‏إظهار الرسائل ذات التسميات تمرد الدقلو. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تمرد الدقلو. إظهار كافة الرسائل

ترتيب المنثور في تمرد الدقلو المأزور

مقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على رسول الله الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].
عندما أعلن الناقط الرسمي للجيش السوداني دق ناقوس الخطر سجلت رسالة صوتية دعوت فيها من له تأثير إلى الإصلاح بين الطرفين امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ۹].
ثم كتبتُ عدة مقالات متفرقة منثورة بعد أن وقعت الحرب، وفي هذه الورقة جمع للمتفرق وترتيب للمنثور.
وكانت الحرب قد بدأت في صباح يوم السبت ٢٤ رمضان ١٤٤٤هـ، الموافق ١٥ أبريل ٢٠٢٣م، ولا تزال مستمرة حتى لحظة كتابة هذه الورقة.
وقد جمعت في تلك المقالات بين استخدام الألفاظ الشرعية والعصرية، وذلك لدفع شبهات العلمانيين والملاحدة الذين يحرفون معاني الألفاظ الشرعية والفقهية.

كلمات جديدة

الحَلْقَدَة؛ الحل والعقد.
التَّشْوَقة؛ التشاور والتواثق.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

تأييد جيشنا لحفظ وطننا

موجب قتال البغاة هو حفظ البيضة وليس الدفاع عن ظالم.
وليس من الفقه في شيء تنزيل كلام الإمام مالك رحمه الله على من ضررهم أشمل وأعظم من مجرد الخروج على حاكم جائر.
وقد صرح بعلة فتواه بترك القتال، وهي عدم تعدي الضرر إلى غير المتقاتلين الظالمين، فقال: (فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما).
روى ابن القاسم عن الإمام مالك رحمه الله أنه قال: (إذا خرج على الإمام العدل خارج وجب الدفع عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأما غيره فدعه ينتقم الله من ظالم بمثله ثم ينتقم من كليهما) [١].
وليس في كلام الإمام مالك رحمه الله مستند لمن يقول بجواز الخروج على أئمة الجور، فقد وصف الخارج على الحاكم الظالم بأنه ظالم مثله.
والنصوص صريحة في تحريم الخروج على الحاكم الظالم إذا كان مسلماً مقيماً لأصل الدين؛ الشهادتين والصلاة [٢].
وإذا كان حفظ البيضة يوجب قتال البغاة، فكيف بمن غدروا واصطفوا في صف علمانيين وعملاء؟
وإذا كان الصراع السياسي مفسد، فكيف بالصراع العسكري؟
وفي الحديث؛ (إذا بُويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما)، صحيح مسلم (١٨٥٣).
فمجرد وجود رأسين بشوكتين خطر عظيم، وهل يقبل عاقل وجود جيشين مستقلين في دولة واحدة؟
فقائد الدعم السريع هو نائب من ينازعه الأمر، والوضع الصحيح هو أن يكون هو وقواته تحت إمرة القيادة العامة للقوات المسلحة.
ومن الأضرار الملاحظة؛ استغلال الأجانب هذا الحال لتمرير أجندتهم عبر عملائهم ومرضى السلطة.
وقد زاد خطر قادة المتمردين بترويعهم الآمنين بالقتال داخل المدن.
والقول الراجح في مسألة القتال مع الحاكم الظالم هو وجوب القتال معه في الغالب، لأن ضرر الخروج متعد للإسلام والمسلمين في الغالب.
ويترجح قول الإمام مالك رحمه الله تعالى فيما إذا لم يتعد الضرر إلى غير الظالمين أو لم يكن في القتال منفعة استتباب الأمن، كما لو تساوى طرفا القتال في الغدر والقوة.
و "القتال مع الحاكم الظالم" لا تعني القتال لأجله، ويسمى الخارجون عليه بغاة لبغيهم على مصالح المسلمين بمخالفة السنة وعلى الناس بآثار الحرب عليهم، وليس لبغيهم على الحاكم الجائر.
ونصر الفئة المعتدى عليها واجب على كل معتد، ولو كانت المعتدى عليها ظالمة لغير المعتدي.
وذلك لعموم قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ۹].
وتفسير البغي في الآية بحديث؛ (ويح عمار تقتله الفئة الباغية) هو من قبيل التفسير بالمثال، فالبغي عام.
وكل فتنة وقعت بين المسلمين قديماً وحديثاً تسببت في تدخل الأجانب، والأجنبي ولو كان مسلماً يقدم مصالح وطنه وقومه.

جدلية من بدأ الحرب

كل اتفاق ملزم لطرفيه ولو كان مجحفاً لأحدهما، ولا يحل الغدر في شرعنا وفي كل الأعراف البشرية.
فإذا كان العهد مطلقاً (غير مؤقت) أو كان بعيد الأجل وظهرت أمارات خيانة من الطرف الآخر، فالخلاص من عهده ليس بالغدر به، وإنما بإعلامه بإلغاء العهد.
حميدتي كان نائباً لرئيس مجلس السيادة، وهو بنفسه يعلم أن قواته أنشئت لمساندة الجيش وأنها تحت إمرته، ويعرف خطر وجود جيشين بقيادتين مستقلتين.
ولذا فإن تصرفات الدعم السريع تعد علامات غدر، ومن ذلك التوسع في قواته وآلياته، وتمركزه في مواقع حساسة، ومماطلته في الدمج، واحتلاله مطار مروي.
والمشروع عند ظهور علامات الغدر من أحد طرفي الاتفاق إعلامه بإلغاء العهد قبل مباغتته، كما نص على ذلك أهل العلم بدليل قول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: ٥۸].
ويعرف نبذ العهد بسبب خوف الخيانة (ظهور أماراتها) في العلاقات الدولية المعاصرة بقطع العلاقات الدبلوماسية.
وقبل الحرب بثلاثة أيام أعلن الجيش دق ناقوس الخطر واعتبار الدعم السريع قوّاتٍ متمردة.
وبهذا الإعلان يعتبر العهد لاغياً، وهو نبذ شرعي للعهد وبراءة من الغدر، فلو افترضنا جدلاً أن الجيش هو من أطلق الرصاصة الأولى، فإنه ليس بغادر.
وأجهل الناس بالعلوم العسكرية يعرف أن خطوات الدعم السريع كانت نذر تمرد وانقلاب، وهذه التحركات المريبة يعيدها بعض إلى سنة ٢٠١٧م.
ولا شك أن التفاوض مقدم، ولكن هل يجدي التفاوض لوحده مع مماطل غدار مخادع؟
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

[١] أحكام القرآن (ج٤/ص١٥٣-١٥٤)، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثالثة.
[٢] شرعية السلاطين برعاية أصل الدين.

ممتنعون أم بغاة؟

ملخص؛ مقاتلو الدعم السريع بغاة وممتنعون، ويعاملون معاملة المسلمين، وفروقات بين حميدتي والبرهان، والجبرية المدنية.

الممتنعون

أرجو الرجوع لتفصيل مسألة الممتنعين وما يتعلق بها في؛ الممتنعون عن الشرائع الظاهرة المتواترة.

ممتنعون وبغاة

س؛ هل مقاتلوا الدعم السريع ممتنعون أم بغاة؟
ج؛ فيهم المعنيان.
س؛ ولكن من هم الممتنعون ومن هم البغاة؟
ج؛ الممتنعون هم الطائفة التي امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة وإن أقرت بوجوبها وقاتلت الإمام عليها، كمانعي الزكاة والممتنعين عن تطبيق الحدود والملحدين في أسماء الله تعالى وصفاته.
وبالتالي فإن تأويل الممتنعين غير سائغ.
والبغاة هم الطائفة من المسلمين التي قاتلت غيرها من المسلمين واعتدت عليهم، ومن أمثلتهم من خرج على حاكم متمكن بتأويل سائغ.
س؛ ألا يفسر البغي في آية قتال الفئة الباغية بحديث؛ (ويح عمار تقتله الفئة الباغية
ج؛ بلى، يفسر البغي في الآية بالحديث، وهو من التفسير بالمثال، فالآية عامة، والعبرة بعمومها، ومن قواعد التفسير أن الآية إذا احتملت عدة معانٍ صحيحة فإنها تحمل عليها جميعاً.
س؛ لماذا يعد مقاتلو الدعم السريع ممتنعون؟
ج؛ لأنهم مع إقرارهم بالشريعة قد اصطفوا مع العلمانيين الرافضين لتطبيق الشريعة.
بل امتناعهم أخطر، لأنه يمكن الكفر البين الصريح، فبعض من خلف الإطاري زنادقة ومنافقون وعملاء وخونة، وهم من لهم منظمات مدنية غير مستقلة موقعة على الإطاري يتمكنون بها من مفاصل الدولة.
س؛ لماذا بغاة؟
ج؛ لأنهم رفضوا الدمج في الجيش في مدة سنتين، وتوسعوا في قوتهم العسكرية، وسعوا في احتلال مطار مروي.
وهذا يدل على صحة أنهم قاموا بمحاولة إنقلابيه، ويضاف إليها أدلة أخرى منها؛ عدم استعداد بعض قادة الجيش لهذه الحرب، بدليل أنهم استأمنوا قوات الدعم السريع على مواقع حساسة قبل بداية الحرب، ولأن الدعم السريع زاد عدد قواته وعتاده في العاصمة قبل الحرب بقليل.
فأجهل الناس بالعلوم العسكرية يستطيع أن يعرف أن خطوات الدعم السريع كانت نذر تمرد وانقلاب، فالتماطل في الدمج والتوسع العسكري والسعي في احتلال مطار مروي كلها تحركات واضحة المغزى.
وثمة قرائن أخرى، بعضها مذكور لاحقاً.

فائدة المقال

س؛ ما فائدة معرفة أن قوات الدعم السريع ممتنعون؟
ج؛ فائدتان؛
١. معرفة وجوب قتالهم من الجهتين؛ جهة كونهم بغاة وجهة كونهم ممتنعين.
٢. والفائدة الثانية غير مهمة في حال قوات الدعم السريع، وهي كيفية معاملتهم في الحرب؛ هل يعاملون معاملة الكفار أم المسلمين؟
وهذا الفرق غير مهم في حال قوات الدعم السريع لأن الراجح في أمثالهم من الممتنعين أنهم يعاملون معالمة المسلمين، وسأذكر المسألة للفائدة وإزالة الشبهة عمن طرأت عليه.

الممتنعون المقرون بالوجوب

س؛ هل يجب قتال الطائفة الممتنعة المقرة بوجوب ما امتنعت عنه؟
ج؛ نعم يجب قتالهم، وهذا محل إجماع، سواء كان قتال ابتداء أو قتال دفع.
س؛ اذكر حكاية عالم لهذا الإجماع؟
ج؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (كل طائفة ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ من هؤلاء القوم وغيرهم فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا شرائعه وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين وملتزمين بعض شرائعه كما قاتل أبو بكر الصديق والصحابة رضي الله عنهم مانعي الزكاة. وعلى ذلك اتفق الفقهاء بعدهم بعد سابقة مناظرة عمر لأبي بكر رضي الله عنهما).
س؛ هل هذا الكلام يشمل من أقر بالوجوب، واذكر لنا قول عالم من علماء المسلمين؟
ج؛ نعم يشملهم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (وكذلك مانعوا الزكاة فإنَّ الصدِّيق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: واللهِ لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول اللهِ صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم عليه، وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقرُّوا بالوجوب).

