‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهج وإصلاح. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات منهج وإصلاح. إظهار كافة الرسائل

الفرق المعقول بين الإحداث والحلول

الحلول قيام شيءٍ بغيره، والإحداث فعل فاعلٍ بمشيئته، ونوع أفعال الله تعالى لم يسبق وجودها عدمٌ، فهو لم يزل ولا يزال متّصفاً بأنّه فعّالٌ لما يريد.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العظيم الجليل، المنزه عن النقص والمثيل، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى صحابته الغير الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

الحلول والإحداث

قول المتكلّمين عن الحقّ سبحانه وتعالى: «منزّهٌ عن حلول الحوادث» هو كلامٌ حقٌ موهمٌ لباطلٍ أُريد به باطلٌ، وهو نفي الصفات الفعليّة الاختياريّة، سواءٌ أفعال الله تعالى المتعدّية أو اللّازمة.
وكلّما اقترب المتكلّم من الحقّ كلّما اقتصر نفيه الأفعال الاختياريّة على بعض الأفعال المتعدّية أو اللّازمة.
وإيهام عبارة المتكلّمين؛ «منزّهٌ عن حلول الحوادث» باطلاً هو من جهة أنّ لفظ الحلول لا يكون إلا في شيءٍ يحلّ في آخر مغايرٍ له.
فحلول شيءٍ في الله تعالى يعني حلول مخلوقٍ فيه، والله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن ذلك.
وأما أفعال الله تعالى التي يُحدِثها بمشيئته فهي قائمةٌ به وليست حالّةً فيه، لأنّها أفعاله هو سبحانه وتعالى.
فثمّة فرقٌ بين قيام فعل بفاعله وقيام حالٍّ بمحل، والله سبحانه وتعالى لا يقوم به ما كان من غيره.
فلفظ الحلول لا يصدق على أفعال الله تعالى.
فهي متعلّقة بمشيئته وقدرته وحكمته.
وهي ثابتةٌ بالكتاب والسنّة وإجماع أهل السنّة، ومنها صفة الخلق.
فالله سبحانه وتعالى هو الخالق الذي لم يزل ولا يزال قادراً على الخلق قبل أن يخلق الخلق، يخلق ما يشاء ويختار.
فصفة الخلق ليست حادثة النوع من جهة اتّصاف الله تعالى بأنّه الخالق، وهي حادثة الآحاد، فهي تتجدّد وتحدث بمشيئته وقدرته.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾.
المفعول في هذه الآية مخلوقٌ، وهو أثر الفعل (الرجعة)، والفعل غير مخلوقٍ، وهو الإحداث (الخلق المتجدّد)، لأنّ فاعله (الذي أحدثه) هو الله سبحانه وتعالى.
قال ابن كثيرٍ رحمه الله في تفسير الآية: "ويخلق الله تعالى في قلبه رجعتها" [١].
ولا فرق في آحاد أفعال الله تعالى من جهة الحدوث بالمشيئة بين صفة الخلق (المتعدّية) وغيرها من الصفات الفعليّة الاختياريّة التي ينكرها المتكلّمون كالرضا والغضب والاستواء والنزول والمجيء (اللّازمة) [٢].
وأفعال الله تعالى اللّازمة (غير المتعدّية) كالإرادة لا تستلزم تغيّراً من نقصٍ إلى كمالٍ ولا من كمالٍ إلى نقصٍ.
وفارق التعدّي واللّزوم في الأفعال الاختياريّة لا ينفي صفة الحدوث بالمشيئة في كليهما.
فالفعل اللّازم كالمتعدّي ليس في إحداثه حلولٌ ولا نقصٌ.
فالحلول كما سبق هو قيام شيءٍ مغايرٍ بغيره، والله تعالى منزّهٌ عن حلول خلقه به.
والإحداث هو فعل الفاعل بمشيئته، والله سبحانه وتعالى فعّالٌ لما يريد.
والله سبحانه وتعالى لا يتّصف بما فيه نقصٌ، فليس في أفعاله اللّازمة ولا المتعدّية التي نسبها لنفسه أو نسبها له رسوله ﷺ نقصٌ بأيّ وجهٍ من الوجوه.
وكلّ محدَثٍ من أفعال الله تعالى غير مخلوقٍ، لأنّ حدوثه مسبوقٌ بوجود نوعه باتّصاف الله تعالى بأنّه فعّالٌ لما يريد، ولكونه فعله هو وليس حالّاً به من غيره كما يوهم المتكلّمون.
ففي قول الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء - ٢]؛ الذكر المحدَث غير مخلوقٍ لأنّه كلام الله تعالى.
وعلى أن المحدَث هو الإتيان للناس، فإن الإتيان لا يحدث إلا بأمر الله تعالى، فهو أمر حادث متجدّد.
والمخلوقات كلّها حادثةٌ بائنةٌ عن الله تعالى غير حالّةٍ فيه جلّ ثناؤه.
والمتكلّمون يشبّهون على الناس بعبارةٍ صحيحةٍ هي؛ لكلّ حادثٍ محدِثٌ، وذلك بضمّها إلى دعواهم بأنّ كلّ حادثٍ مخلوقاً.
فلا شكّ أنّ لكلّ حادثٍ محدِثاً، وأنّ كلّ مخلوقٍ حادثاً، ولكن ليس كلّ حادثٍ مخلوقاً.
بل كلّ حادثٍ ناقصٍ مفتقرٍ لغيره مخلوقٌ، وكلّ حادثٍ قائمٌ بالكامل الغنيّ بمشيئته غير مخلوقٍ.
وهذا لا يتعارض مع القول بأنّ لكلّ حادثٍ محدِثاً، فالله تعالى هو محدِث آحاد أفعاله، كآحاد الخلق، كما في قول الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾.
والله تعالى ليس حادثاً، وصفاته الذاتيّة ليست حادثةً، ونوع صفاته الفعليّة ليس حادثاً.
والفعل الاختياري اللّائق بالله سبحانه وتعالى يدلّ على كمال القدرة والمشيئة.
ولم يزل الله تعالى ولا يزال متّصفاً بصفات الكمال، أحداً صمداً، ليس كمثله شيءٌ، وهو السميع البصير، الفعّال لما يريد، سبحانه وتعالى.

الخلق والإحداث لغةً وعرفاً

الحدوث في أصل اللّغة هو التجدّد والوقوع بعد عدم.
فالحادث يشمل ما يجدّ (على مثال سابق) وما يقع على غير مثال سابق.
وقد ذكر لغويّون أنّ الخلق في أصل اللّغة الإيجاد مع التقدير والإحكام واستشهدوا على ذلك بكلام العرب.
فالخلق يختص بما يُقدّر قبل وجوده مع إحكام صنعه، ولذا فهو يستعمل عادةً لما سبقه عدم مطلق محض.
فاستعمال ما يختصّ بالتقدير قبل إيجاده لما سبقه عدم مطلقٌ محضٌ أنسب من أن يستعمل له ما يشمل معناه التجديد (على مثال سابق).
وقد استنتج لغويّون من اختصاص الخلق بمعنى التقدير والإحكام على أنّ كلّ خلقٍ إحداثاً، وليس كلّ إحداثٍ خلقاً.
والقرآن من شواهد اللغة والمعاني.
وقد ورد فيه تسمية خلق الله تعالى إحداثاً، وذلك في قول الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾ [الطلاق - ١].
و ﴿يُحۡدِثُ﴾ فعلٌ متعدٍّ، وكلُّ فعلٍ متعدٍّ له تعلّقٌ بالفاعل وتعلّقٌ بالمفعول، والفاعل هو الخالق سبحانه وتعالى، والمفعول هو المخلوق.
وقد ورد في القرآن كذلك تسمية الذكر المنزل محدَثاً، وكلام الله تعالى غير مخلوق.
وذلك في قول الله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء - ٢].
وعلى أنّ المحدَث هو الإتيان للناس، فإنّ الإتيان لا يحدث إلا بأمر الله تعالى، فهو أمرٌ حادثٌ متجدّدٌ.
وعلى التسليم بأن هذه الآيات ليست بمثابة الشواهد اللغوية، ففيها دليل على أن هذا هو عرف الشارع.
فالحدوث أعمّ من الخلق، والخلق معنىً خاصٌّ للحدوث.
والمعاني الخاصّة لا تنفكّ عمّا تقوم به.
فاللّفظ عادةً ما يحمل معنىً خاصاً عند الإضافة والتركيب حسب المضاف إليه أو السياق.
وإذا سُمي المعنى الخاصّ في إضافةٍ أو تركيبٍ مجازاً، فالمقصود أنّ الاستعمال مجازيٌّ، وليس المعنى المراد.
فالمعاني المرادة في الجمل والتراكيب حقيقيّةٌ سواءٌ استعمل للدّلالة عليها لفظٌ دلالته عليها حقيقيةٌ أو مجازيةٌ.
فالمجاز اللّغويّ يختلف عن الإدراك الظاهريّ غير الحقيقيّ مثل رؤية الثابت متحركاً عند الحركة.
وتخصيص معنى الحدوث في التراكيب يكون بركنيهِ؛ الحادِث، والمحدِث، وما يتعلّق بهما من أوصافٍ وذواتٍ.
والخلق متعلّق بركني الحدوث، لأنّ كلّ مخلوقٍ حادثٌ، ولكلّ حادثٍ محدِثٌ.
والمحلّ محدَثٌ فيه، وهو ذاتٌ متعلّقةٌ بالحادِث.
والمحلّ وصفٌ لما يحلّ غيره به، وهذا افتقارٌ للغير ونقصٌ.
فإن كان أثر الحلول إيجابيّاً، فهو دلالة افتقارٍ لتأثيرٍ خارجيّ، وإن كان سلبيّاً فهو نقصٌ.
فممّا يؤثّر في تخصيص المعاني عند الإضافة والتركيب ما يتعّلق بالحادِث والمحدِث من أوصافٍ كالكمال والغنى والنقص والافتقار.
ولذا فإنّ كلّ حادثٍ ناقصٍ مفتقرٍ لغيره مخلوقٌ، وكلّ حادثٍ قائمٌ بالكامل الغنيّ بمشيئته غير مخلوق، كما سبق.

