406هـ - 1986م.
[4] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (ج1/ص185)، تحقيق؛ أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، السعودية، الطبعة الثامنة، 1423هـ / 2003م.
[5] باب سياق ذكر من رسم بالإمامة في السنة » اعتقاد أحمد بن حنبل - رضي الله عنه.
[6] منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية (ج3/ص391)، الطبعة السابقة.
pdf
مسألة الإجماع بعد الاختلاف       المحتويات       شبهات في المسألة

شبهات في المسألة

منهج أهل السنة في الخروج على السلطان       المحتويات       التفريق بين الفسق الخفي والمعلن
احتج القائلون بجواز الخروج على أئمة الجور بحديث ابن مسعود؛ (سيكون أمراء من بعدي يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يأمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لا إيمان بعده)، المصدر؛ صحيح ابن حبان - مخرجاً (177) [1]، وصححه الألباني رحمه الله تعالى في؛ صحيح الموارد 1298، وقال أحمد شاكر رحمه الله: إسناده صحيح.
قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى: (وقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبي داود، وقال: هو خلاف الأحاديث التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها بالصبر على جور الأئمة. وقد يجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نص على ذلك أحمد أيضا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح.
وحينئذ فجهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يريق خمورهم أو يكسر آلات الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي ورد النهي عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يقتل الآمر وحده) [2].
فقد نقل الخلال وأبودواد عن الإمام أحمد رحمهم الله جمعياً أنه قال: (وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اصبروا حتى تلقَوني") [3].
وأما الزعم بأن حكم الخروج على الأئمة المسلمين الحارسين لأصل الدين معلق بما يترتب عليه من مصالح ومفاسد فهو خطأ بينٌ، إذ لا يكون كذلك إلا أحد أمرين؛
1. ما كان مباحاً في الأصل كالسفر يحرم إذا كان لمعصية ويجب إذا كان للحج الواجب وهكذا، وذلك من جهة أن الوسائل لها أحكام المقاصد.
2. أو حكم استثنائي خلاف الأصل، وذلك مثل ما كان منهياً عنه في الأصل للموزانات بسبب التعارض أو التزاحم بين المأمورات والمنهيات، أو ما كان مأموراً به في الأصل للموازنات أو لاعتبار الشروط والموانع.
وقد دل النهي في النصوص على حُرمة الخروج بالثورات أو القتال وأنه ليس مباحاً في الأصل.
وأما الاضطرار (الموازنات) فتصوره في الخروج خطأ لما يأتي.
وأحكام الموازنات عند تعارض أو تزاحم الحسنات والسيئات أوسع من أحكام الاضطرار والاحتياج، ولكنها تدخل في أحكام الاضطرار إذا اقتضت فعل محرم لذاته، وتدخل في أحكام الاحتياج إذا اقتضت فعل محرم لغيره.
والموازنة بين المصالح والمفاسد هي بسبب التعارض أو التزاحم بين حسنتين أو سيئتين أو سيئة وحسنة، لأن فعل الحسنات يحقق مصالح، وفعل السيئات يجلب مفاسد.
وهذا في الجملة، وأما تفصيلاً فثمة تلازم بين المصالح الضرورية والمفاسد وبين حسنات وسيئات، فالمرض ملازم لفوات الصحة، وفعل حسنات يصد عن اقتراف سيئات، واقتراف سيئات يصد عن فعل حسنات.
والحسنة هي كل مأمور به على وجه الندب أو الوجوب وتشمل المباح مجازاً، والسيئة هي كل منهي عنه على وجه الكراهة أو التحريم.
وليس ثمة تعارض ولا تزاحم بين مطلق الأمر بالنهي عن المنكر والنهي عن الخروج على الأئمة الظلمة الفسقة بما دون ترك إقامة الصلاة، وإنما بينهما عموم وخصوص.
فالنهي عن الخروج استثناء من عموم وجوب النهي عن المنكر، ولذا استخرج العلماء من هذا الحكم وأمثاله قاعدة؛ لا ينكر المنكر إذا أدى إلى منكر أعظم.
وأما الاضطرار فلا يتصوَّر إلا في حال الضعف الشديد الذي يُخشى معه تبدد دعائم الإسلام وذهاب البيضة أو خوف انزلاق البلاد في فوضى وفتن وحروب أهلية، وهذه الضرورة لا يمكن دفعها بالثورات ولا بالقتال وإنما بالعزل والخلع من أهل الحل والعقد الذين معهم رؤوس أهل الشوكة (ضباط الجيش).
بل القتال والثورات تزيد هذا الضعف وتُعجِّل بتبدد دعائم الإسلام وذهاب البيضة، وتُغري الكفار بالتدخل في بلاد المسلمين، وتزيد المحن وتثير الفتن.
الكلام عما يترتب على الخروج من مصالح ومفاسد إنما يصح في حال كفر السلطان أو تركه رعاية أصل الدين؛ الشهادتين والصلاة، لدلالة النصوص على مشروعية الخروج عليهم في هذه الحال، ولأن القدرة قد تكون شرط صحة وقد تكون شرط وجوب.
وذلك لأن مصلحة حفظ أصل الدين مقدمة على غيرها من المصالح.
وللمزيد حول شرط القدرة يُرجى الرجوع إلى؛ مدونتي » إصلاح وتكميل » الموجز اليسير في الجهاد والتكفير » القدرة قد تكون شرط صحَّة أو وجوب.
قال ابن تيمية رحمه اللّه تعالى: (إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإنَّ الأمر والنَّهي وإن كان متضمِّناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فيُنظر في المعارض له؛ فإن كان الذي يفوِّت من المصالح أو يحصِّل من المفاسد أكثر لم يكن مأموراً به، بل يكون محرَّماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة) [4].
وعلة تحريم الخروج هي كون السلطان مسلماً حارساً لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة.
وأما الحِكمة فهي رجحان المفسدة.
ورجحان المفسدة ملازم غالباً للخروج السلمي والمسلح، والقليل النادر لا يعتد به في الحُكم العام.
فمثلاً الخلوة بالأجنبية محرمة مع أن احتمال عدم الفتنة وارد، واعتبار هذا الاحتمال منافٍ لمقصد سد الذريعة، وذلك لأن احتمال حدوث الفتنة واردٌ أيضاً.
والنادر لا يعتد به في كل الأحكام، بما فيها أحكام البشر الاجتهادية في الطب والهندسة وسائر شؤون الناس.
ومن أسباب تجاهل النادر في حرمة الخروج وغيره من الأحكام؛ أنه لا يعرف بيقين ولا ظن غالب.
فالعلة كثيراً ما تكون غير الحكمة والمقصد.
وبالمثال يتضح المقال؛ فجواز الفطر في نهار رمضان له علل وحكم، وردت منها في كتاب الله تعالى علتان هما؛ السفر والمرض، والحكمة الواردة في الكتاب هي رفع المشقة.
وقد دل النص على أن حكم جواز الفطر في نهار رمضان يدور وجوداً وعدماً مع علل متعددة كالسفر والمرض، وليس مع الحكم كرفع المشقة.
فلم يقل الله تعالى؛ من وجد مشقة فليفطر، وإنما قال: ﴿ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾.