الفرق بين البرهان وحميدتي

س؛ ولكن البرهان أيضاً وقع على الوثيقة الدستورية العلمانية ثم الاتفاق الإطاري العلماني؟
ج؛ البرهان حاكم، وقتال الطائفة الممتنعة هو واجب الإمام وليس واجب عامة الناس، كما نص على ذلك الفقهاء، للمزيد؛ الممتنعون عن الشرائع الظاهرة المتواترة.
وواضح أن البرهان كان رافضاً لهذه الاتفاقات حتى ولو كان بسبب المحافظة على الجيش فقط وليس رفضاً لتطبيق العلمانية.
س؛ ما الفرق إذن من حيث الامتناع عن الشرائع إذا لم يكن البرهان رافضاً لتطبيق العلمانية؟
ج؛ الفرق هو أن الدعم السريع كان في طريق التمكين للعلمانيين اعتقاداً، والبرهان لم يصرح بالعلمانية معتقداً.
س؛ هل توجد فروقات أخرى بين البرهان وحميدتي في إقرار العلمانيين وأشباههم على الوثيقة والإطاري؟
ج؛ نعم، ثمة فروقات أخرى، منها ما يلي؛
البرهان متعلم مخضرم كبير في السن له خبرة طويلة، بخلاف حميدتي الذي يعتمد على مستشارين لا ندري مدى قدراتهم وخبرتهم، ويميل في كل مرة لواحد من مستشاريه حسب مزاجه، وهو صغير في السن وخبرته محدودة.
ويستحيل عقلاً أن يقبل من عطل جزءاً من الوثيقة الدستورية بالاتفاق الإطاري، وذلك بسبب أن الإطاري يمكن لحكم مدني متسلط (دكتاتوري) ويضعف الجيش أكثر  وأسرع من الوثيقة الدستورية، فقد عطل البرهان جزءاً من الوثيقة الدستورية قبل موعد تسليم رئاسة المجلس السيادي لمدني دكتاتوري.
فهذا يؤكد أن موافقة البرهان على الإطاري كانت مناورة ومكراً بالماكرين، فهو يعلم أنهم لن يتفقوا عندما طالبهم بقدر كافٍ من التجمعات السياسية للتوقيع على الاتفاق النهائي.
س؛ لم لا يكون موقف الدعم السريع مناورة أيضاً؟
ج؛ احتمال وارد وإن لم تكن عليه أدلة، ولكن يوجد فرق من جهتين؛
١. السبب الأساسي في قبول الإطاري هو حميدتي وليس البرهان.
٢. مناورة حميدتي خاسرة سواء تم التوقيع النهائي أو نجح انقلاب الدعم السريع.
فلو تم توقيع الاتفاق النهائي، فإن السلطة كانت ستؤول لرئيس وزراء مدني علماني دكتاتوري.
ولو نجح انقلاب الدعم السريع فإنه كان سيتخذ حصان طروادة لتقسيم البلد وعلمنته واستفادة الأجنبي من خيراته، وذلك لأمرين؛
١. كان من المتوقع رفض معظم الأقاليم الاستسلام للنظام الملكي الجديد.
٢. قدرة الدعم السريع المحدودة لا تؤهله لمنع انفصال عدد كبير من أقاليم السودان ومنع تسلط العلمانيين بدعم خارجي.
س؛ ما هو الدليل على أن السبب الأساسي لقبول الإطاري هو حميدتي وليس البرهان؟
ج؛ السبب هو ما سبق من استحالة قبول البرهان الإطاري الذي يمكن لحكم مدني جبري (ديكتاتوري) مع كونه هو من عطل جزءاً من الوثيقة الدستورية لذات السبب.
وأما حميدتي فلولاه ما احتاج البرهان للمناورة ابتداءاً، وذلك بسبب قدرات البرهان كقائد عام للقوات المسلحة ورئيس لمجلس السيادة.
س؛ لم لا يكون الجمهور وضغوط القوى العالمية هما سبب مناورة البرهان؟
ج؛ الأمّة السودانية مسلمة تريد تطبيق الشريعة.
وأما القوى العالمية فإنها لا تستطيع فعل شيء بدون سند داخلي، والسند الداخلي هو الدعم السريع.
فموازنات القوى الخارجية السياسية والاقتصادية والمحلية تمنعها من التدخل المباشر، لا سيما مع أجواء حرب أوكرانيا.

الحقائق والتخرصات في التحليلات

س؛ أليست هذه مجرد تحليلات سياسية تصيب وتخطيء؟ فالسياسة فيها خبايا كثيرة.
ج؛ نعم، السياسة فيها خبايا، وكثيرٌ من التحليلات تخرصات وأوهام، لا سيما وأن فيها دائماً تسريبات مضللة من طرف وشائعات من الآخر.
ولكن من التحليلات ما هو يقيني ومنها ما هو بغالب ظن، فقد نص الفقهاء على أن من القرائن ما يفيد اليقين ومنها ما يفيد غالب الظن ومنها ما هو ضعيف.

حكومة الإطاري جبرية

من أسباب الحرب ولو بطريقة غير مباشرة السعي لحكومة مدنية جبرية متسلطة (دكتاتورية) عبر الاتفاق الإطاري.
س؛ لم وصفتَ حكومة الإطاري المقترحة بأنها جبرية متسلطة (ديكتاتورية) مع أنها مدنية وليست عسكرية؟
ج؛ معظم ملوك العالم عبر التاريخ البشري وإلى يومنا هذا مدنيون، وبشار الأسد مدني طبيب أسنان، واستطاع قيس سعيد وهو مدني أن ينقلب على حكم منتخب في تونس.
فبالسيطرة على مفاصل الدولة يستطيع المدني أن يتسلط، وهي خمسة؛ المال ثم الاستخبارات ثم الشوكة وأهمها الجيش ثم الإعلام ثم قيادات المجتمع المدني، والقضاء ركيزة مهمة.
والإطاري جعل السلطة في يد رئيس وزراء غير منتخب بتمكينه من مفاصل الدولة، فوزارة المالية تحت رئاسته، وهو من يعين قادة الاستخبارات، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يعين قادة الجيش.
فمن يعين قادة الجيش ويترأس وزارة المالية التي تصرف منها رواتبهم، فقد تمكن من الجيش بجعله مثل الحارس الشخصي، ولذا اشترطوا إيقاف استثمارات الجيش.
وبالسيطرة على المال والاستخبارات والشوكة تتم السيطرة على الإعلام وقيادات المجتمع المدني.
ولذا حرص رعاة الإطاري على تسمية أنفسهم قوى ثورة وتسمية من دخل معهم في حلفهم من غير العلمانيين بقوى الانتقال، وصرحوا بأن اختيار رئيس الوزراء حق لقوى الثورة.
وتكمن خطورة الإطاري في أن عدداً من المنظمات المدنية الموقعة لا يعرف كثيرون من خلفها، وقد قيل بأن تسعة منها تتبع للمؤتمر السوداني.
ولا يستبعد أن يكون للشيوعي والبعثي الذين أعلنا رفض الإطاري منظمات مدنية موقعة على الإطاري.
فالأحزاب السياسية تتلاعب على بعضها وعلى قومها، بل تصرح هذه الأحزاب أن عملها السياسي تحزب ومعترك وخوض ولعب، بل ولعب قذر، فالحمد لله الذي عافانا.
فبمثل هذه المظمات المدنية غير المستقلة تمكن اليسار من التغلب في حكومة الوثيقة الدستورية على أحزاب كبيرة كحزب الأمة وأن يضع على سدة الحكم من عمالته مثل الشمس.
ومن أشهر تلك المنظمات غير المستقلة الموقعة على الوثيقة  الدستورية؛ تجمع المهنيين.
والفترة الزمنية الطويلة التي طالبت بها بعض أحزاب قحت لم تكن إلا بغرض تمكين أنفسهم ثم اللعب على الأمّة السودانيّة بديمقراطية زائفة.
وتحكم أي جهة في السياسة مدنية كانت أو عسكرية مخالف للشرع والمعروف بالفطرة والعقل والتجربة.

حكم معاملة الممتنعين في الحرب

سبق أن القتال في صف يرفض تطبيق الشرائع الظاهرة المتواترة يعد امتناعاً [١].
س؛ إذا كانت قوات الدعم السريع ممتنعة فلم لا يعاملون معاملة الكفار؟
ج؛ لضعف المسلمين في زماننا مع كثرة الجهل.
فالممتنعون المقرون بالوجوب يعاملون معاملة الكفار لسببين؛
١. أن إصرارهم وقتالهم على ذلك دليل على فساد عقيدتهم، مثل من أصر على ترك الصلاة حتى قُتِل.
وهذه القرينة بينة عند غلبة المسلمين وقوتهم، وهي قرينة ضعيفة عند ضعف المسلمين.
٢. أن العلم كان ظاهراً في عهد الصحابة رضي الله عنهم، وقد ناظر علي رضي الله عنه الخوارج قبل قتالهم، فسبب تكفيرهم هو إقامة الحجة عليهم، ولم يكفرهم قبل قتالهم.
والمسألة خلافية، وقد رجح ابن تيمية رحمه الله أن الممتنعين المقرين بالوجوب يعاملون معاملة الكفار عند القتال.
ولكنه نص في موضع آخر على أنهم ليسوا كالبغاة ولا كالمرتدين عن أصل الدين، ولعله قصد بذلك معاملة المقاتلين معاملة الكفار ومعاملة نسائهم وذراريهم معاملة المسلمين، إذ يبعد جواز سبي نسائهم واسترقاق ذراريهم.
وقد عد ابن تيمية رحمه الله ترجيحه هذا إجماعاً، وعلل ذلك بأنه سنة خليفتين راشدين في مانعي الزكاة وفي الخوارج.
والسنة هي الطريقة المشتهرة المعلومة، فتعد إجماعاً إذا لم ينقل معارض لها.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وكذلك مانعوا الزكاة فإن الصديق والصحابة ابتدؤوا قتالهم، قال الصديق: والله لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه.
وهم يقاتلون إذا امتنعوا من أداء الواجبات وإن أقروا بالوجوب.
ثم تنازع الفقهاء في كفر من منعها وقاتل الإمام عليها مع إقراره بالوجوب، على قولين، هما روايتان عن أحمد، كالروايتين عنه في تكفير الخوارج.
وأما أهل البغي المجرد فلا يُكفرون باتفاق أئمة الدين، فإن القرآن قد نص على إِيمانهم وأخوتهم مع وجود الاقتتال والبغي. والله أعلم) [٢].
وقال أيضاً: (وهذا كله مما يبيِّن أن قتال الصدِّيق لمانعي الزكاة، وقتال علي للخوارج، ليس مثل القتال يوم الجمل وصفِّين، فكلام علي وغيره في الخوارج يقتضي أنهم ليسوا كفاراً كالمرتدين عن أصل الإسلام.
وهذا هو المنصوص عن الأئمة كأحمد وغيره، وليسوا مع ذلك حكمهم كحكم أهل الجمل وصفِّين، بل هم نوع ثالث، وهذا هو أصح الأقوال الثلاثة) [٣].
والردة عن أصل الإسلام أغلظ من الردة عن بعض شرائعه، والكفر دركات.