شبهة التغيّر والنقص

سبق أنّ أفعال الله تعالى اللّازمة (غير المتعدّية) كالكلام لا تستلزم تغيّراً من نقصٍ إلى كمالٍ ولا من كمالٍ إلى نقصٍ.
يستعمل المتكلّمون كلمات التغيّر والصيرورة والزوال في الأفعال الاختياريّة اللّازمة ليهوموا أنّها تستلزم النقص والافتقار.
والتغيّر بالصيرورة والزوال لا يُستعمل في كل محدَثٍ ومتجدّد. 
وإنّما يستعمل في تغيّر الذات والصفات الذاتية ونوع الصفات الفعلية أو القدرة عليها.
وأفعال الله تعالى إمّا متعديّةٌ كالخلق، أو لازمةٌ كالكلام.
والإحداث بالأفعال المتعديّة لا يسمّى صيرورةً حتى في أفعال المخلوقات، وإنّما يسمّى فعلاً، وعدمه يسمّى تركاً لا زوالاً.
والإحداث في أفعال الله اللّازمة (غير المتعدّية) ليس فيه صيرورةٌ وزوالٌ، وذلك لأنّ قدرة الله تعالى عليها أزليّة.
فلا يقال عن الله تعالى صار متكلّماً بعد أن لم يكن بسبب تجدّد الكلام.
وأما الاستواء فإن صحّ القول بالصيرورة فيه، فلا يصحّ القول فيه بالزوال، إذ ((كان الله ولم يكن قبله شيءٌ)).
وصفات الرضا والغضب لا يوصف الله تعالى فيها بالصيرورة والزوال، لأنّ رضاه عن بعضٍ وغضبه على آخرين لا يٌحدّ بأزمانٍ منفصلةٍ، مثلما يسمع الأصوات المختلفة مع صدورها في زمانٍ واحدٍ بجميع اللغات.
الكمال صفةٌ لا تنفكّ عن الله تعالى.
فالإحداث ليس فيه زيادة كمالٍ، وإنّما فيه دلالةٌ على الكمال، فهو يدلّ على كمال القدرة والاختيار.
وما قبل الإحداث ليس نقصاً، لأنّ الإحداث بالمشيئة متعلق بالحكمة، فما قبل الإحداث هو مقتضى الحكمة، وما بعده كذلك.
فالإمكان في الأفعال دليل كمال القدرة والمشيئة والحياة.
وذلك خلافاً للإمكان في الذوات والصفات الذاتيةّ والقدرة على الفعل، فهو دليل نقصٍ وافتقارٍ.
والمخلوق الذي يفعل ولا يترك أبداً لا يسمى حكيماً، لأن الحكمة وضع الشيء في موضعه المناسب.
والجماد لا يفعل ولا يترك.
وقد وصف الله تعالى نفسه بأنّه فعّالٌ لما يريد، ونسب الإحداث إلى نفسه في قوله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾.
فالله تعالى كاملٌ أزلاً بصفاته الذاتيّة، ويفعل بمشيئته أفعالاً حادثة قائمةً به، لا لافتقارٍ ولا لاستكمالٍ، بل إظهاراً لكمال قدرته وحكمته واختياره.

الإحداث حقيقيّ غير اعتباريّ

سبق أنّ الله تعالى سمّى خلقه إحداثاً، وأنّ ﴿يُحۡدِثُ﴾ فعلٌ متعدٍّ، وأنّ كلّ فعلٍ متعدٍّ له تعلٌقٌ بالفاعل وتعلقٌ بالمفعول، والفاعل هو الخالق سبحانه وتعالى، والمفعول هو المخلوق.
وذلك في قول الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾ [الطلاق - ١].
والحدوث كما سبق إنّما هو في آحاد الصفات الفعليّة لا في نوعها ولا في الصفات الذاتيّة.
وأقصد بنوعها أنّ الله تعالى لم يزل ولا يزال متّصفاً بأنّه فعّالٌ لما يريد.
ولا أعني تسلسل المخلوقات في الماضي.
فالمعنى هو القدرة على الخلق قبل أن يخلق وإرادة الخلق الأزليّة المتجدّدة.
فمعنى ﴿فعّالٌ لما يريد﴾ كما هو بيّن هو أزليّة القدرة على الفعل مع حدوث وتجدّد آحاده بالمشيئة وأزليّة المشيئة مع تجدّدها.
فالله سبحانه وتعالى لم يزل ولا يزال يتّصف بأنّه الخالق قبل أن يخلق الخلق.
وتعلّق الإحداث في قول الله تعالى: ﴿لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ أَمۡرٗا﴾ بحدوث الفعل تعلّقٌ حقيقيٌّ وجوديٌّ وليس اعتباريّاً ذهنيّاً.
فبعض المتكلّمين يقولون أنّه اعتباريٌّ ذهنيٌّ، مثل الفوقيّة والأبوّة اللّتين لا تقومان بالذات، وإنّما بالذهن للمقارنة بين شيئين.
وبطلان هذا القول واضحٌ بيّنٌ، فالأب والابن ذاتان منفصلتان بخلاف الأفعال، وكذا ما هو فوق وتحت.
والأبوّة معنىً حقيقيٌّ غير أنّه لا يقوم بالذات، وكذا كلُّ اعتباريٍّ ذهنيٍّ، فلا يصحّ قول المتكلّمين فيه أنّه غير حقيقيٍّ.
والقول بأنّ تعلّق الإحداث بالفاعل اعتباريٌّ ذهنيٌّ غير حقيقيٍّ (غير قائم بالله تعالى) فيه تعطيل الله تعالى عن الخلق.

شبهة الخلق الأزليّ

القول بأنّ الخلق والإحداث أزليّ يؤدّي إلى القول بقدم المخلوقات.
وقبل الكلام عن مسألة قدم المخلوقات أو تسلسلها في الماضي لابدّ من الإشارة إلى أن اتّصاف الله تعالى بأنّه الأوّل وجوديٌّ حقيقيٌّ.
وأنّ الزمن المخلوق الذي يُعرف بالساعات الكونيّة (دوران الأفلاك) والمصنوعة له حقيقة وجوديّةٌ.
وأنّ كلمة "قبله" في قول النبي ﷺ: ((الذي ليس قبله شيءٌ)) اعتباريّةٌ ذهنيّةٌ بمعنى أنّها مقارنةٌ بين شيئين منفصلين، وليس بمعنى أنّه لا حقيقة لمعناها الذهنيّ الاعتباريّ.
فالقول بعدم حدوث آحاد الفعل لازمه القول بأزليّة المخلوقات.
وذلك لأنّ موجب وجود المخلوقات هو الخلق الحادث المتجدّد المتعلّق بالمشيئة الأزليّة المتجدّدة.
فإن قيل بأنّ موجب وجود المخلوقات هو الخلق أزلاً، فكيف انعدمت المخلوقات (المعلول) في الأزل مع وجود موجبها (علّتها)؟
فإن أجابوا بأنّ السبب المشيئة (العلّة التامّة)، فقد أثبتوا حدوث المشيئة وتجدّدها.
فإن قالوا بأنّ الله تعالى شاء في الأزل أن يخلق في وقتٍ معيّن، فالوقت المعيّن الذي يخلق فيه متجدّدٌ حادثٌ.
فإن قالوا بأنّ المشيئة أزليّةٌ وأنّ الخلق المتجدّد المتعلّق بها اعتباريٌّ غير حقيقيٍّ، فقد عطّلوا الله تعالى عن الخلق.
فإن قالوا كلا الخلق والمشيئة أزليٌّ، فقد خلّفوا المعلول عن العلّة التامّة، وهذا مستحيلُ شرعاً وعقلاً.
فإن قيل بأزليّة المشيئة والخلق وتجدّد آحادهما، فلازمه تسلسل المخلوقات في الماضي.
فالقول الفصل هو أنّ المشيئة أزليّةٌ مع تجدّد آحادها، وأنّ قدرة الله تعالى على الخلق أزليّةٌ والخلق حادثٌ مع تجدّد آحاده.
فلم يزل الله تعالى ولا يزال متّصفاً بأنّه الخالق لقدرته الأزليّة على الخلق ومشيئته الأزليّة بأن يخلق قبل أن يخلق الخلق.
فقد شاء الله تعالى أن يخلق المخلوقات في الأزل، ثم شاء أن يخلقها عند خلقها، ولم يخف على علمه شيءٌ منذ الأزل، فهو العليم الحكيم، الفعّال لما يريد.
ومن حكمته سبحانه وتعالى أنّه خلق الخلق من عدمٍ مطلّقٍ محضٍ، فلم يكن عاجزاً عن الخلق قبل أن يخلق الخلق، فهو الأوّل الذي ليس قبله شيء.
وخلود بعض الخلق إنّما هو بإبقاء الخالق، وبقاء الخالق ذاتيٌّ، فهو الذي لا شيء بعده، لأنّ بقاء غيره بإبقائه إيّاه، وهو الحي الذي لا يموت، سبحانه وتعالى.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الأربعاء ٢٣ شعبان ١٤٤٧هـ، ١١ فبراير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

المراجع

١. تفسير ابن كثير (ج٨/‏ص١٦٧) - ابن كثير (ت ٧٧٤هـ) - ط العلمية.
٢. النزول اللائق بالله الخالق؛ المدوّنة، الواتسآب، التلغرام.
pdf

رجوع إلى قسم منهج وإصلاح

التفاوت الوسيع في شرك التشريع

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
الشرك الأكبر دركات متفاوتة، وكذا الكفر الأكبر بعضه أغلظ من بعض.
ومن الأخطاء الشائعة الظن بأن أفراد الجنس الواحد متساوية.
فالبياض درجات والسواد درجات، قاله ابن تيمية رحمه الله.
ويقسم كل منهما رقمياً إلى ١٢٨ درجة في الأنظمة الإلكترونية، ويسمى ما في وسطها باللون الرمادي.
والتشريع هو اتخاذ أمر نهجاً صالحاً (اعتقاد صلاحه) [١].
وكلما تعلقت المخالفة التشريعية بالأصول كلما كانت أغلظ.
فتحليل زواج المتعة مخالفة في فروع المعتقد.
وإنكار وجوب الزكاة مخالفة في أصول المعتقد، لأنّ الزكاة من أركان الإسلام.
وادعاء جواز عبادة الشفعاء أغلظ من إنكار وجوب الزكاة من جهة شرك التشريع [٢].
فمن سجد لغير الله فضلاً عمن دعا غيره مشرك ولو لم يعتقد جواز عمله (اعتقاد صلاحه) إذا أقيمت عليه الحجة.
وذلك لأن مجرد السجود لمخلوق فيه فساد القلب بالتذلل له كما يتذلل لله، وفيه شرك محبة إذا كان للمال والدنيا [٣].
فدعاء غير الله شرك في التشريع باستحلال ما حرم الله، وتذلل لمخلوق كما يتذلل لله (العبادة)، واعتقاد النفع والضر في مخلوق (الربوبية)، ومساواة مخلوق بالله في الصفات (الأسماء والصفات).
ولأن الدعاء شامل لتوحيد الربوبية والألوهية والأسماء والصفات (نداء الله بأسمائه الحسنى)، فإن دعاء غير الله أغلظ من السجود لغيره، وكلاهما شرك أكبر [٤].
فكلما تعلق شرك التشريع بما هو ركن وعبادة في ذاته كلما كان أغلظ.
والحكم في قول الله تعالى: ﴿إن الحكم إلا لله﴾ ينصرف لحكمه بعبادته وحده قبل غيره من أحكامه.
فقد قال في الآية: ﴿أمر ألا تعبدوا إلا إياه﴾، والأمر حكم.
وقال فيها عما يعبد من دونه: ﴿ما أنزل الله بها من سلطان﴾.
فالآية بتمامها؛ ﴿ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾.
وكذا قول الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله﴾ تدل بمناسبة الآيات التي قبلها على أنها تنصرف أصالة لشرك التشريع بتجويز عبادة غير الله.
وما من رسول إلا ودعا قومه أولاً إلى توحيد الله والطاعة جملة بدءً بالطاعة في توحيد الله.
قال الله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾.
وقال تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله﴾.
وكل رسول قال لقومه: ﴿أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾.
وتوحي كلمة شرك القصور بسوء فهم كلمة الشريعة بقصرها بسياسة الدنيا.
فأولى الواجبات السلطانية إقامة الشهادتين المتضمنتين للتوحيد والإيمان بالرسالة ثم الصلاة.
قال الله تعالى: ﴿وليمكننّ لهم دينهم﴾، وأهم الدين أصله، ولذا قال في آخر الآية: ﴿يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾.
وقال الله تعالى: ﴿الذين إن مكنّاهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوُا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾.
وفي الحديث؛ ((لا، ما أقاموا فيكم الصلاة)).
وكل ما سبق يدلنا على غلط من يقول: "بعض الناس ينشغل بالشرك الساذج البدائي وينسى الشرك الحضاري" ليقلل من خطورة أعظم أنواع الشرك.
ولا يصح تقسيم الشرك إلى حضاري وبدائي.
فلكثير من البدو أعراف مخالفة للشرع يعتقدون صلاحها في أحكام الدماء والأعراض والأموال.
فالنظام سمة بشرية لابدّ منه في حياة الحضر والبدو والرحل، ونظام الحضر أكثر تعقيداً كلما كبر من حياة الرحل، وهذا ما يميّز الحضارة.
بل النظام سمة عامّة في الخلق من الكواكب والنجوم والمجرات إلى النمل وأصغر المخلوقات.
ووُجدت في عهد الرسالة حضارات كفارس والروم، وكان أهل مكة حضراً غير رحل.
وقد بدأ النبي ﷺ الدعوة بتوحيد الله والإيمان المجمل بالرسالة قبل تفاصيل الشريعة.
فلم يدعُ أول الأمر لأحكام الإسلام في المعاملات وتحريم المحرمات والحدود، فأكثرها لم يُشرع بعد.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها؛ (ولو نزل أول شيءٍ لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبداً، ولو نزل لا تزنوا لقالوا: لا ندع الزنا أبداً) [٥].
والفصل العملي (بدون استحلال) لأصل الدين (الشهادتين والصلاة) عن الدولة أعظم من فصل ما دونه [٦].
والاستحلال يتضمن اعتقاد صلاح العمل.
وإذا جاز التنازل عن توحيد العبادة لأجل الوحدة لجاز التنازل عن حرب العلمانيّة فهي شرك وكفر بيّن.
فعجباً للزعم بأنّ الوحدة مقدّمة على التوحيد، فمن يجهل أهمية توحيد العبادة يجهل حقيقة الإسلام، إذ لا إسلام بلا توحيد، فهو الغاية من الخلق وإرسال الرسل وإنزال الكتب وتشريع الجهاد والبعث والنشور ونصب الموازين والجنة والنار، وكل دين الإسلام يدور حول معنى التوحيد.
وقد استشهد بعضٌ لهذا الزعم الباطل بقول الله تعالى حكاية عن هارون عليه السلام: ﴿قال يَبۡنَؤُمَّ لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي﴾، ونسوا قول الله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري﴾.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
الثلاثاء ٨ شعبان ١٤٤٧هـ، ٢٧ يناير ٢٠٢٦ش
لوند، السويد.