ولعل الأفضل أن يقال إن علة النهي عن الخروج مركبة من إسلام السلطان وإقامة الشهادتين والصلاة ومنع إظهار الكفر الصريح، والعلة المركبة هي التي لابد من وجود جميع أجزائها لوجود الحكم، فإذا كان السلطان مسلماً ولم يكن حارساً لأصل الدين مانعاً للكفر الصريح جاز الخروج عليه إذا  توفر شرط القدرة.
 ويمكن أن يقال إن علة جواز الخروج متعددة من ردة السلطان وتركه إقامة الشهادتين وتركه إقامة الصلاة وسماحه بإظهار الكفر الصريح، والعلة المتعددة هي التي يكفي وجود أحد أفرادها لوجود الحكم، ومثالها المرض والسفر علتان لجواز الفطر في نهار رمضان.
وإقامة أصل الشهادتين والصلاة تكون بنحو العناية بالمساجد والجامعات والمعاهد وتدريسها في المدارس والعناية بالدعوة والدعاة.
ويمكن أن يقال؛ الخروج محرم لأن احتمال المفاسد فيه راجحة وغالبة، وأن هذا الاحتمال الغالب لا ينفك عن أي خروج على أي سلطان مسلم حارس لأصل الدين، ومن أسباب غلبة احتمال المفسدة في الخروج أن مصلحة الدين مقدمة، والخروج يُضعف المسلمين ويُغري بهم الأعداء؛ {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}.
وأما قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه: (أطيعوني ما أطعتُ الله فيكم، فإذا عصيتُه فلا طاعة لي عليكم)، فقد أوله بعض المعاصرين بعدم الطاعة إذا أمر بمعصية، ولعل التأويل الأصح أن يقال؛ قوله (فإن عصيته) شارح لقوله: (ما أطعت الله فيكم)، فخرج بذلك المعاصي الخاصة التي لا أثر لها في الرعية، والمعنى أطعته بأداء أهم الواجبات السلطانية في الرعية؛ الشهادتين والصلاة، للنصوص الناهية عن نزع يد من طاعة لمجرد الظلم والفسق بما دون ترك الصلاة.
وأما من ادَّعى أنَّ المسألة ليست محل إجماع، فقد استدلوا بأقوال، من ذلك ما نقله بعض أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله عنه، فقد قال أبوبكر الجصاص رحمه الله: (وكان مذهبه مشهوراً في قتال الظلمة وأئمة الجور، ولذلك قَالَ الأوزاعي: "احتملنا أَبَا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف، يعني: قتال الظلمة، فلم نحتمله"، وكان من قوله: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض  بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف، على ما روي عن النبي، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ...
إلى قوله: وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه. وكذلك أمره مع مُحَمَّد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن، وقال لأبي إسحاق الفزاري حين قَالَ له: لم أشرت على أخي بالخروج مع إبراهيم حتى قتل؟ قَالَ: "مخرج أخيك أحب إلي من مخرجك". وكان أَبُو إسحاق قد خرج إلى البصرة، وهذا إنما أنكره عليه أغمار أصحاب الحديث الذين بهم فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حتى تغلب الظالمون على أمور الإسلام) [5].
إذا سلمنا أن ما نُسب إلى الإمام أبا حنيفة رحمه الله ناقض للإجماع، فلا شك أنه قول مخالف للنصوص الصريحة، ولكن في صحة نسبته بهذا الإطلاق للإمام أبي حنيفة نظر كما سيأتي من قول الطحاوي وغيره من الأحناف، فالذي يظهر أنه أجاز الخروج بشرط رجحان الظن بالقدرة عليهم، وقد خالفه الأئمة في ذلك وشددوا النكير عليه حتى إنَّ اللالكائي نقل عن علي بن المديني ومن أدركه من السلف طعنهم فيمن يغلو في أبي حنيفة ويتبعه في كل شئ.
وسبق عن الإمام الأوزاعي رحمه الله قوله: ((احتملنا أَبَا حنيفة على كل شيء حتى جاءنا بالسيف))، قال اللالكائي رحمه الله في اعتقاد المديني ومن أدركه من السلف: (وإذا رأيت الرجل يحب أبا حنيفة ورأيه والنظر فيه فلا تطمئن إليه وإلى من يذهب مذهبه ممن يغلو في أمره ويتخذه إماماً) [6].
ويحمل كلام ابن المديني السابق على من يأخذ بقول الإمام أبي حنيفة في المسائل التي قد تكون خلاف النص مع العلم بأن الإمام لا يتعمد مخالفة النص، كقوله بجواز الخروج على السلطان لمجرد الظلم والفسق إذا صحت نسبته إليه، ونحو ذلك مما قد يكون فيه مخالفة لما استقر فيه قول أهل السنة على ما جاءت به السنة، مما أصبح من المسائل الظاهرة التي يبدَّع مخالفها.
وذلك لأن الطعن في إمامة أبي حنيفة رحمه الله تعالى يُخالف ما أجمعت عليه الأمة من فضله وإمامته، ولا يجوز بعد إجماع الأمة على إمامته وفضله اعتبار قول من طعن في شئ من ذلك من السلف.
وقد قرَّر الإمام أبو جعفر الطحاوي الحنفي رحمه الله أنَّ المذهب عدم جواز الخروج على حاكم الظلم، واختار هذا القول في بيان معتقد أهل السنة والجماعة على مذهب أبي حنيفة وصاحبيه أبي يوسف ومحمد بن الحسن، حيث قال: (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا. ولا ندعو عليهم. ولا ننزع يداً من طاعتهم. ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية. وندعو لهم بالصلاح والمعافاة) [7].
ذهب بعض إلى أنَّ ما حكاه الطحاوي عن مذهب الإمام أبي حنيفة رحمهما الله تعالى هو ما رجع إليه الإمام آخر حياته، وأن مذهب أهل السنة استقر على عدم جواز الخروج على الأئمة، قال الكمال بن الهمام رحمه الله: (وإذا قلد عدلاً ثم جار وفسق لا ينعزل، ولكن يستحب العزل إن لم يستلزم فتنة. يجب أن يدعى له. ولا يجب الخروج عليه. كذا عن أبي حنيفة. وكلمتهم قاطبة) [8].
قول الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى: "وكلمتهم قاطبة"، فيه دلالة على إجماع الأحناف على عدم وجوب الخروج على الإمام الظالم الفاسق فسقاً دون ترك الصلاة والدعوة إليها، وعلى استحباب عزله إن لم يؤد عزله إلى فتنة، والعزل والخلع يكون من أهل الشوكة والحل والعقد بينما الخروج هو من العامة بالثورة أو بالقتال.
وقد ادعى بعض أن مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى هو جواز الخروج بنقل من كتب التاريخ ومن كتاب أحكام القرآن لابن العربي المالكي رحمه الله تعالى، فأما ما نقلوه من كتب التاريخ فأصله من تاريخ الأمم والملوك للطبري رحمه الله تعالى، ونقله عن الطبري غيره ممن كتب في التاريخ كابن كثير رحمه الله تعالى في البداية والنهاية.
والقول المنسوب إلى الإمام مالك رحمه الله تعالى هو أنه استُفتي في الخروج مع محمد بن عبد الله بن حسن وقيل له إن في أعناقنا بيعة لأبي جعفر، فقال: (إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته) [9].