قتال الممتنعين ابتداءً ليس إكراهاً

س؛ أليس في قتال الممتنعين ابتداءاً إكراه على الدين؟
ليس في إلزام مسلم أو متظاهر بالإسلام بشرائعه إكراه ، انظر؛ حكم المرتد.
فمن يقتل ويقاتل من المرتدين هم المبدلون للدين بزندقة أو جحود شريعة معلومة بالاضطرار، انظر؛ حكم المرتد.
ولا يقتل كل محارب من المرتدين، فمنهم من تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ومنهم من ينفون من الأرض، انظر؛ [٤].
وإضرار الأمة لا يكون فقط بحمل السلاح، بل هو بمجرده أخف ضرراً من تفريق الكلمة بتبديل المفاهيم الأساسية ومن ثم إثارة الفتن، وأقل ضرراً من التجسس وإضعاف الولاء للأمة.
وما أضر الأمة أكثر من الزنادقة والمنافقين والمبدلين للشرائع، فخطرهم أشد من خطر الكفار الأصليين، فاقتضت الحكمة تشريع ما يردعهم ويقلل ضررهم.
وردع المنافقين وتقليل خطرهم يكون بالحذر منهم وعقاب المجرم منهم وقتل من تبين نفاقهم وهم الزنادقة.
ويعامل من لم يتبين نفاقهم معاملة المسلمين ولكنهم يعاقبون حسب جرمهم ويُحذرون.
وما ذكر الله تعالى صفات المنافقين إلا للحذر منهم، ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾.
والقوة الداخلية أهم من موازين القوى الخارجية، ولا توجد قوة داخلية من غير ولاء ووحدة واستقرار سياسي وقوة اقتصادية، ولذا قُدم ذكر جهاد المال على جهاد النفس في القرآن.
وقد كان أثر الزنادقة والمبدلين للشرائع عبر التاريخ أسوأ من أثر الجيوش الغازية، بدءاً بالخروج على عثمان رضي الله عنه ثم تظاهر بعض الزنادقة بالتشيع لآل البيت.
وما فعله كمال أتاتورك مثلاً بالمسلمين في تركيا لم يجرؤ عليه المستعمر، ولم تتمكن الدول الكبرى في عصرنا إلا عبر عملائها.
وقد صرح الأوربيون في عهد الأتراك أنهم لن يتمكنوا منها إلا بإضعافها من الداخل، وهذا ما تفعله الدول المعادية اليوم بالمسلمين.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

الأسلمي وحكم العلماني

النسبة للحركة الإسلامية حركي وليس إسلامي، وللإسلام مسلم، ولمعسكر أسلمة البلد أسلمي، والجمع أسلميون.
فالقسمة الصحيحة هي مسلم وأسلمي وعلماني وعلمني.
فالمسلمون مدنيون وعسكريون فيهم من يقرّ العلمانيين على علمنة البلد فسقاً لأجل السلطة أو المال، وفي قيادة البلاد من أقرهم عليها لعذر كمن اضطر للتوقيع على الوثيقة الدستورية والإطاري وكانت نيته الإصلاح لا السلطة.
وأما العلماني الذي يتخذ لا دينية الدولة نهجاً صالحاً وفكراً، فليس بمسلم وإن ظن أنه مسلم.
والذي يعذر هو الجاهل والمتأول، وعلاقة الدين بالدولة لا يجهلها مسلم، بل لا يكاد يجهلها كافر، فكل الناس يعرفون أن النبي ﷺ أقام دولة سار على نهجها خلفاؤه الراشدون.
وكل مسلم يعلم أن في الإسلام حدود وعقوبات لا يقيمها إلا قضاء في ظل دولة.
وكل مسلم يعلم أن في ديننا جهاد لا يقام إلا من أرض متميزة عن غيرها، ولا تميز لأرض إلا بدولة.

فتاوى التكفير تنزل منزلها 

رأيت فتاوى متداولة في كفر العلمانيين للشيخ الفوزان حفظه الله [١] والشيخ ابن باز رحمه الله [٢].
وهذه الفتاوى تكفير نوع لا عين، وما كان منها تكفير عين فهو لظهور الحجة وليس لأنهم لا يشترطون بلوغ الحجة.
ففي الأمر تفصيل.
فمثلاً من صوت للعلمانيين وهو لا يعتقد صحة العلمانية لا يكفر لأنه مقر غيره عليها وليس مقراً بها.
وإقرار الغير على الكفر ليس كفراً، فقد أجمع المسلمون على إقرار أهل الذمة على أديانهم المحرفة.
ولكن إقرار العلمانيين على العلمانية محرم ما داموا ينتسبون إلى الإسلام.
بل يقتل بحكم القضاء الشرعي بالإجماع المرتد المحرف للدين والزنديق، ولا يقتل كل مرتد [٣].
فالمرتد المحارب مثل المسلم والذمي، فقد يعاقب بما دون القتل كقطع يديه ورجليه من خلاف، وكنفيه من أرض قراره بحبس أو تشريد من وطنه، وذلك حسب جريمته وأثرها وحاله [٣].
وإقرار العلمانيين على علمنة بلاد المسلمين مخالف لما يدعيه العلمانيون أنفسهم من احترام خيار الناس.
وإقرار العلمانيين على علمنة بلد مسلم كفر محتمل إذا لم يكن بسبب اضطرار معتبر شرعاً.
ولا سبيل لتكفير مسلم بكفر محتمل أو كبيرة بمجرد إقامة الحجة عليه، فلا يصح تكفيره إلا بأن يصرح باعتقاده الباطل.
والكفر المحتمل هو المتردد بين الأكبر والأصغر.
الكفر الذي لا يحتاج تكفير صاحبه إلى التصريح باعتقاده وإنما تكفي فيه إقامة الحجة هو الكفر الصريح والشرك الصريح، لأنه يستلزم الاعتقاد، مثل دعاء المخلوق. 
والشرك المحتمل للأصغر والأكبر كذلك لابد فيه من تصريح فاعله باعتقاده، وهو مثل التبرك بآثار الصالحين والحلف بالمخلوق والتمائم.
 ومن الاضطرار المعتبر شرعاً اعتبار الأصلح الضروري.
 ولكن الذي قد يضطر لإقرار العلمانيين على العلمانية هو الحاكم وليس الأحزاب والأفراد، وذلك لأن الاضطرار إلجاء.
 فالاضطرار افتعال من الضرر، وهو إلجاء من ضرر أعظم إلى ضرر أخف، وله شروط منها التعين وتقدير الضرورة بقدرها [٤].
ولا ينبغي الاستهانة بالكفر المحتمل فهو من أعظم علامات النفاق بعد الكفر الصريح ممن يظن أنه وقع فيه لشبهة.
والكفر المحتمل من أعظم علامات النفاق لأنه محتمل للكفر الأكبر.
والمنافقون يعاملون معاملة المسلمين خلافاً للزنادقة الذين تبيَّن نفاقهم.
والله تعالى إنما ذكر صفات المنافقين للحذر منهم، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣۰].
والخطورة ليست فقط من الزنادقة والمنافقين، بل تشمل المسلمين الذين يرضونهم لمصالح دنيوية.
ولذا فإن الراجح في الجاسوس المسلم الذي يتجسس للكفار هو قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أنه يُقتل، وأنه يجوز العفو عن أهل الهيئات كما حدث في قصة حاطب رضي الله عنه.
ولكن القول بأن معاونة الكفار على المسلمين من نواقض الإسلام يعتبر من زلات العلماء.
قال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: (وليس الدلالة على عورة مسلم ولا تأييد كافر بأن يحذر أن المسلمين يريدون منه غرة ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين بكفر بيِّن، فقلت للشافعي: أقلت هذا خبراً أم قياساً؟ قال قلته بما لا يسع مسلماً علمه عندي أن يخالفه بالسنة المنصوصة بعد الاستدلال بالكتاب، فقيل للشافعي: فاذكر السنة فيه، فذكر حديث حاطب رضي الله عنه)، المصدر والتفصيل في الرابط الذي في الهامش  [٥].
الحكم على من خرج من مجمل الإيمان واضح، كالحكم بزندقة من يطعن في الدين ويدعي الإسلام.
وأما تكفير المعين بمفصل الإيمان كدعاء المخلوق والانتماء للأحزاب العلمانية فإنه خاص بالقضاء والعلماء.
وذلك لأن فيه تفصيلات علمية شرعية لا يدركها كثير من طلبة العلم بله العوام.
ولذا قد يفضل ألا يصرح حتى العلماء بتكفير من ارتد بمفصل الإيمان لكيلا يُجرِّؤوا العامة على التكفير، لأن العامي قد يعمم الحكم على من لديه شبهة كشبهة ربا الأوراق النقدية، ومن يصوت للعلمانيين (يقرهم على العلمانية ولكنه لا يقر بها)، ومن ينتمي لحزب علماني بشبهة، ونحوهم ممن لا يجوز الحكم بتكفيرهم بأعيانهم.
والردة عن أصل الدين أغلط، ولكن الردة عن بعض شرائعه أخطر، كمانعي الزكاة الذين سماهم الصحابة رضي الله عنهم مرتدين.
والله تعالى أعلم.
[١] فتوى العلامة صالح الفوزان حفظه الله تعالى؛ ("سؤال؛ فضيلة الشيخ وفقكم الله هل يصح أن نطلق على العلماني و الليبرالي و الشيوعي لفظ منافق؟"
الجواب؛ "هم ما يظهرون الإيمان، هم يظهرون المذهب الخبيث من الخروج على الدين و سب الدين وسب أهل الدين، مظهرين هذا، ليسوا منافقين، هؤلاء أشد، هؤلاء زنادقة، نعم.") [١].
[٢] فتوى الإمام ابن باز رحمه الله تعالى؛ (معلوم عن حزب البعث والشيوعية وجميع النحل الملحدة المنابذة للإسلام كالعلمانية وغيرها.
كلها ضد الإسلام وأهلها أكفر من اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى تباح ذبائحهم ويباح طعامهم ونساؤهم المحصنات، والملاحدة لا يحل طعامهم ولا نساؤهم ، وهكذا عباد الأوثان من جنسهم لا تباح نساؤهم، ولا يباح طعامهم، فكل ملحد لا يؤمن بالإسلام هو شر من اليهود والنصارى.
فالبعثيون والعلمانيون الذين ينبذون الإسلام وراء الظهر ويريدون غير الإسلام ، وهكذا من يسمون بالشيوعيين ويسمون بالاشتراكيين كل النحل الملحدة التي لا تؤمن بالله ولا باليوم الآخر يكون كفرهم وشرهم أكفر من اليهود والنصارى، وهكذا عباد الأوثان وعباد القبور وعباد الأشجار والأحجار أكفر من اليهود والنصارى، ولهذا ميز الله أحكامهم، وإن اجتمعوا في الكفر والضلال ومصيرهم النار جميعا لكنهم متفاوتون في الكفر والضلال، وإن جمعهم الكفر والضلال فمصيرهم إلى النار إذا ماتوا على ذلك) [٢].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الخميس ١٣ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ١ يونيو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

١. فتوى مفرغة من درس المنتقى من أخبار سيد المرسلين بتاريخ ١٢ شوال ١٤٣٢ هجري.
٢. مجموع فتاوى الشيخ بن باز (ج٦/ص٨٥).
٣. حكم المرتد.
٤. الاضطرار والاحتياج والبلوى العامة.
٥. حكم من عاون مشركين على المسلمين.