المراجع

pdf

رجوع إلى قسم منهج وإصلاح

النزول اللائق بالله الخالق

ينزل الله تعالى - وهو في علوّه - إلى السماء الدنيا، فإنّ (إلى) لا تعني الانتهاء لغايةٍ تحت مخلوق، ونزوله حقيقيٌ لائقٌ به بلا تكييف.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العظيم الجليل، المنزه عن النقص والمثيل، والصلاة والسلام على الصادق الأمين، وعلى صحابته الغير الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

هو في علوّه

عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له)، أخرجه البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨).
إضافة؛ وهو في علوّه لصفة النزول هي مثل إضافة؛ بائنٌ من خلقه إلى؛ مستوٍ على عرشه.
فنزول الله تعالى هو نزول من علوّ إلى علوّ أدنى لخلقه.
فالإضافة لتيسير رد شبهة أنّ في إثبات صفة النزول إثباتٌ لحلول الله في السماوات التي فوق الدنيا ونزوله تحتها.
فإنّ السلف لم يفهموا من (إلى) المعنى الثابت للبشر (الانتهاء لغاية مكانيّة تحت مخلوق).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم؛ بل الله منزّه عن ذلك) [١].
وقد قال العلماء في قول حمّاد بن زيد رحمه الله أنّه إمرارٌ للنص على ظاهره، وهو بمعنى أنّ الله تعالى ينزل في علوّه.
قال ابن رجب رحمه الله: (والفرقة الثالثة: أطلقت النزول كما ورد، ولم تتعد ما ورد، ونفت الكيفية عنه، وعلموا أن نزول الله تعالى ليس كنزول المخلوق. وهذا قول أئمة السلف: حماد بن زيد، وأحمد؛ فإن حماد بن زيد سئل عن النزول، فقال: هو في مكانه، يقرب من خلقه كيف شاء) [٢].
ومراد حمّاد بن زيد بمكانه علوه، فالمعنى؛ (هو في علوه، يقرب من خلقه كيف شاء).
فالشارع أثبت العلو.
وأما المكان فمن أثبته لله قصد به العلو، ومن نفاه قصد به المكان المخلوق.
ولم يتوسع حماد بن زيد في استعمال كلمة المكان، فقد أوردها مقابل سؤال؛ (يتحول من مكان إلى مكان؟).
فالتقيّد بالألفاظ النصيّة أسلم.
وأُثر معنى؛ وهو في علوّه عن السلف بنحو عبارة؛ لا يزال فوق العرش، وعبارة؛ لا يخلو منه العرش.
وكره بعضٌ عبارة؛ لا يخلو منه العرش، وهو الأسلم، لأنّ كلمة يشغل لم ترد، وهي مفهوم؛ لا يخلو، وإنّما وردت كلمة استوى.
ومن أقرّ عبارة؛ لا يخلو منه العرش، ففي مقام ردّ الشبهات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (والقول الثالث: هو الصواب، وهو المأثور عن سلف الأمة وأئمتها: أنه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو العرش منه، مع دنوّه، ونزوله إلى سماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء به الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول أجسام بني آدم من السطح إلى الأرض بحيث يبقى السقف فوقهم؛ بل الله منزّه عن ذلك) [١].
والعقل لا يحيل إثبات صفة النزول لله تعالى.
ولا يردّها إلا ضعيف الرأي أو مبتدع، قاله ابن راهويه رحمه الله.
فنزول الله تعالى اللّائق به هو نزوله في علوّه، فليس فيه حلولٌ في السماوات ولا نزولٌ تحتها.

دلالة إلى

معنى (ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا) يدنو إلى السماء الدنيا بنزولٍ لائقٍ به.
فألفاظ الأحاديث (ينزل، يهبط، يدنو) يشرح بعضها بعضاً.
فتعلّق (إلى) بالدنوّ يدل عليه ورود النص به.
وهو كتعلّق اللّام وعلى بالخلق والتيسير لا بإنزال القدر في قول الله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ وقوله: ﴿قد أنزلنا عليكم لباساً﴾.
والمعنى؛ خلق لكم بإنزال قدره، ويسرنا عليكم بإنزال قدرنا.
وحذف الفعل هنا كحذف أعني في؛ نحن المسلمين.
والتقدير؛ أنزل قدره فخلق لكم، وأنزلنا قدرنا فيسّرنا عليكم، وينزل ربّنا فيدنو إلى السماء الدنيا.
ففي؛ (ينزل ربّنا إلى السماء الدنيا) معنى النزول والدنوّ إلى السماء الدنيا.
كما أنّ في إنزال الله الأنعام واللباس معنى إنزال قدره ومعنى خلقها وتيسيرها بإنزال قدره.
إذ لابدّ لكلمتي أنزل وينزل من معنىً.
والفرق هو أنّ الفعل أنزل متعدّ، ونزل لازمٌ، ولذا كان الخلق والتيسير بإنزال قدره، والدنوّ بنزوله هو نزولاً لائقاً به سبحانه وتعالى.
قال السعدي رحمه الله: (﴿وأنزل لكم من الأنعام﴾ أي: خلقها بقدر نازلٍ منه) [٣].
وقال الطبري رحمه الله: (﴿يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباساً﴾ يعني بإنزاله عليهم ذلك: خلقه لهم، ورزقه إياهم) [٤].
والمؤمن لا يستقبح ألفاظ النبي ﷺ ولا يفضل غيرها عليها.
أخرج البيهقي عن أبي داود الطيالسي أنه قال: (كان سفيان الثوري وشعبة وحماد بن زيد وحماد بن سلمة وشريك وأبو عوانة لا يحدون ولا يشبهون ولا يمثلون، يروون الحديث لا يقولون كيف، وإذا سئلوا أجابوا بالأثر. قال أبو داود: وهو قولنا. قلت (البيهقي): وعلى هذا مضى أكابرنا) [٥].

النزول بدون حد

القول بأنّ المراد بنزول الله تعالى نزول رحمته حدٌّ للنزول وتحريفٌ للمعنى، وليس صرفاً لنصٍّ عن ظاهره المعتاد.
ونسبته للإمام مالك ضعفها أهل الشأن.
والقول بنزول ملائكته أبعد.
فالملك والرحمة لا يقولان: (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).
وأما معاني النزول والقرب والنظر والإقبال فهي واضحة في النص وتتضمن معنى الرحمة.
ولذا نهى الإمام أحمد عن حد النزول بالعلم.
قال ابن رجب رحمه الله: (وقال حنبل: سألت أبا عبد الله: ينزل الله إلى سماء الدنيا؟ قال: نعم. قلت: نزوله بعلمه أو بماذا؟ قال: اسكت عن هذا، مالك ولهذا؟ أمض الحديث على ما روي بلا كيف ولا حد، إلا بما جاءت به الآثار، وجاء به الكتاب، قال الله: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾ ينزل كيف يشاء) [٢].
وعلى فرض صحّة ما رواه البيهقي بدون سند عن حمّاد بن زيد أنّه قال: (نزوله إقباله) فإنّه لا ينافي ما صحّ عنه من إثبات صفة النزول والدنوّ والاقتراب.
فالإقبال والنظر الخاصّ مضمّن في النزول وسياق الحديث؛ (من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له).

ليس هذا بتأويل

فهم أنّ النظر خاصٌّ في قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَنظُرُ إِلَيۡهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ﴾ ليس بتأويلٍ، لأنّه الظاهر المتبادر للذهن بالبداهة الشرعية والفطرية.
وكذا في قول رسول الله ﷺ: (لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء)، أخرجه البخاري (٥٧٨٣) ومسلم (٢٠٨٥).
فالقرينة البدهيّة تجعل المعنى ظاهراً، لأنّه المتبادر للذهن.
وكذا فإنّ المعنى المؤوّل للكلمة لقرينة في السياق هو معناها الظاهر فيها، لأنّه المتبادر للذهن من معانيها في ذلك السياق [٦].
ولذا فلا يعدّ تأويلاً القول بأنّ على في ﴿قَدۡ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمۡ لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗا﴾ ليست متعلّقةً بالإنزال مع ثبوت معنى الإنزال للقدر، لدلالة الحسّ البدهيّة مع اعتبار دلالة لفظ الإنزال.
فالمعنى أنزل قدره فيسر عليكم.
ومثله تعلٌّق إلى بالدنوِّ والنظر مع ثبوت معنى النزول لله تعالى، فإنّه معنىً ظاهرٌ بالبداهة الشرعيّة والفطريّة مع اعتبار دلالة لفظ النزول وسياق الحديث.
والبداهة الشرعيّة والفطريّة هي تنزيه الله تعالى عن الحلول فيما فوق السماء الدنيا من مخلوقاتٍ والنزول تحتها.
وألفاظ النزول والدنوّ والهبوط يشرح بعضها بعضاً، وورد في السياق معنى النظر الخاصّ.
فالمعنى؛ ينزل فيدنو إلى السماء الدنيا، وينزل فينظر إلى السماء الدنيا.