الرواية فيها مجاهيل، فيحتمل أن الراوي وهم، فقد يكون الاستفتاء في حُكم القتال مع الإمام الظالم على من خرج عليه، يدل على ذلك ما يلي من كلام ابن العربي المالكي رحمه الله، ويؤكد ذلك نقل أئمة المالكية عن الإمام مالك القول بالأمر بالسمع والطاعة لأئمة الجور.
واستدلوا بكلام ابن العربي رحمه الله: (قال علماؤنا في رواية سحنون: إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه; فإن لم يكونا عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين فادفع ذلك) [10].
كلام ابن العربي ليس في الخروج على السلطان الظالم، بل هو في حُكم قتال الفئة الباغية مع الإمام سواءٌ كان مختاراً أو متغلباً بالخروج، فأجاز قتال الطائفة الباغية مع الأول والثاني إذا كانا عدلين، ومنعها إذا كانا ظالمين.
فابن العربي تحدث عن هذا في سياق حديثه عن معنى الفئة الباغية، فقوله: (سواءٌ كان الأول أو الخارج عليه) هو عن الإمام، فحذف من يقالته الإمام وهي الفئة الباغية لمعلوميتها من السياق، ومعنى قوله هو؛ أن الإمام إذا كان مختاراً أو متغلباً بالخروج فإنه لا تُقاتل معه الفئة الباغية إلا إذا كان عدلاً، فمعنى (الأول) هو الإمام المختار،  و(الخارج عليه) هو الإمام المتغلب بالخروج على الأول.
يؤكد ذلك قوله بعد ذلك في المصدر السابق: (وقد روى ابن القاسم، عن مالك: إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما)، ثم قوله: (قال مالك: ولا بد من إمام بر أو فاجر)، وكذا أقوال أئمة المالكية في تحريم الخروج على أئمة الجور، وأنه مذهب أهل السنة، وأن القول بخلافه ضلال وبدعة وقول أهل البدع، ونسبتهم القول بتحريمه إلى الإمام مالك رحمه الله.
أذكر من ذلك قول يحيى بن يحيى المالكي تلميذ الإمام مالك رحمهما الله تعالى وراوي الموطأ كما رواه عنه الشاطبي المالكي رحمه الله: (قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال: لا. قيل له: فإن كانوا أئمة جور؟ فقال: قد بايع ابن عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك. أخبرني بذلك مالك عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه) [11].
ومن ذلك قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: (وإلى منازعة الظالم الجائر، ذهبت طوائف من المعتزلة وعامة الخوارج. وأما أهل الحق، وهم أهل السنة، فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمام فاضلاً عدلاً محسناً، فإن لم يكن، فالصبر على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه; لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحمل على هراق الدماء، وشن الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظم من الصبر على جوره وفسقه) [12].
وقول ابن عبد البر (أولى) ليس مقارنة بين فاضل ومفضول، بل بين محرم وواجب، لبيانه ما يترتب على الخروج من إراقة الدماء وشن الغارات والفساد في الأرض، وكل ذلك من المحرمات، وقد بين أن هذا قول أهل السنة، وأن القول بخلافه هو مذهب أهل البدع.
وكذا قول ابن بطال: (طاعته خيرٌ من الخروج عليه)، ليس فيه مفاضلة بين فاضل ومفضول، فقد نص على وجوب لزوم الطاعة بقوله قبل ذلك: (وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه) [13].
ومن ذلك قول ابن أبي زيد القيرواني المالكي رحمه الله: (فصل فيما اجتمعت عليه الأمور من أمور الديانة ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة ....
إلى قوله: والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكل من ولي أمر المسلمين عن رضى أو عن غلبة واشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل...
إلى قوله: وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكله قول مالك فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه) [14].
وأما نفي ابن حزم رحمه الله الإجماع في المسألة فإنه لا يعتد به بعد ثبوته بقرون قبله، ولم يذكر ابن حزم الأئمة المعروفين الذين نقلوا الإجماع، وإنما ذكر ابن مجاهد البصري المتكلم الطائي، ثم ذكر الخلاف القديم في المسألة الذي وقع الإجماع بعده على تحريم الخروج على أئمة الجور والفسق، وزعم أنه ناقض يدل على بطلان ادعاء الإجماع، وليس الأمر كما قال، ويرجى في هذا الرجوع إلى مبحث "مسألة الإجماع بعد خلاف".
وأما قول ابن حزم رحمه الله تعالى: (أمره عليه السلام بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولى الإمام ذلك بحق) [15] فبعيد جداً، سواءٌ كان من ناحية التركيب واستعماله في اللغة؛ (أخذ مالك) أو من سياق الحديث؛ (وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)، أو من مجموع النصوص، بل هو بلا شك في أخذ المال وضرب الظهر بغير حق.
والأمر بلزوم السمع والطاعة لا يستلزم الصبر على أخذ المال وضرب الظهر بغير حق، لما تقدم من قول بعضهم بوجوب إنكار منكر السلطان باليد عند القدرة من غير منازعته الأمر ولا نزع يدٍ من طاعته.
وعلى هذا فلا تعارض بين الحديث وقول الله تعالى ذكرُهُ: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}، خلافاً لدعوى ابن حزم رحمه الله، إذ ليس في ذلك رضىً بهذا المنكر، بل لو أنكر بلسانه وقلبه فقط لما كان مخالفاً للآية.
وأما قول ابن حزم رحمه الله بأن القول بتخصيص آية قتال البغاة قول بلا علم فخطأ لأنه قول بمقتضى النصوص، فآية قتال البغاة عامة، وأحاديث النهي عن الخروج خاصة بمن استتب له الأمر من السلاطين، وكذا الآيات والأحاديث التي ذكرها في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أعم من النهي عن الخروج.
وأما قول ابن حزم: (فلو كان خوف ما ذكروا مانعاً من تغيير المنكر ومن الأمر بالمعروف، لكان هذا بعينه مانعاً من جهاد أهل الحرب، وهذا ما لا يقوله مسلم، وإن أدى ذلك إلى سبي النصارى نساء المسلمين وأولادهم، وأخذ أموالهم، وسفك دمائهم، وهتك حريمهم)[16]، فقياس اقتتال مسلمين على قتال أهل الحرب قياس مع الفارق.
وذلك لأن الأصل في الكفار حل دمائهم وأموالهم وأعراضهم، بخلاف المسلمين، واقتتال المسلمين فيما بينهم فيه إضعاف أهل الإسلام وإغراء للأعداء بهم.
ولا يصح قوله: (ويقال لهم ما تقولون في سلطان جعل اليهود أصحاب أمره، والنصارى جنده، وألزم المسلمين الجزية، وحمل السيف على أطفال المسلمين، وأباح المسلمات للزنا، وحمل السيف على كل من وجد من المسلمين، وملك نساءهم وأطفالهم، وأعلن العبث بهم، وهو في كل ذلك مقر بالإسلام، معلن به، لا يدع الصلاة؟)[17].
فلا يكمن تصور ما ذكره وما بعده في سلطان يحرس أصل الدين، وسيأتي إن شاء الله تعالى أنه لا يكفي الإقرار بالإسلام في نفسه ولا إقامة الصلاة لنفسه وإنما بإقامة ذلك في سلطانه.