أخلاقنا في الحرب والسلم

لقواتنا المسلحة خبرة طويلة في حرب التمرد بمهنية عالية، وأخلاق رفيعة هي أخلاق قومنا الكرماء، وهي مستمدة من أخلاق نبينا الكريم ﷺ وصحابته الكرام.
ففرحنا بالنصر بلا طغيان، ونعامل أسرانا بإحسان، ويعاقب قضاؤنا مجرميهم بلا عدوان، ونصلح ذات بيننا بلا هوان.
تعمي فرحة النصر الطغاة فتزيدهم طغياناً بنحو قتل العزل وتعذيبهم ونهب الممتلكات.
وأما نبينا محمد ﷺ وصحابته الكرام فقد كان حالهم في أعظم لحظة نصر تاريخية للمسلمين حال المتذلل لله تعالى بحلق الرؤوس وتقصيرها في العمرة، هذا مع فرحهم بنصره العزيز.
قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ٢٧]
هذا مع فرحهم بالنصر العظيم من عند الله سبحانه وتعالى، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥۸]، ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الصف: ١٣].
وقد تعاملت قواتنا المسلحة وقومنا المسلمون الكرماء بأخلاق عالية مع أسرى المتمردين ومقاتليهم دون غفلة ولا هوان.
فهم يفرقون بين الفار بغرض الكر والفار بغرض الفر، وقد أجمع المسلمون على تحريم قتل الفار من البغاة المسلمين وتحريم الإجهاز على جريحهم.
وقد رأيت في مقاطع توفير ضباط وجنود جيشنا البواسل العلاج لجرحى المتمردين.
والقتلى من البغاة مسلمون يجب دفن موتاهم في مقابر المسلمين.
بل إنّ قواتنا المسلحة وقومنا المسملين الكرماء لم ينسوا أنّ المتمرّدين الجدد كان لهم فضل سابق وتعاون صادق في إخماد فتن وتمرّد سابق، وكيف لا وهو خلق نبينا الكريم ﷺ.
قال الله تعالى في شأن الزوجين بعد الطلاق: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.
وقد حفظ النبي ﷺ فضل المطعم الذي أجاره بمكة ثم مات على الشرك، فقال في شأن أسرى بدر: (لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له)، صحيح البخاري (٤٠٢٤).
وقال في شأن العجوز التي أكرمها: (يا عائشة إن هذه كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان)، السلسلة الصحيحة (ج١‏/ص٤٢٤).
والقوم السودانيون الكرماء يعلمون أنّ قواتهم المسلحة التي مدت حبال الصبر مع المتمرّدين لن تتهاون ولن تقبل بتفاوض معهم إلا بعد التأكّد من إذعانهم للحق.
فقد وضح جلياً لنا كقوم مسلمين مساحمين كرماء أنّ مدّ حبل الصبر في قضية "الإطاري" لم يكن غفلة ولا ضعفاً، وإنّما كان حكمة وحنكة بغرض تقليل الخسائر في الأنفس والممتلكات، ولمقابلة مكر الخائنين بدهاء الصادقين.
وقد شهد الأجنبي لقواتنا المسلحة بالمهنية العالية والأخلاق الرفيعة في تقليل خسائر الأنفس والممتلكات في حرب المدن.
وكما تعامل قادتنا البواسل بمهنية عالية وخلق رفيع دون غفلة، فإنهم لن يعودوا لمفاوضات الصلح مع المتمردين و "الإطاري" إلا وفق إرادة سودانية سودانية، وبعد تصفية صفوف "الدمج السريع" و "النشطاء السياسيين" من المرتزقة الخونة وعملاء السفارات، وبعد إعادة السيادة للبلد بإعادة ضبط لقاء المواطنين بالسفراء عبر الخارجية والجهات السيادية.
والاستجابة للصلح مع المتمردين والحزبيين بعد تصفية صفوفهم من الخونة ووعظ من فيه خير منهم بالقول و "البيان بالعمل" هو استجابة لأمر الله، ولاستقرار البلد، وليتفرغ أهلها لإنمائه.
فقد أمر الله تعالى بالإصلاح بين الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين ونصر إحداهما على الفئة الباغية؛ ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ۹].
وأما السفارات، فقد تلقت درساً بليغاً و "بياناً بالعمل"، وهم يعرفون خصال قومنا وشعوبنا، ومنها الكرم وطيب المعشر والمسامحة بلا غفلة والتواضع بلا هوان.
فهذا مسجل في أدبيات البريطان، خبروه في قتال السودانيين ضد استعمارهم وفي تعايشهم السلمي معهم.
وإخواننا المسلمون في الخليج خصوصاً يعرفون هذا جيداً.
وما من فتنة وقعت بين المسلمين إلا كانت سبباً لتدخل الكفار والأجانب.
والأجنبي ولو كان مسلماً يقدم مصالح وطنه وقومه.
وذلك لأنّ الوطن السياسي يضم الأوطان الحقيقية (بلاد المولد والنشأة والعشيرة)، وغالباً ما يضم شعوباً بينها رحم.
وعلاقة الذمة (الوطن السياسي) والرحم البعيد (الشعوب التي بينها رحم) معتبرة شرعاً، ومن تجمعهم مضافة إلى أخوة الدين أولى بالمحبة والنصرة في الحق [١].
فقد دلت السنّة على تأكيد الإحسان إلى الرحم البعيد وخصوص صلته واعتبار ذمته، كما في حديث؛ (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، رواه مسلم بلفظ مختلف.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

ليكن السودان حزبنا السياسي

ملخص؛ لا للتحزب، وليكن السودان حزبنا السياسي، وضرورة رؤية كلية (استراتيجية) بعيدة المدى.
ليكن حزبنا السياسي واحد هو السودان.
فنحن أمّة واحدة وقوم واحد.
لأنّ الأمّة في اللغة من أمّ بمعنى قصد، فالأمّة من الناس هم الجماعة التي لها مقصد مشترك يعملون له.
والقوم في اللّغة مصدر قام، فالقوم هم الجماعة من الناس التي لها رابطة جامعة يقومون لها.
فالسودانيّون أمّة واحدة تجمعها أهداف مشتركة، وهم قوم واحد تجمعهم روابط مشتركة يقومون لها.
لقوميّتنا أربع جوامع أساسيّة، هي؛
١. جامعة الدين.
٢. وجامعة الرحم، لأننا شعوب بينها رحم.
٣. وجامعة الميثاق الوطني (الذمة).
قال رسول الله ﷺ: (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، رواه مسلم بلفظ مختلف.
فبنو إسماعيل والقبط شعبان بينهما رحم، لأنّ القبط أخوال بني إسماعيل، والقبط هم المصريّون الأوائل.
٤. ويضم وطننا السياسي أوطاننا الحقيقية (بلاد المولد والنشأة والعشيرة).
ومن تجمعهم هذه الروابط مع أخوة الدين أولى بالمحبة والنصرة.
والإسلام هو دين أغلبنا، وهو حزبنا الديني.
وميثاقنا الوطني مبني على هذا الدين الذي يراعي حقوق غير المسلمين.
ويشمل حزبنا السياسي (السودان) غير المسلمين، فهم أهل ذمتنا بالاصطلاح الفقهي.
قال القرافي المالكي رحمه الله: (والذي إجماع الأمة عليه أن من كان في الذمة وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح ونموت دون ذلك صوناً لمن هو في ذمة الله) [١].
ولا تتم وحدتنا إلا بجيش واحد تحت قيادة واحدة.
وميثاقنا الوطني يلزم الجهات والقبائل بالانتماء لحزب السودان، فهي تكتلات طبيعية بجب أن تكون تعاونية، فلو سعت للسلطة بالسلاح فهي أحزاب سياسية مسلحة.
والقوات المسلحة جزء أصيل من ميثاقنا الوطني، وتسييسها بسيطرة الأحزاب عليها يجعلها حزباً سياسياً مسلحاً يسعى للسلطة.
وكل الأحزاب تسعى للتحكم في البلد.
فالأحزاب هي سبب الفراغ السياسي الذي كاد أن يؤدي إلى فراغ عسكري.
والحرب كانت مؤامرة خارجية باستغلال تناقضات وخيانات داخلية، ولكن الأحزاب تسعى لاستغلال الحرب لصالحها إن لم تتسبب فيها.
بل الأحزاب هي المتسبب في الحرب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة. 
والأحزاب هي سبب نشوء الحركات المسلحة والمليشيات وتسييس الجيش والانقلابات والقبلية والجهوية والتدخلات الخارجية وكل بلية.
ولا تنكر جهود الأحزاب في استقلال السودان والمحافظة عليه وعلى هويته.
فكل سوداني وطني حتى يثبت العكس، فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته.
وكل مسلم صادق في ولائه لدينه ظاهراً وباطناً حتى تثبت زندقته، ومن فيه علامات النفاق يجب الحذر منه ويعامل معاملة المسلم.
وثمة قلة عميلة للأجنبي، سواء كان الأجنبي عدواً أصلياً كافراً، أو عدواً مؤقتاً سولت له نفسه سرقة خيراتنا وممالأة الأعداء لحماية مصالحه على حساب وطننا وقومنا.
وبدون نظرة كلية (استراتيجية)، فإن كل خطواتنا تعد مسكنات ألم فقط.
ولكي نستفيد من طاقات شباب الأحزاب وحكمة شيوخها؛ فلنسع لتحويلها لجماعات نصح سياسية، وهي جماعات نصح معرفية ومطلبية، وهي غير حزبية لأنها لا تسعى لسلطة.
فمجال أنشطة وبرامج جماعات النصح هو نفس مجال أنشطة وبرامج الأحزاب عدا السعي للسلطة بالترشيحات والمحاصصات وغيرهما [٢].
ومن فوائدها أنها تطيع الساسة في المعروف، وتساندهم في الحق، وتصححهم في الخطأ، وتقومهم بوسائل التقويم المنضبطة بالشرع.
لأن النصيحة ضد الغش، فلا تختص بتصحيح الخطأ.
والتنوع في القبائل والآراء السياسية والجهات نعمة، وتكتلها قد يكون إيجابياً، ولا يكون اجتماعها وتكتلها إيجابياً إلا إذا كان خالياً من العصبية.
ولم توجد أحزاب سياسية فترة السلطنة الزرقاء (١٥٠٤-١٨٢١) وسلطنة دارفور (١٦٠٣-١٨٧٤) ثم الحكم التركي ثم الدولة المهدية.
وقد نشأت الأحزاب في السودان أيام الاستعمار، ولا يزال بعضها تحت تأثيره.
وقد عاصر الشاعر محمد سعيد العباسي (١٨٨١-١٩٦٣) فترة الديمقراطية الحزبية وما قبلها، وقد قال في ذم الأحزاب السياسية ما يلي؛
فلو درى القوم بالسودان أين هم ... من الشعوب قضوا حزناً وإشفاقا
جهلٌ وفقرٌ وأحزابٌ تعيث به     ...     هدّت قُوى الصبر إرعاداً وإبراقا
إن التحزّب سمٌّ فاجعلوا أبداً      ...        يا قوم منكم لهذا السم ترياقا
ضمّوا الصفوف وضمّوا العاملين لها  ...  لكي تنيروا لهذا الشعب آفاقا
والأحزاب السياسية اسم على مسمى، فعلاقة أعضائها ليست مجرد انتماء خاص، بل هي عصبية مبنية على حب السلطة والثروة، فأقل أعضائها يريد مجرد علاقة ولو برئيس بلدية لخدمة مصالحه الشخصية.
ولتنسق الدول المسلمة فيما بينها عبر منظمة سياسية جامعة مثل منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقاً).
وذلك بَدْءً بوحدة المواقف في قضايا المسلمين إلى تنسيق أوسع كوحدة العملة للوصول إلى الوحدة الكاملة بصيغة عادلة للشعوب والقبائل المختلفة.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
معنى الشعب في هذه الآية هو النسب البعيد لمن لهم نسب بعيد وقريب كالعرب ومن لهم نسب بعيد فقط كالأوربيين.
ومن أمثلة الشعوب عند العرب؛ القحطانيون والعدنانيون وبنو إسماعيل.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