اختلاف ثلث اللّيالي

لا وجه للاعتراض باختلاف زمان ثلث الليل الآخر من بلد إلى آخر.
فإذا كنّا لا نعرف الزمن المخلوق معرفةً مطلقةً، فمن باب أولى ما يتعلّق منه بأفعال الخالق سبحانه وتعالى.
فمعرفتنا بالزمن نسبيّة؛ بحركة أجسام مخلوقة (الساعات الكونية والمصنوعة).
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: (الزمان مقدار الحركة؛ والحركة قائمة بالجسم المتحرك) [٧].

من أقوال السلف

قول الإمام أبي حنيفة: (ينزل بلا كيف) [٨].
قول الإمام مالك منقولٌ في التالي؛
قول الإمام الشافعي: (القول في السنة التي أنا عليها ورأيت عليها الذين رأيتهم مثل سفيان ومالك وغيرهما الإقرار بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وأن الله على عرشه في سمائه يقرب من خلقه كيف شاء وينزل إلى السماء الدنيا كيف شاء) [٩].
قول الإمام أحمد؛ (قال إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد: «ينزل ربنا عز وجل كل ليلة حتى يبقى ثلث الليل الآخر إلى السماء الدنيا» أليس تقول بهذه الأحاديث؟ قال أحمد: صحيح. قال إسحاق بن راهويه: ولا يدعه إلا مبتدع أو ضعيف الرأي) [١٠].
والنقولات عن السلف كثيرة، وفيما سبق غنية.

العلوّ وكروية الأرض

يمكن بالعلم الحديث بيان إمكان أنّ يكون النظر للأعلى نظرٌ باتجاه العرش، فهو مخلوقٌ.
وذلك لبيان أنّ عقيدتنا لا تتعارض مع العلم التجريبي، لا أن نثبت به ما لا يمكن مشاهدته وتجربته.
فالعقلاء حتى من الكفار يقولون لا تسأل فيم يتمدّد الكون؟ لخروجه عن العلم التجريبي.
لله تعالى العلوّ المطلق.
وإحاطة الله تعلى بخلقه لا تعني أنّ المخلوقات في ذاته سبحانه وتعالى.
قال ابن تيمية رحمه الله: (والربّ سبحانه فوق سماوته على عرشه بائنٌ من خلقه؛ ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته) [١١].
وقال: (بل قد تبيّن أنّه أعظم وأكبر من أن تكون المخلوقات عنده بمنزلة داخل الفلك في الفلك، وإنّها عنده أصغر من الحمّصة والفلفلة ونحو ذلك في يد أحدنا) [١٢] .
فقد نشعر باتّجاه العرش ولا نشعر بالاتّجاه المعاكس له بسبب تردُّداتهما أثناء حركة الأرض.
وهي حركةٌ في مساراتٍ متداخلةٍ مختلفة الاتجاهات حول نفسها، وفي المجموعة الشمسيّة، وفي المجرّة، وفي المجموعات المجريّة الصغرى والكبرى.
ولإحساسنا حدود، فلا نرى تردّدات الضوء العالية كموجات الغاما، ولا نسمع التردّدات الصوتية التي فوق ٢٠ كيلو هيرتز (عشرين ألف مرّة في الثانية).
وقد توسّع علم الفلك بعد صنع مناظير حديثةً أرضيّةً ثم فضائيةً.
وتقدّم أنّ إدراكنا للزمن نسبيٌّ، فكذلك إدراكنا للمكان.
وقد نقل ابن تيمية رحمه الله أقوالاً للسلف في كرويّة السماوات والأرض، وحكى إجماعهم على ذلك.
والعرش كالقبّة بالنص.
وكثيرٌ من النجوم إن لم تكن كلّها تحت السماء الدنيا؛ ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾.
ولا قدرة للبشر على النفوذ من أقطار السماوات والأرض، لقول الله تعالى: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ﴾ بعد قوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ [الرحمن: ٣٣-٣٥].
واللّيل والنهار والشهور بسبب الحركات النسبيّة للأرض والشمس والقمر العاكس لضوئها [١٣].
والشمس تجري، وفي النظريّات الحديثة؛ تدور بسرعة هائلة بمجموعتها حول ثقبٍ أسودٍ في مركز مجرّتنا.
ويقولون بوجود عشرات المليارات من المجرّات في كلٍّ منها مئات الملايين من النجوم.
والمجرّات الكبيرة تدور حول ثقوبٍ سوداء أعظم.
وهذه المجرّات الكبيرة مع أخرى صغيرة تشكّل مجموعاتٍ مجرّيّةٍ عاديّةٍ وكبرى.
وكلّ مجموعة مجرّيّة تدور حول وسط كثيف من الغازات والمادّة المظلمة.
فكلٌّ يدور في اتّجاهاتٍ مختلفةٍ متداخلةٍ وبسرعاتٍ كبيرة.
وسرعات بعضها هائلةٌ لدرجة أنّه لا يمكن كتابتها.
وكلّ ما يتكرّر حدوثه في وحدة زمنيّةٍ تردّد.
ولذا تحسب التردّدات العالية بعدد المرّات في الثانية الواحدة، وهذا معنى كلمة هيرتز التي هي وحدة قياس التردّد.
ومن التردّدات ما يتكرّر بزمن ثابت يسمى period (T) خلال الوحدة الزمنيّة، فيكون تردّد الحدث عكسه (f=1/T).
فإذا كان الحدث يتكرّر بزمنٍ غير ثابتٍ، فيمكن اعتبار المتوسّط، مثل تردّد حافلة ركابٍ على موقفٍ معيّن.
فالاتّجاه المعاكس للعرش قد يمرّ بتردّدٍ لا نشعر به أثناء دوران الأرض في مساراتها المختلفة.
ولتبسيط المعقّد تتمّ تجزئته.
فالتالي مثال تقريبي فقط، فحركة الأفلاك أعقد بكثير، فحركة الشمس مع مجموعتها حول مركز المجرّة ليست دائرية ولا بيضاوية، وتستغرق الدورة الواحدة حوالي ٢٣٠ مليون سنة أرضية.
فبأخذ مقطع واحد دون اعتبار تعدّد المسارات وميلاناتها نعتبر دورانان لكرة تحت قبّة.
الدوران الأوّل حول محورها بدون ميل عن القبّة، والثاني حول مركز تحت القبّة.
فلو اعتبرنا المسار السفلي فقط للدوران حول المركز المنفصل عن الكرة، فيمكن تصوّر مقطع (لقطة موضعيّة) يدور فيه الجانب السفليّ للكرة حول نفسها في نفس اتّجاه دورانها حول المركز الذي فوقها.
ومحصّل السرعة في هذه الحالة هو مجموع السرعتين.
وفي هذه الحالة يكون دوران الجانب العلويّ للكرة حول نفسها عكس دورانها حول المركز المنفصل عنها.
فيكون محصّل السرعة هو الفرق بين السرعتين.
وبهذا يكون التردّد في الاتّجاه المعاكس للقبّة أكبر من التردّد الذي في اتجاهها.
فإذا اعتبرنا تداخل المسارات وميلاناتها، فيمكن أن يحدث في المسار العلويّ للدوران حول المركز المنفصل نفس ما حدث في السفليّ منه، وذلك بنحو انعكاسه بسبب ميلاناتِ مساراتٍ أكبر منه تحويه داخلها.
وقس عليه لقطات موضعية جانبية.
أذكر في تجربةٍ أجريناها في معمل الإلكترونيات بجامعة متروبيليا للعلوم التطبيقيّة أننا كنا نرى تردد الضوء في أقلّ من عشرين هيرتز (عشرين مرّة في الثانية) ولا نراه في أكثر من ذلك.
فإذا افترضنا أنّ الشعور بتردّد الحركة مثل الشعور بالضوء، فأفترض التالي؛
إذا كان الزمن المجمل للاتّجاهين المتعاكسين ٢٤٠ ميلّي ثانية، وكان الاتّجاه المعاكس للقبّة يمرّ خلال ٤٠ ميلّي منها، والباقي (٢٠٠ ميلّي ثانية) في اتّجاه القبّة، فإنّ التردّد هو العكس.
فيكون تردّد الاتّجاه المعكاس للقبّة عكس زمنه (1/40ms)  وهو ٢٥ هيترز (٢٥ مرةّ في الثانية) وتردّد اتّجا القبّة هو (1/200ms) وهو ٥ هيترز (٥ مرّات في الثانية).
يؤكّده ضخامة العرش نسبةً لغيره.
ومع ضخامة هذه الأفلاك فإنّ الله تعالى يطوي السماوات بيمينه يوم القيامة.
فماذا يسوى الإنسان الذي يطغى ويتكبّر؟
قال الله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٣ ذو الحجة ١٤٤٦هـ، ١٩ يونيو ٢٠٢٥ش
لوند، السويد.

مصادر ومراجع

١. مجموع الفتاوى (ج٥/‏ص٤١٥) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٢. فتح الباري (ج٦/ص٥٣٥) - ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥هـ).
٣. تيسير الكريم الرحمن (ج١/ص‏٧١٩) - عبد الرحمن السعدي (ت ١٣٧٦هـ).
٤. جامع البيان (ج١٠/ص‏١١٩) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠هـ) - ط هجر.
٥. السنن الكبرى (ج٣/ص‏٣) - أبو بكر البيهقي (ت ٤٥٨هـ) - ط العلمية.
٦. إنها حرفية لا ظاهرية.
٧. مجموع الفتاوى (ج٦/‏ص٥٨٨) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
٨. الحجة في بيان المحجة (ج٢/ص‏١٢٨) - إسماعيل التيمي الأصبهاني (ت ٥٣٥هـ).
٩. العلو للعلي الغفار (ج١/ص‏١٦٥) - شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨هـ).
١٠. الإبانة الكبرى (ج٧/ص‏٢٠٥) - ابن بطة (ت ٣٨٧هـ).
١١. مجموع الفتاوى (ج٥/‏ص٢٦٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٢. مجموع الفتاوى (ج٦/‏ص٥٨٢) - ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ).
١٣. دوران الأرض حول محورها.
١٤. نظرية الانفجار الكبير.