ويقال مثلما سبق في سؤاله عن سلطان قتل تسعة أعشار المسلمين إلا واحداً، يضاف إليه أن المسلمين لو كانوا غالب رعايا السلطان فإنه لا يتصور عقلاً أن يحدث مثل هذا من سلطان، وأما إنقاصه العدد إلى واحد ثم قوله بأن التفريق بين ذلك تناقض فلا يصح، وأما مجرد إنكار ذلك؛ فليس خروجاً ولا منازعةً ولا نقض بيعةٍ حتى ولو كان الإنكار باليد كما سبق.
وأما قوله: (ونسألهم عمن غصب سلطانه الجائر الفاجر زوجته، وابنته، وابنه، ليفسق بهم، أو ليفسق به بنفسه، أهو في سعة من إسلام نفسه، وامرأته، وولده، وابنته، للفاحشة، أم فرض عليه أن يدفع من أراد ذلك منهم؟
فإن قالوا: فرض عليه إسلام نفسه وأهله، أتوا بعظيمة لا يقولها مسلم. وإن قالوا: بل فرض عليه أن يمتنع من ذلك ويقاتل رجعوا إلى الحق، ولزم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال كذلك‏)[18]، فهذا ليس في منازعة السلطان الأمر ولا نقض البيعة، وإنما في إنكار منكر السلطان باليد.
فكما تقدم فإنَّ النهي الوارد ليس عن مقاومة جلد الظهر وسلب المال، وإنما هو عن نزع يد الطاعة بسبب جلد الظهر وسلب المال، فكذلك مقاومة سلطان أراد أن يفسق بحرم رجل واجب، وهذا لا يعني منازعة السلطان سلطانه، وإنما مقاومة تعديه على غيره.
ولزوم ذلك كل مسلم في كل مسلم وفي المال هو أيضاً من إنكار منكر السلطان باليد، وليس في الخروج عليه ولا نزع يدٍ من طاعته، ولا شك في وجوب إنكار مثل هذا المُنكر باليد.
وإطلاق القول بأنه لا بيعة لحكام اليوم يعد من الأخطاء البينة، لأن مستند هذا القول هو أنهم لا يحكمون كل الأقاليم المسلمة، ولا يخفى ما في هذه الحجة من وهن وضعف ومخالفة للسنن الكونية، هذا مع ما قد يكون فيها من مخالفة إجماع السابقين على بيعة من تغلب على بعض الأقاليم دون أخرى.
فإن مُلك المسلمين قد حدثت فيه انقسامات منذ القرن الأول، ومع ذلك أجمع علماء أهل السنة عند وجود انقسامات على أن لكل سلطان بيعة وطاعة فيما تغلب عليه من أجزاء بلاد المسلمين.
يحتج البعض على عدم وجوب بيعة الحكام المعاصرين بامتناع ابن عمر رضي الله عنه عن البيعة وقت الاختلاف واشتراطه الإجماع، قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك، كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية، ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس، وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه، ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى ان قتل بن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ) [19].
والجواب عن فعل ابن عمر رضي الله عنهما من ثلاثة وجوه، وهي؛ 
الوجه الأول؛ كان حكام الأقاليم يتنازعون الإمامة العظمى، وقد وقع الخلاف بين الناس بمن فيهم أهل الشوكة ورؤوسهم، فالشوكة تعني القوة والبأس والسلاح، فأهل الشوكة هم أهل القوة والبأس وحملة السلاح، وقد كان حملة السلاح في ذلك العهد كل الرجال، ففي مثل هذه الحال تكون البيعة عند الاختلاف فتنة، ولهذا كان من فقه ابن عمر رضي الله عنه أنه لم يبايع إلا عند اجتماع الكلمة.
الوجه الثاني؛ أن ابن عمر رضي الله عنهما اعتزل الفتنة، فلم يبايع ولم يقاتل مع طرف ولم يدعُ لقتال ولا ثورة.
الوجه الثالث؛ لو سلمنا أن فعل ابن عمر لمجرد عدم وجود إمام واحد لكل الأقاليم، فإن الإجماع قد انعقد بعده على وجوب بيعة من تغلب على بعض أجزاء بلاد المُسلمين، والصحيح ما ذكر في الوجه الأول، ويؤكد أن فعل ابن عمر هو خشية الفتنة والحرص على وحدة الكلمة هو أنه اعتزل الفتنة والقتال.
ورؤوس الناس كانوا معروفين في القرون الأولى، ولذا اشترط علي رضي الله حضور جميع أهل بدر، لأنهم كانوا رؤوس الناس وممثليهم.
قائمة المراجع
[1] صحيح ابن حبان - مخرجاً (ج1/ص403)، تحقيق؛ شعيب الأرنؤوط، الناشر؛ مؤسسة الرسالة - بيروت الطبعة الثانية، 1414 – 1993م.
[2] جامع العلوم والحكم (ج2/ص248-249)، شعيب الأرناؤوط - إبراهيم باجس، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة السابعة، 1422هـ -2001م.
[3] مسائل أحمد لأبي داود السجستاني ص 419، رقم 1950، مكتبة ابن تيمية، مصر، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 1999م.
[4] مجموع الفتاوى (ج28/ص129)، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية، المملكة العربية السعودية، 1416هـ/1995م.
[5] أحكام القرآن للجصاص (ج1/ص85)، تحقيق؛ عبد السلام محمد علي شاهين، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان، الطبعة الأولى.
[6] شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللاكائي (ج1/ص185)، تحقيق؛ أحمد بن سعد الغامدي، دار طيبة، السعودية، الطبعة الثامنة.
[7] متن الطحاوية بتعليق الألباني (ص69)، شرح وتعليق؛ محمد ناصر الدين الألباني الناشر: المكتب الإسلامي - بيروت الطبعة: الثانية، 1414هـ.
[8] رد المحتار على الدر المختار (ج1/ص549)، دار الفكر، بيروت، الطبعة الثانية.
[9] البداية والنهاية (ج13/ص357)، تحقيق؛ عبد الله بن عبد المحسن التركي، دار هجر، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى.
[10] أحكام القرآن (ج4/ص153)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة.
[11] الاعتصام (ج2/ص626)، تحقيق؛ سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، السعودية، الطبعة الأولى.
[12] التمهيد (ج23/ص279)، تحقيق؛ العلوي والبكري، وزارة الأوقاف، المغرب، 1387هـ.
[13] فتح الباري (ج13/ص7)، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
[14]الجامع في السنن والآداب والمغازي والتاريخ (ص107)، المؤلف؛ أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني (المتوفى 386 هـ)، حققه وقدم له وعلق عليه؛ محمد أبو الأجفان - عثمان بطيخ، الناشر؛ مؤسسة الرسالة، بيروت - المكتبة العتيقة، تونس. الطبعة: الثانية، 1403هـ - 1983م.
[15] الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4/ص133)، الناشر؛ مكتبة الخانجي – القاهرة.
[16] الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4/ص134)، الطبعة السابقة.
[17] الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4/ص134)، الطبعة السابقة.
[18] الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4/ص135)، الناشر؛ الطبعة السابقة.
[19] الفصل في الملل والأهواء والنحل (ج4/ص135)، الناشر؛ مكتبة الخانجي – القاهرة.
pdf