صلح البغاة، ولا للحرب، ورؤيا مبشرة

ملخص؛ صلح البغاة، ولا للحرب، ورؤيا مبشرة، والصلح الاضطراري يقرره أهل الحل والعقد، ويلزم مساعدة المتضررين.

صلح البغاة

الأصل أنّ الصلح لا يكون إلا بعد إرغام البغاة على الرجوع إلى أمر الله.
فما فائدة قتال الفئة الباغية إذا لم تكسر شوكتها وترغم على أن تفيء إلى أمر الله؟
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ۹].
ولكلّ أصل استثناء، فيجوز حال الاضطرار الصلح بعد إضعاف البغاة بما يضمن عدم تكرار الغدر وقبول الدمج.
وقرار الصلح والحرب يقرره قادة الجيش بالتشاور مع ممثلي الأمة (أهل الحل والعقد) من العلماء والحكماء والنظار.
ولا يخفى على القيادة ذات الخبرة الطويلة في الحروب أن الصلح لا يكون إلا بعد كسر قوة المعتدي الباغي، ومن خبر الحرب والسلم من العساكر يستطيع تقدير المصالح والمفاسد أكثر من المدنيين مع اعتبار مشورتهم.
و "لا للحرب" كلمة حق، ويجب أن نكون جميعاً معها.
ولكن كلمة الحق إذا كانت في غير موضعها أو من غير صاحبها، فإن المراد بها باطل.
فإذا جاءت كلمة الحق "لا للحرب" ممن أوقد نارها، فإن المراد بها باطل، فقد يكون مراده إنقاذ المتمردين، وهذا قد يؤدي إلى تأجيل الحرب لتكون أعنف وأشمل.
من يريد إخماد الفتنة هو من كان يسعى حقاً لدفعها، والله معينه بإطفاء نار الحرب قبل اشتعالها أو بعدها.
نعم لا للحرب، فيجب على قائد البغي والتمرد وأتباعه الذين يقاتلون لأجل ملك آل دقلوا أن يقلعوا عن إيذاء أنفسهم وإيذاء قومنا الكرماء بحربهم وتمردهم.
فوقوف أمّتنا السودانيّة المسلمة مع قواتها المسلحة الباسلة ليس حباً في الحرب والدماء كما يروج بعضٌ.
فالمسلم الذي ليس فيه تهور وتطرف يكره الحرب، والأصل في عامة المسلمين الاعتدال والتوسط، لا سيما السودانيين الذين عرفوا بالسلم والمسامحة.
فنعم، لا للحرب دون اضطرار، فهي كاضطرار الطبيب لقطع يد المريض لحماية سائر البدن.
فعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: (إن رسول الله ﷺ في بعض أيامه التي لقي فيها، انتظر حتى مالت الشمس، ثم قام في الناس خطيباً فقال: أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف، ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم)، صحيح البخاري (٢٩٦٥).
وهل يقبل عاقل بجيشين في بلد؟ وكيف يمكن حل هذه المعضلة وحميدتي كان يماطل في الدمج ويتوسع في تقوية قواته؟ فكان لابد من تفكيك قوته أو إضعافها لحمله على بعض الشروط إن لم يكن بالمقدور حمله على جميعها.
قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦].
ويجب السعي في مساعدة المتضررين بممرات آمنة، ويجب على القادر السعي في حث المنظمات الإغاثية لمساعدة المتضررين والمرضى ولو عبر مساعدات إنسانية متنقلة ومستشفيات متنقلة (هيلوكبترات إسعاف وعربات إسعاف).
والدول الخارجية يمكن أن تقوم بدور إيجابي، فلبعضها مصالح مشتركة معنا.
ولكن الوساطة الوطنية أدعى لاتفاق السودانيين عليها، فالسودانيون معروفون بالتواضع مع عزة النفس وإباء الاحتقار.
ولا شك أننا أولى برعاية مصالحنا من غيرنا.
أسأل الله تعالى أن يعجل بإطفاء نار الحرب التي أوقدها المفسدون في الأرض.
قال الله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤].

تعبير ثقة ولا أعرف الرائي

الرائي: السلام عليكم ورحمة الله شيخنا الكريم، أسعد الله أوقاتك بكل خير.
رأيت كأن لقاء صلح عقد بين البرهان وحميدتي، وأن حميدتي جاء إلى مكان الصلح بثوب وهو يعرج في المشي وعليه آثار التعب، والبرهان جاء بزيه العسكري، ومحل الاجتماع كان بحراسة عسكري من الجيش.
وأنا ذهبت لأتأكد من وجود حميدتي فعلاً، فلما جاء البرهان رآني فناداني للدخول معهم فأبيت، ثم أصر علي أن أدخل، وكان قد قال: ( تعال يا شيخ اقرا لينا حاجة من القرآن وأمشي ).
فصعدنا للطابق العلوي، فدخل البرهان، ثم أراد حميدتي أن يدخل، فلما كان في الباب رجع قليلاً، ثم دخلت أنا، ثم دخل حميدتي، ( جلسنا نحن الثلاثة فبدأت وقرأت عليهم قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم....الآيات).
ثم قمنا، فلما قمنا ضربت على كتف حميدتي وقلت له اتق الله وضع سلاحك فإنك عسكري وقد أقسمت أن تكون تحت طاعة البرهان وولايته.
ثم ضربت على كتف البرهان وقلت له اتق الله في ما ولاك الله من أمر المسلمين.
هل يظهر لكم فيها شيء، بارك الله فيكم.
المعبر: تعبيرها ... إنه صلح يقع بين الجيش والدعم السريع ... بعد ضعف وانكسار لحميدتي ... وعودة الشوكة إلى برهان وظهور دستور إسلامي في المشهد وعودة ماتبقى من الدعم إلى الجيش ويستتب الأمر لبرهان بقوة.

رأي، ولا يبنى على الرؤيا حكم

علق أحد الإخوة فذكر تفصيلات متعلقة بتأويل الرؤيا ثم قال: "وهذا إن دل فإنما يدل على هزيمة حميدتي واستسلامه ولا يدل على الصلح".
فقلتُ: لست معبراً، ولكن أعرف بعض أصول التعبير.
ففي نظري القاصر؛ أتفق معه فيما قال، ولا يوجد تعارض بين استسلام البغاة وصلحهم.
وقد أمر الله بالإصلاح بين الطائفتين بعد مقاتلة الباغية ورجوعها إلى أمره، وليس لقتالها معنىً غير كسر شوكتها لإرغامها للرجوع إلى أمر الله.
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: ۹].
والرؤى مبشرات، ولا يعتمد عليها في الخطط، فهي جزء من الوحي، والوحي انقطع بموت النبي ﷺ.
فالتخطيط حسب المنظور المقدور عليه خلافاً للرجاء والدعاء.
وفرق بين غير الممكن والمستحيل وفق سنن الله الكونية، فلا يجوز طلب المستحيل كعودة يوم مضى بأحداثه خلافاً لغير الممكن.
فالدعاء لا يُحد بالممكن عادة، ومثال ذلك؛ دعاء زكريا عليه السلام ربه أن يهبه غلاماً وقد بلغه الكبر وكانت امرأته عاقر.
وأما التخطيط فلابد أن يكون حسب المنظور المقدور عليه؛ وقد اختفى النبي ﷺ في الغار في الهجرة رغم أنه رأى في بدايتها أن الله تعالى أعمى القوم عن رؤيته.
والتخطيط لا يكون بالأماني مع حسن الرجاء والفأل.
ولا يقبل الله دعاء من دعاه لرفع الجوع عنه وهو قادر على الأكل، وقد أطعم الله وسقى بعض من تحت الأنقاض بعد الزلازل على خلاف سننه الكونية.
فلابد من السعي حسب المنظور المقدور عليه مع تمام التوكل على الله وحسن التضرع إليه.
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
فالرؤى الصالحة ليست وحياً كاملاً، بل كان الموحى إليه يخطط حسب المنظور المقدور عليه لتعليم أمته.
ولكن الرؤى الصالحة من المبشرات.
قال رسول الله ﷺ: (لم يبق من النبوة إلا المبشرات، قالوا: وما المبشرات؟ قال: الرؤيا الصالحة)، رواه البخاري.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مواقفنا وطنية