لولا كذا لكان كذا

لا يجوز قول "لولا كذا لكان كذا" في مقام التحدث بالنعم خلافاً لمقام بيان السبب، وقول "لولا الله وعمرو" أعظم لما فيه من جمع بين الله وخلقه بحرف الواو.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
عبارة "لولا كذا لما كان كذا" ليس فيها فقط نسبة الفضل لصاحب فضل من المخلوقات، بل فيها قطع سبب الفضل المقصود عن الغير، هذا مع أن هذا المعنى قد لا يكون مراداً لقائلها، وإرادة ما دونه قد يكون من الشرك، والشريعة جاءت بسد ذرائع الشرك.
وعبارة "لولا كذا لكان كذا" ليست بعيدة عن ورود هذه المعاني على نفس قائلها عندما يقولها في مقام التحدث بالنعم.
والمتفضل المنعم هو الله سبحانه وتعالى، وهو مسبب الأسباب، والأسباب لا تستقل بنفع ولا ضر بذاتها.
ولذا قال العلماء؛ ترك الأسباب قدح في العقل والشرع والاعتماد على الأسباب شرك.
قال الله جل ثناؤه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [آل عمران: ١٢٦].
والأسباب المادية قد تكون في الواقع جزء السبب، وثمة أسباب شرعية لا تدرك بالعقل والحس إلا بعد الخبر [١].
ما ورد من نهي عن مثل قول "لولا الكلب لأتانا اللص" هو بسبب أنه في مقام التحدث بالنعم وذكر فضل المتفضل بها، وذلك لكيلا ينسب الفضل لغير الله سبحانه وتعالى، فهو من الشرك الخفي.
روى الطبري في تفسيره بسنده؛ (عن عون بن عبد الله بن عتبة ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ قال: إنكارهم إياها، أن يقول الرجل: لولا فلان ما كان كذا وكذا، ولولا فلان ما أصبت كذا وكذا) [٢].
وأما قول؛ "لولا كذا لكان كذا" في مقام بيان السبب ومن غير الجمع بين فعل الله وفعل المخلوق بالواو، فهو جائز.
فعن العباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه أنه قال للنبي ﷺ: (ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: «هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار») [٣].
والأشد من قول "لولا كذا لكان كذا" في مقام التحدث بالنعم؛ الجمع بين فعل الله تعالى وفعل المخلوق بواو العطف.
فلا يقال؛ لولا الله وكذا، فهذا من الشرك الأصغر، وإنما يقال؛ لولا الله ثم كذا.
عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: (لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله، ثم شاء فلان) [٤].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قال رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت، قال: «جعلت لله نداً؟! ما شاء الله وحده») [٥].
روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ (في قوله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ قال: الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء، في ظلمة الليل. وهو أن يقول: والله، وحياتك يا فلانة، وحياتي. ويقول: لولا كلبه هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت، وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلان، فإن هذا كله به شرك) [٦].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (أما قول الآخر: «لولا فلان لما كان كذا»، فيتضمن قطع إضافة النعمة إلى من لولاه لم تكن، وإضافتها إلى من لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً، وغايته أن يكون جزءاً من أجزاء السبب، أجرى الله نعمته على يديه.
والسبب لا يستقل بالإيجاد، وجعله سبباً هو من نعم الله، فهو المنعم بتلك النعمة، وهو المنعم بما جعله من أسبابها، فالسبب والمسبب من إنعامه.
وهو سبحانه قد ينعم بذلك السبب، وقد ينعم بدونه، فلا يكون له أثر، وقد يسلبه سببيته، وقد يجعل لها معارضاً يقاومها، وقد يرتب على السبب ضد مقتضاه، فهو وحده المنعم على الحقيقة الحقيقة
) [٧].
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الجمعة ١٧ ربيع الأول ١٤٤٦هـ، ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٤م.

مصادر ومراجع

[١] غلاء الأسعار، الأسباب والعلاج.
[٢] تفسير الطبري جامع البيان - ط دار التربية والتراث (ج١٧/ص٢٧٣) - أبو جعفر ابن جرير الطبري (ت ٣١٠).
[٣] أخرجه البخاري (٣٨٨٣) واللفظ له، ومسلم (٢٠٩).
[٤] أخرجه أبو داود (٤٩٨٠)، والنسائي في ((السنن الكبرى)) (١٠٨٢١)، وأحمد (٢٣٢٦٥) واللفظ له، الألباني؛ صحيح، صحيح الجامع (٧٤٠٦).
[٥] الأدب المفرد - ت عبد الباقي (ج١/ص٢٧٤) - البخاري (ت ٢٥٦)، الألباني؛ صحيح، صحيح الأدب المفرد (٦٠١).
[٦] تفسير ابن أبي حاتم (ج١/ص٦٢) - ابن أبي حاتم (ت ٣٢٧).
[٧] شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل - ط عطاءات العلم (ج١/ص١٢٥) - ابن القيم (ت ٧٥١).

أثر غربة السنة ونشأة الحركة

المحتويات

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن ولاه.
أثر زمن نشأة السعودية الثالثة وأنصار السنة في مصر والسودان، وأثر بلد وزمن نشأة حركة الإخوان المسلمين، وزلات خدام السنة زمن غربتها.
يخطئ من يظن أنّ أول من أنشأ تنظيماً دعويّاً قطريّاً بطريقة المركز والفروع هم الإخوان المسلمون [١].
أسس الشيخ محمد ثناء الله الأمرِتْسَري رحمه الله جمعيّة أهل الحديث في شبه القارة الهنديّة سنة ١٩٠٦م (١٣٢٤هـ).
ضم الملك عبدالعزيز رحمه الله الحجاز إلى نجد عام ١٩٢٦م، وكان قد استولى على الرياض عام ١٩٠٢م، ووحد المملكة عام ١٩٣٢م.
أسس الفقي رحمه الله جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر سنة ١٩٢٦م.
أسس محمد إلياس الكاندهلوي رحمه الله جماعة التبليغ سنة ١٩٢٦م.
أسس حسن البنا رحمه الله جماعة الإخوان المسلمين سنة ١٩٢٨م.
أسس الشيخ عبدالحميد بن باديس رحمه الله جمعية العلماء المسلمين الجزائريين يوم ٥ مايو سنة ١٩٣١م.
تأسست جماعة أنصار السنة المحمدية بالسودان سنة ١٩٣٩م.
أسس أبو الأعلى المودودي رحمه الله الجماعة الإسلامية في القارة الهندية سنة ١٩٤١م.
دخلت الدعوة السلفية السودان عن طريق الشيخ عبدالرحمن بوحجر الجزائري حوالي عام ١٩١٠م في مدينة النهود.
انتقل الشيخ عبدالرحمن بوحجر من السودان إلى مصر بعد أن طرده الإنجليز من السودان بسبب فتواه بحرمة القتال في صفوف الجيش الإنجليزي ضد سلطنة دارفور المسلمة، ثم انتقل من مصر إلى السعودية.
بعد تأسيس جماعة أنصار السنة ووضع نظام أساسي لها؛ وضعت على دار أمينها العام عمر يوسف أغا لوحة مكتوب عليها المركز العام لجماعة أنصار السنة المحمدية.
وقد ضمت الجماعة السلفية في السودان حينها عدداً قليلاً كانوا يعرفون بأسماء مختلفة؛ كجماعة حسون في العاصمة والوسط، وجماعة التوحيد في بورتسودان.
وفي سنة ١٩٤٧م استأجرت الجماعة داراً بحي أبو روف قريباً من نهر النيل.
ولد الشيخ الفقي رحمه الله تعالى عام ١٨٩٢م.
ولد حسن البنا رحمه الله تعالى عام ١٩٠٦م.
فكان عمر الفقي ٣٤ سنة عندما أسس أنصار السنة، وكان عمر حسن البنا ٢٢ سنة عندما أسس الإخوان المسلمين.
وسمعت الشيخ الهدية رحمه الله يقول بأن تاريخ ميلاده في شهادة الميلاد التي يظن أنها تسنين عام ١٩٠٩م، بفارق ثلاث سنوات من ميلاد حسن البنا رحمه الله.
كان من كبار علماء أنصار السنة في مصر؛ الشيخ المحقق الفقي، والشيخ المحدث أحمد شاكر، والشيخ الفقيه عبدالرزاق عفيفي الذي تولى عضوية لجنة الإفتاء وهيئة كبار العلماء في السعودية فيما بعد، وكانوا أعضاء في هيئة كبار علماء أنصار السنة.
وفضل دعوة التوحيد والسنة - والفضل لله وحده - يعود في العصر الحديث لإمام الدعوة ومجدد الدين محمد بن عبدالوهاب وإمام نجد والحجاز محمد بن سعود، رحمهما الله.
غير أن دعوة التوحيد والسنة وصلت السودان عن طريق عالم جزائري أولاً، ثم استفادوا من علماء مصر ثانياً ثم استفادوا بعد ذلك من علماء السعودية والشام (الألباني) وعلماء الهند (صديق حسن خان) واليمن (الشوكاني والصنعاني).
قال الشيخ الهدية رحمه الله: (علاقتنا بعلماء السعودية قديمة، ولم نعرف أو نسمع بالشيخ محمد بن إبراهم آل الشيخ رحمه الله إلى أن دعاني الشيخ عبدالله الملحوق وعرض علي خطاباً كتبه سوداني لمفتي عام السعودية قال فيه: (الهدية والشيخ ناجي هم حراس الدعوة السلفية في السودان)).
وقد كان عامة السلفيين في السودان فضلاً عن خاصتهم يقرؤون مقالات وكتب علماء مصر؛ مجلة التوحيد لأنصار السنة، مجلة المنار لرشيد رضا، وكتب درويش والوكيل وشاكر والفقي، وكتب علماء اليمن، وكتب علماء الهند، وكتب محمد بن عبدالوهاب وجميل زينو والألباني، ثم من بعدهم.
وقد استفادت السعودية الثالثة من علم وخبرة علماء أنصار السنة بمصر الإدارية في المجالات الشرعية كالجامعات الإسلامية ونحوها من المؤسسات الحديثة، وأذكر منهم؛
١. الشيخ عبد الظاهر أبو السمح إمام سابق للحرم المكي، ومؤسس دار الحديث الخيرية بمكة المكرمة.
٢. الشيخ عبد الرزاق عفيفي عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية سابقاً.
٣. الشيخ عبد الرزاق حمزة عضو هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية سابقاً.
٤. الشيخ عبدالرحمن بوحجر الجزائري مدرس سابق بالمسجد الحرام، وهو من أدخل السلفية في السودان.
وربما يكون اسم هيئة كبار العلماء بالسعودية مستنسخ من اسم هيئة كبار العلماء في جمعية أنصار السنة في مصر.
ثم استفادت الأجيال التي تلت الرعيل الأول بكثير في السودان من تلاميذ الشيخ الألباني رحمه الله والشيخ مقبل الوادعي رحمه الله، وذلك لفارق العمر وخلافة العلم.
وممن استفاد من علماء مصر الشيخ عبدالحميد بن باديس رحمه الله، وله فضل - والفضل لله وحده - في الدعوة السلفية في الجزائر، ويعده الجزائريون من رموزهم الوطنية، ومن شيوخه الشيخ الفقي والشيخ محمد رشيد رضا رحمهما الله.
ولا تصح تهمة إغراء السلفيين بالمال، فقد ذكر الشيخ الهدية رحمه الله تعالى ما شاهده من فقر في الحجاز، وكان قد ذكر في لقاء تلفزيوني أن أول حجة له كانت سنة ١٩٤٦م.
كان أدرى الناس بحركة الإخوان المسلمين في بداياتها أهل بلد نشأتها.
وقد استفاد التويجري رحمه الله معرفة حال جماعة التبليغ من أهل الحديث في الهند، كما أشار إليه في مقدمة كتابه.
ولاستفادة مشايخ أنصار السنة في السودان من علماء مصر أولاً، فقد كانت معرفتهم بالحركيين قديمة.
وقد دخلت جماعة الإخوان السودان منذ بدايات نشأتها، وكان عملها فيه معلناً لأن النشاط الحزبي فيه مسموح به.
وأذكر أنني كنت أسمع في بداية الثمانينات الشيخ الهدية رحمه الله يقول عن الخلاف مع الإخوان: "خلافنا معهم أصولي"، وكنت أسمع وقتها الشيخ أبوزيد رحمه الله يقول عن الإخوان المسلمين: "الفرق بيننا وبينهم فرق الليل والنهار، والبعد بيننا وبينهم بعد المشرقين".
وهذه مجرد حدة في العبارة، فلم يكن الشيخ أبوزيد غالياً في الحكم على الحركيين.
ولعله أخذ حدة التعبير عن شيخه الفقي، فيقال أن الفقي كان يقول للإخوان؛ لكم دينكم ولي دين، والمقصود النهج وليس دين الإسلام لأنه لم يكن يكفرهم.
وقد تتلمذ أبوزيد على الفقي لمدة ١٧ سنة (١٩٤٢م - ١٩٥٩م).
وسمعت الشيخ الألباني رحمه الله في إحدى أشرطة الهدى والنور يقول ما معناه: (زرت مصر فقابلت الفقي، فسألته عن الإخوان، فقال لي: الخوان؟ فاستعظمتها، وقلت له إن كنت تقصد إخوان مصر فأنت أدرى بهم، وأما إخوان سوريا فهم أهل سنة).
وقد أدرك الشيخ الألباني حال إخوان سوريا فيما بعد.
ولسرية تنظيم الإخوان وعدم السماح بالنشاط الحزبي في السعودية؛ كانت معرفة أهلها بالحركيين محدودة.
ولعل من أسباب تسوية فتاوى علماء السعودية القديمة بين الإخوان وأنصار السنة وأهل الحديث ما وجدوه في مقالات الإخوان من ذم للتعصب المذهبي والخرافات.
ففي زمن ضعف الدعوة ووصفها بالوهابية والخامسية قد يضعف الانتباه إلى أن غرض بعضٍ من ذم التعصب المذهبي الزيادة في توسيع باب الاجتهاد أو التحرر من نهج السلف.
وكان الشيخ ربيع من أوائل من تحدث من أهل السعودية في نهج الإخوان وتنظيمهم السري وطرقهم الخفية، لأنه كان في تنظيمهم لإحدى عشرة سنة.
في الطبعة الأولى التي كانت بتقريظ الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق اليوسف من كتاب "منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل"؛ قال الشيخ ربيع عن سيد قطب: (رجع إلى عين منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله).
وقد حُذفت هذه العبارة وحُذف تقريظ اليوسف من طبعات لاحقة.
تعجبتُ وقتها في مدح سلفي سيد قطب بهذه الطريقة، فهو لم يرجع لدعوة التوحيد والسنّة، ولعلي قرأت الكتاب عام ١٤٠٨هــ - ١٩٨٨م، ولم أسمع قبل ذلك بالشيخ ربيع.
وكان المدخلي في تنظيم الإخوان غير مدرك أمرهم في وقت كانت دعوة مشايخنا في السودان متمايزة عنهم مدركة حالهم [٢].
العلماء يعذرون أهل الفضل من خدام السنة وقت غربتها أكثر من غيرهم إضافة لاعتبار عصرهم ومصرهم ومن تتلمذوا عليهم [٣].
بسبب تتلمذ الشيخ الفقي على الشيخ رشيد رضا رحمهما الله، فقد تأثر به في إنكار السحر والعين وتلبس الجني بالإنسي.
ولم يبدع العلماء الفقي رغم أن بعضهم كرروا نصحه، حتى وصفه أحمد شاكر بالمتعالم في رد عليه، ولكنهما سرعان ما تصالحا، وظلا يعملان معاً في الجماعة.
ولم يبدع العلماء كذلك الشيخ رشيد رضا رحمه الله بسبب هذه الزلات وغيرها.
قال الشيخ الألباني عن الشيخ رشيد رضا رحمهما الله: (هذا الرجل الذى فى اعتقادى له المنة على كثير من أهل السنة فى هذا الزمان بسبب إشاعته لها ودعوته إليها فى مجلته المعروفة بالمنار حتى وصل أثرها إلى بلاد كثيرة من بلاد الأعاجم المسلمين، لذلك أرى هذا فيه غلو من الكلام لاينبغى أن يصدر من مثل أخينا مقبل) [٤].
ومن اعتبار الفضل وخدمة السنة زمن غربتها إعذار إمام الدعوة ومجدد الدين محمد بن عبدالوهاب رحمه الله في إطلاقه القول بأن من نواقض الإسلام مظاهرة المشركين على المسلمين [٥].
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بين، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبراً أم قياساً؟ قال قلته بما لا يسع مسلماً علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب، فقيل للشافعي: فاذكر السنة فيه، فذكر حديث حاطب رضي الله عنه) [٦].
وقد نص العلماء على أن زلة العالم مما يهدم الدين، وجمعوا بين اعتبار فضل أهل الفضل والتحذير من زلاتهم.