منهج أهل السنة في الخروج على السلطان       المحتويات       التفريق بين الفسق الخفي والمعلن

التفريق بين الفسق الخفي والمعلن

ذهب بعض أهل العلم إلى جواز خلع السلطان من غير قتال ولا فتنة إذا كان فسقه معلناً مفسداً للرعية وهو الفسق الظاهر المعلوم، وهؤلاء خصصوا عموم النصوص التي نهت عن منازعة الفسقة بحديث اشتراط الفسق الظاهر المعلوم لمنازعتهم على ما تأوَّلوه، وكثيرٌ ممن قال ذلك يفرق بين الخلع والخروج، فالخلع والعزل هو ما كان من أهل الشوكة ونحوهم دون حرب، وذلك لقولهم؛ بلا فتنة وحرب ونحو ذلك.
فقد تأول من أجاز خلع السلطان بالفسق الظاهر المعلوم الكفر البواح بكفر دون كفر في حديث؛ (وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان).
وذلك لأن الأرجح في معنى البواح هو الصريح المُعلن، فيشمل المعنيين الواردين عن أهل العلم، من باح الشيء إذا ظهر ووضح، وباح بالسر إذا أفشاه وأظهره، والصريح هو البيِّن الذي لا يحتمل التأويل، وعندكم فيه من الله برهان تعني الذي فيه نصوص صريحة لا يُختلف في معناها.
فالكفر هنا هو الأكبر لوصفه بالصريح البين، وليس كل من حمل الكفر في هذا الحديث على الأصغر أجاز الخلع بالفسق الظاهر المعلوم، فقد تأول بعضهم المنازعة في الحديث بإنكار منكرات السلطان.
ولا يصح القول بجواز الخلع بالفسق الظاهر المعلوم بدلالة النصوص، ومن ذلك النهي عن الخروج على الظلمة، والظلم فسق ظاهر معلوم، ولعدم صحة تأويلهم الكفر في حديث "كفراً بواحاً" بالأصغر كما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى.
مما يدل على أن الفسق المانع من نزع يد الطاعة يشمل الظاهر المعلوم، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث حذيفة رضي الله عنه؛ (ويستنون بغير سنتي)، ووجه الدلالة هو أن السنة تعني الطريقة، وإنما تطلق السنة على ما ظهر وأعلن، كما في حديث سنة الخلفاء الراشدين.
ونص رواية مسلم هي؛ (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع)، أخرجه مسلم  (1847). [1].
وهو ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأموراً تنكرونها) لقوله "سترون"، وللعموم الوارد في الحديث. فقوله صلى الله عليه وسلم "سترون" فيه دلالة على ظهور المعاصي والفسق من السلطان وإعلانها. جاء في صحيح البخاري عن زيد بن وهب سمعت عبد الله قال: قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنكم سترون بعدي أثرة وأموراً تنكرونها. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم)، أخرجه البخاري (7052). [2].
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحه للحديث السابق: ((قوله: وأموراً تنكرونها؛ يعني من أمور الدين))، المصدر السابق، ويدخل في الأمور المنكرة تعطيل بعض الواجبات وإظهار بعض المنكرات من المعاصي والبدع، وليس في الحديث دليل على أن الأمور المنكرة ما يفعله سراً ويعود ضررها على خاصة نفسه، للعموم الوارد في الحديث، ولأن الحديث فيه مخاطبة للناس بأنهم سيرون هذه الأمور المنكرة مما يدل على أنها معلنة.
نسب القرطبي رحمه الله تعالى القول بجواز الخلع بالفسق الظاهر المعلوم إلى جمهور الشافعية، وإنما نسب القُرطبي إلى الجمهور القول بجواز الخلع والعزل من غير قتال لا القول بجواز الخروج، بدليل أنه نسب القول بعدم جواز الخروج إلى أكثر أهل العلم، بل نسب القول بجواز الخروج إلى أهل البدع من المعتزلة والخوارج.
قال القرطبي رحمه الله في جواز خلع السلطان بالفسق الظاهر المعلوم: (الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد، فقال الجمهور: إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم.
لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها. فلو جوزنا أن يكون فاسقاً أدَّى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله.
وقال آخرون: لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة، لقوله عليه السلام في حديث عبادة: ألا ننازع الأمر أهله. قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان.
وفي حديث عوف بن مالك: لا ما أقاموا فيكم الصلاة. الحديث. أخرجهما مسلم. وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا. أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه. أخرجه أيضاً مسلم) [3].
وقال القرطبي رحمه الله تعالى في تحريم الخروج على أئمة الظلم والفسق: (استدل جماعة من العلماء بهذه الآية على أن الإمام يكون من أهل العدل والإحسان والفضل مع القوة على القيام بذلك، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا ينازعوا الأمر أهله، على ما تقدم من القول فيه.
فأما أهل الفسوق والجور والظلم فليسوا له بأهل، لقوله تعالى: لا ينال عهدي الظالمين، ولهذا خرج ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهم، وخرج خيار أهل العراق وعلماؤهم على الحجاج، وأخرج أهل المدينة بني أمية وقاموا عليهم، فكانت الحرة التي أوقعها بهم مسلم بن عقبة.
والذي عليه الأكثر من العلماء أن الصبر على طاعة الإمام الجائر أولى من الخروج عليه؛ لأن في منازعته والخروج عليه استبدال الأمن بالخوف، وإراقة الدماء، وانطلاق أيدي السفهاء، وشن الغارات على المسلمين، والفساد في الأرض. والأول مذهب طائفة من المعتزلة، وهو مذهب الخوارج، فاعلمه) [4].
وممن حمل الحديث على المعاصي الظاهرة المعلومة الحافظ النووي رحمه الله، ولكنه مع ذلك لا يجيز الخروج بمجرَّد الفسق الظاهر المعلوم، وقد تأوَّل المنازعة هنا بالإنكار عليهم، فقال في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم فيه من الله برهان)؛ (ومعناهما؛ كفراً ظاهراً، والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى عندكم من الله فيه برهان، أي؛ تعلمونه من دين الله تعالى. ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم. وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين) [5].
قال ابن حجر رحمه الله تعالى: (ووقع في رواية حيان أبي النضر المذكورة: إلا أن يكون معصية لله بواحاً. وعند أحمد من طريق عمير بن هانئ عن جنادة: ما لم يأمروك بإثم بواحاً) [6].
حمل رواية الكفر على المعصية بعيد لأنه يفضي إلى ترك العمل بأحاديث تنهى عن نقض البيعة ونزع اليد من الطاعة على السلطان ومنازعته الأمر مع وجود المعصية الظاهرة المعلومة، ولأنَّ تأويل المنازعة بالإنكار عليهم بعيد لغةً، فلابد إذن من تأويل رواية "معصية" ورواية "إثم"، أو ترجيح رواية "كفراً بواحاً" على رواية "معصية لله بوحاً" ورواية "إثم بواح" لكونها في الصحيحين، وبعض روايات "معصية لله بواحاً" ليس فيها "منازعة الأمر أهله" فتفسَّر بعدم جواز طاعتهم في معصية الله كما هو عند ابن حبَّان.
ولهذا ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى تأويل النووي لمعنى المنازعة في رواية "كفراً بواحاً"، وتأويل غيره لمعنى "معصية".
وأما ابن حجر فقد أول "الأمر" في رواية "كفراً بواحاً" بالولاية، وفي رواية "معصية لله بواحاً" على ما عدا الولاية من المنكرات ونحوها حيث قال: (قال النووي: المراد بالكفر هنا المعصية. ومعنى الحديث؛ لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم، إلا أن تروا منهم منكراً محققاً تعلمونه من قواعد الإسلام. فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم. انتهى. وقال غيره: المراد بالإثم هنا المعصية والكفر، فلا يعترض على السلطان إلا إذا وقع في الكفر الظاهر. والذي يظهر حمل رواية الكفر على ما إذا كانت المنازعة في الولاية، فلا ينازعه بما يقدح في الولاية إلا إذا ارتكب الكفر. وحمل رواية المعصية على ما إذا كانت المنازعة فيما عدا الولاية. فإذا لم يقدح في الولاية نازعه في المعصية بأن ينكر عليه برفق ويتوصل إلى تثبيت الحق له بغير عنف. ومحل ذلك إذا كان قادراً والله أعلم) [7].