ملخص؛ مواقفنا وطنية، ومظهر التبعية لدولة خارجية لا يمثلنا، والنهج الحزبي يخالف عرفنا ونهجنا.
ووطنيتنا لا تتعارض مع الشرع، لأنّ ميثاقنا الوطني مبني على الدين ثم الرحم البعيد (الشعوب التي بينها رحم)، رغم أنف من يريد فصله عن ديننا.
رحب قائد مجموعة سودانية بوساطة دولة مسلمة وشكر جهودها! وله تصريحات سابقة غريبة على نهج مجموعته، وله موقف مشبوه من الإطاري.
ولو سبق شكره لدولة خارجية ببيان فيه تأييد للجيش وشكره لربما زال الإشكال، فبدونه تتهم مجموعته بالعمالة، بل يطال الاتهام كل من على نفس نهجهم.
وقد قيل لي بسبب بعض المقولات التي صدرت من بعض من ينتسب لنصر السنة  [١]؛ مواقفكم تغيرت فجأة في آن واحد بعد الوساطة الأخيرة!
ومن تابع مقولاتي منذ دق ناقوس الخطر؛ يجد ثباتاً في تأييد الجيش وفي الموقف من الصلح قبل الحرب وأثناءها.
ومقولاتي منذ دق ناقوس الخطر منشورة بتواريخها [٢] وقد أوصلتها في آنها لعدد.
ولو قدر من شكر دولة خارجية أن الصمت أفضل للزمه مواصلته حتى تنجلي الأمور، ولما صح قبوله توجيه أئمة مجموعته لتأييد الجيش في خطبة العيد.
فأيهما أخطر؟ الكلام في خطبة العيد التي يحضرها من له انتماء وتعاطف مع أحزاب ومليشيات وقبائل، أم بيان من قائد؟ فأين مراعاة سلامة الإمام والمصلين؟
ومن لم يحضر صلاة العيد - وهم أغلب السودانيين- يعتبرون مع هذا التصريح تصريحاته السابقة وموقفه من الإطاري.
والأمر ليس شخصياً، فهي مواقف وتصريحات باسم مجموعة، ويستغلها أعداؤها ضد كل منسوبيها، بل تطال كل من له نفس النهج.
ومن انتهج نهج الحزبية السياسية ممن ينتسب لنصر السنة اعتمد كلام الترابي في ضرورة العلاقة بدولة خارجية لنجاح العمل السياسي الحزبي.
وكان الترابي يأتمر بأمر إيران في نشر التشيع في السودان.
والأجنبي ولو كان مسلماً يقدم مصالح وطنه وقومه، بل هذا ما يلزمه شرعاً بدون إضرار بالآخرين، وهو ما يلزمنا أيضاً.
فعلاقة الذمّة (الوطن السياسي) والرحم البعيد (الشعوب التي بينهما رحم) معتبرة شرعاً، ومن تجمعهم مع أخوّة الدين أولى بالمحبّة والنصرة [٣].
فقد ورد في السنة الوصية بالرحم البعيد واعتبار ذمته، لحديث؛ (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، رواه مسلم بلفظ مختلف.
والوطن السياسي يضم الوطن الحقيقي (بلد المولد والنشأة والعشيرة).
وفي الوساطة قطب عالمي متحيز.
ولا أنفي قيام الدول الخارجية بدور إيجابي، فلبعضها مصالح مشتركة معنا.
ولكن الوساطة الوطنية أدعى لاتفاق السودانيين عليها.
فالسودانيون معروفون بالتواضع مع عزة النفس وإباء الاحتقار.
ولذا فإن العقلاء من قادة أي حزب أو قبيلة أو جهة أو نهج لا يظهرون فئتهم بمظهر التبعية المخزية للسفارات.
وقومنا لا يجحدون فضلاً عليهم، ولهم كذلك أفضال تاريخية وحاضرة على الأقوام الأخرى.
وليس كل من لم يعلنوا وقوفهم مع جيشنا عملاء، ففيهم المتأول، والجبان، والضعيف، والمستضعف.
وحياد القادة من غير عذر أقبح من حياد العامة.
وإنما يصح حياد الجاهل والمكره والمضطر، والمحايد سواهم إما متواطيء أو جبان يخذل الضحية ولا ينصر غير نفسه والظالم.
ومن الإكراه المعتبر شرعاً خوف الرجل على حريمه وعياله، فقد نص الفقهاء على حرمة تعريض الرجل غيره لخطر محقق ولو تحققت المصلحة.
ولم يمدح الشجاع إلا لمغالبته الخوف.
والراجح في الآية التالية أنها في مؤمنين غلب عليهم الخوف بصفة عارضة غير متمكنة من نفوسهم، بدليل؛ {منكم} و {بينكم وبينهم مودة}.
﴿وَإِنَّ مِنكُمۡ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنۡ أَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةٞ قَالَ قَدۡ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَيَّ إِذۡ لَمۡ أَكُن مَّعَهُمۡ شَهِيدٗا ۝ وَلَئِنۡ أَصَٰبَكُمۡ فَضۡلٞ مِّنَ ٱللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمۡ تَكُنۢ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُۥ مَوَدَّةٞ يَٰلَيۡتَنِي كُنتُ مَعَهُمۡ فَأَفُوزَ فَوۡزًا عَظِيمٗا ۝ ۞ فَلۡيُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يَشۡرُونَ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا بِٱلۡأٓخِرَةِۚ وَمَن يُقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيُقۡتَلۡ أَوۡ يَغۡلِبۡ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ۝﴾ [النساء: ٧٢ - ٧٤].
ويشكر أئمة صلاة العيد على مواقفهم الشجاعة.
والله تعالى أعلم.

لجنة حَلْقَدِيَّة وطنية

أقترح تكوين لجنة حلقدية (أهل حل وعقد) وطنية، لأن الأجنبي ليس مثلنا في مراعاة مصالحنا.
فالأمر يتطلب نظراً ثاقباً مبنياً على علم ورأي وحكمة وشوكة وتأثير في الناس.
إذ لابد من فتح ممرات آمنة للمتضرين وإغاثتهم، وترتيب لقاءات بين قادة التمرد وقادة قواتنا المسلحة لهذه الأغراض وغيرها من المناسب حسب الظروف ومجريات الأحداث.
وقد أجمع العلماء على أن أهل الحل والعقد يشملون جميع أقياد الناس (ممثلوهم) من العلماء والعرفاء وأهل الرأي والنظر والحكمة، وقد يقتضي الحال أن يدخل فيهم رؤوس أهل الشوكة كقادة الجيش.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

العنف دخيل والسلم فينا أصيل

أكثر قبائلنا مسالمة طبعاً، والعنف في بعضٍ سببه الجهل مع قابليّة لما في خصال جبليّة حميدة من نقصٍ، ولا تكامل بدون نقائص وميزات.
العنف في السودان إما طاريء أو وارد، فطبيعة غالب السودانيين المسالمة والمسامحة.
وقد ظهرت أقلام مأجورة وأخرى متهوّرة عجولة تثير النعرات القبليّة والشعوبيّة بسبب أخطاء تكررت من شعبٍ من شعوبنا السودانيّة.
وهدف الأعداء تقسيم أمّتنا السودانيّة بعد أن فشلت خطّة التبديل والإحلال.
بحجّة التخلّص من أسباب أزمة كان الأعداء والعملاء والمتهوّرون وقوداً لها!
أفلا نتعظ بدعم الجنوب حركات متمرّدة في دارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق بعد انفصاله؟
وكنت ممن توقع ما حدث بعد انفصال الجنوب قبل انفصاله [١]، وذكرت من أسبابه؛ استغلال الفقر للتجنيد، والمطامع للتفريق، وانتشار السلاح لإثارة الحروب، وأنّ العدو الإسرائيلي يعلم أنّ استقرار ونمو أيّ دولة تنتمي شعوبها للأمّة المسلمة عامّة والعربيّة خاصّة مهدّد لوجوده العدواني [١].
ولا ينبغي إنكار حقيقة تكرر العنف من بعض شعوبنا، فالإنكار يعين الأعداء والمتهوّرين في وصمنا بالجحود أو السطحيّة.
ولا سبيل لإنكار حقائق تاريخية تناقلتها الأجيال بالتواتر فضلاً عن حاضر مشاهد مرئي برؤية العين أو رؤية العلم بالنقل المتواتر.
فإبطال باطلهم يكون ببيان أنّهم يلبسون الحق بالباطل ويريدون باطلاً بكلمة الحق فيحرّفون المعاني.
لا أصالة للعنف في الناس.
فالعنف المشاهد في بعض القبائل هو بسبب الجهل مع قابليّةٍ للعنف بسبب نقصٍ طبيعي في خصال قد تكون حميدة.
وبالمثال يتّضح المقال؛ فالرحمة والندم الحاملان على ترك عقوبة المجرم خصلتان ذميمتان.
قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ومن يفخر بأنه لا يستطيع ذبح دجاجة مسيء للظن بالرسول ﷺ الذي كان يذبح بنفسه برحمة، وقد أمر بأن يحد الذابح شفرته ويريح ذبيحته.
وقد قال المنظرون عن شخصيّة السايكوباث (تصنيف بمنظور نفسي) أنها ليست سيئة في أصلها الفطري.
والسايكوباث هي الشخصية التي فيها قسوةٌ ونقصُ شعورٍ بالذنب والندم.
والحِكم والمقاصد للأحكام الشرعيّة والكونيّة والعقوبات الشرعيّة ودلالات النصوص والحس مع النظر والتأمل تدل على صحة كلام هؤلاء المنظرين.
فالقسوة الجبليّة لا تعني انتفاء الرحمة، بل قد يكون صاحبها أرحم ممن يبدو رحيماً، لتنوع الرحمة ومواضعها.
ونقص الشعور بالندم لا يعني انعدامه، ولا يستبعد أنه مجرد هروب منه لشدته مع ضعف قدرة على التحكم فيه عند هذه الشخصية.
فإن الحزن يهد الطاقة، ولذا استعاذ منه رسول الله ﷺ.
فقد يحتاج السايكوباث لرعايةٍ خاصّةٍ ترشده إلى التوسّط في الندم بعدم إماتته ولا إرساله لدرجة ممرضة.
ولا تكامل بدون نقائص وميزات في كلّ فردٍ وقبيلةٍ وشعبٍ وأمّةٍ.
فمن ليس فيه نقص لا يحتاج إلى غيره، ومن ليست فيه ميزات لا يحتاج غيره إليه.
فلكلّ فردً بصماتٌ فيزيائيةٌ تؤثّر في خصاله وسلوكه.
فكما توجد بصماتٌ لكلّ فردٍ في بنانه وحباله الصوتيّة وجيناته، فلكلٍّ بصمات نفسيّة وعقليّة.
ولذا كان لكلّ إنسانٍ بصمةٌ في الحياة، وكان موت العالم نقصٌ في الأرض.
ولأن بعض الصفات الوراثيّة مشتركةٌ، فإنّ لكلّ قبيلةٍ وشعبٍ وأمٍّة ميزاتٌ ونقائص مثلما للأفراد.
والتنوّع هو مصدر قوّة الأمم إذا أحسنت استغلاله.
فمن أسباب تقدم أمريكا ما فيها من تنوع في شعوبها وإسهامات كلٍّ، بمن فيهم مهاجرون جدد، كالهنود.
وقد فطنت أمم فيها نقص في الإنجاب لأهمية التعدد فحرصت على تنويع قدرات الأفراد والشعوب والقبائل المهاجرة إليها.
وفي أمريكا سياسة هجرة مع أنّ عدد سكانها أكثر  من ٣٠٠ مليون.
وسياسة الهجرة في أمريكا ليست عشوائية، بل فيها مراعاة للتنوع، ففيها حصص محددة للشعوب.
ويلاحظ أن الموارد الطبيعية موزعة مثل البشرية في الديار والأوطان ليتكامل الناس بالتجارة وتبادل المنافع، لا ليقتتلوا ويتحاربوا.
والتنوع في القدرات والذكاء مع التفاوت فيهما كمالاً ونقصاً يدفع الغرور واحتقار الآخرين ويحمل على التعاون وتوقير الآخرين والتشاور في المشتركات والميزات [٢].
وممّا يدفع كبر الإنسان واعتداده برأيه معرفة أن فيه نقائص.
وممّا يدفع حسده وشعوره بالنقص معرفة أن له ميزات.
ومعرفة نقص وميزات الآخرين تدفع العصبية الجاهلية.
فالعصبيّة القبليّة والشعوبيّة قد تكون بسبب تميّزٍ في خصالٍ مع ازدراء الآخرين أو شعور بنقصٍ وحسد.
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾.
وقال رسول الله ﷺ: ((من تعزّى بعزاء الجاهلِيّة، فأعِضّوه بهنّ أبيه، ولا تَكْنُوا)) [٣].
وقد علّل الله تعالى وجوب الصلح بين المسلمين بأخوة الإيمان حتى بعد الاقتتال وإرغام الفئة الباغية للرجوع إلى أمر الله بقتالها.
قال الله تعالى: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (۹) إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون﴾.