 رجوع إلى قائمة المحتويات

لعل أول من أشاع مصطلح السلفية هو رشيد رضا ثم الألباني، والتمايز باسم مقبول لا يضاد وحدة أهل القبلة.
كلام ابن تيمية رحمه الله في الانتساب للسلف يدل على أن ثمة من كان يكرر النسبة إليهم على وجه قريب من المصطلح المعاصر.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وإن أردت بالتستر؛ أنهم يجتنون به ويتقون به غيرهم ويتظاهرون به حتى إذا خوطب أحدهم قال: أنا على مذهب السلف - وهذا الذي أراده والله أعلم - فيقال له: لا عيب على من أظهر مذهب السلف وانتسب إليه واعتزى إليه بل يجب قبول ذلك منه بالاتفاق) [٧].
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: (واعلم أنه ليس في العقل الصريح ولا في شيء من النقل الصحيح ما يوجب مخالفة الطريق السلفية أصلاً) [٨].
ثم وجدت ما توقعته بالبحث، فقد استعمل الذهبي (ت ٧٤٨) رحمه الله لفظة السلفي، فبسبب تعليق وردني بحثت بكلمة السلفي بقيد الذهبي للمؤلف في تطبيق تراث.
فكان أكثر ما ظهر لي من نتائج كلمة السِّلَفي (بكسر السين) في ترجمة أبي طاهر السِّلَفي.
ثم كتبت سلفي و سلفياً فوجدت أن الذهبي استعملها في ترجمة أعلام، من ذلك ما يلي:
قال في ترجمة شرف الدين أبو العباس النابلسي: (سلفي النحلة، ذكر لنا الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه قال قبل موته بثلاثة أيام: اشهدوا أني على عقيدة أحمد بن حنبل) [٩].
وقال في ترجمة ابن الصلاح: (وكان سلفيّاً حسن الاعتقاد كافّاً عن تأويل المتكلمين) [١٠].
وقال في ترجمة السِّلفي (بكسر السين) (فالسِّلَفي مستفاد مع السَّلفي -بفتحتين- وهو من كان على مذهب السلف) [١١].
وكنت أظن أن أول من أشاع استخدام لفظ السلفية بتكرار واضح (مصطلح) هو الألباني رحمه الله، فقال لي أحد إخواننا أن الألباني ربما  أخذها عن رشيد رضا وأن سبب ظنه هذا أمران هما؛
١. أن رشيد رضا كان يكررها في مجلته المنار.
٢. أن حركة رشيد رضا كانت تسمى الحركة السلفية عند الكتاب المصريين.
فبحثت بكلمة السلفية في مجلة المنار على تطبيق تراث، فكان مما وجدت التالي؛
قال الشيخ رشيد رضا رحمه الله تعالى: (وأما الجمعية السلفية الحوامدية فهي تمتاز باشتغال رئيسها بكتب الحديث والدعوة إلى الاهتداء بها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأدلة كتب السنة، فأعضاؤها يتناهون عن جميع البدع والمنكرات في الدين، وينكرون على كل من يزعم أن البدعة الدينية تنقسم إلى حسنة وسيئة، ولا يقبلون قول أحد من الأحياء ولا الميتين في تحسين بدعة ولا تأويل سنة مما اهتدى به السلف، وهم لم يتخذوا جماعتهم عصبية ولا كتب مؤسسها مذهباً يتعصبون له كالسبكية، بل يقبلون نصيحة كل من ينصح لهم بعلم ويقبلونها. وقد جربت مرشدهم وداعيتهم بالنصيحة فألفيته يقبلها مغتبطاً مسروراً داعياً) [١٢].
وجاء في ترجمة كاتب مقال - لعل المترجم هو رشيد رضا - : (الشيخ محمد عبد القادر الهلالي وهو عالم سلفي مستقل لا يتعصب لمذهب من المذاهب مطلقاً) [١٣].
وقال رشيد رضا: (مجموع تسعة كتب ورسائل سلفية) [١٤].
وقال في ترجمة الشيخ أبو بكر خوقير: (وهو لم يتعرف إلى الملك عبد العزيز آل سعود إمام السلفيين ولم يطلب منه مساعدة ولا وظيفة على كونه أكبر علماء السلفيين وفقهاء الحنابلة في الحجاز) [١٥].
ومما جاء في خطاب موجه لرشيد رضا؛ (وقلت لهم بأني سأسعى لإصلاح هذا الشأن بواسطة أكبر مصلح في العالم الإسلامي ومحبوب لدى الحكومة السلفية، ومسموع الكلمة وهو الأستاذ محمد رشيد رضا) [١٦].
ويجب تمايز أتباع السلف عن غيرهم بالاسم والاجتماع الخاص، سواء باسم السلفيين أو باسم أهل السنة والجماعة.
هذا مع وجوب اجتماع أهل القبلة بطاعة رئيس البلاد المسلم (الذي يجب أن يكون منتخباً) المقيم لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة في المنشط والمكره.
فإذا تغلب رئيس البلاد بتحكمه في مفاصل الدولة، فالسلفيون لا ينزعون يداً من طاعة درءً للأضر وحفظاً للبيضةودرءً لاستغلال الأعداء الصراع الداخلي.
فهم يتنازلون حتى عن بعض الحق الذي يلزم في الأصل التمسك به لأجل الوحدة الوطنية عامة ووحدة أهل القبلة خاصة (لا، ما أقاموا فيكم الصلاة).