المراجع

[1] صحيح مسلم، تحقيق؛ محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[2] صحيح البخاري، تحقيق؛ محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.
[3] الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (ج1/ص271)؛ [البقرة : 30]، تحقيق؛ أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، الناشر؛ دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ - 1964م.
[4] الجامع لأحكام القرآن (ج2/ص108-109)؛ [البقرة : 124]، الطبعة السابقة.
[5] شرح النووي على مسلم  (ج12/ص229)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الثانية.
[6] فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج13/ص8)، دار المعرفة، بيروت، 1379هـ.
[7] فتح الباري شرح صحيح البخاري (ج13/ص8)، الطبعة السابقة.
pdf
الرد على من نفى ثبوت الإجماع       المحتويات     الحُكم بغير ما أنزل الله

الحُكم بغير ما أنزل الله

من أسباب فتنة الغلو في التكفير أن الحُكم من الألفاظ المجملة التي يكون معناها حسب السياق، ولذا كانت من المتشابه على الجاهل ومن في قلبه زيغ، والراسخون في العلم يحملون المتشابه على المُحكم فيما يمكن تأويله، ويعملون بالمحكم ويفوضون علم ما لا يعلمون من المتشابه إلى الله سبحانه وتعالى.
الحُكم لغةً هو إثبات أمرٍ لأمر أو نفيه عنه، ومعناه في الاستعمال حسب مورده ومنه؛ التشريع، والتقنين (القرار العام في الدولة والمجتمع)، وتولي الشؤون العامة في الدولة والمجتمع، والفصل في النزاعات والقضاء في الأعيان.
والكفر لغةً يعني التغطية، والفسق لغةً هو الخروج، وأما في الاصطلاح؛ فقد فرق الشارع بينهما في قول الله تعالى: {وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ}، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ) [1].
فكلمة الكفر تنصرف أصالةً إلى الأكبر، وكلمة الفسق تنصرف أصالةً إلى ما دون الكفر، وهذا عند عدم وجود دليل يدل على خلاف هذه المعاني.
فالفسق يعني ما دون الكفر في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
وقد ترد كلمة الكفر بمعنى الأصغر أو المعصية العظيمة كما لو أبهمت، وعندئذ يكون معنى الفسق المقابل لها ما دون ذلك، كما في قول النبي صلى الله عليه  وسلم: (سِبابُ المُسْلِمِ فُسُوقٌ، وقِتالُهُ كُفْرٌ).
وتعريف الكفر باللام يدل على أنه الأكبر ما لم يصرفه صارف عن هذا المعنى في ذات السياق أو بدليل آخر في درجته.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ (وفرق بين الكفر المعرف باللام كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - إلا ترك الصلاة) وبين كفر منكر في الإثبات، وفرق أيضاً بين معنى الاسم المطلق إذا قيل: كافر أو مؤمن، وبين المعنى المطلق للاسم في جميع موارده كما في قوله: (لا ترجعوا بعدي كفاراً، يضرب بعضكم رقاب بعض)) [2].
الحُكم بغير ما أنزل الله على وجه القانون العام المُلزم من الكبائر العظيمة التي هي كفرٌ محتمل، فيُشترط لتكفير فاعله استحلاله أو اتخاذه فكراً أو ديناً مثل الشريعة أو مقدماً عليها.
وكبائر الذنوب متفاوتة في الإثم، فمنها الموبقات ومنها دون ذلك، والموبقات متفاوتة وما دونها كذلك متفاوتة.
وأمّا قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ فهو أصالةً في الكفر الأكبر بجحود ما أنزل الله واستحلال الحكم بغيره تديّناً أو فكراً (نهجاً صالحاً)، وهو يشمل الكفر الأصغر بالحكم العملي بغير ما أنزل الله.
وما كان كذلك فهو يتضمّن معنى الكفر المُحتمل، وذلك لأن المنافقين يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، فهؤلاء قد يقرون ظاهراً باعتقادهم في الشرع ويبطنون اعتقادهم الباطل مع حكمهم بغير ما أنزل الله غالباً أو على وجه التقنين العام.
ولأن الكفر المحتمل يحتمل الأكبر والأصغر، فالآية تتضمن معنى الكفر الأصغر من هذا الجانب أيضاً.
والكفر شعب كما أن الإيمان شعب، فالكفر دركات متفاوتة بعضه أشد من بعض، وعلة الكفر الأكبر في الآية مركبة من جزأين؛ الاعتقاد القلبي، والحكم العملي، فالأول شرك في الربوبية لاتخاذ غير الله تعالى مشرعاً، والثاني شرك في العبادة لطاعة غير الله فيما لم يأذن به مع اعتقاد صلاح العمل.
الدليل على أنَّ {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} فيمن جحد ما أنزل الله؛ سباقها، ويدل سياقها على أنها في الكفر الأكبر أصالةً.
ويدل أيضاً على أن الآية في الكفر الأكبر مع تضمنها معنى المحتمل والأصغر في حق المقرِّ بذنبه؛ مجموع أقوال السلف.
أما دلالة سياق الآية على أنها في الكفر الأكبر؛ فلتعريف الكافرين باللام وورودها بصيغة الخبر مع ضمير الفصل "هو"، ولأنها في اليهود الذين حرفوا الشرع واتخذوا غيره سنة متبعة ونظاماً عاماً.
وفائدة ضمير الفصل المعنوية هي تأكيد الخبر، وقد تدل على الاختصاص، فلا شك أن قول؛ "زيد هو الكريم" يعني أنه قد بلغ درجة عالية في الكرم وكأنه اختص به، فكذلك قول الله تعالى ذكرُهُ: {فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} يعني أنهم قد بلغوا دركة سحيقة في الكفر وكأنهم اختصوا به.
أما دليل السباق على أن الآية أصالةً فيمن جحد ما أنزل الله؛ فما ورد فيها من صفات التوراة والنبيين والمبدلين لكلام الله، إضافةً إلى أنَّ تعدد الألفاظ في القرآن لابد له من معنىً وفائدة، وقد تعدد الوصف بالكفر تارةً وبالظلم تارةً وبالفسق أخرى، ونجد عند تأمل الآيات أن كل وصف في كل آية يناسب سياقها.
فقد ورد في الآية التي ورد فيها وصف الكفر أن الله جل ثناؤه استحفظ الربانيين والأحبار كتاب الله والنهي عن الشراء به ثمناً قليلاً، والمعلوم أن أهل الكتاب حرفوا المعاني والألفاظ واشتروا بذلك ثمناً قليلاً، فدلت الآية على أنها فيهم ومن سلك سبيلهم بجحود ما أنزل الله وتبديله وتغييره تديناً أو باتخاذه فكراً ورؤية.
وفي الآية كذلك ذكر اهتداء النبيين بما أنزل الله وحكمهم به، فدلت على أن الكفار هم من يقابلهم، وهم من لا يهتدون بالوحي ولا يحكمون به، وهذا يشمل المبدلين للشرع الجاحدين ما أنزل الله مع حُكمهم بغيره.
قال الله تعالى ذكرُهُ: {إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ۚ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ ۚ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}.
وفي المقابل ورد في الآية التي ذكرت فيها صفة الظلم بيان أن المعاملة في الشريعة بالمثل والتي هي غاية في العدل، قال الله جل ثناؤُهُ: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ۚ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}.
وأما الآية التي وردت فيها صفة الفسق؛ ففيها الأمر بالحكم بما أنزل الله عملياً، وهي قول الله تعالى: {وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ ۚ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.
ومما يدل على صحة ما سبق أيضاً ما نقل عن السلف من أقوال في معاني الآيات، وأكثر ما نقل عنهم من معانٍ مُرادة بالآيات لكونها معانٍ صحيحة وليس فيها تضاد، وذلك لأن من قواعد التفسير أن كل الأقوال غير المتضادة المنقولة عن السلف مُرادة إذا كان معنى النص يحتملها.
وخلاف التضاد في بعض ما نقل عن السلف ليس في أن مجرد الحكم بغير ما أنزل الله كفرٌ أصغر، وإنما هو في مثل قول الشعبي رحمه الله تعالى في الآية التي فيها وصف الكفر بأنها في المُسلمين وقول غيره بأنها في اليهود.
وقد نُقل عن ابن عباس رضي الله عنهما ما هو في معنى ما سبق من أن الآية التي فيها وصف الكفر هي في الأكبر وأن الأخرتين في الظلم والفسق، ونقل عنه أيضاً ما يدل على أن الآية التي فيها وصف الكفر تتضمن معنى الكفر الأصغر.
قال ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما: (من جحَد ما أنزل اللهُ فقد كفرَ، ومن أقرَّ به ولم يحكمْ فهو ظالمٌ فاسقٌ)، قال الألباني رحمه الله تعالى: (فيه ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، لكنه جيد في الشواهد) [3].
وقال الإمام الألباني رحمه الله تعالى: (روى ابن جرير الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} قال: (هي به كفر، وليس كفراً بالله وملائكته وكتبه ورسله).
وفي رواية عنه في هذه الآية: (إنه ليس بالكفر الذي يذهبون إليه، إنه ليس كفراً ينقل عن الملة، كفر دون كفر). أخرجه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد". ووافقه الذهبي، وحقهما أن يقولا: على شرط الشيخين، فإن إسناده كذلك) [4].
وقال أيضاً: (وروى من طريقين عن عمران بن حدير قال: (أتى أبا مجلز ناس من بني عمرو بن سدوس (وفي الطريق الأخرى: نفر من الإباضية) فقالوا: أرأيت قول الله: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُون} أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون} أحق هو؟ قال: نعم. قالوا: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُون} أحق هو؟ قال: نعم.
قال: فقالوا: يا أبا مجلز فيحكم هؤلاء بما أنزل الله؟ قال: هو دينهم الذي يدينون به، وبه يقولون وإليه يدعون -[يعني الأمراء]- فإن هم تركوا شيئاً منه عرفوا أنهم أصابوا ذنباً. فقالوا: لا والله، ولكنك تفرق. قال: أنتم أولى بهذا مني! لا أرى، وإنكم أنتم ترون هذا ولا تحرجون، ولكنها أنزلت في اليهود والنصارى وأهل الشرك، أو نحواً من هذا)، وإسناده صحيح) [5].

المصادر

[1] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (ج1/ص237-238)، تحقيق؛ ناصر عبد الكريم العقل، دار عالم الكتب، بيروت – لبنان، الطبعة السابعة، 1419هـ - 1999م.
[2] السلسلة الصحيحة (٦‏/١١٣-114)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض الطبعة الأولى. 1416 هـ - 1996 م.
[3] موسوعة الألباني في العقيدة (ج4/ص 425-426)، صَنَعَهُ؛ شادي بن محمد بن سالم آل نعمان، الناشر؛ مركز النعمان للبحوث والدراسات الإسلامية وتحقيق التراث والترجمة، صنعاء - اليمن الطبعة: الأولى، 1431 هـ - 2010 م.
[4] موسوعة الألباني في العقيدة (ج4/ص 426-427)، الطبعة السابقة.