العنف الطاريء 

في طبع معظم القبائل السودانية ميل للمسالمة والمسامحة.
وأذكر في انتخابات ما بعد نيفاشا أن قال لي أحد الإخوة؛ سيحدث عنف في الانتخابات، فهذا ما كانت تردده أحزاب قحت الحالية في الإعلام بمن فيهم من انفصل في الكتلة الديمقراطية، وكانت قحت تعرف وقتها بالتجمع.
 فقلت له؛ (بل لن يحدث عنف لأنه ليس من شيمنا، ولأن أحزاب الشمال التي استوردت العنف تركته، ولا أستبعد أن يحدث عنف من جنوبيين بسبب سيطرة الحزب الشيوعي على الحركة الشعبية، وهو حزب معروف بالعنف والتصفيات الجسدية وقتها).
وبعد الانتخابات قال لي الأخ وهو جراح عظام؛ صدق كلامك، فقد كان الذين يأتوننا في المستشفى للعلاج جنوبيون.
وأظن أن معظم قبائل الجنوب - إن لم يكن كلها - ليس فيها عنف بطبعها، فطبيعة الحياة السهلة الغنية بالموارد الطبيعية حيوانية ونباتية تمنع العنف والعدوان غالباً.
والقبائل السودانية التي فيها عنف أيام جاهليتها فيها خصال كريمة.
ولم أكن قبل الحرب أعرف شيئاً عن نسب شعب العطاوة (أولاد جنيد) المنتشر في إقليمي كردفان ودارفور غربي السودان.
وقد رأيت في قبائل هذا الشعب خصالاً حميدة، ففيهم من حسن الخلق والشجاعة والكرم ما قد لا تجد مثله في غيرهم.
وكل شعب من شعوب البشر فيه خصال حميدة نادرة [٤].
ويجتمع كل البشر في كونهم بني آدم، وقد جعلهم الله تعالى خلفاء الأرض.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾.
والراجح في فضل البشر أنهم أفضل من الملائكة في الجنة، وأن الملائكة أفضل في الدنيا.
قال رسول الله ﷺ: (إنَّ الله عز وجل قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم وآدم من تراب، ليدعنَّ رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن).
وطبيعي أن تتعدد خصالنا، فالسودانيون شعوب وقبائل متعددة بينها دم (رحم بعيد).
وقد وصى النبي ﷺ بالشعوب التي بينها رحم بعيد في قوله: (إذا افتتحتم مصر فاستوصوا بالقبط خيراً، فإن لهم ذمة ورحماً)، رواه مسلم بلفظ مختلف.
وتجمعنا ذمة واحدة هي ميثاقنا الوطني المبني على الإسلام باختيار غالبنا وإن رغمت أنوف.
ونحن أمّة واحدة لأنّ لنا أهداف مشتركة، فالأمّة من أم الشيء إذا قصده، فالأمة هي التي لها مقاصد مشتركة.
ونحن قوميّة واحد، لأن لنا جوامع واحدة نقوم لها، فالقوم من القيام، فالقوم من لهم روابط جامعة يقومون لها.
ونحن تجمعنا روابط الدين والدم والذمّة والأوطان الحقيقية التي يضمها وطننا السياسي الذي هو ذمتنا.
وأكثر قبائلنا مزيج عربي إفريقي، وإنما عد بعضها إفريقي والآخر عربي لأن النسب من جهة الأب [٥].
وأظن في سبب اعتبار النسب من جهة الأب أنه مؤثر في الجوانب السلوكية، كصفة الهدوء.
والرحم من جهة الأم أولى بالصلة لأن الأم أولى بالصلة.
وأهم ما يجمعنا هو الدين، فمحبته في قلوبنا فوق محبة مساكننا فضلاً عن أوطاننا الحقيقية (بلد المولد والنشأة والعشيرة) ووطننا السياسي (ذمتنا)، وهو أحب إلينا من أبنائنا فضلاً عن قبائلنا وشعوبنا.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾.

العنف الوارد 

أما العنف الوارد فقد زال بفضل الله تعالى.
وكان وروده بسبب أحزاب سياسية واردة، وهي؛ الحزب الشيوعي، وحزب البعث، وحزب الإخوان المسلمين.
وكانت تحدث تصفيات جسدية بين الشيوعيين والحركيين في الجامعات حتى عرف بعضٌ بالسيخ والعصي.
وليس في تاريخ الأحزاب السياسية التقليدية عنف في الجامعات، وما حدث من عنف فيها كان طارئاً أيضاً، كالذي حدث من التعايشي.
والمتصوفة ليس فيهم عنف غالباً، بل يسمي بعضهم الجهاد بالجهاد الأصغر، وإن كانت صفة غير مطّردة، فطالبان أفغانستان وأنصار المهدي متصوفة.
وليس في تاريخ أنصار السنة عنف، ولم يقابلوا العنف ضدهم بمثله.
والحركات المتمردة التي غزت الخرطوم لم يعرف عنها استهداف المواطنين العزل.
فعندما دخلت حركة خليل إبراهيم الخرطوم لم تعتدي على المواطنين العزل.
والجبهة الوطنية (المرتزقة) لم تروع المواطنين العزل، وهم أحزاب سياسية غزت الخرطوم من ليبيا، وكانت معارضة للنميري.
ومع اختلاف الدين فإن صلة جنوبيي السودان بالشماليين لم تنقطع، وبلغني أنهم رحبوا بفارين من الحرب الحالية.
وأخطاء بعض القادة والعامة كانت من أسباب انفصال الجنوب إضافة للأسباب الرئيسية، ولو ألف هؤلاء القادة قلوب غير المسلمين من الجنوبيين للإسلام لكان خيراً.
وقد قال لي جنوبي نصراني قبل اتفاقات نيفاشا - وكان عضواً في الجبهة الشعبية لتحرير السودان - قال لي بأن الجبهة الشعبية بقيادة جون غرنغ وجدت رفضاً للتمرد في بداياتها ولسنوات عديدة.
فقال؛ عندما كنا نذهب لقبائل في قرى الجنوب لنخبرهم بعداوة وعنصيرة الشماليين المسلمين العرب كانوا يكذبوننا بل ويحاربوننا، ويقولون لنا عبر رؤساء قبائلهم؛ لا نعرف عدواً غيركم، وأنتم تريدون خيراتنا وتجنيد أولادنا، وقال؛ لم يكونوا يعرفون شيئاً عن شمال السودان.
وقد كانت في العرب أخلاق حسنة قبل الإسلام.
وفي الأوربيين (الرومان) خصال حسنة ذكرها عمرو بن العاص رضي الله عنه.
قال المستورد بن شداد عند عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (سمعت رسول الله ﷺ يقول: تقوم الساعة والروم أكثر الناس، فقال له عمرو: أبصر ما تقول، قال: أقول ما سمعت من رسول الله ﷺ. قال: لئن قلت ذلك إن فيهم لخصالاً أربعاً: إنهم لأحلم الناس عند فتنة، وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة، وأوشكهم كرة بعد فرة، وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف، وخامسة حسنة جميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك) [٦].
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

١. جنوب السودان وحدة أم انفصال؟
٢. تنوع الذكاء والقدرات.
٣. صححه الألباني في تخريج مشكاة المصابيح (٤٨٢٨).
٤. ولم يستح إنسان من أصله.
٥. الكوشيون أخوال عُربنا.
٦. صحيح مسلم (٢٨٩٨).

قتال المدني

ملخص؛ لا يقاتِل المدني إلا دفاعاً عن نفسه وماله وعرضه وعند عدم القدرة على التحيز أو عند الاحتياج وخشية فوات مصلحة.
الأصل في المدنيين أن يكتفوا بالدفاع عن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم.
وذلك لما في مشاركتهم في القتال بدون تدريب على حمل السلاح وفنون القتال من إلقاء أنفسهم إلى التهلكة.
وعليهم بتدريب أنفسهم ليكون دفاعهم عن أنفسهم أبلغ.
وإذا قدَّر مدنيون أن صد متمردين عن أحيائهم السكنية مقدور عليه وأن الانتظار يفوِّت مصلحة صدهم جاز لهم صدهم.
ولكن هذا خلاف الأصل فحذار من التهور.
يدل على الجواز عند الاحتياج ما رواه مسلم وغيره من فعل سلمة بن الأكوع رضي الله عنه، فإنه قاتل المشركين دون إذن فأثنى النبي ﷺ على فعله بقوله: (كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة) [١].
وذلك عندما أغار المشركون على ظهر رسول الله ﷺ (إبله) في المدينة فاستاقوها معهم، فتبعهم سلمة رضي الله عنه يرميهم بسهمه لوحده، وكلف قبل ذلك رجلاً اسمه رباح أن يخبر رسول الله ﷺ بأمرهم، فما زال بهم حتى تركوا كل الإبل، فترك الإبل خلفه وظل يتبعهم حتى لحقه فوارس رسول الله ﷺ.
قال ابن قدامة رحمه الله: (ولأنَّهم إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه، فإذا ثبت هذا فإِنَّهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول إليه وهو أعلم بكثرة العدو وقِلَّتهم، ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يُرجع إلى رأيه لأنَّه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذَّر استئذانه لمفاجأة عدوِّهم لهم، فلا يجب استئذانه، لأنَّ المصلحة تتعيَّن في قتالهم والخروج إليه لتعيُّن الفساد في تركهم، ولذلك لما أغار الكفَّار على لقاح النبي ﷺ [٢] فصادفهم سلمة بن الأكوع رضي الله عنه خارجاً من المدينة فتبعهم فقاتلهم، من غير إِذن فمدحه النبي ﷺ وقال: خير رجالتنا سلمة بن الأكوع وأعطاه سهم فارس وراجل) [٣].
وأما الدفاع عن النفس والمال والعرض، فلا يشترط له شرط، وقد نص الفقهاء على ذلك.
بل يجب على الإنسان أن يدافع عن عرضه ونسائه وأطفاله ولو بماء أو عصاً أو حجر.
وأذكر أنه عندما اعتدى المتطرف النصراني السفاح على مسجد في نيوزيلندا كتبتُ أبين خطأ من أراد الهروب من الشباب تاركاً خلفه العجزة والأطفال فقُتل أثناء هروبه، وقلت كان واجبهم مقاتلة هذا الجبان ولو برشه بماء.
ثم حدث اعتداء بعدها على مسجد في النرويج من شاب في عمر العشرين لو أذكر جيداً، فتصدى له سبعيني أفغاني، ولم يزد على أن فقأ عينه بأصبعه، فولى السفاح المتطرف هارباً رغم أنه كان يحمل السلاح وكان الأفغاني أعزلاً، ونجى الله تعالى بفضله ثم هذا السبعيني مسلمي ذاك المسجد من مهلكة.
والتالي هو مقال سفاح نيوزيلندا؛