 رجوع إلى قائمة المحتويات

مقصد رشيد رضا بعبارة نتعاون ونعذر ليس مثل مقصد تلميذه حسن البنا، ولابد للسلفيين من اجتماع خاص لا يضاد اجتماع أهل القبلة.
العبارة المنسوبة لحسن البنا؛ "لنجتمع فيما اتفقنا فيه وليعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه"؛ هي عبارة شيخه رشيد رضا.
قال رشيد رضا في إطار رده على الشيعة؛ (وأما رأيي في الاتفاق فهو قاعدة المنار الذهبية التي بيناها مراراً وهي؛ "أن نتعاون على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه") [١٧].
ويدل على أنه لم يقصد السكوت عن انحرافات الشيعة قوله في الصفحة التالية للكلام السابق: (هذا، وإننا لا نعرف أحداً من علماء أهل السنة المتقدمين ولا المعاصرين يطعن في أحد من أئمة آل البيت عليهم السلام، كما يطعن هؤلاء الروافض في الصحابة الكرام، ولا سيما أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وفي أئمة حفاظ السنة كالبخاري ومسلم، وكذا الإمام أحمد إمام السنة وشيخ كبار حفاظها وشيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ الذهبي وابن حجر وغيرهم، فإنهم يعدونهم من النواصب لعدم موافقتهم لجهلة الروافض).
وهذا مما يؤكد أنه قصد بالتعاون والإعذار؛ التعاون في الخير المتفق عليه والإعذار الأخروي في المختلف فيه، وليس السكوت عن الخطأ خشية الفرقة.
فهي دعوة للتعايش السلمي ونبذ قتال الفتنة والغلو، ولكنها دعوة تتضمن دعوة الشيعة عموماً بالتي هي أحسن إلى منهج الحق والعدل والذي هو منهج أهل السنة والجماعة.
فلابد لأهل السنة والجماعة من اجتماع خاص وتمايز عن أهل البدع والجماعات التي داخلتها البدع والأهواء.
والتمايز لا يضاد توحد أهل القبلة واجتماعهم.
فالأهم في الاجتماع والتعاون بين أهل القبلة هو في طاعة رئيس البلاد المسلم المقيم لأصل الدين (الشهادتين والصلاة) في المنشط والمكره.
وأما مؤسس جماعة الإخوان المسلمين؛ فقد ركز على؛ إعادة أيام العزة، وتوحيد المسلمين على الدين قبل الأوطان، وطرد المستعمرين، ومحاربة الغزو الثقافي الحديث دون القديم (ما نتج من ترجمة كتب اليونان والتشيع والخروج بسبب الزنادقة والمنافقين).
فأهمل ما عدا ذلك مهما كان مهماً، وصرّح بذلك في كلماته وكتبه، فحرص على التجميع بين أهل السنة والمبتدعة فيما لا يمكن اجتماعهم فيه (مثل الجماعات الدعوية والسياسية)، واغترَّ بفكرة التقريب بين السنة والشيعة.
فقد ركز مؤسس جماعة الإخوان المسلمين على السياسة وكأنها غاية لا وسيلة، ودعا إلى إعادة الحكم بالإسلام مجملاً مع جهلٍ بأن أولى الواجبات في الحكم بالإسلام؛ الدعوة إلى الشهادتين ثم إقامة الصلاة.
ومسائل الإيمان والتوحيد التي خالف فيها أهل البدع داخلة في العناية بالشهادتين.
والله تعالى أعلم.
عمر عبداللطيف محمد نور
لوند، السويد
الأربعاء ٢٩ جمادى الأولى ١٤٤٥هـ، ١٠ يناير ٢٠٢٤م.

المراجع

تنسيقيّة لنصر السنة المحمديّة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه الغر الميامين.
• كلمة نصرٍ هنا صحيحةٌ لغةً؛ ﴿وكان حقّاً علينا نصر المؤمنين﴾.

ما هي؟

• لجنة مقترحة.
• يُدعى للانضمام لها ممثّل أو ممثّلان عن كلّ مجموعةٍ دعويّةٍ معتدلة.

هدفها

١. تنسيق جهود المجموعات الدعوية.
٢. بحث المسائل المختلف فيها على نحو هذا المتن.
٣. توحيد الصفوف، فصحة النهج سبب الوحدة.
٤. التمايز عمن يحزب على آراء مبتدعة.
٥. التمايز عمن يفرق بغير الأصول الجلية كمجرد الزلل [١].

المتن المقترح

ذم الحزبية

• لا فرق في ذم التحزب بين ما لو كان لجماعات هرمية (ذات مركز جامع لأفرع) أو غير هرمية (بين دورها تطاوع وتنسيق) [٢].
• فالحزب هو الجماعة التي يعقد على مميزاتها ولاء وبراء لتعارض مصالح ونحوه.
• لقول الله تعالى: ﴿ومن يتولّ الله ورسوله والذين آمنوا فإنّ حزب الله هم الغالبون﴾.
• والولاء يكون بسبب تمسك بحق بين أو تعصب لباطل أو جنس أو رأي ونحوها.
• في الآية معنى البراء لحصر الولاء بسابقتها؛ ﴿إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا﴾، لأن مصلحة الدين تتعارض مع ولاء الكفار.
• وفي كل تجمع ديني أو دنيوي خصوص صلةٍ ومحبة وتناصر من غير استلزام براءٍ من مخالف.
• والجماعة تطلق على المتشاكلين في مثل الرأي والنسب والعقيدة، ولا تستلزم براءً من غيرها.
• فكل حزب جماعة، وليست كل جماعة حزباً.
• فأصل معنى الحزب في اللغة من القسمة والتجزئة، كتحزيب القرآن.
• وأمّا أصل معنى الجماعة في اللغة، فمن الإضافة وتأليف المتفرق.
• ولذا يقال الحزبية في ذم العصبية، ولا يقال الجماعية [٢].
• وفي القرآن إطلاق الحزب على وجه المدح على مجموع الأمة المسلمة بخلاف تحزيبها (تقسيمها).
• فتحزيب الناس يكون إما بسبب تمسك بحق أو تعصب لباطل.
• وتحزيب الحزب الواحد (الأمة) سياسياً من التعصب المنهي عنه.
• وإجماع أهل بلدة ليس بإجماع، وكذا إجماع علماء بأعيانهم، واتباع العلماء واجب، وأما تقليد أعيان في مسائل بعينها فهو من باب الأولى، وليس لمقلد أن يلزم غيره بما قلد فيه [٣].

الولاء الشرعي

• هو كل اقترابٍ معنوي أو حسي له أثرٌ في الاستقامة على الدين أو نصرته [٤].
• تعريفه بركنيه (النصرة والمحبة) يُربك فهمه.
• معاونة كفارٍ على المسلمين كفر مُحتمل.
• القول بأنها كفر بيّن من الزلات [٥].
• ويجب التحذير من عقد ولاء وبراء على هذا القول.

الرفق والشدّة

• الأصل في الدعوة والنصح الرفق [٦].
• والأصل في الجهاد الغلظة والشدة.
• ودفع ظلم المعاندين من جنس الجهاد.
• وفي سائر الأمور الرفق أفضل ومرجح.
• وليس من الشدة السب والسخرية والبذاء.

العذر بالجهل

• لا يعذر الخارج عن مجمل الإيمان بالجهل في أحكام الدنيا، كالبوذي.
• وينتفي مجمل الإيمان باللازم الجلي البدهي، كاعتقاد أن كل ما في الكون هو الله تعالى [٧].
• يعذر بالجهل في مفصل الإيمان، كالسجود لمخلوق وتقريب القرابين له ليشفع في صلاح الدنيا أو الآخرة [٨].
• العذر بالجهل آكد في غير مسائل التوحيد.

تبديل الشرع

• تسنين (تقنين) ما يخالف الشرع ليس تشريعاً، وهو كفرٌ محتمل [٩].
• ويشترط الاستحلال في التكفير به وبسائر الذنوب التي دون الشرك والكفر الصريح.
• والاستحلال يتضمّن اعتقاد الصلاح.
• ولا يكفر بالمحتمل من الشرك والكفر إلا بالتحقق من الاعتقاد كالاستحلال.
• القول بأن التقنين العام كفر بيّن من الزلات.
• ويجب التحذير من جعله أصلاً يوالى عليه ويعادى.
• مخالفة الشرع بتقنين عام أعظم إثماً وإفساداً من مخالفته في وقائع.
• والتشريع هو وضع ما يتخذ نهجاً صالحاً (يُعتقد صلاحه).
• وكلما تعلقت المخالفة التشريعية بالأصول كلما كانت أغلظ [١٠].
• فتحليل زواج المتعة مخالفة في فروع المعتقد.
• وجحد وجوب الزكاة مخالفة في أصول المعتقد، لأنّ الزكاة من أركان الإسلام.
• وتجويز عبادة الشفعاء شرك في التشريع أغلظ من جحد وجوب الزكاة، لنقضه الركن الأول [١١].
• وتجويز دعاء المخلوق أغلظ شرك في التشريع.
• فالشرك الأكبر دركات متفاوتة، وكذا الكفر الأكبر.
• العلمانية كفر بيّن.
• الفصل العملي للدين عن الدولة كفر مُحتمل.
• وتعلقه بالعقيدة يشبه الشرك المحتمل للأصغر والأكبر، كالحلف بمخلوق والتمائم والتبرك بآثار الصالحين.
• ولكن الفصل العملي للدين عن الدولة يخرج علاقتها بالناس عن كونها عقداً على الإسلام إذا تضمن الفصل ترك رعاية أصل الدين؛ الشهادتين والصلاة، ما لم تدلّ القرائن على أن إعلان هذا النهج تمويه لاتقاء شر داخلي وخارجي [١٢].

الخروج والإنكار باليد

• كفر الحاكم أو عدم إقامته أصل الدين لا يستلزمان جواز الخروج.
• ضرر الخروج المسلح راجح في ظروف عصرنا.
• ضرر الثورات راجح غالباً، ومآلها النادر إلى أفضل لا يُعرف بيقين ولا غالب ظن [١٣].
• كثيرٌ من وسائل تقويم الأنظمة المعاصرة محرّمة، ومنها ما قد يحرم أيام الثورات والفتن [١٤].
• الإنكار باليد خاص بمن له ولاية [١٥].

العمل السياسي

• صار العمل السياسي مصطلحاً للسعي الحزبي للسلطة، وهذا خطأ [١٦].
• والاضطرار إليه منتفٍ بالقدرة على بديل شرعي، فإن لم يكن، فهو غير مقدور عليه مع انتشار الجهل والهوى في الناخبين والأسلميين (دعاة أسلمة الحياة).
• ولذا فإن ضرره إما راجح أو يؤول إليه بعد رجحان مصالح (فقاعة ماء).
• والقول بجوازه من الزلات.
• فيجب التحذير من جعله أصلاً يوالى عليه ويعادى.
• من الإصلاح السياسي المشروع في ظروفنا إنشاء جماعة نصح سياسية لا تسعى لسلطة [١٧].

الموقف من المخالف

• معاونة مبتدعة أو كفار على خير تكون باسمه لا باسم تعاون الطوائف وأهل الأديان [١٨].
• المبتدع هو من خالف بأحد خمسة أمور [١]؛
١. أصل ناقض لأحد أركان الإيمان أو الإسلام؛ كأصل القدر أو أن دعاء المخلوق شرك.
٢. كلي كإجماع الصحابة.
٣. جزئيات متعددة تنقض كلياً.
٤. شارة لأهل البدع معلومة في عصره ومصره، كالقول بخلق القرآن.
٥. جعل بدعة جزئية فرعية أصلاً يوالى عليها ويعادى وتفرق بها جماعة المسلمين ويكفر مخالفها، ويستحل دمه وماله وعرضه، كما تفعل الخوارج.
• لا يبدع بمخالفات جزئية فرعية ما لم تنقض باجتماعها كلياً أو ركناً إلا بشروط.
• أصول المعتقد هي أركان الإيمان وأركان الإسلام.
• من أمثلة فروع المعتقد تحريم زواج المتعة، فلم يبدع الصحابة بعضهم بعضاً به زمن خفاء حكمه.
• يعني السلف بمجالسة أهل البدع صحبتهم، وحكمها ثابت.
• حكم هجر أهل البدع متغير منوط بعلل كقوة أهل السنة وكثرتهم.
• قد تعتبر قرينة أقوى من الصحبة في الحكم على جلساء أهل البدع [١٩].
• الحق يقبل من كل أحد ولا يطلب إلا من أهله.
• التعاون الديني مع المبتدعة منوط بالاحتياج لأنه محرم لغيره (يعلي شأنهم ويغرر بهم).
• أصل وحدة أهل القبلة بنظام الحكم بطاعة رئيس البلاد في المنشط والمكره ولو كان مبتدعاً.
• فإن لم يكن لهم نظام كالأقليات فبمجالس تنسيقية لمراكز متمايزة (تطاوع).
• يجب التمايز عن المبتدعة في المنظمات المدنية التي تتزاحم فيها خلافات أصولية مع مشتركات أهل القبلة، كالدعوية والسياسية.
• فمشاركتهم في منظمات مدنية تقصر على منظمات تنسيقية أو منظمات مجالها مشترك كالنقابات، ولا تترك لهم المنظمات العامة كمجامع الفقه الحكومية.