حكم التقنين العام

الحُكم بغير ما أنزل الله       المحتويات      الممتنعون عن الشرائع الظاهرة المتواترة
التقنين العام هو جعل حكم ما سنّةً متّبعةً، كأن يكون الحكم بعقوبة معيّنة مثلاً ملزماً لكلّ القضاة ولو كان في مسألة واحدة، كتبديل قطع يد السارق بسجنه.
ومن التقنين العام أن يكون عند البدو أعراف تخالف الشريعة يحكمون بها.
والتقنين العام يختلف عن حكم القاضي في واقعة معيّنة ولو تكررت أو وقائع مختلفةً متّعدّدةٍ.
وفي تسمية التقنين العام تشريعاً عامّاً نظر، وذلك لأنّ التشريع يعني وضع شريعةٍ، والشريعة في القرآن واصطلاح العلماء هي الدين والنهج القويم.
والتشريع في اصطّلاح القرآن والمسلمين معناه تشريع الله تعالى وحده أو وضع ما يخالف الدين أو ما لم يأذن به الله على سبيل النهج الصالح (الدين أو الفكر).
فالتشريع هو اعتقاد صلاح أمر (اتخاذه نهجاً صالحاً).
وكلما تعلقت المخالفة التشريعية بالأصول كلما كانت أغلظ.
فتحليل زواج المتعة مخالفة في فروع المعتقد.
وإنكار وجوب الزكاة مخالفة في أصول المعتقد، لأنّ الزكاة من أركان الإسلام.
وادعاء جواز عبادة الشفعاء أغلظ من إنكار وجوب الزكاة من جهة شرك التشريع والكفر.
فالشرك الأكبر دركات متفاوتة، وكذا الكفر الأكبر.
والشريعة في أصل اللغة هي منحدر الماء أو مورد الشاربين، فيعود المعنى لغةً إلى أقرب طريق مُوصل إلى المُراد وهو النهج الصالح القويم.
ولعل ما حدث من التباس في معنى التشريع هو بسبب أن السياسيين المُعاصرين يسمون وضع سياسات عامة ولو كانت مباحة تشريعاً، ولعل هذا بسبب الترجمة الحرفية.
وواضع الشريعة يسمى مشرعاً ويسمى فعله تشريعاً، ومن يتبع المشرع في شريعته يُسمى متبعاً أو مقلداً ويسمى فعله اتباع أو تقليد.
فالمشرعون هم أمثال الفلاسفة والمنظرين وأهل الأديان المحرفة وأهل البدع والقانونيين، وأما البرلمانيون والحكام فهم متبعون لأولئك ولا يشرعون بأنفسهم غالباً.
والعلماء السابقون يقصدون بتبديل وتغيير الشرع تشريع ما يخالف الإسلام، والذي يعني اتخاذه نهجاً صالحاً (ديناً أو فكراً)، خلافاً لما يظن بعض المعاصرين بسبب ترجمة التقنين من كتب الغربيين إلى التشريع.
ولا يشترط الاستحلال (اعتقاد صلاح العمل) ولا تصريح باعتقاد آخر للتكفير بالكفر الصريح، وإنما يشترط الاستحلال للتكفير بالذنوب، ويشترط التحقق من الاعتقاد كذلك في المحتمل للأصغر والأكبر من الكفر والشرك.
ولا خلاف في أن تشريع شيء مخالف لمعلوم من الدين بالضرورة من المكفرات الصريحة، ولكن التشريع بمعناه الاصطلاحي عند العلماء يتضمن الجحود والاستحلال.
واستحلال الشئ يعني اتخاذه نهجاً صالحاً (اعتقاد أنه نهج صالح قويم).
ولا خلاف في أن تشريع شيء مخالف لمعلوم من الدين بالضرورة من المكفرات الصريحة، ولكن التشريع بمعناه الاصطلاحي عند العلماء يتضمن الجحود والاستحلال.
واستحلال الشيء يعني اتخاذه نهجاً صالحاً (اعتقاد أنه نهج صالح قويم).
والحكم بما أنزل الله من الواجبات التي دون الصلاة، والحكم بغير ما أنزل الله من الكبائر كما سبق بيانه في مبحث الحكم بغير ما أنزل الله.
التقنين العام بخلاف الحكم الأصلي الشرعي إما أن يكون؛
1. اجتهاد صاحبه مأجور، كإيقاف العمل بحد السرقة في عام الرمادة.
2. عدم قدرة صاحبه معذور، كعدم إقامة النجاشي رحمه الله تعالى الشرع في قومه.
3. استجابة لإملاء الخارج حباً في السلطة فصاحبه مأزور، لأنه مرتكب كبيرة ومفسد.
4. كفر محتمل للأصغر والأكبر صاحبه محذور، لأن إتيان الكفر المحتمل من علامات النفاق لاحتماله للكفر للأكبر.
ولا يكفّر ولا يكفّر بالكفر المحتمِل إلا بعد التحقق من اعتقاد صاحبه كالجاحد المستحل (معتقد صلاحه).
ولا يجوز الخروج على فاعل الكفر المحتمل من الرؤساء لشرط الكفر البواح.
فكلمة البواح تعني المعلن والصريح، لأنّها من باح بالسر إذا أعلنه، والمعلن واضح صريح، تؤيّده رواية كفر صرُاح.
فتقنين حكم بغير ما أنزل الله بدون سبب ظاهر كفر محتمل، ولا فرق بينه وبين الحكم بغير ما أنزل الله في وقائع معينة من جهة اشتراط الحجود والاستحلال (اعتقاد أنّه نهجٌ صالحٌ قويمٌ).
والفرق بين التقنين العام والوقائع إنما هو في احتمال الكفر وتفاوت دركات الإثم والإفساد، فتقنين ما يخالف الشريعة كفرٌ محتمل وهو أعظم إثماً وإفساداً في الأرض.
والكفر المحتمل هو ما كان احتماله من جهة ذات العمل، والكفر الصريح قد يكون فيه احتمال من جهة الموانع وهي؛ زوال العقل والجهل والتأويل والخطأ والإكراه.
وعند التعيين لابد من انتفاء الموانع، فلا يقال في كل من فعل الكفر المحتمل أنه كفر كفراً إما أصغر أو أكبر، فالجاهل مثلاً معذور، وكذا المضطر، فإن النجاشي رحمه الله لم يحكم بالإسلام لعدم قدرته، وفي هذا المبحث نقل كلام شيخ الإسلام في سبب عدم حكم النجاشي بالشرع.
الدليل على بطلان القول بأن تقنين ما يُخالف الشريعة كُفر صريح هو قول النبي ﷺ في الخروج على الحكام: (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، وذلك لأن تعطيل الحدود مثلاً يدخل في ترك ما دون الصلاة من واجبات.
فإن قيل إن تعطيل الحدود لا يعني إقامة غيرها مكانها، فجوابه؛ لا يمكن أن يعيش الناس بغير قانون يمنع الجرائم، ومن عطل الحدود لابد له من أن يُحل غيرها محلها.
وذلك لأنّ لازم القول قولٌ في كلام الله وكلام رسوله ﷺ.
وهو ليس بلازم في كلام غير النبي ﷺ من البشر لأنّه قد يكون غافلاً عن لازمه، ما دام أنّ اللازم خفي أو كان وضوحه نسبيّ لكونه ممّا يحتاج إلى دراسة ونظر.
وأما اللّازم الجلي البدهي للقول فهو قول لصاحبه لأنّه لا يُغفل عنه.
الاستحلال (اعتقاد الصلاح) أو التحقق من غيره من الاعتقاد شرط للتكفير بالكفر المحتمل كمعاونة مشركين على المسلمين، وكذلك الشرك المحتمل للأصغر والأكبر كتعليق التمائم.
ولا يشترط الاستحلال ولا التصريح بالاعتقاد للتكفير بالشرك الصريح كدعاء غير الله سبحانه وتعالى.
ولا تشترط كذلك للتكفير بالكفر الصريح كسب الرب سبحانه وتعالى.
فالشرك الصريح مستلزم للاعتقاد الفاسد المكفر بذاته، ومنه التذلل لغير الله كالتذلل لله تعالى، وهو لازم جلي بدهي.
وكذا التلازم بين الكفر الصريح وفساد الباطن جلي بدهي.
ولا يكفر باللازم الخفي والجلي النسبي الذي يحتاج إلى نظر وتأمل لخفائه على بعض، ولعدم جواز التكفير بما فيه احتمال.
فتقنين ما يخالف الشرع كفر محتمل بينما الحكم في وقائع معينة فسق في الغالب، وذلك لأن الحكم في وقائع معينة ولو تكرر احتمال الهوى فيه أوضح، كالمحاباة بسبب قرابة أو رشوة أو لعداوة.
ومن زعم أن التقنين العام كفر صريح توهم تلازماً عقلياً بين التقنين العام وكفر الباطن، وذلك لأن احتمال الهوى فيه أضعف.
ولو كان التقنين العام مستلزماً للاستحلال والاعتقاد، للزم تكفير الحكام الذي يقننون سياسات ظالمة كالمكوس (الضرائب) بدون احتياج ولا منفعة للمواطنين، فالظلم من المحرمات الظاهرة المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة، وهو أمرٌ لا يجهله أحد من العوام.
فهذا التلازم العقلي بين التقنين العام وفساد العقيدة ليس صحيحاً، فليس كلُّ نوعٍ من أنواعِ اعتقاد النفع في المحرَّم مكفِّر، فالذي يأكل الرِّبا إنما يفعل ذلك لما فيه من منفعة ملغاة بالشرع، فلا يكفر بإِجماع أهل السنة.
فالمحرَّم قد يكون فيه نفع بوجهٍ من الوجوه ولكنَّ ضرره أكبر، كما قال اللّه عز وجل في الخمر والميسر: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ۗ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ ۗ كَذَ‌ٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ [١].
والرِّبا فيه مصلحة دنيوية للآكل ولكن فيه ضرر على الموكل وعلى المصالح العامة فضرره أكبر من نفعه.