سفاح نيوزيلندا ودفع الصائل

قال ابن تيمية رحمه الله: (فالعدوُّ الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم) [٤].
عندما يقترب إنسان من دجاجة معها صغارها فإنها تننتفش وتهجم عليه غير هيابة ولا وجلة، وترى الرجل القوي الشديد يرجع القهقرى خوفاً على عينيه من دجاجة.
يجب دفع الصائل الذي يفسد الدين والدنيا بأي شيء اتفق، ولو بحصاة أو ماء على عينيه، ولا يجوز الاستسلام في حال غلبة الظن بضرر أعظم.
وليس من المروءة الهروب في مثل هذه الحالة وترك العجزة من الكبار والنساء والصبيان.
وإنما يسوغ الفرار إذا أمكن التحرز بالعجزة والنساء والصبيان إلى مكان آمن أو للكر بعد الفر.
والشجاع هو من يغالب الخوف والوجل وهيبة الموت ويقتحم المهالك دفاعاً عن نفسه وعن المسلمين، وعندما يدافع الصائل واحد من المعتدى عليهم فإن في ذلك تشجيعاً لمن حوله.
ومثل هذا السفاح المجرم أجبن من أن يواجه الجموع، لأن الحق مرعب للظالم، أسأل الله تعالى أن يرينا فيه عجائب قدرته وأن يجعله عبرة لكل معتبر.
وأسأل الله تعالى أن يتقبل القتلى من المسلمين في الشهداء وأن يلهم ذويهم الصبر وحسن العزاء.
وهذا لا يعني أن كل جهاد دفع لا يشترط له شرط كما ذهب لذلك الغلاة.
والله تعالى أعلم.
انتهي مقال سفاح نيوزيلندا.
ولا يكفي تدريب بدون خبرة ومعرفة بفنون القتال.
فقتال البغاة من غير إذن وتدريب لا يجوز في الأصل، ويجوز عند الاحتياج وفوات المصلحة بانتظار الإذن.
والاحتياج افتعال من الحاجة، والحاجة تقدر بقدرها كالضرورة.
ولا يجوز تحريض القبائل درءاً للفتنة وحفاظاً على شرعية القضية وقوميتها.
واستنفار الجيش المدنيين إذا صح ليس ضعف قدرات، لأنه في حدود دفاع المدني عن نفسه وحيه السكني وبإشراف خبراء، وليس في البيان الرسمي تحريض القبائل ولا تعميم المشاركة في القتال.

تعريف المدني شرعاً

سئلت عن تعريف المدني فأجبت بالتالي؛
مصطلح المدني حديث، ولكن حقيقة المسألة متصورة منذ القرن الأول.
فمثلاً قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ما معناه أن القتال على الجند أوجب للعهد والرزق (الراتب) معناه أن وجوبه على المدني أقل درجة، فالجندي عاهد الله ثم قيادته والناس على الدفاع عن الدين والأرض والناس وممتلكاتهم.
وأول من أعطى العطايا للجند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان المقاتلون يعطون من الغنيمة.
وكان كل الناس مقاتلين في عهد الرسالة، ولكن النبي ﷺ ما كان يستنفر كل المقاتلين في كل حال.
ولي مبحث حول تحريم قتل المدنيين من الكفار بعنوان؛ استهداف المدنيين والمعاملة بالمثل.
والكلام ميسر دون تكلف، والحد (الجامع المانع) جيد للمختصين لا سيما النصوص القانونية لأنه أضبط، ولو أريد بالحد عدم التداخل فإنه لا يوجد إلا في الأذهان.
وورد في السنة التعريف بالمثال، والقرآن ميسر للذكر وللفهم، بلغة الناس وليس بلغة المختصين، وكان البيان النبوي ميسراً، كالبيان بالعمل في الوضوء والصلاة والنسك، "من توضأ نحو وضوئي هذا"، "صلوا كما رأيتموني أصلي"، "خذوا عني مناسككم".
والله تعالى أعلم.

جهاد المتمردين بالنفس من مشابهات الواجبات

ملخص؛ جهاد المتمردين مشابه لفرض العين، ومشابهات الواجبات لا تجب على الأعيان، وإنما تجب على الأقرب فالأقرب.
الجهاد فرض كفاية، وفرض الكفاية هو ما يسقط بقيام بعض به عن الآخرين.
واجبات الإسلام العينية في باب العبادات لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة على الأرجح.
وما سوى ذلك من الواجبات العينية إما أنها تتعلق بأحكام المعاملات مثل النفقة على الأرحام، أو أنها تبع لغيرها، كطلب العلم العيني، وكوجوب حضور الجمعة والجماعة، وكوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
الأدلة على أن الواجبات التعبدية الشعائرية العينية لا تتعدى أركان الإسلام الخمسة كثيرة، منها؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ (أن أعرابياً جاء إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده، لا أزيد على هذا شيئاً أبداً، ولا أنقص منه، فلما ولى قال النبي ﷺ: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة، فلينظر إلى هذا)، متفق عليه واللفظ لمسلم [٥].
 فالجهاد فرض كفاية.
وفرض الكفاية هو ما يسقط وجوبه بقيام عدد كاف به عن الآخرين.
ولأن الكفاية لم تكتمل في جهاد المتمردين بالنفس في العاصمة لكثرة عددهم، فهو من المشابهات التي تشبه فرض العين  [٦].
ومشابهات الواجبات لا تجب على كل الأعيان لما في ذلك من تعطيل المشابهات الأخرى، وإنما تجب على الأقرب فالأقرب من جميع الجوانب كالجندية والقدرة الجبلية والعمر والاستعداد والمكان. 
ووجود مشابهات الواجبات أكثره بسبب عدم حصول الكفاية، وما أكثر النقص في أداء فروض الكفايات!
فمن أمثلة مشابهات فروض الأعيان طلب العلم الشرعي الكفائي، لأن الكفاية لم تحدث، فالمسلمون بحاجة إلى طالب علم كبير للإفتاء في كل مسجد، فالمفتي بحاجة إلى معرفة حال المستفتي وليس فقط حال البلد.
فهذا لا يعني أن طلب العلم الشرعي الكفائي واجب على كل مسلم، فثمة واجبات كفائية أخرى لم تحصل الكفاية فيها.
ومن الناس من يحسن غير العلم من الكفائيات أكثر، فيجب أن يسد كل مسلم ما يليه من ثغرات متعلقة بفروض الكفايات.
والجهاد بالنفس يجب على الجند أكثر من غيرهم بسبب العهد والرزق (الراتب)، قاله ابن تيمية رحمه الله.
فالجندي عاهد الله ثم قيادته والناس على الدفاع عن الدين والأرض والناس وأعراضهم وممتلكاتهم.
وأول من أعطى العطايا للجند عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وكان المقاتلون يعطون من الغنيمة.
وكان كل الناس مقاتلين في عهد الرسالة، ولكن النبي ﷺ ما كان يستنفر كل المقاتلين في كل حال.
وقد ذكر ابن تيمية رحمه الله ما يُستخرج منه أن فعل المشابهات التي تُشبه الواجب آكد من ترك الشبهات التي تشبه الحرام، وذلك لأنه حقق أن جنس فعل الواجبات أهم من جنس ترك المحرمات.
ولأنه حقق أن الورع المستحب والواجب هو ترك ما يُخشى أن يكون سبباً للذم والعقاب في الآخرة، وأن العقاب يترتب على ترك الواجب كما يترتب على فعل المحرم.
فنحن في سفينة، إن تركنا بعضنا يخرق فيها خرقاً ولو كان من نصيبه هلكنا جميعاً، وإن أخذنا على يده نجونا جميعاً.
وأغلب القتال في زماننا عن طريق الآلات، فيجب اعتبار الحال، ومن يعتمد على مجرد النقل دون اعتبار الحال يفسد أكثر مما يصلح.
والأصل في أحكام الجهاد أنها مصالح مرسلة إلا لنص، ولذا يكثر فيها اختلاف الفتوى باختلاف الأحوال.
قال ابن القيِّم رحمه الله تعالى: (ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأمكنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب من كتب الطب على أبدانهم، بل هذا الطبيب الجاهل وهذا المفتي الجاهل أضرُّ ما على أديان الناس وأبدانهم والله المستعان) [٧].
وقال في باب تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيّات والعوائد: (هذا فصل عظيم النفع جداً، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، أَوجب من الحرج، والمشقة، وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أنَّ الشريعة الباهرة، التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به:
فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم، ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، ومصالح كلها، وحكمة كلها:
فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور، وعن الرحمة إلى ضدِّها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أدخلت فيها بالتأويل.
فالشريعة عدل الله بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه، وعلى صدق رسوله ﷺ) [٨].
ومن لم يستطع القتال بنفسه وماله، وجب عليه الدفاع عن البلد بدعائه وكلمته ونحو ذلك.
والله تعالى أعلم.
عمر بن عبداللطيف المَحنَوي
الجمعة ٦ ذوالقعدة ١٤٤٤هـ، ٢٦ مايو ٢٠٢٣ش
لوند، السويد.

مصادر وملاحق

١. صحيح مسلم (١٨٠٧).
٢. اللقاح هي النوق المرضعات.
٣. المغني (ج١٣/ص٣٣-٣٤).
٤. الفتاوى الكبرى (ج٥\ص٥٣٨).
٥. صحيح البخاري (١٣٩٧) وصحيح مسلم (١٤).
٦. الواجبات العينية ومُشابهاتها.
٧. إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج١/ص٥٢)، تحقيق؛ مشهور، دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، ١٤٣٣هـ.
٨. إعلام الموقعين عن رب العالمين (ج٤/ص٣٣٧)، الطبعة السابقة.