العهود الدوليّة

• يجوز أن يكون العهد مطلقاً (غير مؤقت) [٢٠].
• خوف الخيانة شرط للنبذ إلى كل قوم لهم صلة، والخيانة عدوان.
• ويعرف هذا النبذ اليوم بقطع الصلات الدبلوماسية.
• وهو شرط قبل مباغتة من لم يغدر.
• صلة المحارب محرمة، وقد تجوز للاحتياج أو الاضطرار حسبما يترتب عليها.
• علة جهاد الطلب مركبة من الكفر وخوف العدوان، وشرطه القدرة [٢١].
• وخوف العدوان والخيانة لا يصح إلا بوجود أماراته السابقة لقوة المسلمين أو اللاحقة.
• والقدرة تقتضي وجود إمام وراية ومنعة وقوة.
• والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحْنَوي
الأحد ١٦ صفر ١٤٤٤هـ، ١١ سبتمبر ٢٠٢٢ش
لوند، السويد.

تفاصيل

دعوى جدليّةٌ وشفاعةٌ شركيّةٌ

رجوع إلى قسم منهج وإصلاح

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين.
ادّعاء حمل طلب المدد من الصالحين على السببيّة مجرّد جدل، وادّعاء وساطة المعبودين بالباطل شفاعة شركيّة.
كثيراً ما يقوم الشرك على ادِّعاء تفويض الآلهة الباطلة بقضاء الحوائج، فيمثِّلونه بنحو التطبّب.
وهم يعلمون أنّ الله تعالى اختصّ نفسه بأمورٍ يُظهر بها لخلقه خصوص قدرته وكمالها، ويعلمون تلك الأمور.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥۸].
وقال الله تعالى: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧۸) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧۹) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (۸۰) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (۸١)﴾ الشعراء [٢٦: ٧٥-۸١].
والشفاعة الشركية هي اعتقاد شفاعة الآلهة الباطلة عند الله في قضاء حوائج الدنيا والآخرة بعبادتها من دون الله.
والشفاعة مدّعاة في أمور الدنيا والآخرة، فمن قواعد التفسير أنّ الآية إذا احتملت معانٍ صحيحة غير متضادّة حملت عليها جميعاً.
قال الله جل ثناؤه: ﴿أَلا لِلَّهِ الدّينُ الخالِصُ وَالَّذينَ اتَّخَذوا مِن دونِهِ أَولِياءَ ما نَعبُدُهُم إِلّا لِيُقَرِّبونا إِلَى اللَّهِ زُلفى إِنَّ اللَّهَ يَحكُمُ بَينَهُم في ما هُم فيهِ يَختَلِفونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهدي مَن هُوَ كاذِبٌ كَفّارٌ﴾ [الزمر:  ٣].
قال الطبري رحمه الله: "يقولون لهم: ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى، قربة ومنزلة، وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا، وهي فيما ذكر في قراءة أبي: "ما نعبدكم"، وفي قراءة عبد الله: "قالوا ما نعبدهم"" [١].
وقال الله تعالى: ﴿وَيَعبُدونَ مِن دونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُم وَلا يَنفَعُهُم وَيَقولونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِندَ اللَّهِ قُل أَتُنَبِّئونَ اللَّهَ بِما لا يَعلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الأَرضِ سُبحانَهُ وَتَعالى عَمّا يُشرِكونَ﴾ [يونس:  ١٨].
قال السمعاني رحمه الله: "فإن قال قائل: كيف قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله وهم لا يؤمنون بالبعث؟ الجواب: أنهم كانوا يقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله في مصالح معايشنا في الدنيا" [٢].
وقال الله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذوا مِن دونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُل أَوَلَو كانوا لا يَملِكونَ شَيئًا وَلا يَعقِلونَ﴾ [الزمر:  ٤٣].
قال الطبري رحمه الله: "يقول تعالى ذكره: أم اتخذ هؤلاء المشركون بالله من دونه آلهتهم التي يعبدونها شفعاء تشفع لهم عند الله في حاجاتهم" [٣].
والنصوص تدلّ على اعتقاد بعض المشركين شفاعة الآلهة الباطلة وادّعائها جدلاً من آخرين.
والجدل والمكابرة في ادّعاء قصد الشفاعة بدعاء الآلهة الباطلة أكبر مقارنةً بسائر العبادات كالسجود والذبح.
وذلك لأنّ الدعاء طلبٌ من المدعو، فمن قال: يا زيد أعطني ديناراً، فهو في العادة لا يقصد: اشفع لي عند عمروٍ ليعطيني ديناراً.
وفي العبادة عموماً لا يعبد الإنسانُ إلا من يعتقد نفعه وضره وربوبيته.
قال ابن عاشور رحمه الله مبيّناً أنّ شفاعة الآلهة الباطلة دعوى جدليّة: "أم منقطعة، وهي للإضراب الانتقالي، انتقالاً من تشنيع إشراكهم إلى إبطال معاذيرهم في شركهم، ذلك أنهم لما دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون لله شركاء تمحلوا تأويلاً لشركهم فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، كما حكي عنهم في أول هذه السورة، فلما استوفيت الحجج على إبطال الشرك؛ أقبل هنا على إبطال تأويلهم منه ومعذرتهم. والاستفهام الذي تشعر به أم في جميع مواقعها هو هنا للإنكار، بمعنى أن تأويلهم وعذرهم منكر كما كان المعتذر عنه منكراً فلم يقضوا بهذه المعذرة وطراً" [٤].
يؤكِّد أنّ دعوى بعضهم جدليّةً؛ مناسبة الآية ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ لآياتٍ سابقةٍ في السورة.
منها قول الله تعالى ذكرُهُ: ﴿وَلَئِن سَأَلتَهُم مَن خَلَقَ السَّماواتِ وَالأَرضَ لَيَقولُنَّ اللَّهُ قُل أَفَرَأَيتُم ما تَدعونَ مِن دونِ اللَّهِ إِن أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَل هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَو أَرادَني بِرَحمَةٍ هَل هُنَّ مُمسِكاتُ رَحمَتِهِ قُل حَسبِيَ اللَّهُ عَلَيهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلونَ﴾ [الزمر:  ٣٨].
وأمّا ادّعاء أنّ الله تعالى وكّل بعض خلقه بقضاء تلك الحاجات وأنّ قضاءها لا يقع إلا بإذنه، فإنّه لا يغيّر حقيقة أنّ دعاء غير الله شرك بيّن بالشرع والفطرة والعقل.
أما دلالة العقل؛ فليُظهر الله تعالى خصوص قدرته وكمالها للناس؛ اختص نفسه بتدبير كثيرٍ من الأمور كإحياء الموتى والإتيان بالشمس من المشرق وشفاء المرضى، والفطرة تدل عليها.
ومما جاء في الشرع قول الله جل ثناؤه: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.
والشفاعة الشركيّة شركٌ في التشريع مع ما فيها من شركٍ في العبادة (بنحو التذلُّل للمخلوق كما يتذلَّل للخالق).
وصور شرك التشريع متفاوتةٌ، فتجويز عبادة غير الله أعظم من جحود الشرائع العمليّة وتبديلها [٥].
والشرك في التشريع منازعة لله في ملكه.
قال الله تعالى: ﴿قُل لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَميعًا لَهُ مُلكُ السَّماواتِ وَالأَرضِ ثُمَّ إِلَيهِ تُرجَعونَ﴾ [الزمر:  ٤٤].
وقال: ﴿مَن ذَا الَّذي يَشفَعُ عِندَهُ إِلّا بِإِذنِهِ﴾، وقال؛ ﴿وَلا يَشفَعونَ إِلّا لِمَنِ ارتَضى﴾.
وشرك التشريع شركٌ في الربوبيّة لأنّ التشريع تدبيرٌ خاصٌّ بالخالق.
لقول الله تعالى ذكره: ﴿اتَّخَذوا أَحبارَهُم وَرُهبانَهُم أَربابًا مِن دونِ اللَّهِ وَالمَسيحَ ابنَ مَريَمَ وَما أُمِروا إِلّا لِيَعبُدوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلّا هُوَ سُبحانَهُ عَمّا يُشرِكونَ﴾ [التوبه: ٣١].
فالآية في اتِّخاذهم مشرِّعين من دون الله.
عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ((أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ، فَقَالَ يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ -وَهُوَ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٍ-: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ...﴾؛ فَقُلْتُ إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونَ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَ؟»، قُلْتُ بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»)) [٦].
وسئل حذيفة رضي الله عنه عن هذه الآية: ﴿اتَّخَذوا أَحبارَهُم وَرُهبانَهُم أَربابًا مِن دونِ اللَّهِ﴾، أكانوا يصلون لهم؟ قال: (لا، ولكنهم كانوا يحلون لهم ما حرم عليهم، فيستحلونه، ويحرمون عليهم ما أحل الله لهم، فيحرمونه، فصاروا بذلك أرباباً) [٧].
وشرك التشريع شركٌ في العبادة، لأنّه انقيادٌ لغير الله فيما يخالف شرعه، اعتقاداً بأنّه نهجٌ صالحٌ (على وجه التديّن أو الفكر واعتقاد الصلاح).
قال الله جل ثناؤه: ﴿أَم لَهُم شُرَكاءُ شَرَعوا لَهُم مِنَ الدّينِ ما لَم يَأذَن بِهِ اللَّهُ وَلَولا كَلِمَةُ الفَصلِ لَقُضِيَ بَينَهُم وَإِنَّ الظّالِمينَ لَهُم عَذابٌ أَليمٌ﴾ [الشورى:  ٢١].
فنسبة شيءٍ اختصّ الله به نفسه من الخلق والملك والتدبير والأمر إلى المخلوق شركٌ في الربوبيّة والتشريع، ودعاء مخلوقٍ في تدبير ما اختصّ الله به نفسه شركٌ في العبادة والربوبيّة والصفات.
وللمزيد حول الدعاء؛ مدونتي » إصلاح » أغلظ صور الشرك.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ٢٥ محرم ١٤٤٣هـ، ٢ سبتمبر ٢٠٢١ش
لوند، السويد.

المصادر

١. تفسير الطبري (ج٢١/ص٢٥١)، تحقيق؛ أحمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠هـ - ٢٠٠٠ش.
٢. تفسير السمعاني (ج٢/ص٣٧٢)، تحقيق؛ ياسر بن إبراهيم وغنيم بن عباس بن غنيم، دار الوطن، الرياض، الطبعة الأولى، ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ش.
٣. تفسير الطبري (ج٢١/ص٣٩٩)، الطبعة السابقة.
٤. التحرير والتنوير (ج٢٤/ص٢٦)، الدار التونسية للنشر - تونس، ١٩٨٤هـ.
٥. التفاوت الوسيع في شرك التشريع.
٦.  أخرجه البخاري في التأريخ الكبير (471)- وهذا لفظه-، وحسّنه الألباني بمجموع طرقه في الصحيحة (3293).
٧. رواه الترمذي (٣٠٩٥)، الألباني؛ إسناده صحيح مرسل، السلسلة الصحيحة (ج٧/ص٨٦٥).

رجوع إلى قسم منهج وإصلاح