فكما أنَّ الفرد المسلم يقع في المعصية لاعتقاد منفعةٍ فيها ملغاةً بالشرع؛ فكذلك رئيس البلاد قد يقنِّن حكماً بغير ما أنزل اللّه اتِّباعاً للهوى رغبةً فيما في ذلك من مصالح ملغاةً بالشرع فيكون فاسقاً بذلك.
وماذا عمّن أجاز لأهل بيته التعاقد بالرِّبا أو شرب الخمر؟ هل يُقال أنّه كافر لأنه قنَّن الحكم بغير ما أنزل اللّه؟
ومما يدل على أن تحكيم غير الشريعة لا يستلزم فساد العقيدة (الجحود والاستحلال) حكم النبي ﷺ بإسلام النجاشي مع كونه لم يحكم بالإسلام.
قال ابن تيمية رحمه اللّه عن النجاشي: (ونحن نعلم قطعاً أنَّه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن، واللهُ قد فرض على نبيه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلا بما أنزل اللهُ إليه، وحذَّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزل اللهُ إليه) [٢]، وقال أيضاً: (والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن، فإنَّ قومه لا يقرُّونه على ذلك) [٣].
وأمّا ما نقل عن ابن كثير وابن تيمية رحمهما الله تعالى فليس في مجرد التقنين بل هو صريح في التقنين العام مع الاستحلال أو الاعتقاد، والتتار كانوا يدينون بالياسق.
القول بأن التقنين العام كفر صريح محدث مخالف لمقتضى النصوص والإجماع، وقد تقدم بيان مخالفته الصريحة لحديث؛ (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).
وهو مخالف كذلك لإجماع السلف على أن الحُكم بغير ما أنزل الله من غير جحود كفر أصغر، ولم يستثنوا التقنين العام مع وجوده في عهدهم، ومن ذلك تقنين المكوس (الضرائب) التي تؤخذ ظلماً، والظلم من المحرمات الظاهرة المتواترة المعلومة من الدين بالضرورة.
وسبق في مبحث الحُكم بغير ما أنزل الله نقل كلام الإباضية لأبي مجلز رحمه الله تعالى ورده عليهم، وكلامهم معه كان في الأمراء وليس القضاة، ولا شك أن بعض أحكامهم كانت سنة متبعة في الحُكم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ﴾: (وهذه الآية مما يحتج بها الخوارج على تكفير ولاة الأمر الذين لا يحكمون بما أنزل الله، ثم يزعمون أن اعتقادهم هو حكم الله) [٤].
وقال الآجري رحمه الله: (ومما تتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ ويقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه فقد أشرك فهؤلاء الأئمة مشركون) [٥].
وقال أبو المظفر السمعاني في قول الله تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾: (واعلم أن الخوارج يستدلون بهذه الآية، ويقولون: من لم يحكم بما أنزل الله فهو كافر، وأهل السنة قالوا: لا يكفر بترك الحكم) [٦]. 
وثمّة فروق بين خطأ علماء أهل السنة الذين قالوا بأن التقنين العام كفر أكبر - وإن كانت زلة العالم مما يهدم الدين - وخطأ غيرهم.
فمن أهم الفروق أنّ أصل ومحور دعوة علماء أهل السنة هو التوحيد الذي جاءت به الرسل، وهو النهي عن الشرك في العبادة.
وأما غير أهل السنة فأصل دعوتهم ومحورها هو تحكيم أحكام الشريعة المتعلقة بالمحرمات المعلومة بالضرورة والواجبات التي دون الشهادتين والصلاة.
فعلماء أهل السنة يقدمون أولويات واجبات الولاية وهي الشهادتان والصلاة.
قال الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [٧].
وفي الحديث؛ (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)، ودلّ الحديث على أن من يقيم واجب الصلاة وما هو أوجب منها يُعد مقيماً لكتاب الله عز وجل في الناس، وقياس الأولى في حُكم المنصوص عليه.
ومن الفروق المهمة بين علماء أهل السنة وغيرهم هو أنّ أهل البدع جعلوا مناهجهم الدعوية المبنية على التكفير بالتقنين العام أصلاً في الدين أقاموا عليه الولاء والبراء وحاربوا بمنهجهم الذي زين لهم أهل السنة ودعاتها وأوغروا صدورهم عليهم.
ومما يؤكد الفرق بين علماء أهل السنة وغيرهم أن بعض العلماء تراجع عن رأيه في إطلاق القول بأن التقنين العام كفر أكبر، مما يُرجّح أن الأمر كان عندهم مجرد اجتهاد ظني وليس يقيناً فضلاً عن أن يكون  أصلاً.
ومن أهم الفروقات أن الموقف ممن أخطأ لا يُنظر فيه لمجرد خطئه، بل يُنظر كذلك لعلمه وحسناته وحُسن أثره، فبأي ميزان يُساوى خطأ عالم جليل سائر على طريق السلف له من المؤلفات والفتاوى والخير الكثير بخطأ من حاله أقل من ذلك بكثير؟
وما هو أهم من ذلك الفارق العظيم في المنهج والحرص على السنة وطريق السلف، مضافاً إلى ذلك أخطاء أخرى لغير علماء أهل السنة.
قال ابن القيم رحمه الله: (من قواعد الشرع والحكمة أيضاً أن من كثرت حسناته وعظمت وكان له في الإسلام تأثير ظاهر فإنه يحتمل له ما لا يحتمل لغيره، ويعفى عنه ما لا يعفى عن غيره، فإن المعصية خبث والماء إذا بلغ قلتين لم يحمل الخبث، بخلاف الماء القليل فإنه يحمل أدنى خبث) [٨].
ومع وجوب حفظ مكانة العالم، فلابد من التحذير من زلته إن وجدت، والخطأ موجود ولابد، خاصة في الأزمنة المتأخرة عن عصر النبوة وما فيه من الخير والهدى. 
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (قلت: والمصنفون في السنة جمعوا بين فساد التقليد وإبطاله وبيان زلة العالم ليبينوا بذلك فساد التقليد، وأن العالم قد يزل ولا بد; إذ ليس بمعصوم، فلا يجوز قبول كل ما يقوله، وينزل قوله منزلة قول المعصوم; فهذا الذي ذمه كل عالم على وجه الأرض، وحرموه، وذموا أهله وهو أصل بلاء المقلدين وفتنتهم، فإنهم يقلدون العالم فيما زل فيه وفيما لم يزل فيه، وليس لهم تمييز بين ذلك، فيأخذون الدين بالخطأ - ولا بد - فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله ويشرعون ما لم يشرع، ولا بد لهم من ذلك إذ كانت العصمة منتفية عمن قلدوه، والخطأ واقع منه ولا بد. وقد ذكر البيهقي وغيره من حديث كثير هذا عن أبيه عن جده مرفوعاً: {اتقوا زلة العالم، وانتظروا فيئته}) [٩].
ومن الفروقات أنّ علماء أهل السنة لم يكفّروا من هم متمكّنون من إقامة الحجّة عليه ممن سنّ قوانين عامّة مخالفة للشريعة، ممّا قد يدلّ على أنّ بعض هؤلاء العلماء يرون التقنين العام المخالف للشريعة كفراً محتملاً.
فقد كانت المصارف الربوية مقنّنة في عهد الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله، وقد فُصلت في عهده المحاكم التجارية عن الشرعيّة لكيلا يتلاعب المواطنون بأخذ الدين الربوي ثم ردّ رأس المال فقط بدون الفائدة الربويّة.
ولم يكفر الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله الحكومة التي هو متمكن من إقامة الحجة عليها، بل كان يرى وجوب بيعتها.
وذلك لأنه لا سبيل لتكفير معين بهذا النوع من الكفر المحتمل إلا باستحلال عمله (اعتقاد صلاحه)، فحكمه في حكم من يفعل الكبائر.

المراجع

١. سورة البقرة ٢١٩
٢. مجموع الفتاوى (ج١٩/ص٢١٨)
٣. مجموع الفتاوى (ج١٩/ص٢١٨)
٤. منهاج السنة النبوية (ج٥/ص ١٣١)، تحقيق؛ محمد رشاد سالم، الناشر؛ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الطبعة الأولى، ١٤٠٦هـ - ١٩٨٦ش.
٥. الشريعة (ج١/ص ٣٤١)، تحقيق؛ الدكتور عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الناشر؛ دار الوطن - الرياض / السعودية، الطبعة الثانية، ١٤٢٠هـ - ١٩٩٩ش.
٦. تفسير السمعاني (ج٢/ص٤١)، تحقيق؛ ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، الناشر؛ دار الوطن، الرياض – السعودية، الطبعة الأولى، 1١٤١٨هـ- ١٩٩٧ش.
٧. المائدة: ٤٤
٨. مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (ج١/ص١٧٦)، دار الكتب العلمية، بيروت.
٩. إعلام الموقعين (ج٢/ص١٣١-١٣٣)، ت؛ محمد عبد السلام، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤١١هـ - ١٩٩١ش.